إرادة الله في حياة الإنسان |
- المقدمة: لمن يظهر الله مشيئته؟
- الفصل الأول: إرادة الله هي للجميع
- الفصل الثاني: إرادته هي دائماً الأفضل
- الفصل الثالث: إرادة الله اختبار دائم
- الفصل الرابع: كيف نعرف إرادة الله؟
- الفصل الخامس: لتعرف إرادة الله ادرس الكتاب المقدس
- الفصل السادس: لتعرف إرادة الله صلِّ
- الفصل السابع: إرادة الله موجودة لحياة كل إنسان
- الفصل الثامن: المسيح وإرادة الله
- الفصل التاسع: مبادئ كتابية لمعرفة إرادة الله؟
- الفصل العاشر: معرفة إرادته تبني إيماننا
- الفصل الحادي عشر: حرية الإنسان وإرادة الله
- الفصل الثاني عشر: طرق إعلان إرادة الله
- مسابقة لكتاب: إرادة الله في حياة الإنسان
المقدمة: لمن يظهر الله مشيئته؟ | ||
لمن يظهر الله مشيئته، ولمن يعلن إرادته؟!!
لمن يسمع الله ويستجيب، وبمن يظهر مسرته؟!!
يعلن الله ما يتوافق مع إرادته لمحبيه الذين يحيون معه في عشرة مقدسة، الذين يطرقون أبوابه كل حين مصلين شاكرين، ويسيرون معه كل حين حاملين الصليب متحمّلين مشاق الطريق الضيق الكرب..
أولئك الذين يحبونه فلا يفصلهم عن محبته شدة أو ضيق، يتبعونه في الصحة والمرض.. في النوح والأفراح.. في الضيقات والمسرات.. في الجوع والشبع.. إن قلوبهم تتبعه كل حين. أولئك هم محبوه!!
أولئك الذين يسعون وراءه ليس من أجل الخبز الجسدي والحياة الأرضية، بل الذين يتطلعون إلى الحياة الأبدية مقتاتين من الخبز السماوي.. أولئك الذين وهبوه المتّكأ الأول في قلوبهم، وبكور حياتهم وأوقاتهم. أولئك هم محبوه!!
أولئك الذين يحفظون وصاياه ويعملون بها ويستضيئون بنورها.. أولئك الذين يبحثون عن شهاداته ولا يزدرون بأقواله، بل سلكوا كمثاله، ينحنون على الضعفاء ويشاركون الفقراء.. الذين يملكون ولكنهم لا يمتلكون.. أولئك الذين هم أمناء على وزناته.. الذين يعملون بأمانة ولا يبالون بإهانة..
أولئك الذين إليه بقلوبهم التائبة يقتربون، وبدموعهم الصادقة يغتسلون، ولحضنه الدافىء يرجعون.. هؤلاء يسمعهم ويلتقط أنات قلوبهم.. أما أولئك الذين في خصام معه فلا يسمعهم، لأن الشيطان يمسك بآذانهم.
يا من تبحث عن معرفة ما يتوافق مع إرادة الله.. أقول لك:
اصطلح أولاً مع الله.. ليكن بينك وبين الله عمار، وهنا يسمعك الله ويمطرك بوابل من حبه وإجاباته.. من هنا كانت الوصية واضحة صريحة:
«فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللّٰهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللّٰهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ. وَلا تُشَاكِلُوا هٰذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ» (رومية 12: 1 و2).
الفصل الأول: إرادة الله هي للجميع | ||
لنذكر، ونحن نبدأ هذه الدراسة معاً، أن الله يريد أن يبدأ مع كل واحد منا شخصياً حيث نحن، وأن يرشدنا إلى حيث يريدنا أن نسير.
فهل تقبل أن تسمح لله بأن يبدأ معك حيث أنت؟ وهل تطلب أن تعرف إرادته بكل طريقة ممكنة؟ هل تجعل قلبك وعقلك يظلان مفتوحين لقيادة الروح القدس؟ هل تقرأ هذه الفصول المختصرة بعناية وبروح الصلاة، طالباً من أبينا السماوي، أن يعلن لك إرادته وغرضه، في كل ناحية من نواحي حياتك؟
إن اختبار المسيحيين البالغين يشير إلى وجود معركة داخلية في باطن كل منا. هناك معركة بين الطبيعة الجسدية «السفلى» والطبيعة الروحية «الأسمى». يوجد نزاع بين إرادتنا المفدية والتي لا يزال فيها الإنسان العتيق، وبين إرادة الله. هل أنت شاعر بهذا النزاع داخل نفسك؟ لا تعجب من هذا، ولا تفشل ولا تستسلم يائساً لجذب الطبيعة السفلى.
الدعوة: إن دعوة يسوع الأساسية كانت ولا تزال، هي: «اتبعني. وجَّه يسوع هذه الدعوة لبطرس في بدء حياته معه (مرقس 1: 17)، ووجهها أيضاً له في ختام حياته معه، (يوحنا 21: 22). وهذه الدعوة التي وجهها المسيح لبطرس وسائر التلاميذ، ما تزال هي دعوة السيد لكل تلميذ في كل عصر. هي دعوته لك ولي. تأتينا أولاً في اختبار الخلاص. ويلازم هذا الإختبار دعوة لاتِّباع المسيح اتباعاً معه نجعل لإرادته وطريقه المكان الأول في حياتنا.
إن الدعوة لاتباع المسيح ليست هي الدعوة البدائية فقط، بل هي الدعوة المستمرة. لأنه ليس أحد منا يتبعه اتباعاً وثيقاً أو اتباعاً كاملاً كما يجب. وإذ نستجيب لدعوة يسوع هذه سنكتشف فيها أعماقاً أبعد ومعنى أقوى مما توقعنا. وسندرك أكثر فأكثر أنها تعني السير في نفس الطريق التي سار فيها يسوع نفسه، طريق الطاعة التامة لإرادة الآب. وفي هذا ما يحثنا على النمو المستمر إلى منتهى رحلة الحياة.
المهمة المفوضة: عندما نقبل دعوة يسوع، نجد أنها قد أصبحت أمراً بل مهمة مفوضة. كانت دعوة يسوع الأساسية «تعال اتبعني» فأضحت دعوته الختامية «اذهب». ولا عجب، فقد كان الإتيان إلى يسوع تمهيداً للذهاب.
إن ما نسميه «المهمة العظمى» (متى 28: 18 - 20) وهي التي تتضمن أوامر السير لكل شخص) مسيحي، ولكل كنيسة، هي دعوة المسيح الصريحة لإطاعة غرضه، وخطته لربح العالم. وجزء مهم في هذه المهمة هو «عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ» (متى 28: 20). وتنطوي الكلمتان «أن يحفظوا» على معنى «أن يمارسواِّ» جميع ما أوصيتكم به. فقد صدر إلينا الأمر كتلاميذ، لا أن نطيع وصايا المسيح فقط بل أيضاً أن نعلم الآخرين أن يطيعوها.
وقف يسوع بعد قيامته، في إحدى ظهوراته، وسط دائرة تلاميذه الداخلية الخاصة وهم خائفون ومتحيرون، وقال لهم «سَلامٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِي ٱلآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا» (يوحنا 20: 21). هو أرسل ونحن أيضاً نرسل. هو أرسل إلى العالم ليفعل إرادة أبيه، ونحن نرسل لنفعل إرادته هو. هو أرسل ليعلن الآب، ونحن نرسل لنعلنه هو. كان هو الله متجسداً. ويجب أن نكون نحن المسيح متجسداً. هو أرسل ليفتدي الإنسان، ونحن نرسل ليكون لنا تأثيرنا الفادي بين الناس. ونحن نعلنه ويكون لنا تأثيرنا الفادي لأجله على قدر ما نتبعه فقط، وعلى قدر ما نسمح له أن يحيا فينا وأن يعلن ذاته بواسطتنا.
التحدي: إن دعوة المسيح ومهمته المفوضة تطالباننا بأن نقدم أفضل ما لدينا، ونكون أفضل ما يمكننا أن نكون لأجله. إنه لا يريد أتباعاً فاتري الهمة، ضعفاء الرغبة. لقد كانت نصيحته: قف واعمل حساب النفقة، فما لم تكن راغباً أن تدفع الثمن فخير لك أن لا تبدأ في اتِّباعيِّ. ما من زعيم شعبي قدم لشعبه تحدياً مماثلاً لهذا.
هل شعرنا بتحدي دعوته؟ وأهم من ذلك، هل لبينا دعوته؟ إن المسيح لا يأمر بتجنيد أتباع غير راغبين. بل هو لا يقبل سوى المتطوعين. فيجب أن لا نقتنع بأن نكون مسيحيين اسميين أو مسيحيين عاديين. إن ضعف كثيرين ممن يدَّعون أنهم أتباعه وترددهم يُلحقان أضراراً كثيرة برسالة المسيح. نحتاج أن ندرك بأشد وضوح أننا مدعوون، ليس فقط إلى قبول المسيح مخلصاً لنا، بل إلى قبوله رباً لحياتنا.
إن كان المسيح رباً لنا، وهو ربنا طبعاً إن كنا من أتباعه، فنحن إذاً خدامه أو عبيده، ندين له بولاء تام فوق كل ولاء. وهذا يعني أن كل دائرة في حياتنا ينبغي أن تكون تحت تصرفه، وأن توضع تحت إمرته. إن أجسادنا هي له. نستخدمها لمجده (1 كورنثوس 6: 12-20) ونقدمها له «ذبائح حيّة» رومية 12: 1). وعقولنا وكل مكنونات شخصياتنا هي ملك له، تُكرَّس لإرادته، ولتحقيق غايته. وهذا يجعلنا نطلب أولاً ملكوت الله (متى 6: 33) ونعتبره اللؤلؤة الكثيرة الثمن، والكنز المخفي في حقل، ونرضى أن نبيع كل شيء في سبيله (متى 13: 44 - 46). هذا هو التحدي! فما هو جوابنا عليه؟
الثمن: إن اتخذنا هذا التحدي بطريقة جدية، وصممنا أن نفعل إرادة الله، وأن نطلب ملكوته أولاً، وأن نجعل المسيح رباً لحياتنا، فسنكتشف، حتى في أيامنا هذه، أن الثمن أغلى بكثير مما تصوره بعضنا. ولا يدهشنا هذا الأمر. فإن المسيح الذي جاء ليتمم إرادة الآب، كان عليه أن يسير إلى الصليب، في طريق جثسيماني. إن جعلنا إرادة الله إرادتنا، وسلكنا الطريق الذي سلكه يسوع، فسيقودنا هذا الطريق إلى الصليب، إذ أن الصليب هو العلامة الدائمة للتضحية وإنكار النفس الطوعي الفدائي. قال ديتريش بونهوفر المسيحي الألماني الشهير، الذي قُتل في أثناء الحرب العالمية الثانية، قبل أن يكمل أربعين عاماً من العمر، قال إن المسيح عندما يدعو إنساناً لاتِّباعه، يدعوه أن يأتي ويموت. وبعبارة أخرى، الصليب جزء لا يتجزأ من دعوة يسوع الأساسية، ومن دعوته المستمرة.
وقال بونهوفر أيضاً «إن النعمة الرخيصة هي ألد أعداء التلمذة الحقيقية. ومن دلائل هذه النعمة الرخيصة، الفكر المنتشر انتشاراً مريعاً، والقائل بأنه يمكن قبول المسيح مخلصاً دون قبوله سيداً ورباً وهو قول مرفوض أساساًِّ».
كثيرون منا لا يفكرون في معنى التتلمذ للمسيح إلا تفكيراً محدوداً جداً. فالتلميذ عندهم هو طالب يتعلم من معلمه. أما بخصوص معلمنا أو سيدنا. فأفضل سبيل للتعلم هو أن نسلك الطريق التي سلكها، طريق إنكار النفس والتضحية. وكم من مرة ذكر المسيح أنه لم يأت ليفعل إرادته بل إرادة الذي أرسله.
كانت إرادة الله محور حياة يسوع. ففي جثسيماني صلى قائلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ، وَلٰكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ» متى 26: 39). هذه هي الصلاة في أسماها وأفضلها. لقد تم الصلب داخلياً فيه. فكان مستعداً لكل ما سيأتي عليه.
لقد قبل إرادة الآب بالكمال والتمام في بستان جثسيماني، كما قبلها على الصليب. فإذا سلكنا الطريق الذي سلكه يسوع، فسيؤدي بنا إلى جثسيماني، فالجلجثة. وسنكتشف أن الصليب ليس فقط حيث صُلب المسيح، في مكان بعيد على الجبل، بل يصبح الصليب اختباراً حياً في حياتنا.
النتائج: قد يقول بعضكم «إني لا أعرف عدداً يذكر من المسيحيين، الذين يأخذون الدعوة لاتباع المسيح مأخذاً جدياً. إني لا أعرف كثيرين ممن ينكرون نفوسهم، ويحملون صليبهم، ويتبعون المسيح». وهذا صحيح للأسف الشديد، وهو يعطل عمل المسيح أكثر من أي شيء آخر. يا للعار، فما أقل الذين يحيون كما يجب أن يعيشوا.
أين نحن في سيرنا مع المسيح؟ وليكن السؤال شخصياً بصورة أدق: إلى أي حد تطلب أن تعرف إرادة الله وأن تتممها بأمانة؟ هل أنت تطلب إرادته في كل دائرة في حياتك، بغض النظر عما يقوله الآخرون أو يفعلونه؟
ما أمجد النتائج التي تنجم عن رغبتنا التامة في إتمام إرادة الله، في التعاون معه على تحقيق مقاصده! وهاك بعضها: إننا عندما نتمم إرادته نجد أعظم فرح دائم وسلام مقيم، وندرك شخصياً هذا الإتمام أعمق إدراك. سيكون للحياة معنى أعمق، وهدف أوضح، واتجاه أصح.
إن الدخول إلى ملكوت الله، أو ملكه، أو حكمه، مشروط بعمل إرادته (متى 7: 21). والقرابة ليسوع مؤسسة على عمل إرادة أبيه، «لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي» (متى 12: 50). ثم هناك نتيجة مجيدة أخرى. وهي أنه كلما كنا أكثر طاعة له، صرنا أكثر شبهاً له. إن من مقاصد الله لحياتنا، أن صورته داخلنا، تلك الصورة التي فسدت بسبب الخطية، تُستعاد إلى حقيقتها، وذلك يتم عن طريق اتحادنا بالمسيح. وإعادة هذه الصورة لا تتم بالكمال والتمام إلا عند نهاية سفرة الحياة. عندما نستيقظ بشبهه. إلا أننا سننمو في مشابهتنا له، عندما نسير معه في طاعة متواضعة.
المسؤولية: إن لأبينا السماوي إرادة لنا جميعاً، في كل ناحية من نواحي حياتنا. لكن مسؤوليتنا هي أن نستجيب لهذه الإرادة. هذه حقيقة رائعة، لكنها أيضاً مروعة. إنها حقيقة رائعة، في كوننا أحراراً، لكنها مروعة، إذ نذكر أننا وحدنا مسؤولون عما نفعله بحريتنا هذه. وكلما نمونا في حياة البلوغ المسيحي كأفراد، يصبح من المتعذر علينا أن نلقي بهذه المسؤولية على والدينا أو معلمينا أو أصدقائنا.
إن الله يحترم الإنسان الذي خلقه. لقد أعطاه إرادة، وهو لا يرغمه، ولا يذل إراداته قسراً، لا في الاختبار الأساسي عندما يصبح ابناً لله، ولا في التحدي المستمر الذي تقدمه دعوته على الدوام.
ما أعجب، وما أمجد أن يستطيع كل منا أن يقول مع المرنم «أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلٰهِي سُرِرْتُ» (مزمور 40: 8)!
الفصل الثاني: إرادته هي دائماً الأفضل | ||
الرغبة في الحرية من أعمق رغائب الإنسان. والتعطش للحرية يوضح ما تلاقيه جماهير العالم من قلق واضطراب في عصرنا الحاضر، حيث ينتشر ويشتد بنوع خاص عند الشبيبة. فأنتم معشر الشباب تريدون أن تتحرروا من كل قيد، وتميلون إلى الهياج والسخط على كل القوانين والأنظمة. من الواضح أن أشد الشباب رغبة وأكثرهم صياحاً للتحرر من سلطة الكبار وتأثير الكبار، هم أشدهم خضوعاً وتأثراً بسلطة أترابهم، وانقياداً لآراء خلانهم، وتأثير الجماعات التي ينتمون إليها. فهذه الجماعة التي ينتمون إليها، تقرر الزي الذي يلبسونه، والموسيقى التي يفضلون الاستماع إليها، والكتب والمجلات التي يقرأونها والمحلات التي يرتادونها، كما تقرر أنواع نشاطاتهم ومقاييسهم الأخلاقية بوجه عام.
وسواء انطبق عليك هذا الأمر الأخير أم لم ينطبق، فأنت بلا شك من طلاب الحرية. فهل ترى تجدها في التخلص من كل قيد وشرط؟ هل يوجد فارق بين الحرية والإباحية؟ هل يمكن أن يصبح الإنسان عبداً لعادة التخلص من القيود؟
ترى كيف يجد ابن من أبناء الله حريته الأكمل؟ إنه يجدها داخل نطاق إرادة الله. هل يمنعه ذلك في بعض الأحيان من عمل أشياء يريد أن يعملها؟ إن الجواب بالإيجاب طبعاً. لكن الله لا ينتظر أبداً من أحد أبنائه أن يضحي بشيء، هو أفضل شيء بالنسبة له. إن الإنسان يصبح حراً، بأكمل معنى الكلمة، عندما يصير عبداً للمسيح، ويسلم إرادته لإرادة الله.
هذا لغز من أمجد ألغاز الإنجيل - حرية عن طريق العبودية. «إِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً» (يوحنا 8: 36). إن الحرية المشار إليها هنا، هي أساسياً التحرر من عبودية الخطية. ونحن في أشد حاجة إلى هذه الحرية منا إلى أي شيء آخر. والسبيل الوحيد الذي به يستطيع المسيحي، أو غير المسيحي، أن يتحرر من عبودية الخطية، هو أن يصبح عبداً للمسيح، عبداً للبر (رومية 6: 12 - 23). يقول بولس «فَٱثْبُتُوا إِذاً فِي ٱلْحُرِّيَّةِ ٱلَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا ٱلْمَسِيحُ بِهَا، وَلا تَرْتَبِكُوا أَيْضاً بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ» (غلاطية 5: 1). هل أنت حر حقاً، أم أنت مستعبد لما تفسره بأنه حرية لك؟
يريد بعض الناس أن تكون لهم قوة على غيرهم من الناس. أما المسيحي الحقيقي فيريد أن تكون له قوة مع الناس. إنه يريد أن يؤثر فيهم للخير تأثيراً يقودهم إلى الله. إن سر هذه القوة هو في حضور الله، لكننا لا نستطيع أن نتمتع بحضوره ما لم نسلك داخل نطاق إرادته.
قال المسيح المقام لتلاميذه «أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ ٱلأَعَالِيِ» (لوقا 24: 49). ما هو مصدر هذه القوة؟ الجواب نجده في كلام المسيح الذي نطق به بعد ذلك بقليل: «سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْكُمْ» (أعمال 1: 8).
ترى ماذا كان حدث لو لم يطيعوه ويمكثوا في أورشليم؟ ما كان الروح قد حل عليهم، وما كانت لهم قوة يوم الخمسين.
إن معظمنا لا يتمتعون بقوة في حياتهم لأنهم لا يقيمون في أورشليم حتى تأتي القوة. إن المكوث في التأمل والصلاة أمر من مخلصنا، مثل الشهادة. إننا في حاجة أن نذكر أن القوة الروحية ليست منا، ولا يمكن أن تكون بواسطتنا أو من داخلنا. إنها قوة تنطلق فينا. ولا يمكن أن تنطلق، إلا عن طريق قلوب طائعة وحياة ممتثلة. ما أعظم القوة المختزنة لنا الميسورة لنا، التي تنتظر انطلاقاً منا نحن أولاد الله جميعاً!
إن الله لا ينتظر منا أن نفعل شيئاً لا يعطينا القوة على إتمامه. إنه يعطينا القوة إذا نحن اعتمدنا عليه لنوالها. كثيرون منكم يعرفون هذا ولا شك من اختبارهم الشخصي. فكم من مرة، عندما كنت تتهيأ أن تتكلم، أو تعلّم، أو ترنم، أو تشهد، شعرت بحاجتك إلى معونة الله، وصرفت وقتاً طالباً منه أن يمنحك القوة التي تحتاج إليها، فشعرت نتيجة لذلك بقوته تسري فيك، وتفيض منك. وفي أوقات أخرى لم يكن لديك شعور عميق بحاجتك، واعتمدت على حكمتك ومواردك. فكانت النتيجة أن عرفت في أعماق قلبك أنك قد فشلت بقطع النظر عما ظنه الناس عن نجاحك. ما دمنا نعرف أنه يمكننا أن نحصل على قوة الله. فلماذا نقصر كثيراً في البقاء في حضرته إلى أن ننال قوته؟
لنذكر العبارة التي قالها يسوع «بِدُونِي لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً» (يوحنا 15: 5)، والتي قالها بولس «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقّوِّينِيِ» (فيلبي 4: 13). بدون المسيح لا نستطيع أن نفعل شيئاً. ولكن بالمسيح نستطيع أن نفعل أي شيء ينتظر منا أن نفعله. وهنا رجاؤنا وظفرنا. إن المسيحي الذي يسير بحسب إرادة الله، أشبه بسفينة شراعية، قد بسطت قلاعها بطريقة صحيحة للريح، أو بطائرة اخترقت الهواء ووصلت إلى مجرى منه يحملها، فذلك المسيحي يملك قوة خارج طاقته الذاتية تسير به إلى الأمام.
ربما كنت في نزاع عنيف مع نفسك، بشأن إرادة الله لحياتك. ولكن عندما اتضحت لك بجلاء وصممت أن تتممها، حصلت على سلام لم تعرفه من قبل. إن أعمق سلام، بل أكمل سلام يحصل عليه أي واحد من أبناء الله، هو السلام الذي يأتي إلى نفسه، عندما يستطيع أن يقول بكل صدق وإخلاص «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ» (متى 26: 39). هذه النقطة يمكن أن تكون جثسيماني النصرة له، وفيها يكتشف أن سر السلام الذي يفوق كل عقل (فيلبي 4: 7) يقوم في إدراك حضور المسيح المقام. ولا يمكن أن ندرك حضوره ما لم نسلك في طاعته. وهذا ينطبق ليس على عمل حياة الإنسان فقط، بل على كل قرار يتخذه في كل دوائر حياته اليومية.
الفصل الثالث: إرادة الله اختبار دائم | ||
بسبب محدودياتنا لا نستطيع أن ندرك إرادة الله لحياتنا تمام الإدراك. ولهذا نجد الله، في بعض الأحيان، يكيف ويضبط إعلان إرادته لنا، بحيث يتفق ذلك مع طاقتنا على فهم إرادته، نحن أولاده. إنما نحن لا نزال أولاداً ناقصين لم نبلغ الكمال بعد، ولا يزال كثيرون منا أبعد بكثير عن الإدراك الذي يجب أن يكونوا عليه. وكم نظل أطفالاً في المسيح، في حين ينبغي أن نكون بالغين، أو على الأقل نامين نحو البلوغ، سواء كنا رجالاً أم نساء، نضع نصب عيوننا هدف حياتنا الأسمى وهو البلوغ «إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ ٱلْمَسِيح» (أفسس 4: 13). إننا جميعاً نقصر بشكل مؤسف عن إدراك المقياس الأعلى. وهذا يعني، ضمن ما يعني، أن إرادة الله في حياتنا يجب أن تكون اختباراً نامياً دائماً.
والله يعلم أيضاً في حكمته أن اكتشاف إرادته هو اختبار دائم، أو سلسلة متصلة من الاختبارات في حياتنا. فعلينا أن نأتي إليه مرة بعد أخرى، طالبين الحكمة والقوة. وهذا عامل مهم في نضوجنا الروحي. فلو كنا نستطيع أن نرى إرادة الله لحياتنا، إلى منتهى الطريق، لَمَا كنا نُجرب أن نعتمد على أنفسنا أكثر من اعتمادنا على الله، في نوال القوة لعمل إرادته.
ما أكثر المسيحيين المتقدمين في السن، ممن يستطيعون أن يشهدوا، أنه لم يكن من الأفضل لهم أن يروا كل الطريق أمامهم من البداية. وربما لم يكن لهم من الإيمان والشجاعة ما يجعلهم يستجيبون لدعوة المسيح بالرضى والقبول. بل قد يكون بينهم من ينكص (يعود) على أعقابه، ويحرم من البركات المجيدة في الشركة معه، كما فعل الشاب الغني.
لكن مهما كانت ظروفنا في الحياة، فإن الله يمكننا من جمع الحطام والبدء من جديد في البناء. فنستطيع أن نقول إن معرفتنا لإرادة الله ليست متدرجة فقط بل قابلة أيضاً للتعديل بمقتضى كل اختبار جديد.
وعلى قدر طاعتنا لقيادة الروح القدس الآن، نستطيع أن نتأكد من قيادته لنا في المستقبل. إن الطاعة لإرادة الله في قرارات الحياة اليومية تزيد إدراكنا لإرادته.
تقدم لنا حياة بولس إيضاحاً رائعاً لإرادة الله، تعلن بطريقة مستمرة وتدريجية في حياة الإنسان. فعندما التقى بولس بالرب المقام، وتمتع بذلك الاختبار الفائق الخارق في طريق دمشق، أُمر أن يدخل المدينة، فيعلن له ما يفعله.
الفصل الرابع: كيف نعرف إرادة الله؟ | ||
ربما سألت نفسك من قبل: كيف أستطيع أن أعرف إرادة الله؟ أو هل أستطيع أن أعرف إرادة الله؟
إن الجواب على السؤال الأخير يتوقف على ما نعني بالعبارة «إرادة الله» وبالكلمة «نعرف». هل نستخدم هذا التعبير وهذه الكلمة بمعنى نسبي أم بمعنى مطلق كامل؟ إن كان بمعنى نسبي فالجواب نعم. أما إن كان بمعنى مطلق فالجواب يكون بالنفي.
إن الإنسان يستطيع أن يعرف إرادة الله، لكنه لا يستطيع أن يعرفها معرفة تامة كاملة. إن إرادة الله أكبر وأوسع وأعمق من أن يدركها إنسان - مهما بلغ من النضج - إدراكاً تاماً. إلا أننا لسنا متروكين نُحمَل كريشة في مهب الريح في هذا العالم، بدون أي إدراك للتوجيه الإلهي. إن اختبارات الكثيرين من أولاد الله، واختباراتك أنت على الأرجح، تبرهن أننا نستطيع أن نحظى بإدراك إرادة الله، بصورة عميقة تكفي أن تساعدنا على اتخاذ الخطوة الضرورية التالية. فنستطيع أن نعرف ما نحتاج أن نعرفه في نقطة معينة، في الوقت المناسب، ونستطيع أن نتطلع إلى الأمام، بمزيد من الاختبارات الغنية، ونحن نطلب أن نتبع إرادة الله لحياتنا.
من ناحية أخرى، قد تجده صعباً في بعض الأحيان أن تعرف إرادة الله، كما يحدث معي كثيراً. وهذا أحد الأسباب التي تدعونا أن نستخدم كل مصدر ميسور لنا، وكل وسيلة في طاقتنا لمعرفة إرادة الله. وينبغي أن نجمع كل هذه المصادر والوسائل التي نستعين بها في سعينا لمعرفة إرادة الله، ونضمها معاً كما في حزمة واحدة. فكلها مرتبطة معاً، وتكمل إحداها الأخرى بطريقة ما. لذلك لا نستطيع أن نحذف شيئاً منها إذا أردنا أن نكون حكماء في الأمر. فهي جميعاً ضرورية مع اختلاف درجاتها لمعرفة إرادة الله. كلها هبات صالحة منحها لنا الله لننتفع بها في بحثنا عن معرفة إرادته.
وقبل أن نبحث أول «هبات الله الصالحة» هذه، أذكر افتراضاً، وأقدم عبارة، وأسأل سؤالاً. أما الافتراض فهو: افترض أنك نشيط في كنيستك - في برنامجها التعليمي والتدريبي، وفي خدمات عبادتها، وفي رسالتها التبشيرية والمرسلية للبعيدين. وأما العبارة فهي: إن أفضل ضمان لمعرفة إرادة الله للمستقبل، هو أن تكون داخل نطاق إرادة الله في الحاضر. وأما السؤال فهو: هل هناك شك في ذهنك أنك داخل نطاق إرادة الله في الحاضر؟
إن الكتاب المقدس يعلن جلياً أن الإنسان خُلق على صورة الله، فلما فسد تشوهت تلك الصورة وفسدت، ولكنها لم تتلف كلياً. وتستعاد هذه الصورة بمعنى ما، عندما يصبح الإنسان خليقة جديدة عن طريق اتحاده بالمسيح الذي هو صورة الآب بعينها. إلا أن هذه الصورة لا تستعاد بشكل كامل إلا عند نهاية رحلة الحياة، عندما نستيقظ بشبه المسيح.
وعدم كمال هذه الاستعادة يوضح الجوع الدائم عند أبناء الله، لاتصال أعمق وأكمل بالآب السماوي. وهذا الجوع الداخلي يزداد شدة في حياة أبناء الله الأكثر نضوجاً وبلوغاً. فكلما عرفنا أكثر عن طبيعة الله وإرادته وجدنا بأكثر جلاء أننا في مزيد الشوق لمعرفة أكثر.
هذه الرغبة العميقة المتزايدة، تتصل أوثق صلة، وتعتمد كل الاعتماد على رغبتنا القوية لإطاعة إرادته. إن الله ينتظر منا أن نستخدم كل طاقاتنا وإمكانياتنا في طلب معرفة إرادته. ويندر جداً أن يعلن إرادته لنا بطريقة معجزية. ولنا أن نثق أنه يستجيب لنا، إذا نحن طلبنا أن نعرف إرادته.
عقولنا: إن الله أعطانا طبيعة عاقلة، وينتظر منا أن نستخدمها. فاستخدام الإدراك الذي لنا، يساعدنا كثيراً في سعينا لتحقيق غرض الله.
أرغب أن أطبق هذا الإدراك المعقول على مثلين معينين. الأول إن الله لا يريد أن يستخدم كطبيب مرسل شاباً أهمل دروسه العلمية إهمالاً جعله لا يحصل على الدرجات التي تؤهله لدخول كلية طب. والمثل الثاني، إن الإدراك المعقول يرى أنه ليس من الحكمة لامرأة في سن الأربعين أن تتزوج شاباً في سن العشرين. هذان مثلان متطرفان لكنهما يبيِّنان أن استخدام العقل الذي منحك الله إياه، يساعدك فعلاً في كل قرار يختص بعمل حياتك أو بشريكة حياتك. فعندما تكون بصدد اتخاذ شيء من هذه القرارات الخطيرة، لا تسمح لعقلك أن يأخذ إجازة.
والمقدرة على التفكير السليم واستخدام العقل، تساعدك أيضاً المرة تلو الأخرى، في قرارات الحياة اليومية. فعندما تجابه موضوع الصواب والخطأ، أو الحلال والحرام، في أمر معين، فكر في النتائج المحتملة. لاحظ ما تركته قرارات الآخرين في مثل هذه الحالة من أثر في أعمالهم. لاحظ من مشاهداتك ومن الجرائد أثر الخمر على شاربيها مثلاً. وهكذا استخدم عقلك في الحكم على صوابية القرار الذي تتخذه، فإن العقل هبة من الله لك لاستخدامها.
قد تقول: «لكن هذا لا ينطبق عليّ، فإني أشرب ما أشاء من الخمر. وأحتفظ باتزاني وضبط نفسي». ترى هل تستطيع حقاً أن تضبط نفسك؟ كيف تعرف ذلك؟ إن الواقع أثبت أنه لا يستطيع أحد أن يتأكد إن كان يستطيع أن يقاوم عادة الشرب بعد أن بدأها أم يضعف أمامها. فإنه عندما يشرب الإنسان الكأس الأولى، قد يتخذ بذلك الخطوة الأولى التي تجعله عبداً للخمر.
إن العقل يأمر الإنسان أن لا يتناول الكأس الأولى، فإنه حتى لو تأكد الإنسان أنه لن يصير سكيراً، فتوجد براهين أخرى قاطعة ضد شرب الخمور.
كذلك يوصي العقل بعدم التدخين. إني أشعر أني لست في حاجة إلى إعلان خاص من الله ينهاني عن التدخين. يكفي ما أثبتته الأبحاث العلمية السليمة الحديثة عن علاقة التدخين بالسرطان.
إنك باستخدام الملاحظة الذكية وتطبيق العلم والإدراك السليم تجد خير مساعد، يعينك في إيجاد حل لكثير من المشاكل التي تجابهك.
ضمائرنا: ليس هذا مجال بحث فني عن طبيعة الضمير. إنما نكتفي بذكر عبارتين أو ثلاث لمساعدتنا في تحديد ما نقصده عندما نستخدم كلمة «الضمير». نحن لا نقصد أن للإنسان مقدرة فطرية غريزية ترشده إلى الصواب ولا تخطئ أبداً. بل نقصد أن الله وضع داخل الإنسان شعوراً بعمل ما يجب، واقتناعا داخلياً بأن هناك شيئاً يُعرف بالصواب أو بالخطأ. هذا الوجدان جزء مما منحه الله للإنسان ليعرف إرادته تعالى. وهذا ما يجعل الإنسان مسؤولاً أخلاقياً.
بعكس هذه الغريزة الفطرية بعمل ما يجب، نذكر أن رضى ضمير الإنسان بما يعتبره صواباً أو خطأ ليس غريزياً ولا فطرياً فيه، بل هو متوقف إلى حد كبير على حصيلة اختباره الأخلاقي، أي على ما تعلمه في البيت والمدرسة والكنيسة ومن الأصدقاء والمعارف والمجتمع، ومن الاختبار الشخصي.
فمع أننا جميعاً نتفق على وجود ما يسمى بالخطأ أو الصواب، إلا أننا كثيراً ما نختلف في تحديد الخطأ أو الصواب، وهذا معناه أن الإنسان قد يتبع ما يشير عليه ضميره بعمله ويكون على خطأ. ولهذا فالضمير في حاجة إلى تدريب وتهذيب حتى يتعود أن يكون حساساً. إن الضمير ليس «صوت الله» مع أنه قد يكون «أذن النفس» كما يقولون. وحتى لو صح ذلك فإن الأذن تحتاج إلى تدريب.
هل يعني ذلك أننا لا نستطيع أن نثق في الضمير، وبالتالي أنه لا ينبغي أن نتبع ضمائرنا؟ لقد أشرنا فيما سبق أن ضمائرنا ليست دائماً على صواب، إلا أننا يجب أن نفعل دائماً ما تقول ضمائرنا إنه صواب ومستقيم. هناك فرق بين عصمة الضمير وسلطة الضمير. الضمير قد يخطىء أحياناً، لكن يجب طاعته. إن أفضل ضمان لإمكانية حصولنا على ضمير حساس فيما بعد، هو أن نتبع الضمير الذي لنا الآن. وبعبارة أخرى، إن فعل الخطأ عمداً، أو مخالفة ضمائرنا سيؤثر تأثيراً عكسياً على أحكامنا الأخلاقية. ومعنى ذلك أنه من الخطأ، ومن عدم الحكمة، أن نفعل ما توحي به ضمائرنا أنه من الخطأ فعله.
إذاً علينا مسؤولية مزدوجة تجاه ضمائرنا: أن نطيع الضمير وأن نهذبه. وإذا راعينا هاتين المسؤوليتين المراعاة الواجبة، فسنجد أن ما نسميه ضميرنا سيساعدنا مساعدة كبرى في تحقيق إرادة الله.
محدودياتنا: قلنا فيما سبق إن إمكانيات الإنسان وموارده محدودة. وقلنا أيضاً إننا لو كنا نفكر تفكيراً سليماً مستقيماً، لرأينا حكمة إتمام إرادة الله. لكننا للأسف لا نستطيع أن نفكر تفكيراً مستقيماً كل الاستقامة، فلقد أثَّرت الخطية في شخصيتنا بجملتها، بما فيها طبيعتنا العاقلة. وعدم قدرتنا على التفكير المستقيم باستمرار يوضح ضرورة عدم الاعتماد على ضمائرنا. صحيح إننا محدودون، إلا أن الله ينتظر منا أن نستخدم ما عندنا. يجب أن نسلم بمحدودية مواردنا الطبيعية، ثم ندرك حاجتنا للمعونة ونحن نطلب أن نعرف إرادة الله وأن نتممها. وانطلاقاً من عدم مقدرتنا على أن نثق كل الثقة في مواردنا، قال الدكتور و.أ. كارفر عبارة ساعدتني كثيراً عند اتخاذي قراراً خطيراً. قال: «عندما تتأمل أمراً تأملاً دقيقاً من كل ناحية، ويرشدك عقلك إلى شيء، وقلبك إلى شيء آخر، فاتبع ما يرشدك إليه قلبك». كأنه يقول - إن كنت أفهم قصده تماماً - على المرء أن يتبع التوجيه الداخلي الذي يأتيه من قيادة الروح القدس. وفي تلك المناسبة تبعت قلبي أكثر من رأسي. وعلى مر السنين وأنا أشكر الله، الذي استخدم الدكتور كارفر ليقول هذه العبارة التي كانت مرشداً لحياتي.
لا تستنتج من هذا أن الرأس والقلب يتناقضان دائماً، فإنهما في معظم الأحيان يتفقان تمام الاتفاق، ويعلنان نفس الشيء الواحد. وعلى كل حال فمن الحكمة أن يطلب القلب مشورة من الرأس. ولا يستطيع أن يتبع نداءات القلب الداخلية إلا الشخص الذي يفكر دون أن يتأثر بالعوامل العاطفية.
الفصل الخامس: لتعرف إرادة الله ادرس الكتاب المقدس | ||
إن أبانا السماوي لا يحابي في توزيع أفضل هباته. ومن أفضل هباته لنا الكتاب المقدس. ولكن أليس من المؤسف أن هذا كتاب مجهول إلى حد كبير، حتى من الكثيرين من أبناء الله؟ وهم يجهلونه لأنهم لا يفتحونه. وبالطبع لا يمكن أن نفوز بالإرشاد ما لم نعرف الكتاب المقدس، وما لم نأخذ وقتاً فيه نقرأ الكتاب، وندرسه، ونتأمل فيه مصلّين. قد يحتج البعض بأنهم لا يفهمونه عندما يقرأونه، وهم لذلك يفضلون أن يقبلوا معناه كما يقوله لهم بعض الناس، إنما لا ننس أن من عجائب الكتاب المقدس أنه - ولو أن العالم البليغ المتضلع لا يستطيع أن يستنفد أعماقه ويتقصى كل معانيه، إلا أن أي قلب باحث مخلص يستطيع أن يفهم حقائقه الأساسية.
بعض تعاليمه الخاصة: في مواضع كثيرة يتكلم الكتاب المقدس كلمة صريحة واضحة في موضوع معين أو مشكلة خاصة. وكلنا نتفق بالتأكيد أنه عندما يتكلم هكذا، تكون عبارته تعبيراً صريحاً عن إرادة الله. وفي الكتاب عبارات كثيرة جداً من هذا النوع، لا يسمح المجال بحصرها.
تقدم الوصايا العشر مثلاً صالحاً لهذه التعاليم الخاصة في الكتاب المقدس. وهي تلخص الشرائع الأخلاقية الأساسية في العهد القديم. وهي تقول صريحاً إن أبناء الله لا يكون لهم آلهة أخرى، ولا يصنعون لهم تمثالاً منحوتاً، ولا يتخذون اسم الله باطلاً. وإن يوم السبت يجب أن يُحفظ مقدساً، وإن الوالدين يجب أن يكرموا. وينص صريحاً بأنه من الخطأ، بل إنه ضد إرادة الله لأي إنسان أن يقتل أو يزني أو يسرق أو يشهد شهادة زور أو يشتهي ما للغير.
ويمكن تفسير بعض هذه الوصايا بطرق متنوعة، لكن هذا لا يؤثر في شرعيتها، كأساس لإرادة الله في دائرتها. ولا ننس أن هذه الكلمات يسندها سلطان الله المطلق التام في الكون. وهو يتكلم بها لكل عصر. فلما يقتل إنسان، أو يزني، أو يسرق، أو يشهد بالزور، أو يشتهي ما للغير، يكسر إحدى وصايا الله. ولا يستطيع الإنسان أن يكسر شريعة من شرائع الله الأساسية، بدون أن يلقى عقابه على هذا التعدي عاجلاً أم آجلاً.
ويوجد كثير من التعاليم الخاصة الأخرى، تتعلق بمواضيع عديدة في العهدين القديم والجديد، فلنلخص الموضوع في القول إننا عندما نقرأ هذه التعاليم ونفسرها التفسير الصحيح، نجد فيها تعبيراً عن إرادة الله في حياتنا.
يجدر بنا، في هذا المجال، أن نذكر كلمة تحذير. لا شك أنه يجب علينا أن نطيع ما نفسره بأنه صوت الله لنا في الكتاب، ولكن حذار من أن نتشدد في الجزم بأن تفسيرنا الخاص هو وحده التفسير الصحيح. فهناك فصول كثيرة يمكن أن تفسر بطرق متنوعة. إن من حقنا ومسؤوليتنا أن نقرأ وأن نفسر، وأن نطبق الكتاب المقدس لأنفسنا، لكن يجب أن نعترف للآخرين بمثل هذا الحق ونحترمه.
وعلينا أيضاً أن لا نحاول أن نجعل من الكتاب المقدس كتاب قانون أو شريعة نجد فيه حلاً صريحاً نهائياً لكل سؤال، وجواباً قاطعاً لكل مشكلة. بل علينا أن ندرك أننا لا نستطيع أن نجد أصحاحاً معيناً وآية معينة لحل كل مشكلة. ومن الخير لنا أن الكتاب ليس من هذا النوع. فلو كان كذلك، ما كان يتم لنا النضج عن طريق الكفاح، وعن طريق المعاناة في درس الكتاب بدقة وعناية وبالصلاة حتى نصل إلى معرفة إرادة الله لحياتنا. بل كنا نحرم الكثير من أعظم البركات التي لنا كأولاد الله.
ولو كان الكتاب كتاب قانون أو شريعة، لآل الأمر إلى جعل إرادة الله شكلية جامدة. والحال أن إرادة الله ليست جامدة، بل هي حية ديناميكية، ويجب أن تكون كذلك في حياتنا. ولسوف نجد، ونحن نسلك في إرادته، أنها دائمة الإتساع بالنسبة لنا. كما يصدق هذا على نظرتنا الثاقبة إلى تعبيرات إرادته في الكتاب المقدس. وقد يكون من الحكمة أن نشير مرة أخرى إلى أن طاعتنا لإرادة الله كما هي مبينة في الكتاب هي التي تمكننا من تفهم أعمق لما في الكتاب المقدس.
مبادئه العامة: أشرنا إلى المعونة التي نستطيع أن نحصل عليها من دراسة وتفسير وتطبيق تعاليم الكتاب الخاصة، بطريقة صحيحة. وكثيرون منا في مقدورهم أن يحصلوا على هذه المعونة بل أكثر منها في معرفة إرادة الله، عن طريق معرفة الآراء الأساسية أو المبادىء العامة للكتاب المقدس. فضلاً عن ذلك توجد آراء ومُثل عليا كامنة في هذه المبادىء من شأنها أن تقدم توجيهاً ولوناً لحياتنا. وهي لا تساعدنا فقط على معرفة إرادة الله، بل تعمق أيضاً رغبتنا في السير في إرادته. كما أنها تقدم أساساً للتفسير الصحيح لتعاليم الكتاب المقدس الخاصة.
كثير من هذه المبادىء الرئيسية مثل القداسة، والبر، والمحبة، والعدل، والرحمة، والإنصاف، وإنكار النفس، موجودة في كل الكتاب المقدس. إلا أنها هي وغيرها من المبادىء العامة ظاهرة بنوع خاص في حياة المسيح وتعاليمه. وقد اقتصر في تعليمه على إظهار هذه المبادىء والمثل العامة بنوع أخص. وهذا من الأسباب التي تجعل لتعاليمه قيمة ثابتة خالدة.
نكتفي أن نشير هنا إلى حادثة واحدة في حياة يسوع. لقد جاء إليه ناموسي يمثل الفريسيين، وسأله «يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ ٱلْعُظْمَى فِي ٱلنَّامُوسِ» فاقتبس يسوع وصيتين من العهد القديم (تثنية 6: 5 ولاويين 19: 18) وأجابه « تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى وَٱلْعُظْمَى. وَٱلثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. ثم أضاف قائلاً بِهَاتَيْنِ ٱلْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ ٱلنَّامُوسُ كُلُّهُ وَٱلأَنْبِيَاءُ» (متى 22: 34 - 40). فإذا فهمنا أن هذا يعني أن نحب الرب بكل مجموعة شخصياتنا، وأن نحب «قريبنا» من أي طبقة أو جنس يحتاج إلى محبتنا، وجدنا أن في هاتين الوصيتين ما يكفي لأن يتحدانا إلى نهاية رحلة الحياة كلها. وفيهما نجد المثُل العليا التي تمنحنا الإرشاد في وقت اتخاذ قرار.
معونته لنا بطريقة غير مباشرة: لا يعيننا الكتاب المقدس في معرفة إرادة الله بتعاليمه الخاصة ومبادئه العامة فقط، بل يعيننا أيضاً بالتأثير العام الذي يطبعه على حياتنا ونحن ندرسه. فروحه يتغلغل في حياتنا ويسيطر عليها، فتستنير عقولنا، وتنهض مشاعرنا، وتتحرك إرادتنا لطاعة قيادة الروح القدس. وهذا يعني ليس فقط أننا سنفهم إرادة الله بجلاء ووضوح، بل أننا سنزداد رغبة لعمل إرادته.
وغنيّ عن القول إن الذين ينعمون بهذه البركات هم الذين يقرأون الكتاب المقدس ويدرسونه بإمعان ويتأملون فيه بروح الصلاة، ومن المهم جداً أن ندرس بنوع خاص الأناجيل، فهي تتضمن سيرة حياة يسوع المسيح، الذي أعلن الآب إعلاناً كاملاً، وبالتالي أعلن تماماً الطريق التي يريدنا الآب أن نسلك فيها. فلنشبِّع أنفسنا بحياة المسيح وتعاليمه، ولنجعل روحه يسيطر على حياتنا.
الطريقة الصحيحة لدرسه: يجب أن نغرس في أنفسنا بعض العادات الثابتة لقراءة الكتاب المقدس ودرسه. فنقرأه لا مجرد مطالعة عابرة، ولا كما نراجع سجلاً مكتوباً، ولا لإعداد الدرس الذي سنلقيه في مدرسة الأحد، أو كواجب مدرسي. هذه أساليب مهمة ولا شك، لكننا نحتاج أن ندرسه بدقة أكثر إذا ابتغينا أن نجني فائدة تعبدية من درسه. فإذا أردنا أن ننال بركة من قراءة الكتاب ودرسه، توجب علينا أن نقترب منه بذهن مفتوح وقلب مخلص فاحص.
إذا أردت أن تجني الفائدة القصوى من درس الكتاب، فلا تدرسه مستعجلاً. فكم من أوقات تمسك بتلابيبك آية واحدة معينة من الكتاب المقدس. قف عندئذ وتأمل فيها. واجعل الحق الذي تعلنه لك هذه الآية من هذا العدد يتخلل كيانك، ويصبح جزءاً خالداً في حياتك.
كنت يوماً مسافراً في قطار حديدي، وقد استولى على نفسي الفشل والغم أكثر من أي وقت مضى. وكنت أقرأ جزءاً في الكتاب المقدس يتناسب مع ما كنت أكتبه في ذلك الوقت. وفجأة قفز إلى ذهني عدد من الصفحة التي كنت أقرأها. كان هذا العدد من ميخا 7: 8 «إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي ٱلظُّلْمَةِ فَٱلرَّبُّ نُورٌ لِي». ولم أذكر إني قرأت هذا العدد من قبل، أو سمعت واعظاً يعظ عنه، أو معلماً يقتبسه أو يشير إليه في رسالة. فقرأته، وقرأته، ثم قرأته مراراً. وأقفلت كتابي، وجعلت هذا الحق العظيم الذي أعلنه لي يتسرب إلى أعماق نفسي ويغوص في كياني. وكان هو الرسالة التي أحتاج إليها أشد احتياج. وقد استخدم الله هذا العدد فبارك به حياتي وقتئذ، وباركها به مراراً منذ ذلك الحين.
سلطانه: يتفق معظم المسيحيين في أن مصدر السلطة التي للإنسان تأتيه من خارج نفسه لا من داخلها، أي أن هناك مصدراً نهائياً أبدياً مطلقاً للسلطة، وهو إرادة الله. وحيث أن إرادة الله تتفق اتفاقاً تاماً وتنسجم انسجاماً كلياً مع طبيعة الله، لذلك فالمصدر النهائي المطلق لسلطة الإنسان هو في الله نفسه.
بأي معنى يتلاءم الكتاب المقدس وسلطانه مع ما سبق وذكرناه عن معرفة الله؟ إن الكتاب المقدس هو أعظم مصدر ملموس موضوعي لمعرفة طبيعة الله وإرادته. وهذا أساس سلطانه، فلا سلطان له مجرداً عن الله. لا بل أن سلطانه مؤسس في الله نفسه. ويمكننا أن نقول إن سلطان الكتاب لا يقوم في ذاته، وليست سلطة الكتاب مؤسسة أساسياً على الصفحة المطبوعة، بل على إعلان الله الذي أوحى بالكلمات. وفي التحليل النهائي نجد أن سلطة الكتاب هي في المسيح الذي يعلنه أكثر منها في الصفحات التي تؤدي دور الإعلان. وهذا لا يقلل من سلطان الكتاب المقدس، بل بالأحرى يزيده جداً.
الفصل السادس: لتعرف إرادة الله صلِّ | ||
ليست الصلاة شيئاً نضيفه بعد أن نكون قد بذلنا كل وسيلة أخرى في طلب إرادة الله وفشلنا. بل من واجبنا أن نصلي ونحن نستخدم الموارد والوسائل الشخصية التي منحنا إياها الله. كما أنه علينا أن نتأمل بروح الصلاة في كل نصيحة يقدمها لنا الآخرون. ولا شك أن علينا أن نصلي دائماً ونحن نطالع الكتاب المقدس وندرسه.
الصلاة وإرادة الله: نستطيع أن نحصل بالصلاة على معونة بطريقة مباشرة وبطريقة غير مباشرة، كما نفعل ذلك من قراءة الكتاب المقدس ودرسه. ونعني بالمعونة المباشرة، المعونة التي نتلقاها استجابة لطلبة خاصة أو لحل مشكلة خاصة. يقول الكتاب المقدس «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يعقوب 1: 5). لكن إن كان لا بد أن ينال ما يطلب فعليه أن «يَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ ٱلْبَتَّةَ» (يعقوب 1: 6). ألا نجد هنا السبب الذي لأجله لا يستجاب كثير من صلواتنا؟ إننا نطلب أن يعلن الله إرادته لنا، لكن أحياناً كثيرة لا نريد أن نعرف إرادته ما لم تتفق مع إرادتنا.
قد يبدو هذا متناقضاً مع ما ذكرناه من قبل. إلا أن الحقيقة الناصعة هي أن إرادتنا لا يمكن أن تنسجم مع إرادة الله، إلا عن طريق روح الصلاة الحقيقية. إن يسوع نفسه تجلى عندما كان يصلي (لوقا 9: 29) وتسربل بمجد الآب، الذي كان له قبل مجيئه إلى العالم، إن مجد الرب إنما يمكن أن يصبح حقيقة في حياتنا على قدر ما يمتلك كامل شخصياتنا، وعلى قدر ما تصبح إرادته إرادتنا.
إن ما ذكرناه سابقاً يفرض أن الصلاة ستساعدنا بطرق غير مباشرة لفهم إرادة أبينا السماوي بشكل أوفى وأكمل، فليست الصلاة مجرد طلب شيء لنا أو للآخرين من الله، ولا هي مجرد التعبير عن شكرنا له لأجل بركاته. بل هي، أساسياً، صلة (تحادث) بين الله والإنسان. وليس من المحتم أن تكون هذه الصلة بالكلام فقط، وإنما هي صلة بالروح قد تتم بالكلام أو بغير الكلام.
كان يسوع يصرف أحياناً ليلة بكاملها في الصلاة. هل هذا يعني أنه قضى كل الوقت يطلب شيئاً من أبيه؟ لا أظن ذلك. بل أعتقد أنه صرف معظم الوقت في الشركة مع الآب.
هذا النوع من الصلاة، أو بتعبير أفضل هذه الناحية من الصلاة تساعدنا بطرق كثيرة غير مباشرة أن نرى مقاصد الله في حياتنا بأكثر وضوح. وقد تشمل ما يسمى «الصمت البنّاء» أو «الاستجابة الهادئة». وقد يكون من الأفضل أن نضم الأمرين معاً، ونسميهما «الاستجابة البنّاءة».
والصلاة كشركة ليست بالضرورة صامتة أو مسترخية، مع أن هذه الناحية منها يجب أن تكون موجودة. من أعظم الاختبارات المثيرة الفعالة والمزعجة أحياناً التي قد تأتي لأي واحد من أبناء الله، ذلك الاختبار الذي يحصل عليه عادة عندما يدرك حضور المسيح المقام. بعض هذه الاختبارات لا تغمر حياة الكثيرين منا بكثرة كما يجب. وقد يكون هذا من الأسباب التي لأجلها لا نحصل على يقين فيما يتعلق بإرادة الله.
الصلاة ضمن إرادة الله: يقول يوحنا «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلثِّقَةُ ٱلَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئاً حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا» 1يوحنا 5: 14). لاحظ القول ) «حَسَبَ مَشِيئَتِهِ» أي أن الله يستجيب الطلبة التي تتفق مع قصده.
قد يبدو صعباً بل متعذراً أحياناً أن نعرف إن كنا نصلي ضمن إرادة الله. فما أسهل أن نخدع أنفسنا! كما أنه توجد أوقات فيها لا نستطيع أن نصوغ صلواتنا في كلمات، ويبدو أننا لا نعرف أن نعبر عن رغائب قلوبنا. وإني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الأمر الأخير ينطبق على معظم اختباراتنا العظمى في الصلاة. فإن الكلمات قد تكون عائقاً بينما يكون هناك شيء في داخلنا يصرخ إلى الله. وربما هذا ما كان في ذهن بولس عندما قال «لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِيِ» (رومية 8: 26). إننا لا نعلم ما نصلي لأجله، ولا كيف نصلي لأجله. إنما ينبغي أن نشكر الله لأن الروح يعين ضعفاتنا ويشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، أي أنه يتوسل من أجلنا ويدافع عنا، والله «ٱلَّذِي يَفْحَصُ ٱلْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ ٱهْتِمَامُ ٱلرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ ٱللّٰهِ يَشْفَعُ فِي ٱلْقِدِّيسِين» (رومية 8: 26 - 27). هنا حق مجيد ومخيف أيضاً. إنه حق مجيد، لأننا نعلم أن الروح يستطيع أن يفسر أشواقنا ويفعل ذلك على أكمل وجه، ويوضح محاولاتنا الناقصة في الصلاة على أحسن صورة. لكن هذا قد يكون مخيفاً أيضاً لأننا لا نستطيع أن نخدع الله. فهو لا يصغي أساساً إلى الكلمات التي ننطق بها، بل إلى الرغائب العميقة في نفوسنا. قد نخدع الناس وقد نخدع أنفسنا أيضاً، لكننا لا نستطيع أن نخدع الله. فهو يعلم إن كنا نريد أن نعرف إرادته وأن نتممها حقاً أم لا. فلنسع جهدنا أن نكون «مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (يهوذا 20). عند ذلك نستطيع أن نعرف أن صلواتنا هي ضمن إرادة الله، وأنه سيستخدمها ويباركها لتحقيق إرادته في العالم.
الصلاة لطلب إرادة الله: لا نستطيع أن نصلي ضمن إرادة الله بأصدق معنى، دون أن نطلب أيضاً أن نتمم إرادة الله. إذاً دعونا نتأمل معاً هذه الناحية بتحديد أوضح قليلاً. إننا لا نصل إلى حالة النضوج والبلوغ في حياة الصلاة، حتى ينتقل الجزء الهام من صلاتنا من أنفسنا، بل حتى من معرفتنا إرادة الله وإتمامها إلى إتمام إرادته في حياتنا وفي العالم أيضاً. وعندما نصل إلى هذه الحالة الأخيرة في صلاتنا، نكون مستعدين أن يستخدمنا الله في إتمام غرضه ومقاصده للعالم.
لقد علّم المسيح تلاميذه أن يصلوا قائلين «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ» (متى 6: 10).
وليس مصادفة أن تكون هذه من أولى الطلبات في الصلاة النموذجية. وحسناً قال جورج ترويت بأنه لا حق للإنسان أن يصلي قائلاً «خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْم»، قبل أن يصلي «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ»ِ. فلو تمَّت مشيئته على الأرض كما هي في السماء، لأتى ملكوته، أو ملكه. بمعنى آخر، هذه طلبة واحدة لا طلبتان، فإن ملكوته يأتي عندما تتم مشيئته في حياتنا، وفي العالم الذي نحيا فيه.
نحن نعمل لتحقيق ما نصلي لأجله، والعبارتان المتلازمتان معاً في الموعظة على الجبل: «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ» «ٱطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ» (متى 6: 33) ترتبط كل منهما بالأخرى. فأول طلبة في صلواتنا، يجب أن نسعى لتحقيقها قبل كل شيء آخر. والصلاة والعمل لإتيان الملكوت، معناهما الصلاة والعمل لتحقيق مقاصد الله في العالم.
وإذ ننمو في النضوج في المسيح تصبح إرادة الله وخطته وقصده وسيادته وملكه أو ملكوته أكثر فأكثر المركز الموحد لصلواتنا وحياتنا بالإجمال،وننظر أكثر فأكثر إلى العالم الذي نعيش فيه بعين أبينا السماوي.
ممارسة الصلاة: يفيدنا كثيراً جداً، ونحن نطلب إرادة الله، أن نجعل ممارسة الصلاة عملاً دائماً في حياتنا. ومعنى هذا أن نكوِّن عادات صلاة منتظمة تصبح نموذجاً دائماً ثابتاً في حياتنا. لا يمكن أن نتصور كيف يمكن أن نشهد اليوم للرب بدون أن نصرف وقتاً في الشركة معه كما لا يمكن أن نبدأ عمل الرب بدون ممارسة أعمال الصباح الروتينية الدائمة، أو بدون الاستعداد لليوم. وعلى هذا المنوال ينبغي أن نرفع على الأقل صلاة قصيرة كجزء من استعدادنا للنوم.
ربما تريد أن تربط درس الكتاب والصلاة معاً. وقد تكون فترة التعبد هذه انفرادية خاصة بك، أو قد تشترك مع صديق أو زميل، أو في غرفتك مع أفراد أسرتك. ولكل شخص أن يختار خطته الخاصة، إنما إذا أردت أن تعرف إرادة الله لحياتك فدرِّب نفسك على ممارسة حضوره عن طريق درس الكتاب المقدس والصلاة بانتظام.
إن حياة الصلاة للمسيحي البالغ تتعدى عادات الصلاة المنتظمة. فإنه يكتشف بتزايد مستمر شعوره بحضور الرب، وهو يمارس أعماله اليومية. فهو لا يمارس الصلاة في مواعيد ثابتة منتظمة فقط، ولو أنه يدرك أهمية ذلك، لكنه أيضاً يصلي وهو يمشي في الطريق، وهو يتكلم، وهو يلعب، وهو يشتغل. ويجد أنه يشعر أكثر فأكثر بلمسة روح الله على روحه، وهو يلهج بصلاة لله في كل وقت، ليلاً ونهاراً. ولعل هذا ما عناه بولس بقوله «صَلُّوا بِلا ٱنْقِطَاعٍ»(1 تسالونيكي 5: 17) أو واظبوا على الصلاة أي لا تكفوا عن الصلاة. إننا نصلي بلا انقطاع عندما نحيا في جو الصلاة.
وكلما نمونا إلى النضوج في حياة الصلاة اكتشفنا أننا أكثر تيقظاً، وأشد تيقناً لمعرفة إرادة الله لحياتنا. وسنصلي لأنفسنا أقل، وسنصلي أكثر لإتمام إرادة الله في العالم. ويصبح فكرنا عن إرادة الله في العالم أوسع مدى. والمسيحي النامي نحو النضوج يصلي أقل لمعرفة إرادة الله، وأكثر حتى يستخدمه الرب لعمل إرادته في العالم. بمعنى آخر يصبح أقل تمركزاً في نفسه، وأكثر تمركزاً في الله. وليس النضوج في الحياة المسيحية مرتبطاً بالسن، فما أكثر الناضجين المسيحيين الأفذاذ من صغار السن.
الصلاة في الخفاء: يجني الإنسان فائدة كبرى من الصلاة مع زميل أو شريك، لكن الصلاة أساسياً هي أمر شخصي وخاص. هي أساسياً شركة النفس مع الله. قبل أن يقدم المسيح لتلاميذه الصلاة النموذجية، قال لتلاميذه «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلانِيَةً» (متى 6: 6). وقد قيل عن المسيح إنه «فِي ٱلصُّبْحِ بَاكِراً جِدّاً قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ» مرقس 1: 35). إن مكان الصلاة الحقيقية هو عادة المكان المنفرد. الذي يبتعد فيه) الإنسان عن الآخرين، ولو أنهم قد يكونون حاضرين. وفي هذه الأماكن الانفرادية روحياً، لا جغرافياً ولا اجتماعياً، يتكلم الله لنا بأشد وضوح.
في بستان جثسيماني ترك يسوع تلاميذه وانفصل عنهم «قليلاً»وهناك وهو وحده قَبِل طريق أبيه وإرادته لحياته. وهكذا، في وحدة «اختبار البستان»، يستطيع كثيرون منكم أن يصلوا «لتكن لا إرادتي بل إرادتك». إن اكتشاف إرادة الله، وعلى الخصوص الخضوع لها، هو دائماً اختبار شخصي خاص جداً.
الفصل السابع: إرادة الله موجودة لحياة كل إنسان | ||
من الحقائق العملية الهامة التي وردت في الكتاب المقدس أن الله له إرادة خاصة في حياة كل إنسان. وحين نكتشفها ونتممها نحصل على نجاح وسعادة لا يمكن أن نحصل عليهما بأية وسيلة أخرى. وهذا التعليم الكتابي له أهمية كبرى ولا سيما للمؤمنين الأحداث الذين تمتد أمامهم الحياة بطولها.
والعالم لا يعرف شيئاً عن الحياة التي هي بحسب فكر الله، بل إن بعضاً من المؤمنين لا يدركون أهمية السلوك في مشيئة الله، مع أن الكتاب المقدس كله يتحدث عن هذا الموضوع بغاية الإسهاب والوضوح. ونتيجة ذلك أننا نتقابل مع كثيرين ممن أخطأوا السبيل وحادوا عن الطريق الإلهي المرسوم عند نقطة ما. لقد اختاروا طرقاً خاطئة، وضاعت منهم فرصٌ ذهبية، وأخيراً استسلموا لحياة مليئة بالبؤس والشقاء تظللها سحب الآمال الضائعة. ومع أنهم على استعداد أن يضحوا بكل شيء لكي يبدأوا حياتهم من جديد لكنهم بكل أسف لا يجدون حلاً لعلاج الخطأ القديم، وهو أنهم اختاروا لأنفسهم ففشلوا.
ولا ينبغي أن يخاف المؤمن الذي كرس نفسه لله من مثل هذا المصير لأن الله هو الذي صنعنا، وهو يعرف إمكانياتنا، وضعفاتنا، وإحساساتنا ومشاعرنا الداخلية. هناك خطة إلهية وتدبير إلهي من أجل كل واحد من أبناء الله. وهذه الخطة تتفق تماماً مع احتياجاتنا الخاصة حتى أنها تمكننا من استخدام أكبر كمية ممكنة من طاقاتنا وإمكانياتنا. وإرادة الله من جهتنا لا تنصب على حياتنا الحاضرة فحسب بل على حياتنا العتيدة أيضاً. ومن السهل أن نكتشف إرادة الله ونعرفها. بل إن الله يرغب في إعلان هذ الإرادة لنا أكثر مما نرغب نحن في معرفتها حتى أنه دبر كل الوسائط التي بها يمكن أن نعرف مشيئته بالنسبة لنا ونتممها. وإن كنا لم نحاول أن نعيش قبلاً بحسب مشيئة الله لكن يمكننا أن نبدأ الآن مهما كان عُمرنا.
هذا الحق على جانب كبير من الأهمية، وإن كان البعض يهملونه لكن ذلك لا يقلل من شأنه. ويكفي للبرهان على أهمية هذا الحق أن نتأمل في امتياز واحد من مزاياه العديدة، وهو أن الله قد وعد بأن يعطينا كل ما تشتهيه قلوبنا إن أتممنا شرطاً واحداً وهو التلذذ بالرب «وَتَلَذَّذْ بِٱلرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ» (مز 37: 4). ومن ذا يستطيع أن يقف جامداً أمام عرض كريم كهذا تسنده أمانة الرب وصدق مواعيده؟!
إنه مما يتفق مع العقل والمنطق أن يكون لله خطة في حياة كل مؤمن. أي شيء نعمله، سواء كنا نريد أن نبني بيتاً أو نصنع أثاثاً ينبغي أولاً أن نرسم له خطة للتنفيذ. وقبل أن نقوم برحلة علينا أن ندرس الخرائط ونتأكد من خط السير.
وحيثما ألقينا نظرة على العالم المحيط بنا نجد تخطيطاً يتفق مع العقل والمنطق، فالوردة إذا وضعت تحت الميكروسكوب ظهرت نقوشها وكأنها رسمت بكل إبداع وإتقان. والتلسكوب يبين لنا حركة النجوم والأجرام السماوية بكل دقة حتى أننا نضبط أوقاتنا عليها، وكل معدن من معادن الأرض له استعماله الخاص. وكذلك النباتات لها وظائف معينة فهي طعام للناس والحيوانات كما أنها تعطر الجو وتبعث في الحياة رونقاً وجمالاً.
وإذا أدخلنا في اعتبارنا أننا أسمى المخلوقات، وأن مقامنا الأبدي يفوق مقام الملائكة، وجدنا أنفسنا مضطرين لاعتناق المبدأ القائل إن الله لا بد أعدَّ لنا عملاً معيناً نتممه خلال مدة وجودنا على الأرض. هو الذي صنعنا، وكل موهبة نمتلكها هي من عنده، ولقد اشترانا بثمن عظيم للغاية هو دم ابنه، فلا يُعقل أنه يريدنا أن نعيش في حيرة وارتباك دون الوصول إلى هدف معين. نحن موضوع محبته وسروره، ولقد انشغل قلبه بنا «قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (اف 1: 4). وإن كان الله يقود القمر مع أنه جماد فلا بد أنه يقودنا بكيفية خاصة تشبع كل رغبة عنده من جهتنا. إنه مما يتفق مع العقل أن نؤمن بأن قانون الخليقة ينطبق علينا أيضاً، وأن لله إرادة في كل الكائنات التي خلقها.
والتاريخ المسيحي يحدثنا عن أمثلة كثيرة لرجال ونساء كرسوا حياتهم في عمل مشيئة الله. وسواء كان عملهم عادياً لا يستلفت النظر أو عملاً خارقاً للعادة جعلهم مشهورين فإنهم جميعاً ساروا مع الله بأمانة وثبات.
الفصل الثامن: المسيح وإرادة الله | ||
من يتأمل في حياة المسيح يجد فيها مثلاً واضحاً للتسليم الكامل لإرادة الله، ودراستنا لموضوع الإرشاد الإلهي لا تكمل إلا بالتأمل في طاعة المسيح لفكر الله وإرشاد الله.
لما أشار الرسول بطرس للمسيح باعتباره مثلنا الأعلى استخدم تعبيراً فريداً «إِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ» (1 بط 2: 21). وكلمة «مثال» في اللغة اليونانية تطلق على النموذج المطبوع في أعلى الصفحة والذي يحاول التلاميذ أن يكتبوا مثله لكي يتدربوا على الكتابة وتحسين الخط، وهذا يعلمنا أننا ينبغي أن نكون كتلاميذ المدارس في علاقتنا بالمسيح. إنه مثالنا وعلينا أن نعكس صورته للعالم. حين نقبله مخلصاً تنقلب صفحة جديدة في حياتنا، وما أجمل أن نظهر نعمته وبركته ومحبته للذين حولنا.
في بدء الإيمان نتصرف كما يفعل الأطفال حين يحاولون المشي لأول مرة لأننا «أَطْفَالٍ فِي ٱلْمَسِيحِ» (1 كو 3: 1)، ونحاول أن نتمم الوصية «كَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ ٱلآنَ ٱشْتَهُوا ٱللَّبَنَ ٱلْعَقْلِيَّ ٱلْعَدِيمَ ٱلْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ» (1 بط 2: 2). وحينئذ نعرف «ٱلْكُتُبَ ٱلْمُقَدَّسَةَ، ٱلْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاصِ» (2 تي 3: 15)، لكن سرعان ما ننمو في «ٱلنِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِّ (2 بط 3: 18) ونصبح أكثر شبهاً للمسيح. نستطيع أن نجد في المسيح كل ما يختص بالمحبة والقداسة والطاعة الكاملة لمشيئة الآب وإتمام المقاصد الإلهية، ونستطيع أن نلاحظ طاعة المسيح متجسمة في كل أعماله وتصرفاته.
(1) في تجسده: | ||
من أوضح الإعلانات المختصة بمجيء المسيح إلى العالم تلك الواردة في (يو 6: 38 «لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي». وهناك آية أخرى في غاية الوضوح جاءت في (عب 10: 5) «ِلذٰلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلٰكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً»، وهنا نجد دليلاً واضحاً على ألوهية المسيح وأزليته قبل التجسد، وقد جاء إلى العالم عندما ولد في بيت لحم اليهودية. ولم يكن وهو طفل مضجع في مذود أقل إدراكاً لغرض مجيئه عما كان عليه حين أخبر التلاميذ بأهمية الصلب وضرورته.
وقد كان موضوع الحديث بين الله الآب والله الابن عند مجيئه إلى العالم هو الغرض الذي كان مزمعاً أن يتممه في الجسد الذي أُعد له. ما أكثر الذبائح والمحرقات التي قدمت عن الخطية طوال الأجيال المتعاقبة لكنها كلها عجزت عن إبطال الخطية «بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرِّ» (عب 10: 6) وجاء اليوم الذي ولد فيه المسيح وقال «هَئَنَذَا أَجِيءُ... لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ» (عب 10: 7).
يا ترى ماذا كانت طبيعة إرادة الله من جهة ابنه؟ فالجواب نجده في (عب 10: 10) «بِهٰذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً». لقد وُلد ليموت. هذا هو سبب مجيئه، حتى نصبح مقدسين لله بموته على الصليب.
هناك وجه شبه واضح بين المسيح وبين تابعيه. فنحن أيضاً لنا الامتياز أن نتمم قصداً إلهياً «مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ» (أف 1: 11). «لأَنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ - أي عرف أنهم سيقبلون المسيح مخلصاً - سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ... وَٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ فَهٰؤُلاءِ دَعَاهُمْ أَيْضاً»ِ (رو 8: 29 و 30).
يقول الكتاب «ٱخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (أف 1: 4)، «ٱللّٰهَ ٱخْتَارَكُمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ لِلْخَلاصِ» (2 تس 2: 13). إنه أمر جميل ومبهج أن نعرف هذه الأمور المختصة بإرادة الله من جهتنا، وجدير بنا أن نردد صدى كلمات المسيح مثالنا «أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلٰهِي سُرِرْتُ» (مز 40: 8).
(2) في حداثته: | ||
يشير الكتاب إلى حادثة واحدة خلال الثلاثين سنة التي عاشها المسيح قبل خدمته الجهرية، وهذه الحادثة الوحيدة تشير إلى أن يسوع كان يتمم مشيئة الأب وهو بعد صبي صغير.
لما كان عمره اثنتي عشرة سنة وُجد في الهيكل وسط معلمي الناموس. ولما سُئل عما يفعله أجاب «أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟» (لو 2: 49).
والسبب في تسجيل هذه الحادثة في تاريخ المسيح هو قدوتها الحسنة للمؤمنين الأحداث، فهي تعلّمهم إمكانية العيشة حسب مشيئة الله حتى وهم تلاميذ في المدارس «ٱذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ» (جا 12: 1).
(3) في علاقاته ومعاملاته: | ||
فبالنسبة لكلام الله، كان اهتمام المسيح به أكثر من اهتمامه بالطعام. لما تعجب التلاميذ من أنه اهتم بربح نفس واحدة أكثر مما يهتم بإطعام جسده الجائع أجابهم بالقول «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يو 4: 34).
وبالنسبة للآخرين، وضع المسيح أولئك الذين يتممون مشيئة الله في مستوى أسمى من مستوى إخوته وأخواته وأمه حسب الجسد، والعلاقة التي بينه وبين الذين يكرمون كلمة الله التي أكرمها هو، علاقة حقيقية وهامة أكثر من علاقته بالذين نشأوا معه تحت سقف واحد في الناصرة «لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي»(مت 12: 50). هذا الإعلان يجعله قريباً منا جداً ويمتعنا بشركته الحلوة.
وبالنسبة للصلاة، لم يطلب المسيح شيئاً بعيداً عن الغرض الذي من أجله أرسله الآب. وقد علمنا أن نتمثل به ونصلي قائلين «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ» (مت 6: 10)، وهذه الطلبة تشمل إتمام مشيئة الله في حياتنا وكأننا نقول «لتكن مشيئتك فينا». هناك فرق بين الطاعة العملية الإيجابية وبين مجرد تكرار الصلاة بدون تفكير ) «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (مت 7: 21).
وبالنسبة لملكوت الله، فقد علّم المسيح أنه يتكوَّن من أولئك الذين هم بحسب مشيئة الله. وقد استخدم مثل الابنين، أحدهما أطاع الآب بالفعل بينما الآخر لم يطعه رغم أنه أظهر استعداده للطاعة (مت 21: 28 - 32). عندما يتوب الخاطئ المعاند ويفعل مشيئة الله كما فعل الابن الأول وكما فعل «العشارون والزوانى» (عدد 31) فإنهم يدخلون ملكوت الله، بينما يبقى صاحب البر الذاتي خارجاً. إن إرادة الله هي أن كل الذين يكرمون ابنه «تكون لهم حياة أبدية» «لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى ٱلٱبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِيرِ» (يو 6: 40).
(4) في أقواله وأعماله: | ||
لم ينطق المسيح كلمة واحدة بإرادته هو بعيداً عن إرادة الآب «تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِيِّ» (يو 7: 16). ) «ٱلْكَلامُ ٱلَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يو 14: 24). يجب أن نتعلم كيف نلجم ألسنتنا بالروح القدس (يع 3: 6). وإذا اتَّبعنا مثال المسيح في هذا الأمر فسوف يخلو حديثنا من كلمات «ٱلْقَبَاحَةُ، وَكَلامُ ٱلسَّفَاهَةِ وَٱلْهَزْلُ ٱلَّتِي لا تَلِيقُ» (أف 5: 4). ليتنا نقول مع داود «ٱجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِساً لِفَمِي. ٱحْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ» (مز 141: 3).
والمسيح لم يفعل شيئاً بعيداً عن مشيئة الآب. كانت أعماله «ٱلأَعْمَالَ ٱلَّتِي أَعْطَانِي ٱلآبُ لأُكَمِّلَهَا» (يو 5: 36). وقد قال عن نفسه «لَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهٰذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي» (يو 8: 28). بنفس الكيفية ينبغي أن تخضع أعمالنا للوصية القائلة «كُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَٱعْمَلُوا ٱلْكُلَّ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ ٱللّٰهَ وَٱلآبَ بِهِ» (كو 3: 17).
لقد أنكر المسيح إرادته الشخصية ولم يسع لتمجيد ذاته، وينبغي أن نتمثل به لأنه قد أعطانا مثالاً نقتدي به «لا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ ٱلآبِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِيِّ» (يو 5: 30) «أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي» (يو 8: 50).
وكوننا نتمثل به بهذه الكيفية لا يجلب لنا أية خسارة، بل ربحاً. إنه يمتعنا بفرح الشركة مع الآب ويجعلنا نختبر ما قاله المسيح «ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي ٱلآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ» (يو 8: 29). لن يتخلى الله عنا إن كنا نشتاق أن نرضيه، والطريق المعين من قبله لن يكون موحشاً ما دام هو يسير معنا «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يو 14: 23).
(5) في آلامه وموته: | ||
يضع الرسول بطرس شخص المسيح كمثالنا في جزء من رسالته يتعلق بالآلام «فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ» (1 بط 2: 21). ويتبعه بآيتين تشيران إلى آلام المؤمنين بحسب مشيئة الله «لأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ ٱللّٰهِ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْراً، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرّاً. فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً» (1 بط 3: 17 و 18). «فَإِذاً، ٱلَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ ٱللّٰهِ فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا لِخَالِقٍ أَمِينٍ فِي عَمَلِ ٱلْخَيْرِ» (1 بط 4: 19). ومكتوب عنا أننا أعضاء في «شَرِكَةَ آلامِهِ...» (في 10: 3) لأننا أعضاء جسده، ونحن نعيش في عالم قد سبق وصلبه وهو يبغض كل من يتبعه «فِي ٱلْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ» (يو 16: 33).
نستطيع أن نجد في المسيح التصرف الصحيح تجاه الآلام. فمع أنه قد تطوع أن يجعل نفسه خطية لأجلنا، إلا أن طبيعته القدوسة لم تحتمل المصير المريع، لذلك صلى في جثسيماني قائلاً «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسَ. وَلٰكِنْ لِتَكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ » (لو 22: 42). ينبغي أن تكون هذه صلاتنا، فإن كان الله يريد فإنه يستطيع أن يخلصنا من الخطر الذي يهددنا، لكن إن لم تكن هذه إرادته فنحن نعلم أن مشيئته هي الأفضل. علينا أن نقبل بشكر ما سمح به الرب في محبته وحكمته.
لما ولد المسيح كانت هناك خطة محددة يسلك بموجبها. كان هدف حياته «أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يو 4: 34). وجاءت اللحظة التي فيها يكمل العمل ويُرفَع على الصليب. وهكذا تمت كل النبوات التي تحدثت عنه فيما عدا نبوة واحدة تلك التي جاءت في (مز 69: 21) «فِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ». لقد قدم له الخل فعلاً «وَٱلْجُنْدُ أَيْضاً ٱسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ» (لو 23: 36) لكن ذلك قبل أن يصلب ويشعر بالعطش الشديد. ولما يبس لسانه من العطش «بَعْدَ هٰذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ ٱلْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوَّاً خَلاًّ، فَمَلَأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ ٱلْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ» (يو 19: 28 و29). لقد امتد إتمامه للنبوات ولكلمة الله حتى النهاية، وآلام الصليب لم تنسه لحظة واحدة واجبه في إتمام مشيئة الله بالكامل.
«فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ ٱلْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ ٱلرُّوحَ» (يوحنا 19: 30) وما أكثر ما قد أكمل عند موته، فخلاصنا أصبح حقيقة كاملة، وهزيمة الشيطان أضحت مؤكدة، وقوة الخطية قد انكسرت. لكن الأمر الذي يعنينا هنا هو أن المسيح قد أكمل إرساليته وأتم مشيئة الله، وهكذا وضع أمامنا مثالاً يجسِّم لنا كل ما يتعلق بالحياة التي هي بحسب مشيئة الله.
في حياة المسيح نستطيع أن نرى الحقائق التي سبق أن ذكرناها كبرهان على طاعتنا لإرشاد الله، فالمسيح قد انفصل عن الخطية، وصلى بلا انقطاع، وجال يصنع خيراً، وتألم بحسب مشيئة الله. وقد نفذ المبادئ الواردة في (مز 37) فاتكل على الآب، وتلذذ به، وسلم طريقه له. وهو أيضاً عمل بحكمة سليمان فتوكل على الرب بكل قلبه، وعلى فهمه لم يعتمد، وفي كل طرقه عرف الآب.
في الواقع أنه فيه هو، وفيه وحده، نستطيع أن نسلك حسب رضى الله فهو الذي يسكن بالإيمان في قلوبنا، وهو الذي يهبنا بروحه القوة والقدرة على أن نواجه المستقبل عالمين أنه في الإمكان أن ننفذ خطة الله في حياتنا.
الفصل التاسع: مبادئ كتابية لمعرفة إرادة الله؟ | ||
بعد أن تأملنا في الآيات الهامة المختصة بإرادة الله، وتطبيقها على حياتنا اليومية، نريد أن نستخلص مبادئ الكتاب التي بها يستطيع أي مؤمن مخلص أن يعرف قصد الله في حياته.
والمبدأ الرئيسي نجده في (رو 12: 1 و 2) «أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللّٰهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللّٰهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ. وَلا تُشَاكِلُوا هٰذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ».
لاحظ أنها نصيحة مخلصة وليست أمراً. وفي إمكاننا أن نقاوم نصائح الله إن أردنا ذلك، لكننا سنخسر الآن وإلى الأبد. والنداء يتكون من ثلاثة عناصر: الأول والأخير إيجابيان بينما الثاني سلبي. علينا أن نقدم أجسادنا لله، وألا نشاكل هذا الدهر، وأن نتغير عن شكلنا بتجديد أذهاننا. ينبغي أن يكون تكريسنا لله كاملاً ومطلقاً حتى يأتي بنتيجة محسوسة. وحينئذ سوف يهدينا الرب فنختبر إرادته الصالحة المرضية الكاملة. وكما قدم المسيح ذاته ذبيحة لأجلنا ينبغي أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية لأجل خدمته.
إن عملية التكريس لا تتم في لحظة فحسب بل ينبغي أن تكون عملية مستمرة لها مميزات ثلاث: فكذبيحة حية ينبغي أن نكف عن رغباتنا الشخصية وإرادتنا الشخصية، وكذبيحة مقدسة ينبغي أن نمتنع عن كل خطية معروفة، وكذبيحة مقبولة عند الله ينبغي أن نكون نافعين لخدمته خاضعين لإرادته.
لا تشاكلوا هذا الدهرِّ. نحن نعيش في عالم قد رفض المسيح ولا يوجد حولنا ما يهبنا السلام أو الفرح أو القداسة. لأجل ذلك يحذرنا الكتاب من التشبه بالعالم.
«تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم». وكلمة «تغيرواِّ» نجدها في أماكن أخرى في الكتاب، ففي (مت 17: 2، مر 9: 2) نقرأ عن المسيح أنه «تغيرت هيئته». هكذا نحن ينبغي أن نتغير «نَاظِرِينَ مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ» (2 كورنثوس 3: 18). ليس هذا التغيير خارجياً يأتي بعمل بعض الطقوس والفرائض، لكنه تغيير داخلي بعمل الروح القدس حين تنحصر أفكارنا ونظراتنا في شخص الرب يسوع.
والنتيجة الأكيدة لهذا التكريس هي أن «تختبروا إرادة الله الصالحة المرضية الكاملةِ» فنستطيع أن نكتشف قصد الله الخاص بنا، ونثبت للعالم المحيط بنا أن إرادة الله هي بالحقيقة كما وصفها الكتاب «صالحة ومرضية وكاملة»، وعوضاً عن أن نخاف من إرادة الله نسر بها، لأننا نعلم أنها صادرة من قلب محب يتمنى خيرنا وسعادتنا «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللّٰهَ» (رو 8: 28).
ولكي نكتشف إرادة الله ينبغي أن تتوفر فينا شروط هامة كالولادة الجديدة، والانعزال عن الخطية، والإيمان بالكتاب المقدس باعتباره كلمة الله، وبعد ذلك تقابلنا خمسة مبادئ هامة.
(1) ينبغي أن تكون هناك رغبة مخلصة لعمل إرادة الله: | ||
مع أن هذا الشرط يبدو بديهياً للغاية، وكأنه أمر مفروغ منه، إلا أنه كثيراً ما وقف حجر عثرة أمام مؤمنين كثيرين. هذا ما حدث حينما رفضت أورشليم شخص المسيح فقال لها «كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ... وَلَمْ تُرِيدُواِ» (مت 23: 37). ولم يعلموا أنهم إنما يرفضون بركته لهم.
نحن ميالون لتفضيل إرادتنا الخاصة. وأن يميل «كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ» (اش 53: 6). وإرادة الذات تحرمنا من التمتع بالحياة التي هي حسب قصد الله. مرات كثيرة نحتفظ بحقنا في رفض ما يختاره الله لنا، ونطلب منه أن يسمح لنا بعمل ما نريده نحن، بدلاً من أن نسلم لحكمته ومحبته.
ويقدم بلعام النبي لنا توضيحاً لذلك، فقد طلب منه ملك موآب أن يلعن إسرائيل، ولما سأل الرب جاءه الجواب «لا تَذْهَبْ مَعَهُمْ وَلا تَلْعَنِ ٱلشَّعْبَ، لأَنَّهُ مُبَارَكٌ» (عد 22: 12). كان هذا إرشاداً واضحاً «لما تحدده إرادة» الله. لكن بلعام لم يكتف بذلك. وإذ عرضت عليه إكرامات زمنية، ذهب للرب مرة أخرى علَّه يغير رأيه، وكان الجواب الذي حصل عليه في المرة الثانية «قُمِ ٱذْهَبْ مَعَهُمْ» (عد 22: 20). هنا نجد توضيحاً )لما تسمح به إرادة اللهِّ لكنه سماح مصحوب بالغضب الإلهي. «فَحَمِيَ غَضَبُ ٱللّٰهِ لأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ» (عد 22: 22). وذهب بلعام في طريق عصيان إرادة الله حتى وصل إلى الخطية العلنية وأصبح «كَلامِ بَلْعَامَ سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ» (عد 31: 16). وانتهى به الأمر إلى الموت مقتولاً إذ «قَتَلَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِٱلسَّيْفِ مَعَ قَتْلاهُمْ» (يش 13: 22).
(2) إرادة الله تتفق دائماً مع كلمة الله: | ||
متى شعرنا برغبة أن نعمل شيئاً لا يتفق مع تعليم الكتاب فلنتأكد أن الدافع لذلك هو من الجسد أو العالم أو الشيطان، ولا يمكن أن يكون حسب إرادة الله، لأن الله لا يعارض نفسه بنفسه. وكل فرصة مواتية أو إرشاد في الفكر نظن أنه من عند الرب ينبغي أن يُمتَحن أولاً بما هو مكتوب.
نستطيع أن نستبعد وظائف معينة لأنها لا تتفق مع روح الكتاب. ينبغي أن نرفض العمل الذي يحملنا على إنكار المسيح وعدم الشهادة له، أو يضطرنا للتواطؤ مع الأشرار «لا تَدْخُلْ فِي سَبِيلِ ٱلأَشْرَارِ وَلا تَسِرْ فِي طَرِيقِ ٱلأَثَمَةِ. تَنَكَّبْ عَنْهُ. لا تَمُرَّ بِهِ. حِدْ عَنْهُ وَٱعْبُرْ» (ام 4: 14 و 15).
ففي الأمور التي أعطى الله من جهتها إرشادات واضحة لا ينبغي أن نتوقع من الله أن يعطي إعلاناً خاصاً لشخص يجهل الكلمة ويهملها أو يبغض تعاليمها، فالسرقة والقتل والزنا والحسد وسائر الخطايا الأخرى الواردة في الكتاب كلها محرمة وممنوعة مهما كانت الظروف.
قد تنشأ بعض الأخطاء نتيجة جهلنا في استخدام الكتاب المقدس لإرشادنا، فالبعض بدلاً من التغذي بتعاليم الكتاب كل يوم، يفتحونه حيثما اتفق ويقرأون أول آية تقع عليها عيونهم ويتخذونها كرسالة الله لهم في تلك اللحظة. لا شك أن الله يرسل مراراً آية معينة يلفت إليها نظر أحد أولاده في ظرف معين أو احتياج خاص، لكن كلمة الله لم تُكتب قط لكي نستخدمها بهذه الطريقة الخاطئة.
ويضع بعض الناس علامات قدام الرب كما فعل جدعون في ساعة ضعفه حين تثقل بمسؤولية جسيمة لم يتثقل بها الكثيرون منا. لكن لنعلم أن العلامة التي أُعطيت لجدعون في (قض 6: 17) أُعطيت لشخص ليس لديه الكتاب المقدس الذي يرشده، وفي وقت كان الله يؤيد فيه خدامه رغم أخطائهم حتى يتميزوا عن الأنبياء الكذبة.
لما طلب زكريا في العهد الجديد علامة تثبت صحة قول الملاك له، أُصيب بالخرس لأنه لم يصدق (لو 1: 18 - 20). وبالنسبة لما قاله المسيح «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً» (مت 12: 39) ينبغي أن نتحذر لئلا تكون الآيات والعلامات التي نطلبها إنما هي نتيجة عدم الإيمان أو عدم الرغبة في عمل ما نظن أنه إرادة الله.
هناك طريقة أفضل في استخدام الكتاب وهي أن نخصص وقتاً طويلاً لقراءة الكتاب في روح الصلاة حتى يتكلم الله إلى قلوبنا من الكتاب بحسب حاجتنا الراهنة. احتار أحد المؤمنين في اختيار طريق من اثنين، وكان كلاهما يتفقان مع إرادة الله. فابتدأ يقرأ في سفر المزامير طالباً إرشاداً من الله، وأخيراً انشغل قلبه بآية تنطبق على حالته فاتخذها صلاة له، وكانت الآية «أَسْمِعْنِي رَحْمَتَكَ فِي ٱلْغَدَاةِ، لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. عَرِّفْنِي ٱلطَّرِيقَ ٱلَّتِي أَسْلُكُ فِيهَا، لأَنِّي إِلَيْكَ رَفَعْتُ نَفْسِي »(مز 143: 8). وفي اليوم الت

