القداسة في المسيحية |
- مقدمة
- القداسة والتجارب
- القداسة والخطية
- القداسة وسكنى الله في الإنسان
- القداسة والسير مع الله
- التكريس والتقديس
- ما هو التقديس؟
- الاعتراف أول خطوات التقديس
- حياة القداسة
- طريق القداسة
- الباب الضيق
- السير مع الآخرين
- من هو الروح القدس؟
- ما هو عمل الروح القدس؟
- الامتلاء بالروح القدس
- يوم الخمسين
- القداسة
- ما هي القداسة؟
- الاحساس بالحاجة إلى القداسة
- معنى القداسة
- القداسة بواسطة كلمة الله ونتائجها الخارجية
- قداسة الارتباط العائلي
مقدمة | ||
توجد درجة عالية من النعمة في الحياة المسيحية الاعتيادية عن الحياة الخاطئة العالمية. ويصفها مختبرها قائلاً: «إن هؤلاء المسيحيين يحلِّقون في العلو الشاهق مع النسور في مسالكها. تراهم دائماً فرحين. لهم حياة القداسة والتكريس الكامل. يستخدمهم الرب أينما وُجدوا. لهم انتصاراتهم الدائمة بمن أحبهم». هذا الاختبار الذي يتكلّم عنه الواعظ سبرجن يُسمَّى بأسماء كثيرة مثل: «الحياة العُليا»، و «التقديس الكامل»، و «الكمال المسيحي»، و «المحبة الكاملة»، و «راحة الإيمان»... وغير هذه من أسماء وأوصاف عدة تختلف حسب وجهات أنظارهم المختلفة. على أن الاختلافات لا تمس الجوهر لأنهم جميعاً يتفقون في شروط الوصول إليها، وفي وصف الاختبار نفسه. فلا يهمنا إذاً اختلاف الأوصاف والتعبيرات، بل الأهم من هذا كله هو: هل حصلنا على هذا الاختبار وأعلناه لمسيحيّي كنائسنا؟ لقد عمَّ الناس شعور عميق بالبحث في هذا الموضوع.
إن المقصود بكلمة «قداسة» بين الناس هو ما يتعلق بالحياة المسيحية وتصرفاتها في كل تطوراتها المختلفة . غير أنَّ أسمى درجات النعمة لا تجعل الإنسان غير قابل للسقوط. لأن الخطية أضلَّت قوانا الأدبية والروحية حتى أنه لا يمكن للإنسان أن يتخلّص في هذه الحياة من آثارها التي تركتها في طبيعتنا البشرية. ومهما بلغنا من درجات الاختبار في النعمة، فإن إمكانية الوقوع في الخطأ ملازمة لطبيعتنا نظراً لما تركته الخطية في أجسادنا من تشويهات، علاوة على نقائص قوانا العقلية «إِلَى أَنْ يَلْبَسَ هَذَا الْفَاسِدَ عَدَمَ فَسَادْ» (1 كورنثوس 15: 53). إن التشوهات التي نتجت عن اختلال نظام القوى الأدبية الجذري الذي وإن شُفي لا بد له من آثار يتركها على هذه الأشياء. والعضو المقطوع يمكن شفاؤه بينما التشويه الحادث لا يزول. إن وعاء طبيعتنا البشرية الذي كُسر بسقوط آدم يمكن التحامه ولكن لا يرجع لحالته الأولى قبل الكسر. ولإصلاح هذا الوعاء يجب أن يستلمه الفخاري ويسحقه ناعماً ويعمله من جديد. فإذا أتانا الموت نتحوّل إلى تراب وبعد ذلك يقيمنا الفخاري السماوي مرة ثانية روحا وجسداً روحانياً. فبقايا آثار الخطية كبقايا آثار الجروح بعد شفائها: «وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي ٱلٱبْتِهَاجِ» (يهوذا 24). ولكن ما نرجوه إلى مجيء ربنا يسوع المسيح هو أن نكون محفوظين. ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج (بلا لوم).
نكرر القول إن الله لا ينظر لما نعمله بل للبواعث الداخلية. فالمحبة الكاملة لا يشترط أن تقوم دائماً بعمل ناجح، بل هي في غرض القلب البسيط المخلص ليقوم بعمل ما في وسعه القيام به لإرضاء إلهه. ربما يقوم ابنك الصغير بعمل يستحق عليه التوبيخ، ولكن بالرغم من ذلك فكل ما تعمله معه هو أن تقبله. كالطفل الذي وضع حذاء أمه في الفرن ليدفئه ليكون مريحاً لها ودافئاً عندما تنتعله. فاحترق الحذاء وتلف. ومع هذا لم تلُم الأم طفلها بعد أن عرفت أن عمله هذا نجم عن باعث طيب. بهذه الكيفية يزن الله أعمالنا.
العالم يلوم من لا يعمل، والناس حولنا يهتمون بالمظاهر الخارجية، ولكن الله ينظر إلى القلب. فبينما الناس ينظرون إلى أعمالنا ينظر الله إلى غرضنا. فما أعظمها رحمة إذ لا يأمرنا أن نسير أمام العالم ونكون كاملين بل أن نسير أمامه ونكون كاملين وكل الذين يحبونه بقلب كامل يعرفون أن ما قاله داود: «هَا قَدْ سُرِرْتَ بِٱلْحَقِّ فِي ٱلْبَاطِن» (مزمور 51: 6) مقبول عنده لتكميل الناموس.
القداسة والتجارب | ||
من الخطأ أن نفترض وجود حالة من النعمة يصل إليها المسيحي بدون أن يتعرّض للتجارب. وما دامت النفس قابلة للتجربةُ، فهي قابلة لسماع التماس الخطية وتوسُّلاتها.
فعندما يتنقى القلب من كل خطية يبطل الهياج الداخلي أي الهياج مع الجسد أو الخطية الأصلية. إذ يخرج خارج القلب كل ما هو معارض ومعاكس لله فيملك المسيح وحده بدون منازع. على أن لنا أعداءً آخرين علينا أن نحارب ضدهم بشدة إلى النهاية. «فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ ٱلْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ» (أفسس 6: 12) والتجربة لا دخل لها بالقداسة، فالرب يسوع نفسه جُرِّب: «مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عبرانيين 4: 15).
الحياة المسيحية هي حياة حرب دائمة. وهذا لا يدل على أننا خطاة أو فينا ميل للخطية. بل بقدر ما نزداد اقتراباً من الله بقدر ما يُسرع الشيطان ليرمينا بسهامه. فحياة بعض المسيحيين ليست قريبة من الله القرب الكافي ليُحفظوا من هزيمة الشيطان عند التجربة. وكلما ازددنا تقدّماً ونمواً في النعمة يزيد الشيطان هجماته ومضايقاته لنا. لأن لا حاجة للشيطان أن يجرد قواته ضد معلّمي الدين الإسميين الخالين من النعمة.
إذ أنَّ أشد التجارب وأقواها هي في الغالب ما تعقب أو تسبق الحصول على بركة ممتازة. فلم تحصل معركة المسيح مع إبليس إلا بعد أن حلَّ عليه الروح القدس لتجهيزه لإرساليته العظمى: «أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ ٱلأُرْدُنِّ مُمْتَلِئاً مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِٱلرُّوحِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ» ( لوقا 4: 1 و2). فتجربته لم تكن مجرد سماح من الله بل كانت جزءاً من قائمة تدبيرات الله التي كان عليه اجتيازها. ونتيجة اختبار تجربته هذه لم يكن له أن يحصل عليها بأي طريقة أخرى، لذلك قيل عنه: «مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا» (عبرانيين 4: 15). لذا يقدر الآن أن يعين المجرَّبين. الأمر الذي صار له بعد أن قاوم هو بنفسه سهام الشرير الملتهبة.
فالتجارب يسمح بها الله لغرض معيَّن. ولا يمكن أن يقع منها علينا شيء إلا عند إذنه الخاص. ألم يُحاج الشيطان الله مشتكياً على أيوب قائلاً: «أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ؟» (أيوب 1: 10). يقول الهنود إنه إذا قتل الإنسان عدواً له فإن قوة المقتول تضاف إلى قوة ذراعي الغالب المنتصر. وفي هذه العبارة تتوضح لنا حقيقة عظمى وهي، أنَّ كل معركة ننهزم فيها تتركنا أضعف مما دخلنا فيها والعكس بالعكس عند الانتصار.
سأل أحدهم: ألم يعرف الرب يسوع المسيح أن يهوذا الأسخريوطي كان سارقاً؟ فكان الجواب: نعم سبق وعرف. فأضاف سؤالاً آخر: إذاً لماذا سلّمه السيد كيس النقود؟ والجواب هو: أنَّ الله يسمح بوجود كيس النقود هذا عند كل شخص - ويُقصد به الشيء العزيز عند الإنسان الذي به يختبر الله إخلاصه ومحبته له - لأن التجربة لا تكون عادة إلا في الناحية المستضعفة في الأخلاق. ويسمح الله بالتجربة لعلمه أننا يمكن أن نقوي ضعفنا بغلبتنا على التجربة في نقطة ضعفنا. وكل غلبة نفوز بها تضيف قوة على قوانا الأدبية وتجعل النصر أسهل لنا في معاركنا التالية. ولهذا جعل يوحنا بنيان في كتابه (سياحة المسيحي) معظم تجارب المسيحي تكون في بداية حياته المسيحية. على أن وقت تكوين الأخلاق هو سنو الحياة المسيحية الأولى. إذ يعمل الشيطان كل ما في وسعه لهدم تلك الحياة. ولكن تتحوّل كلها لخير المؤمن.
لذلك نرى أن كثيرين من المسيحيين المخلّصين مستعبدون، لأنهم لا يعرفون أن يميّزوا الفرق ما بين الأفكار الشريرة والتفكير عن الشر.
إذ يجب أن نميّز بين الأمور المختلفة. لأنه ما دمنا في هذا العالم الشرير وما دامت الحواس الخمس فينا حساسة، فمن المؤكد أنَّ الشيطان سيحاول أن يستعملها منافذ للتجربة. ولكن لا غبار يلحق النفس التي حالما تعرض عليها التجربة ترفضها رفضاً باتاً. إذ أن النفس تستطيع أن تطردها حالاً في وقت عرضها على أبواب الحواس.
ربما يصعب على البعض أحياناً تمييز الأفكار الطارئة على العقل هل هي ناتجة عن الشر الموجود في طبيعتهم أم هي من معروضات تجارب الشيطان الشريرة؟ ولمعرفة ذلك نقول: إنّ التجربة إذا كانت من الخارج لا من داخل القلب فإنها لا تحرّك فينا أيّ رغبة لها ولا يستيقظ أيّ ميل فينا، بل تشعر النفس أنها معاكسة للأميال والرغائب. فإذا كانت هذه هي حالتنا فلنطمئن لأن لا شيء من اللوم أو التأنيب يقع علينا أو نستحقه.
الأفكار الشريرة تنبعث من الشر الموجود في القلب بينما الفكر عن الشر ما هو إلا أحد اقتراحات الشيطان التي يمليها على العقل عن طريق حاسة السمع أو حاسة النظر أو نتيجة الاختلاط أو من الشيطان عدو نفوسنا. لا شرَّ في قلوب الأشخاص المقدّسين ولذلك لا توجد فيهم أفكار شريرة.
إنّما عليهم أن يقاوموا كل فكر وهمسة شريرة تعرض عليهم. وهذا أمر لازم إذ يجب أن يتخذ الإنسان شروط الاحتراس والانتباه اللازم لكي لا يعطي للتجربة فرصة للهجوم عليه وبذلك يكون بلا لوم ولا عيب، وحتى لا تترك التجربة أي تأثير عند مرورها عليه. كالبحيرة الجميلة التي لا تتأثر ولا يتعكر ماؤها بمرور ظل السحابة عليها. فليست التجربة خطية بل الخضوع لها هو الخطية وللغلبة شرط يجب إستيفاؤه لتهتف النفس بالغلبة مع الرسول بولس.
تعرض التجربة أولاً على عقل الإنسان وفي لحظة تنتقل إلى موضع تفكيره. ومن هناك تمر إلى مواضع الإحساس فتتفاعل مع حواسه وشهواته ورغباته أي عواطفه. ومن هنا يكون الخطر إذا تهيّجت هذه الأميال وانجذبت نحو التجربة. على أنه يمكن أن تمرالتجربة في مسالكها السابقة ولا يتحتّم الأمر بالوقوع في الخطأ حتى في حالة كوْنِ القلب غير مطهر من الخطية تماماً.
تجد التجربة ميلاً متفاوتاً نحوها. ونقطة الخطر حينئذ هي باستحسان التجربة وتعزيزها بالميل الشرير. أما إذا قالت الإرادة للتجربة (لا) فحينئذ تفشل مساعي المجرِّب وتخرج النفس غالبة منتصرة.
هذا مع العلم أنه يمكن للشيطان أن يحاول محاولاته مع النفس المطهّرة تطهيراً كاملاً وإقناعها بالخضوع للخطية، فيقذف فيها طبيعة الخطية ويرجع القلب لحالته الأولى - كما أُغويت حواء أولاً التي كان قلبها في نقاوة كاملة - إلا أن مساعيه في هذه الحالة لا يكون لها النفوذ الأول على القلب قبل تلطيخه بالخطية تلطيخاً كاملاً لعدم وجود خطية ساكنة في الداخل تفتح الأبواب لقبول الشيطان الواقف خارجاً. فالقداسة هي إذاً ليست عصمة من الخطية بل حالة يكون فيها الإنسان في موقع عدم الوقوع في الخطية لأن النفس تكون في حالة القوة والثبات والرسوخ الكامل.
وهكذا ندرك أنه ولو كانت الحرب شديدة ومستمرة بين النفس والتجربة، إلا أن المسيح الساكن والمالك على النفس يعطيها غلبة كاملة في كل المواقع. وكما أن العواصف تساعد الأشجار في ترسيخ جذورها، هكذا نحن سنجد أن التجارب المتنوعة والإهانات والتعييرات وحمل الصليب هي أقوى العوامل التي تعمل لنمو النفس في النعمة.
القداسة والخطية | ||
كل نفس عرضة للوقوع في الخطأ مهما وصلت إليه من درجات القداسة.
يقول البعض أن القداسة والتنقية التامة من الخطية هما عين الشرك الذي يوقع النفس تحت التجربة. لأنهم يقولون إن التجربة لا توجد في نفس لا ميل لها للخطية في طبيعتها. ولكن هذا الافتراض غير صحيح وإلا لكانت الملائكة وآدم في الجنة والرب نفسه لم يجربهم بتجارب حقيقية. ولكن الواقع هو أن الملائكة سقطوا وآدم أخطأ والرب يسوع المسيح قد جُرِّب: «مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عبرانيين 4: 15). وهذا كاف لبيان أن النفوس المقدسة مجرَّبة.
فإذا كانت الملائكة قد سقطت وكذلك آدم، فبالأحرى بنا أن نسهر ونصلي لتكون قلوبنا جادة ونشيطة في طلب القداسة والنقاوة.
ومع أن الإنسان ذا القلب النقي هو في حالة هي أبعد ما تكون عن الوقوع في الخطية، إلا أنه يجب أن ننزع الثقة بالذات ونكون في أقصى ما يمكن من حالات الحذر والتيقظ التام خوفاً من أعدائنا لئلا: «نَرْتَبِكُ أَيْضاً بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ» (غلاطية 5: 1). فالأمان التام هو نتيجة السهر الكامل في النعمة لئلا تدخل في النفس العجرفة والكبرياء: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَليَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ» (1 كورنثوس 10: 12).
وعلى ذلك فالعصمة الكاملة هي ليست من اختبارات المسيحي إلا أن المقدرة على العيش بدون الخطية أمر ممكن ومستطاع.
إمكانية الوقوع في الخطية أمر يُحتمل حصولهُ، غير أنّ هذا لا يعني بالضرورة إمكانية حتمية السقوط لأنّ نعمة الفادي تمكِّن الإنسان، من وقت تجديده، أن يستمر غالباً منتصراً بدون الوقوع في عمل أي خطية. ماذا يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: «أَنَبْقَى فِي ٱلْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ ٱلنِّعْمَةُ؟ حَاشَا! نَحْنُ ٱلَّذِينَ مُتْنَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟» (رومية 6: 1 و2) وأيضاً في رسالته إلى أهل تسالونيكي يقول: «أَنْتُمْ شُهُودٌ، وَٱللّٰهُ، كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلاَ لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (1 تسالونيكي 2: 10) هذه كلمات إنسان يموت مثلنا ولكنها كانت حقيقية لأن الحياة التي عاشها يشهد لها الروح القدس أنها مقدسة وبارة وبلا لوم. وتعليم الرسول يوحنا يتمشَّى جنباً لجنب مع تعليم بولس الرسول.
فإن غرض رسائله كلَّها هو تحذير المؤمنين من الخطية وحفظ أنفسهم منها: « أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا» (1 يوحنا 2: 1) ومن يقرأ الأصحاح الثالث من رسالته الأولى بدون غرض سوى طلب الحق، يتجلَّى له أنّ المؤمن كما خلُص بالإيمان بالمسيح من خطاياه هكذا عليه ألا يخطىء بالاستمرار ثابتاً فيه. لأنّ المؤمن يجب عليه عدم فعل الخطية.
تصبح إمكانية عدم فعل الخطية هنا إلزاماً لكل مؤمن. لا فرق بين المؤمن البسيط والمؤمن الذي يتمتَّع بحياة عالية من الإيمان. والفرق في قولهم إنّ الأول يخطئ والثاني لا يخطئ خطأ، لأن هذا هو الفرق بين الخاطئ والمؤمن كما يقول الرسول يوحنا: «بِهٰذَا أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ» (1 يوحنا 3: 10). يقول البعض إنّ المقصود من هذه الآية هو الخطايا المألوفة، ولكنَّ الوحي لا يقول ذلك ويوحنا الرسول نفسه أكّد ذلك عندما قال: «مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ (أي عن معرفة وإرادة( فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ» (1 يوحنا 3: 8). ولا توجد قط درجة ما من النعمة مهما كانت تجيز للإنسان فعل الخطية الارادية، حتى ولو كان المسيحي في أبسط درجات النعمة فإنه لا يفعل الخطية تكراراً.
يوضح هذا الأصحاح نقطة أخرى وهي استحالة دوام بنوية المؤمن لله في حالة استمراره على فعل الخطية إذ لا يمكن اتحادهما معاً في شخصية واحدة. وكما أنه لا يمكننا أن نقول عن إنسانٍ سارقٍ إنه أمينٌ أو عن إنسانٍ كاذبٍ إنه صادقٌ في ذات الوقت، كذلك لا يمكننا أن نقول عن إنسانٍ يفعل الخطية باستمرار وبتكرارٍ بأنه مؤمنٌ بذات الوقت. عندما تولد النفس من الله يحل فيها مبدأ جديد وهو «محبة الله» وهذه المحبة هي شيء فوق الإرادة. ولا يمكن أن تكون الإرادة ضداً لناموس الله ما دامت هي في محبة معطي الناموس. والآية الآتية توضح ذلك وهي: «كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ (مبدأ المحبة الجديد)، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ» (1 يوحنا 3: 9). فالعبارة (لا يستطيع أن يخطئ) يقولها كل ابن إذا جرب في محبة أبيه لأنه يرى نفسه تحت إلزاميات عظيمة وكلمة «لا يستطيع» هي لأنه لا يريد. فعدم الاستطاعة ليست من جهة إمكانية الجسد بل هي بحسب الناموس الأدبي.
يوجد فرق بالطبع بين ارتكاب الخطية نتيجة الضعف وعدم السهر. وبين الخطية المرتكبة بمحض الحرية والاختبار المطلق. ففي وقت الغفلة وعدم الانتباه ربما يرتكب أعظم المسيحيين خطيئة ما. ولهذا النوع من الخطايا شفاعتها عند رئيس كهنتنا الأعظم. ولكن حتى خطايا الغفلة هذه ليست حتمية ويمكن ألا تكون.
وكلمة (إن) الشرطية تدل على إمكانية عدم الحصول في الآية: «وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ» (1 يوحنا 2: 1) وإلا فما كان من لزوم للشرط هنا إذا كان المقصود منها إنَّ كل إنسان لا بد أن يخطئ بل ويصبح المعنى المفهوم ضداً لفحوى الرسالة كلها.
فالتعليم الكتابي بلا شك هو هذا أنَّ المسيحي لا يتحتَّم عليه فعل الخطية وأن طبيعته ضد الخطية ولو أنه ممكن أن يسقط ولذلك إن أُخذ إنسان في زلة فلا يفشل لأن الله دبَّر له في رحمته بالمسيح يسوع صفحاً وغسلاً ثانياً عندما يعترف بخطيته التي ارتكبها.
كم من المشاحنات تنشأ عند التعبير عن الخطية وذلك لعدم الدقة في نص تعبيرها. فلا نفهم من هذا الفصل أن الخطية هي انحراف لا إرادي عن ناموس الحق بل هي فعل اختياري ضد ناموس الله بناء عن معرفة من الإنسان. والمفهوم من فعل الخطية الواردة في كتاب العهد الجديد هو أن يتعدّى الإنسان بمحض اختياره ناموس الله المعروف لديه. هذا على أننا لا نقول أبداً أن تعدّي الناموس في حالة عدم وعي واختيار شخصي هو خطية بل أعمال غفلة وسهو.
ربما يظهر هذا النوع أنه خطية عند من يلاحظه، ولكن هذا العمل ينقصه الشيء المهم الذي يجعل العمل خطية وهو تدخل الإرادة في الفعل. لأن الخطية في الحقيقة هي في الإرادة والغرض أكثر منها في النتيجة الظاهرة. وكل عاقل يقول أن جرم الخطية هو في التعدي عن قصد لارتكاب هذا الخطأ. على أن شعور الإنسان الادبي يقوده للحكم ببراءة من يرتكب خطأ في حين غفلة وعدم معرفة. فيجب أن نميز بين الخطية وأعمال الغفلة والسهو. وإذا فحصنا كلمة الله. نجد هذا واضحاً ومتميزاً الواحد عن الآخر ففي يوم الكفارة العظيم تغفر أغلاط (جهالات) كل الشعب التي أخطأوا بها وذلك بدم الذبيحة العمومية التي يقدمها رئيس الكهنة لأجل نفسه ولأجل الشعب (عبرانيين 9: 7) ولكن حيث يوجد عبراني ارتكب خطية إرادية بشخصه كان عليه أن يقدِّم ذبيحة خاصة لذاته فقط .
لكي تغفر الخطايا يجب أن يعترف بها مرتكبها ويلتجئ إلى دم الرش دم الرب يسوع المسيح. ولكن الخطايا الغير إرادية المسمَّاة جهالات فهذه تُغطّى بدم المسيح بدون عمل الإيمان المحدود من جانب المؤمن. وقد تكلَّم الواعظ وسلي عن هذا النوع من الخطايا فقال: «يمكنكم أن تسمّوها خطايا إذا شئتم وأما أنا فلا أدعوها بهذا الاسم لأنه ما هي الخطية؟ أليست هي تعدّي الناموس؟ ولكن هل كل تعدّي للناموس هو خطية؟ من يقدر أن يثبِّت ذلك؟»
ما دمنا في الجسد لا بد لنا من غلطات وضعفات ونقائص غير إرادية. فقوة المسيح هي القوة الحافظة لنا في كل ساعة من وقت تجديدنا.
فهو يقوّي فينا الإرادة ويجعلها كالصوان قادرة أن تصد كل فكر ضد إرادة الله. لأنه لا توجد قوة أرضية أو جهنمية تقدر أن ترغم الإنسان لإرتكاب الخطية ما دام هو متكلاً على الله للنجاة منها. إن المسيح لم يأتِ ليستر خطايانا بمعنى ليكون لنا بمثابة حق وحرية لفعلها، بل ليعطينا نصرة مستديمة على الخطية ويعلمنا أننا بوضع ثقتنا فيه لا يمكن أن نهزم قط، فإن الرسول بولس في تعبيره عن الغلبة عبَّر عنها بوفرة وفيض فقال: «يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا» (رومية 8: 37). قال الدكتور رندل هارس: «يجب أن نعبّر عنها بهذا التعبير وهو أن لنا غلبة بدرجة عظيمة جداً وفائقة». ويقول كفرد معطياً روح المعنى في ترجمته قائلاً: «غلبتنا بعيدة الحدود». وهذا ما يحقق تماماً قول الرسول بولس: «وَلٰكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ ٱلْخَطِيَّةُ ٱزْدَادَتِ ٱلنِّعْمَةُ جِدّاً» (رومية 5: 20).
فلو تُرك الانسان لنفسه لوافقنا على أن الغلبة على الخطية أمر مستحيل ولكن الأمر لا يتوقّف على ما نستطيع نحن أن نعمله بل على ما يستطيع هو. وهل يصعب على الرب أمر؟
ألا نستطيع بمعونة الله أن نعيش بلا خطية لحظة واحدة؟ وإذا استطعنا لمدة لحظة فلماذا لا نستطيع لمدة ساعة ولمدة يوم وسنة؟ هل نريد أن نضع حدوداً لقدوس إسرائيل !! لا يمكن أن تكون للإنسان غلبة على الخطية ما لم ينتظر هو ذلك. ولا يمكن أن ينتظر إنسان شيئاً بالإيمان إلا ويختبره. نحن ضعفاء ولكن لنقل مع الرسول بولس: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَّوِينِي» (فيلبي 4: 13)، «وَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ» (مرقس 9: 23) .
إن لم يفهم الإنسان طبيعة الخطية لا يستطيع أن يفهم طبيعة نفسه. والأهم من ذلك فإنه لا يستطيع أن يفهم طبيعة الله ولا معاملاته معه لأنه لا يمكن لأحد أن يقدّر قيمة عمل المسيح الفدائي ما لم يختبر جرم الخطية في نفسه. وللخطية وجوه مختلفة ولكنها تظهر بشكلين ظاهرين متميّزين. وبدون إدراك هاتين الخاصتين، الخطية الفعلية والخطية الأصلية، لا يمكن فهم طبيعتها ولا العلاج الذي دبره الله لها.
يقول أحد الكُتّاب إن الإنسان ليس بخاطئٍ لأنه إذا عمل الشر فما ذلك إلا لأن طبيعته هي الخطية. فمهما درَّبته ومرَّنته لا بد وإن يخطئ لأن فيه طبيعة الخطية. ووراء الخطية الفعلية الخطية الأصلية التي تسببها. وإذا أزلنا السبب بطل المسبب عنه... إن مضمون كل ما ورد في الوحي يعلمنا أن الغرض من موت المسيح لم يكن النجاة من نتائج الخطية فقط بل الخلاص من علة الخطية أي الخطية الأصلية وهي كما يسمّيها الرسول بولس «جسد الخطية» الذي يجب أن «يُصلب» وُيخلع «كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّة» (رومية 6: 6). فطريقة الله ليست تقليم الغصون أو علاج الدمامل بل الرجوع لأصل العلة.
القداسة وسكنى الله في الإنسان | ||
القداسة هي حالة من النعمة فيها تخرج كل الخطية من القلب.
فالخطية تهرب من حضرة الله القدسية كما تهرب الظلمة أمام النور. وكما أن كل مكان تغشاه الظلمة إذا خلا من النور كذلك كل جزء من القلب تغشاه الخطية إذا خلا من محضر معطي الحياة.
يعلم البعض أن الشرط الوحيد لسكنى الله في النفس هو أن تنقي النفس ذاتها لقبوله. ولكننا لا نستطيع أن نطهّر ذواتنا كما وأننا عاجزون أن نأتي بالمسيح ليمتلكنا. فعلينا إذاً أن نسمح له ليدخل قلوبنا ويطهّرنا هو بعملية حضوره هذه ويُعدّنا وحده لسكناه فينا.
لقد تعودنا أن نقول أنّ المسيح يخلصنا بموته على الصليب. هذا حق من وجهة عامة ، ولكنه ليس كل الحق، لأننا نحتاج إلى المسيح ليكون (فينا) كاحتياجنا إليه ليموت (عنا) بالثقة فيه، هو الذي أتمّ أمر خلاصنا على الصليب نحن نخلص، ولكن لكي نطهر من الخطية الساكنة فينا ولنحيا حياة الغلبة يجب أن يسكن المسيح نفسه فينا ليكون لنا مخلصاً حياً دائم الحضور، وبقدر ما نسلم حياتنا له ونخضع لملكه وقيادته نتمتع بحياة القداسة، وهو يقدم لنا مجيئه بشخصه ليكون لكل واحد وللجميع الحياة الساكنة فيهم. الشيء الذي يولد فينا نقاوة حياته ويمكننا أن نحيا بين الناس كما عاش هو.
يتكلم المسيح عن نفسه كالساكن في شعبه والباعث للحياة الفائضة فيهم كما تفيض الكرمة في أغصانها، فحياة القداسة تشبه كثيراً حادثة التجلي التي أظهر فيها اللاهوت نفسه معلناً ذاته في ضعف الناسوت. لأن ما القداسة إلا هي لمعان نور حياة الله في الإنسان. يقول أحد الكُتّاب الأولين: «إن القداسة هي حياة يسوع في الإنسان فتغيره». أي أن الشخص يظهر هنا على الأرض بصورة تشابه نوعاً ما الشكل الذي سيكون عليه عند مجيء (الرب في مجده). فلو امتلكنا المسيح امتلاكاً كاملاً، فلا بد وأن يعمل بنا، بالرغم من استعمال الوسائط الضعيفة، أعمالاً مجيدة كان يعملها هو لو كان هنا على الأرض بالجسد، لأن غرض سكنى المسيح في القلب هو لكي يظهر حياته فينا، وهذا هو سر الحياة المقدسة.
لا يوجد أحد قدوس سوى الرب الذي عندما يأتي ويأخذ مسكنه في وسط كيان النفس ينقي كل البيت مخترقاً إياه بقوته المتلألئة من حضوره المبارك. سألت المرأة السامرية عما إذا كانت تستطيع أن تشرب من الماء الحي. فأجابها المخلص أن البئر يجب أن تكون فيها.
وهذا عين ما يكون لنا في حالة القداسة أي ليست عطايا الله بل شخصه يكون فينا. إن كان لنا العريس فسيكون لنا كل ماله، ولكن المعطي نفسه يسمو بما لا يقاس فوق عطاياه لأن العطايا تزول ولكن المعطي يدوم. قال المسيح: «إِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا 14: 23). هذا شيء لم يعرفه قدّيسو العهد القديم. كان الله مع إبراهيم وموسى وإيليا ولكنه الآن يسكن في أضعف وأبسط شخص من قديسيه إذا قبله بإخلاص. وهذا هو السر المخفي منذ أجيال ودهور: «ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ ٱلْمَجْدِ» (كولوسي 1: 27). كما هو مكتوب «بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ ٱللّٰهِ فِي سِرٍّ: ٱلْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، ٱلَّتِي سَبَقَ ٱللّٰهُ فَعَيَّنَهَا» (1 كورنثوس 2: 7). والمسيح «صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ ٱللّٰهِ وَبِرّاً وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً» (1 كورنثوس 1: 30) وهذا ما يقدّمه لنا الإنجيل أي شخص المخلص الحي وهو المسيح حياتنا.
يصف الوثنيون الفضيلة بأنها قمع الشر وكبح جماحه، ولكنهم لا يعرفون شيئاً عن القداسة التي هي لمعان حياة الله في الإنسان. فالمسيحية هي الديانة الوحيدة التي تعلّم أن الله يسكن في الإنسان. قال المسيح أثناء حياته على الأرض إنَّ الآب يسكن فيه حتى أن أقواله التي ينطق بها وأعماله التي يعملها ليست له بل للآب الساكن فيه. وهو يريد أن يسكن فينا كما كان الآب فيه. فيفكر بعقولنا ويريد بإرادتنا ويعمل في حركاتنا لنكون قنوات فيها يسكب من نفسه ومن حياته المستترة فينا إلى الآخرين، «بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي ٱلْمَجْدِ» (فيلبي 4: 19)، الشيء الذي هو قياس المدد الذي لنا فيه. لأن الملك يعطي كملك والله يتصرف كإله. فهو يريد أن يعمل فينا وبواسطتنا ما يليق بمقامه.
الأشخاص الذين لم يمتلك المسيح قلوبهم ملكاً كاملاً لا يقدرون أن يختبروا حياة الغبطة والسعادة التي لا تنفصم عراها الناتجة عن الشعور الدائم بسكنى المسيح فيهم الشيء الذي يجب أن يتمتّعوا به باستمرار. وما ذلك إلا لأن زيارات المسيح لهم قصيرة. شركتهم متقطعة بل ومعطلة. وسبب ذلك هو لأنهم لم يكرسوا ذواتهم تكريساً تاماً للمسيح.
فعبثاً يصلي مثل هؤلاء لطلب ملء الله. لأن الله يريد الكل ليملأ الكل. إذ أنه عندما نبطل حياة الذات ونخلص منها فهو يملأنا من ملء نفسه بكيفية طبيعية كما يندفع الهواء ليملأ فراغاً خالياً منه، وهذا الفراغ نكونه بإنزال أصنامنا عن عروشها، وفي الغالب فإنّ الصعوبة الوحيدة التي تسبب كل التأخير هي مشكلة عدم رضا النفس أن تكرس ذاتها بل وإخضاعها تماماً للمسيح بحيث لا تعمل شيئاً بناء على إرادتها الشخصية، خصوصاً لأن الذات تستطيع أن تتدخل في أمور صغيرة بطريقة محسوسة كما في الأمور العظيمة، وربما يكون العائق زهيداً جداً يخرج عن دائرة ملك المسيح، كتفضيل أمر مستحب لنا. أو ميل داخلي نحو شيء لا يرضاه المسيح. أو عدم القيام بواجب بسيط أو لزوم الانفصال عن جماعة لا يجب معاشرتها أو التمسُّك بنوع من الزينة. وعلى أي حال إن لم تُصلب الذات تماماً لا يمكن الإنسان أن يختبر معنى امتلاك المسيح لنفسه.
يجب أن يُفرغ الإنسان يديه تماماً ليمسك بهما مسيحاً كاملاً ... لم يقل الرسول بولس مع المسيح صلبت فأحيا أنا لا هو. لأن هذا ما يحصل إذا كانت الذات باقية تنازع المسيح في عرش النفس. الذات هي التي يجب أن تُسمَّر بالصليب لكي يأخذ المسيح عرشه في النفس. يقول لوثر عن اختبار أشبه بهذا: «لو أُتي شخص وقرع باب قلبي وسأل عمَّن يسكن فيه. لأجبته أن الساكن هو المسيح وحده وليس مارتن لوثر لأنه مات من مدة طويلة». لأنه كما مات يعقوب الأناني الذي يطلب ما لنفسه وخلق منه إسرائيل الغالب هكذا الحال معنا. فمن رماد حياة الذات تخلق الحياة الغالبة. لأنه عندما نخضع آخر ما في الإرادة الذاتية حينئذ تقوم فينا قيامة الحياة الجديدة، وعندما يوجد فينا هذا الاستعداد لأن نقول إني مستعد أن أترك كل ما لا يكرم اسم الرب يسوع ويمجده.
بل بالحري أرفضه. ولذلك أقدم نفسي وكل مالي بين يديه ليس في هذه الحياة فقط بل وفي الأبدية أيضاً فأتبعه أينما يسير، وعندما نصل إلى هذا الحد فهو يمتلكنا ويدخل إلى قلوبنا فيطهِّرها وينقيها من كل شر معلناً لنا ذاته في غرف القلب الداخلية وحينئذ نتحقق في أعماق هدوء القلب أنَّ لنا مخلصاً ساكناً فينا.
القداسة والسير مع الله | ||
ليست القداسة حالة تصل إليها النفس، ولكنها طريق يسير فيها المفديون متمتعين بدوام تابعيتهم للمسيح طول مدة السير.
ندخل طريق القداسة بالتكريس والايمان كعملين محدودين في وقت معين. ثم نواصل السير فيه بدوام التسليم والثقة، وكلما سرنا مع المسيح زالت منا الآثار العالمية وانطبعت أذهاننا بالطابع السماوي. فنتغير إلى صورة المسيح إلى أن تضيء وجوهنا بالمجد السماوي. كما حصل مع موسى الذي: «لَمْ يَعْلَمُ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ» (خروج 34: 29). وذلك بتأثير المجد اللامع الذي اكتسبه بالوجود في حضرة يهوه. هكذا كل من يسير مع الرب تنبعث منه قوة وتأثير لا يعلمه هو. يؤثّر في الخطاة فيرعبهم كارتعاب الشيطان عند رؤية آدم وحواء في عدن قبل دخول الخطية. لقد قال عن حكمة أحد الكتاب الأقدمين: منذ البدء توجد طبقتان من المسيحيين. الطبقة الأولى وتشمل الأغلبية الساحقة. وهم من يعيشون عيشة لا أذى فيها للغير، بل وليست ممتلئة أعمالاً صالحة مبتعدين عن الخطايا الجسيمة متذكرين وصايا الرب، غير باذلين مجهوداً في الحرب ضد العالم ولا جادين في مساعيهم لتقدم ونجاح مملكة المسيح. وهم لا يبتغون الوصول لحالة روحية سامية ممتازة ولكنهم راضون بالدرجة الاعتيادية التي بلغوها كجيرانهم ومعاشريهم. وأما الطبقة الثانية فإنها لا تألوا جهداً في الابتعاد عن كل رذيلة، وهم أيضاً غيورون للأعمال الحسنة، متمسِّكون بفرائض الرب وباذلون أقصى ما في وسعهم للوصول إلى الفكر الذي في المسيح. يسيرون في أثر خطوات سيدهم المحبوب. يدوسون بلا تردد على كل متعةٍ يرون فيها تعطيلاً لهم في سبيل بلوغهم طريق النفع العظمى. وهم ينكرون ذواتهم ليس فقط إزاء كل ما يجذب قلوبهم أو في كل ما هو محرم بل في كل ما يعرفون بالاختبار أنه ينقص في فرحهم بالرب. يحملون صليبهم يومياً وصلاتهم في فجر كل يوم هي: «أيها الرب يسوع المبارك مجِّد ذاتك في هذا اليوم»، لأنّ فعل مشيئة الله هي طعامهم وشرابهم، وهم في حركة دائمة ولا يهدأون إلا في مكان الخلوة حيث يلذ لهم الفرح المقدس والتسامي الروحي في الحضرة الإلهية فيتركون مخادعهم وهم مثل موسى الذي نزل من جبل الرب ووجهه يلمع بالمجد الإلهي. وإذ يزورون الناس المحتقرين والمنبوذين يبرهنون بذلك على قدسية بشارة الإنجيل.
مسيحيون كهؤلاء هم أواني للكرامة. ذوو نفوس عالية ومكانة سامية يستخدمهم الله لإتمام أغراضه. لقد جرت العادة في الأزمان الغابرة في إنكلترا أن كل من يدخل في خدمة الملك يصبح نبيلاً بحكم وظيفته. ونحن فخرنا العظيم أن يستخدمنا الرب. وإن كانت نتائج الخدمة كالصيت والشهرة وحسن المكافأة لها قيمتها لكن لا يوجد شيء أعظم وأسمى وأكثر بركة من خدمة الرب في حد ذاتها ولو كانت مجردة عن كل شيء آخر. وعلى ذلك فالأواني الموضوعة جانباً الغير المستخدمة، هي تلك الغير النافعة لخدمة السيد. فعلى كل شخص أن يقرر لنفسه من أي نوع هو.
ولكي لا نخطئ في الأمر لنتأمل في بعض مميزات من هم أواني للكرامة.
في 2 تيموثاوس 2: 20 - 21 يذكر الرسول بولس ثلاث ميزات «أواني الكرامة» وهي «مقدسة» و «نافعة لخدمة السيد» و «مستعدة لكل عمل صالح». الكلمة «مقدسة» هي من ضمن الكلمات التي نكررها ولكن قلما نفكر أن نصل إلى معناها الخاص المقصود في العهد الجديد: يُترجم أحياناً نص الكلمة الأصل بمعنى (مبارك) و(القدس) لكن الفكر الأصلي في الاثنين بمعنى واحد. وهو فكرة العزل والنقاوة. ففي العهد القديم قُصد بها أن يكون الشيء مفروزاً لخدمة مقدسة. فقد كان بنو إسرائيل يأخذون أبكار ماشيتهم ويعزلونها عن بقية الغنم مخصِّصين إياها للرب لتقدمتها ذبائح. واستعملت الكلمة أيضاً على مدينة أورشليم والهيكل وآثاثه وعن الكهنة القائمين بالخدمة فيه الذين كانوا يُفرَزون لخدمة الرب الشريفة دون أي خدمة أخرى. وبخصوص هارون وأولاده الذين فُرزوا لهذه الخدمة، فُرض عليهم أن يكونوا علاوة على الفرز أيضاً مقدَّسين. فعند دخولهم للخدمة يقدمون كبش التكريس ويُرش من دمه عليهم. على شحمة الأذن وإبهام اليد اليمنى وإبهام الرجل اليمنى. إشارة على أن الإنسان يجب أن يكون كله نقياً طاهراً. وعند ذلك كان يوضع عليهم دهن المسحة على الجسم والملابس. ويُكرّر هذا العمل لمدة سبعة أيام. فتكرار الغسل ورش الدم ولبس الثياب البيضاء كانت كلها ترمز إلى النقاوة اللازمة قبل أن يكون الإنسان (نافعاً لخدمة السيد). من المحتمل أن فكرة الهيكل قد خطرت أولاً في فكر الرسول فقادته لأن يذكر أهم مؤهلات الخدمة وهو (التقديس) كشيء لازم لكل خادم كي يكون (إِناءً نافعاً).
إنّ المعنى الأساسي لكلمة تقديس هو «فرز». يتقدَّس الانسان لما ينفصل عن كل شر وفساد ويكرس كل قلبه وحياته لعمل مشيئة الله. فالقداسة من هذه الناحية هي شيء يجب أن يتمِّمه الشخص بنفسه كعمل محدود معين. فيخضع نفسه لله في روح التسليم الكلي لأن تسليم نفوسنا لله يجب أن يكون كاملاً شاملاً للجسد والنفس والحياة والمواهب والصيت. وفي كل شيء لكي يستخدمنا الله في أي زمان ومكان بالكيفية التي يريدها وليس بغيرها سواء كان هذا يختص بكياننا الداخلي أو بأعمالنا والآمنا. وتقول النفس مع المرنم ما معناه : (ها أقدم لك كلّي ومالي. أصحابي ووقتي وما يخصني في هذه الأرض. نفسي وجسدي جميعاً لك الآن وإلى الأبد).
لا يمكن أن نكون لله تماماً ما لم نقرر ذلك الأمر وننتهي منه مرة واحدة كعملية معيّنة محدودة بمحض إرادتنا وعواطفنا وأغراضنا، لأنه باستخدام كل ما لنا من مقدرة وموارد بل وكل شيء نصبح ملكاً له للأبد.
وهذا التكريس ليس هو التقديس ولكنه جزء منه وهو الجزء الخاص بالناحية البشرية. لأنه بذلك تُعدّ الطرق لما يعمله الله من ناحيته الإلهية. ولكي يكون التقديس فينا تاماً يجب إذاً أن يتمم الله عمله فينا وهو عمل التنقية وتكميل طبيعتنا الأدبية الموعود بها لنا في العهد الجديد، والتي لأجلها دفع المسيح الثمن وأعد ما يلزم. فالتكريس هو واجبنا نحن. وأما التطهير فهو عمل الله وله وحده. والله يتمم عمله على أثر إتمام واجبنا. ومن أجل هذا قدم الرسول بولس صلاته السامية من نحو أهل تسالونيكي «وَإِلٰهُ ٱلسَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِٱلتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (1تسالونيكي 5: 23).
فمعنى التقديس التام هو تخليص النفس من كل ما فيها من الطبيعة المضادة لله. وعندئذ يتقدس كل ما لنا من كفاءة وإستعداد وقوة. ويستعمل الرسول يعقوب أيضاً تعبيراً خاصاً لم يرد إلا مرة واحدة في رسالته: «لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ» (يعقوب 1: 4). والكلمة (بلا لوم) هي عينها المترجمة هنا (تامِّين وكاملين) وشرحها ورد حالاً في العبارة التي تلتها إذ قال (وغير ناقصين في شيء). ووردت الإشارة مرة ثانية في نظام ذبائح العهد القديم وهي أن يكون الحمل المقدّم كذبيحة، تاماً في تكوينه وأعضائه. لا تشويه به بنمو شيءٍ زائدٍ فيه أو نقصٍ في أعضائه. ربما يكون الحمل كبير أو صغير الجسم والسن أو سمين أو هزيل الجسم عن غيره من الأغنام. ولكن ما دامت كل أعضائه بلا تشويه بسبب ضعفٍ أو نقصٍ أو زيادةٍ حينئذ تُعتبر الذبيحة كاملة بحكم الناموس. كذلك المسيحي الذي له هبات الروح ولا ينقصه منها شيء بدون وجود ما يناقضها في داخله يمكن أن يُحفظ تاماً وكاملاً بلا لوم إلى مجيء الرب يسوع لأن له إله السلام هذا.
وكلمة (نفسه) هي لتأكيد حقيقية عمل تنقية النفس من الخطية، الأمر الذي هو من عمل الله وليس لنا لأنه سيحل الفشل الأبدي إذا كان الأمر يتوقف على مسعانا البشري، ولكن كل الصعوبات تتبدد حينما يتولى الله الأمر. إنّ الله إله السلام الذي ابتدأ بعمل النعمة في قلوبنا هو نفسه سيكمل عمل التنقية. ولا حاجة إذا لمرور وقت طويل بين تسليم النفس وبين إزالة طبيعة الفساد الداخلية بالقوة الإلهية. لانه عندما يوضع الكل على المذبح لا يلزم شيء آخر إلا أن نثق فيه كي يتمم العمل الذي يستطيع ويريد أن يعمله. لأنه يطهر ويحفظ في النقاوة كل الذين يثقون فيه بالتمام. والعبارة الواردة في صلاة الرسول تبين أن عملية التطهير تتم في لحظة ولا تستغرق إلا برهة من الزمن لأن الفعل يطهر هو في صيغة تبين إتمام العمل في لحظة ككل الأفعال الواردة تحت هذا الباب من الأفعال. ولا يوجد مثل هذه الأفعال لا في العربية ولا في الإنكليزية ولا في أي لغة أخرى سوى اليونانية . فالتقديس لا يُقصد منه أن يعدّنا فقط للعالم الآتي بل هو الإعداد الوحيد في هذا الزمان ليكون الإنسان نافعاً لخدمة الله.
نحن بمثابة الأنابيب أو القنوات التي فيها تجري النعمة الإلهية فتوصلها إلى النفوس. ولكن إذا كانت هذه القنوات مسدودة بالكبرياء أو بالأغراض الواطئة الردية أو بروح الذات والأميال الأرضية أو بشرور أخرى مختبئة في الداخل، فكيف نكون إذاً نافعين لخدمة السيد؟ ولكن لما نُفرِغ أنفسنا من هذه ونمتلئ من الملء السماوي حينئذ يعظم الحيز ونفيض بالبركة لمن حولنا من ملء النعمة الجارية فينا.
ألا تعلمنا اختباراتنا أن القداسة والنفع في الخدمة هما حلقتان لا تنفصلان. لأن الله يكلل بالنجاح النفس التي يقدمها بتمام عمله فيها. فلا يتوقف الخير الحقيقي للعالم على قوة العقل مهما بلغت أو على الذكاء مهما كان مفرطاً أو على الفصاحة مهما كانت أخّاذة بالنفوس بل يتوقف على مجرد التقوى وقداسة الحياة والتكريس الكلي، الأشياءالتي بها نستمد قوة ولا يُعد الذكاء البشري بجانبها شيء يذكر. ربما تظهر الأعمال بدون القداسة أن لها نتائج عظيمة ومرضية. ولكنها في الحقيقة تكون قليلة غير مشبعة لأنه يمكن أن نعمل نحن لأجل الرب وهو لا يعمل معنا. وفي الحقيقة لا يمكن أن يكون الإنسان نافعاً لخدمة السيد بكيفية سامية عالية ما لم يتوفر فيه التكريس والنقاوة. ولهذا السبب فكثيرون من المسيحيين غير نافعين للخدمة. ونتائج خدمتهم ضعيفة جداً وضئيلة . لأنها ما هي إلا خدمات عالمية دنيوية خالية من الروحانية ليس لها من العمل الروحي إلا الإسم وذلك لأن مؤهلاتهم الروحية لا تؤهلهم إلا لهذا النوع من الخدمة فقط.
فأول عطايا الروح لنا هي تقديس نفوسنا وبه نصير نافعين لخدمة السيد. ولا يمكن أن تكون خدمتنا مقبولة ما لم تكن نفوسنا مقدسة .
يخبرنا مؤرخ روماني عن شخص قدّم هدية لزوجة قيصر لمناسبة تتويجها بينما كان هو عاصٍ على القيصر. فأرجع القيصر له هديته مرسلاً معها كلمة تحذير: قدِّم أولاً الطاعة وبعد ذلك الهدية. وهذا معنى ما يقال لكل مسيحي هنا ولو عند أتفه الأشياء إذا لم يخضعها لسلطة المسيح. ولكن إذا كنا مفرزين تماماً لخدمة الله ولإتمام إرادته وتنقينا وتطهرنا من دنس الخطية فحينئذ نكون على الدوام مستعدين لخدمته.
وكما أن الآلات الجراحية في المستشفيات تُحفظ في محاليل خاصة كي لا تنقل العدوى للجروح هكذا الحال معنا كآلات للخدمة إذ لا يمكن أن نلمس جروح الخطية إلا ونضر أنفسنا أو غيرنا ما لم نتحقق لحظة فلحظة أنَّ: «دَمَ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (1يوحنا 1: 7).
وإن كان الفضل يرجع ليس إلى الآلة المستعملة بل إلى مستعملها، هكذا الحال في المسيحية: «فَضْلُ ٱلْقُّوَةِ لِلّٰهِ لاَ مِنَّا» (2كورنثوس 4: 7). على أن الآلة نفسها لها دخل كبير في النتيجة النهائية. فحسن الخط مثلاً وجماله يتوقفان نوعاً ما على القلم المستعمل وكذلك لا يستطيع الفنان أن يخرج من قطعة الرخام عملاً جميلاً بدون استعمال الآلات.
وقد قال شاعر مسيحي ما معناه أنَّ (الله لا يعمل أعظم أعماله بنفسه بل عن طريق أعظم رجاله).
وهذا الكلام لا يعني عدم احترام الله أو هرطقة بل إنّ الله يتمِّم أعماله عن طريق استخدام البشر. وإذا كان الانسان، الواسطة البشرية، غير (نافع) أو لائق للخدمة فلا يمكنه أن يقوم بالعمل على الوجه الأكمل بدون تشويهات بدلاً من الكمال والجمال. وما أعجب هذا الأمر أن الله يعطي الإنسان مجد مشاركته معه في عمله.
المسيح هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان. ولكن الكرمة لا تحمل أثماراً إلا عن طريق الأغصان ولذلك يقول: «كُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ (ويطهّره) لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ» (يوحنا 15: 2). ولكي يحمل الغصن أثماراً وافرة يجب أن يكون صحيحاً بدون عطب خال من التعفن والآفات الضارة، نقياً من النباتات الطفيلية الصغيرة التي تمتص غذاءه وتشوّه جماله ونضارته .
إننا لا نقصد من وراء هذا أن المسيحي لا يكون نافعاً بأي نسبة إلا عند تكريسه تماماً - لأن كل مسيحي يقوم بخدمة سيده - ولكن إتمامه الخدمة السامية كما يريده الله لا يمكن أن يكون إلا بعد تنقيته تماماً ليكون إناء نافعاً...
لنتصوّر أيضاً شجرة فاكهة ذات شكل جميل مزروعة في تربة خصبة ولكنها تأتي بثمر قليل لأنها ليست مقلَّمة الأغصان وفي جذعها وجذورها ديدان تأكلها. ولكن لو أوجدنا الشجرة في حالة أخرى بحيث تخلو من كل ما يعيق نموها فعندها يتغيّر الحال وتنحني الأغصان من ثقل الأثمار الشهية اللذيذة. على أن التحسّن لا يكون في كمية الثمر فقط بل في نوعه أيضاً. فحلاوته في الحالة الثانية تفوقها في الحالة الأولى بكثير. هكذا الحال مع المسيحي الذي نراه نافعاً بما له من النعمة والقوة القليلتين.
ولكن لو ملكته النعمة تماماً وقدسته فسيزداد نفعه لدرجة عظيمة جداً.
الرب محتاج إلينا. ولا توجد حقيقة روحية عجيبة أكثر من كون المسيح رأسنا وهو يعتمد علينا نحن أعضاء جسده لإتمام مقاصد رحمته نحو العالم الهالك، والاشتراك معه في عمله لخلاص الآخرين لهو أسمى وأعظم مجد يتمناه ويشتاق إليه الشخص المسيحي الحقيقي. فهل نحن معدون لكي يستخدمنا الله بالدرجة العالية التي يمكن أن يستخدمنا بها؟ حقاً هذا مطمع كل ابن لله. وإجابة لكل هذا هو: «فَإِنْ طَهَّرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ مِنْ هٰذِهِ يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّساً، نَافِعاً لِلسَّيِّدِ» (2 تيموثاوس 2: 21). وإن كنا قد فشلنا في الماضي، ففشلنا لا ينسب لنقص في مقدرتنا وذكائنا البشريين بل بالحري لأن قلوبنا لم تتنقَّ التقنية التامة من الخطية.
(مستعداً لكل عمل صالح) هذا الجزء الأخير من الآية يفيد الاستعداد للقيام بالخدمة في كل أنواعها. لأن التعليم الأساسي يقول بأنّ القداسة هي ينبوع كل سمو بشري. فيها تستخدم كل قوانا بأحسن كيفية ممكنة.
والحصول على القداسة يقود إلى قداسة الأيدي والأقدام والعقل والطباع والجيب، أي الإنسان كله داخلاً وخارجاً. فتكون الرغبة إذ ذاك هي في إتمام (عمل صالح) في أي نوع من الأعمال التي تعطي لنا بأحسن وأكمل طريقة بحسب المعرفة والنور اللذين لنا مهما كان العمل بسيطاً ككنس غرفة أو تدبير أمر من الأمور أو إلقاء عظة. لأن أحقر نوعٍ من الخدمة في بواعث الصليب ودوافعه العالية لا بد وأن يسمو ويرتقي شأنه. نحن عندما نريد أن نقدر قيمة عمل من الأعمال المسيحية، كثيراً ما نحول نظرنا إلى مساعينا ومجهوداتنا وقلما ننظر إلى الدافع والروح اللذين بهما نتمِّم العمل. فإذا كانت مجهوداتنا يشتم منها رائحة القداسة والحياة العالية فلا يمكن أن تضيع نتائجها سدى.
أحسن خدام الله هم الذين يخدمون في كل نواحي الحياة. فتراهم يقتنصون كل فرصة ممكنة لعمل الصالح. وتجدهم في استعداد ولو فاجأتهم الظروف كما هو من عادتها. فهم ممنطقين أحقاءهم دائماً وليسوا كغيرهم ممن تفوتهم الفرص قبل أن يغتنموها. حقاً إنه شيء عظيم أن يكون الإنسان (مستعداً لكل عمل صالح) ومستعداً في كل حين. ولقد فسرها أحدهم قائلاً: إنهم مستعدون لكل عمل ضروري يرون في إتمامه ما يزيد الله مجداً. مستعدون حتى للموت إذا استدعى الحال. أو بالقيام بأية شهادة مهما كان طريقها مؤلماً.
التكريس والتقديس | ||
يوجد فرق بين التكريس والتقديس الكامل. لأن الأول نتمّمه نحن بالمعونة الإلهية. والثاني يتممه الله فينا. فالتكريس هو عمل إختياري به نسلم ذواتنا لله بينما التقديس الكامل هو عمل يتممه الله فينا بالروح القدس. فيمكن أن يكون هناك تكريس بدون تقديس ولكن لا يمكن أن يكون تقديس بدون تكريس. وعملية التكريس يجب أن تسبقها صلاة محدودة لهذا الغرض المحدود الذي هو الحصول على القلب النقي.
وحينئذ نقبل بالإيمان ما طلبنا. وإجابة لصلاتنا ورداً لعمل إيماننا يعطينا الله القوة فنتغير في لحظة من حالة الخطية الأصلية الساكنه فينا إلى حالة القداسة ... لقد خلصنا بالنعمة. وكما بين الله لنا طريق التبرير هكذا أوضح لنا طريق التقديس: «لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ» (رومية 9: 16) إذ لا دخل للأعمال في تقديس النفس كما أنه لا دخل لها في التبرير. فالشرط الوحيد اللازم هو الإيمان في كلتا الحالتين. ولنا في الكتاب المقدس آيات كثيرة تبين ذلك مثل: «طَهَّرَ بِٱلإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ» (أعمال 15: 9) و «يَنَالُوا بِٱلإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا وَنَصِيباً مَعَ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (أعمال 26: 18)، وكثير من الآيات الأخرى التي توضح ذلك . فالصعوبة الوحيدة التي تعترضنا في تقديم الخلاص لطالبه هي صعوبة الإيمان. لأنه من الصعب أن نحول نظره نحو الإيمان بل والإيمان وحده.
ولذلك يحوّل الشخص نظره نحو إصلاح حاله فيئن ويسكب دموعه باذلاً كل جهده ليصلح حاله نوعاً ما حتى يحوز القبول عند الله. ولكن لما يعلن له الله أخيراً بواسطة الروح القدس طريق الإيمان، حينئذ يتم له السلام مع الله وينتهي العمل .
وهكذا الحال في التقديس. لما نكف عن مساعينا الشخصية ونثق في الرب وحده تأتينا البركة. فالإيمان الذي به نحصل على القداسة هو عينه إيمان العقل والقلب الذي حصلنا به على الغفران إلا أن الفرق هو في المواعيد الإلهية أي في وجهة أخرى لعمل الرب يسوع الفدائي : لكي يتمم الإنسان عملاً يكون بحاجة إلى وقتٍ محددٍ. أما الإيمان فهو على عكس ذلك لأنه خاص بالنفس، ففي لحظة تقدر أن تغتسل وتتنقى من الخطية.
كل تائب يتقدم للإيمان بالرب يسوع المسيح لا يدرك أن الوعد بالخلاص له يتحقق حالما يطلب، بل يظن أنه يناله في أحد أيام المستقبل. وهكذا الحال مع كل مؤمن يطلب القلب النقي والروح المستقيمة فإنه يستطيع أن ينال كل ما يطلب في وقت الطلب لأن عمل تنقية القلب هو عمل الله. لذلك يتم في لحظة لأن قدرة الله الفائقة الحد تستطيع أن تُتمّه في طرفة عين. ولما كان من واجبنا أن نحب الله من كل قلوبنا ونحن لا نستطيع ذلك إلا بعد التنقية، لذلك فهو مستعد أن يتمم هذا العمل في هذه اللحظة لأنه يريدنا أن نحبه في هذه اللحظة.
وعلى هذا نستطيع أن نقول بحق: «هُوَذَا ٱلآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا ٱلآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ» (2 كورنثوس 6: 2). والله الذي خلق النور في البدء وجعله يبدد الظلام يستطيع الآن أن يضيء في قلوبنا ويهبنا أن نرى نور مجده في وجه يسوع المسيح. في هذه اللحظة يمكن أن نتفرغ من الخطية ونمتلئ بملء القداسة ونصير سعداء سعادة حقيقية.
إن مدد عون النعمة اللازمة لتقديسنا سبق وأتم المسيح تجهيزه على الصليب كما أعد عمل التبرير. وما علينا إذ ذاك إلا أن ننال بالإيمان ما نريد. يقول القديس فلتشر: «كل ما يطلب منا هو قبول الوعد الصادق بثبات ورسوخ وقلب كامل ومغامرة بلا تزعزع». نحن نؤمن أن الله قادر أن ينقي قلوبنا من كل خطية ونعلم أيضاً أنه وعد بأن يتمم ذلك لنا. فهل نؤمن بناء على وعده؟ أنه يقدر ويريد أن يتمّم الوعد الآن وفي هذه اللحظة تبعاً لإيماننا. وبما أن الأمر هكذا، فما يتبقى علينا إلا خطوة الإيمان الذي يستطيع أن يقول (الله يتمم عمله) و (إن تركني لا أتركه) .
إن الكتاب المقدس يوضح لنا حقيقة الإيمان بما يأتي: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ» (مرقس 11: 24) فيطلب منا أن نؤمن بأن الطلب لنا قبل ما نطلبه بل نؤمن إننا ننال وقت الطلب. ولهذه الحقيقة طرفان قريبان من الحق إلا أن قربهما هذا يقود لخطأ عظيم. أحدهما هو أن نؤمن بما لم ننله. والثاني ترك الإيمان يقودنا بلا حد ويطلب منا أن نؤمن بأننا سننال في المستقبل. ولكن الحق بين هذين الطرفين . وهو أن نؤمن أن الله على أتم استعداد أن يهبنا طلبنا وقت السؤال. وأيضاً نؤمن بأننا لم ننل الطلب في وقت سابق ولا سنناله في وقت مستقبل بل نأخذه عند الطلب والايمان بأن المصلي سينال ما يطلب في المستقبل يترك فراغاً بين الإيمان وقبول البركة.
ولذلك فمن الوداعة الزائفة أن يقول الإنسان (سأنال إجابة صلاتي في الوقت المعيّن من الله) لأن الله لا تهمّه الاوقات، لأنّ القرون والسنين والشهور والأسابيع كلا شيء عنده: «يَوْماً وَاحِداً عِنْدَ ٱلرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ» (2بطرس 3: 8). فالأشياء التي يجب أن نعرفها هي أن الله يريد أن يعطينا ما نطلبه في نفس الوقت الذي نقدّم فيه الصلاة. وهو دائم الاستعداد ليهبنا أي بركة روحية حسب مواعيده. ولا لزوم لأن نستعمل كلمة (إذا) أو (عسى) أو (ربما) حيث يوجد وعد مباشر صريح يقول «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (يوحنا 16: 24).
يعلن لنا الوحي أن الإيمان هو بمثابة (النظر) أو (اللمس) أو (الأخذ والمناولة) وهذه الأشياء لا يعلمها الإنسان بالتدريج فإما أن ننظر أو لا ننظر، نلمس أو لا نلمس وعندما يقدّم لنا شيء إما أن نأخذه أو لا نأخذه ، هكذا الإيمان فهو اليد التي بها عطايا الله . فلا يجب أن ندخل الظن والتخمين في ما يطلب الله منا أن نعمله والأمر هو: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ» (مرقس 11: 24).
و «فيما هم يتكلمون بعد أن سمع» (إشعياء 24: 6). يدل الإيمان على ثلاثة أشياء وهي المعرفة ثم القبول والملك. والإيمان يرى أيضاً من ذلك إذ يرى معطي الوعد نفسه. وبالإيمان نعرف أيضاً أن كل وعد مبني على أربعة عُمُد قوية وثابتة كأعمدة السموات وهي صدق الله أو قداسته، الشيء الذي لا يدعه يخدع الإنسان، ثم نعمته وصلاحه اللذين لا يجعلانه ينسى، ثم حقه الذي لا يجعله يتغير، ثم قوته التي تجعله قادراً أن يتمم ما يعد به. يجب أن نعرف الله قبل أن نثق به ولكن معظم المسيحيين يعرفون عنه فقط وليس شخصه. وهذه المعرفة ليست كافية، فكثيرون يعرفون عن قوة الله ومحبته وأمانته ويعرفون الشروط التي بناءً عليها يعطي الله البركة حسب وعده بشيء لهم في الوقت الحاضر، ويذهب البعض إلى درجة أبعد قائلين إن في داخلهم تبكيت بخصوص البركة وأنهم إذا آمنوا يقبلونها ويعرفون أنها تعطى لهم ولكنهم يفشلون في تخصيص الوعد لأنفسهم فيتردّدون في القول (الله يعطيني الآن وأقبل العطية منه الآن) لأنه بدون هذا عبثاً يحاول الإنسان.
لأنه لن يتقدس شخص ما لم يصل إلى الإيمان الذي يقول (الله الآن يحبني وهو يريد أن يعطيني، فأسأل الآن وآخذ) ويقول (سواء سبحت أو غصت سألقي بنفسي في بحر الإيمان المملوء من محبة الله وصدقه الغير محدودين).
لكن ربما يقول قائل: «هل أؤمن إنني قبلت العطية في حين إني لم أشعر بأي تغيير؟» إن أساس الإيمان لا يجب أن يكون الشعور بل كلمة الله. فما يجب أن نتحققه هو إتمامنا للشروط التي بناء عليها يتمم الوعد. وإذا عملنا هذا فواجبنا حينئذ أن نؤمن أن الله أجاب صلاتنا تبعاً لوعد. هذا هو الإيمان المجرد المطلوب. فليس علينا أن نعرف بل أن نؤمن. ولا بد أن يعطينا الله الفرح لتأكيد إتمام عمله حسبما يرى هو. ولكن يجب أن نثبت في نفس الوقت بالإيمان على كلمة الله التي لا تتزعزع ونبقى مصرّين على تصديق الله. لأن الإيمان يقول ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً.
فأيهما يجب الإعتماد عليه؟ وعد الله الذي لا يتغير أم شعورنا المتقلب؟ ويعلمنا بطرس الرسول بخصوص هذا في رسالته الثانية في الأصحاح الأول عندما كان على جبل التجلي وسمع الصوت من السماء ورأى المجد الإلهي وشعر بشعور البهجة حتى أنه أراد أن يبني ثلاث مظال ويسكن هناك. ويقول بعد ذلك (وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت) من السمع والنظر والشعور. كلمة الله الباقية إلى الأبد. فشعورنا يخدعنا أما كلمة الله فهي ثابتة كثبات عرشه الأبدي. نحن يمكن أن نتزعزع أما الله صخر الدهور فلا. فدم المسيح وصدق الله بل بالحري صفات اللاهوت رهينة إتمام الوعد، فإذا آمنا نأخذ ما نطلب ويكون لنا ما نأخذ.
الكتاب المقدس هو إعلان الله من السماء. فيه إعلان عهد الرحمة وعمل دم المسيح وقوة الروح القدس وصدق الله. فعلى هذه نحن نأخذ ما نصلي لأجله عندما نطلب طلباتنا حسب وعد الله ونثق أننا نأخذ ما نطلب عند الصلاة.
ما هو التقديس؟ | ||
ليس التقديس أن يكون الإنسان المؤمن بلا خطية: «إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِينَا... إِنْ قُلْنَا إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِباً، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا» (1 يوحنا 1: 8و10).
وليس معناه أن لا يُجرّب المؤمن، بل بالعكس فإنه بعد تبريره يشن عليه الشيطان حرباً شعواء.
وكذلك ليس معناه الكمال أو العصمة فإن الكمال والعصمة لله وحده سبحانه تعالى.
إن كان التقديس هو أن يكون المؤمن بلا خطية وبلا تجربة وأن يكون كاملاً ومعصوماً - فبناء على ذلك لا يوجد ولا قديس واحد لا في الكتاب المقدس ولا في التاريخ المسيحي كله .
إن الرسول بولس يضع لنا مبدأً شريفاً حين يحث المؤمنين على حياة الطهارة والقداسة العملية. ليس على أساس العبارتين المتداولتين على الألسن (هذا حرام وذلك حلال) بل يقول لهم: «وَأَمَّا ٱلّزِنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، وَلاَ ٱلْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ ٱلسَّفَاهَةِ وَٱلْهَزْلُ ٱلَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلشُّكْرُ» (أفسس 5: 3و4).
فيطلب منهم الامتناع عن الخطية ذاكراً لهم مقامهم الجديد في المسيح ونسبتهم المباركة إليه حاضاً إياهم كما يليق بقديسين أن يمتنعوا عن الأمور التي لا تليق بهم .
هذا هو المبدأ المسيحي لشعب الله المتبررين. وهل يليق بمقامنا في المسيح أن نأتي هذا العمل وألاّ يليق بنا أن نمتنع عن كل شبه شر؟
هل التقديس فُجائي أم تدريجي؟
التقديس عمل فجائي وتدريجي في نفس الوقت. إن التقديس ليس طبيعة بل حالة، أي أن المؤمن عندما يكرس حياته لله لا تصير هذه عادة طبيعية سواء كان مستيقظاً أو نائماً. ولكن هذه الحالة التي وصل إليها يمكن أن تزيد، أو أن تنقص، أو أن تضيع.
إن في استطاعة كل مؤمن أن يحتفظ بحالة قداستة بالاتكال المستمر على الله، واستخدام وسائط النعمة على الدوام، أما إذا أهمل فإنه لا شك يفقد هذه الحالة، كما حصل مع داود ومع بطرس أيضاً وغيرهما.
وإذا فقد المؤمن حالة القداسة، يجب أن يرجع إلى الله حالاً عن طريق التوبة واستخدام وسائل النعمة الإلهية.
الاعتراف أول خطوات التقديس | ||
«إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1 يوحنا 1: 9). هذا هو شرط الغفران والتطهير، بمجرد أن نشعر بأي فكر، أو قول، أو عمل سيء قد ارتكبناه، أو بأي اعوجاج في السلوك والحياة اليومية، أو بأي خطية بيننا وبين الله، أو بأي خطأ بيننا وبين الناس، لنعترف به حالاً وبدون تردد، وقد وعد الله بأن يغفر لنا خطايانا ويطهرنا منها.
وكما كان دم المسيح أي موته سبب غفران الله لنا ورضاه علينا في التبرير، كذلك دمه أي موته هو سبب رضا الله علينا وغفرانه لنا أيضاً في التقديس .
الخطية لا تؤثر على تبريرنا بل على تقديسنا. إننا لا نفقد الخلاص إذا سقطنا في الخطية بل نفقد بهجة الخلاص: «رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ» (مزمور 51: 12). وعلى هذا فنحن لا نفقد تبريرنا إذا أخطأنا بل تقديسنا.
لم يطلب داود من الرب أن يرد إليه خلاصه. كلا. بل بهجة وفرح خلاصه - إن المتبرر قد صار ابناً لله: «ٱلآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ» (1يوحنا 3: 2). والابن لا يفقد بنوته إذا أخطأ، ولا يُطرد من بيت أبيه، كلا، لأنه ليس خادماً. ولكنه يفقد الشركة بينه وبين أبيه إلى حين، وعندما يرجع إلى نفسه، ويعترف لأبيه بخطأه، تعود إليه الشركة التي فقدها .
هذا ما أقصده عندما أقول إن سقوطنا لا يؤثر على تبريرنا أو خلاصنا، ولكنه يؤثر على تقديسنا، نفقد شركتنا مع الرب ونفقد سلام التقديس والتسليم، هذه تعود بالاعتراف والتطهير بالدم. وكتب بولس للمسيحيين في كورنثوس عن كسر الوصية السابعة: «أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هٰذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ ٱلرُّوحُ فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ» (1 كورنثوس 5: 5). وكذلك كتب للكثيرين منهم: «مِنْ أَجْلِ هٰذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلٰكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا نُؤَدَّبُ مِنَ ٱلرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ ٱلْعَالَمِ (1كورنثوس 11: 30-32).
وهنا نلاحظ ثلاثة أمور بإزاء التأديب:
-
أن يكون المؤمن حكماً على نفسه عندما يرتكب أي خطأ ويرجع إلى الرب من القلب.
-
إذا أهمل المؤمن ولم يحكم على نفسه يكون أمام الأمر الواقع وهو محاكمة الله له، وفي هذه الحالة يؤدّبه الرب.
-
إذا لم يرتدع المؤمن، ولم يتّعظ من التأديبات الواقعة عليه، بضعف أو مرض أو خلافهما، يوقع على نفسه التأديب النهائي وهو الموت.
فكم من مؤمنين لانغماسهم في أمور هذه الحياة وانشغالهم بالعالم لدرجة الارتباك وإهمالهم عبادة الله وخدمته، عرضوا نفوسهم لتأديبات صارمة، وإذ لم تنجح كل هذه ماتوا في غير وقتهم.
ألم تسمع عن كثيرين من المطيعين الذين عمروا طويلاً، وعن كثيرين جداً من الذين عصوا وقد ماتوا في غير وقتهم. ألم تسمع عن مؤمنين ماتوا عقب ارتباك؟ أو حزن؟ أو خسارة في تجارة؟ أو عقب دين فاحش وقعوا فيه وكسروا الوصية الصريحة: «لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَد» (رومية 13: 8) «لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ: قَدَاسَتُكُمْ» (1 تسالونيكي 4: 3)؟ فلنحترس ونعمل بما جاء في كلمة الرب: «مُكَمِّلِينَ ٱلْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ ٱللّٰهِ» (2 كورنثوس 7: 1).
إن كلمة الله تحذر المؤمن عندما يحيد عن طريق الرب «وَأُذُنَاكَ تَسْمَعَانِ كَلِمَةً خَلْفَكَ قَائِلَةً: هَذِهِ هِيَ ٱلطَّرِيقُ. ٱسْلُكُوا فِيهَا حِينَمَا تَمِيلُونَ إِلَى ٱلْيَمِينِ وَحِينَمَا تَمِيلُونَ إِلَى ٱلْيَسَارِ» (إشعياء 30: 21).
وبذلك يصح القول عنها: «نَامُوسُ ٱلرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ ٱلنَّفْسَ» (مزمور 19: 7).
وإنها تحرق ما بنا من أفكار وأعمال رديئة: «أَلَيْسَتْ هٰكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ» (إرميا 23: 29).
وهي أيضاً تعمل على إزالة ما يصيبنا من الأتربة التي تتعلق بأرجلنا أثناء سيرنا في هذه الحياة: «أَحَبَّ ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً ٱلْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّراً إِيَّاهَا بِغَسْلِ ٱلْمَاءِ بِٱلْكَلِمَةِ» (أفسس 5: 25 و26).
وهي تبني المؤمن: «وَٱلآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي لِلّٰهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، ٱلْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثاً مَعَ جَمِيعِ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (أعمال 20: 32).
حياة القداسة | ||
(1) حالة القداسة الحقيقية لا يمكن الوصول إليها بحجة انتظار ما يسمح به الرب لأن زمن الرب هو الآن.
(2) ولا تأتي كنتيجة لأعمال الناموس، أو أي نوع آخر من الأعمال التي يمارسها الإنسان بمجهوده الشخصي دون نعمة الله. وأقصد بهذا أننا لو استخدمنا قوتنا الجسدية دون أن نختبر نعمة الله فلن نصل إلى حياة القداسة، لأن كل مجهوداتنا باطلة.
(3) ولا تأتي عن طريق خداعنا لأنفسنا إذ نقنعها بأننا طيبون. كثيرون يصرفون أوقاتاً طويلة وهم يحاولون أن يقنعوا أنفسهم أن حالتهم الروحية لا بأس بها، ينبغي أن نفهم جيداً أن الحياة المسيحية ليست مجرد مشاعر أو عواطف.
(4) ولن نصل إلى القداسة الحقيقية إذا أردنا أن نحصل على النعمة بأعمال الناموس. إن الإيمان فقط هو شرط سكنى القداسة في المؤمن، وما لم يدرك الإنسان أن الإيمان هو أساس كل فضيلة وتوبة عن الخطية وكل طاعة لله فهو مخدوع لأنه يعتقد أنه يمكنه إرضاء الله بدون الإيمان، وأنه يحصل على النعمة بأعمال الناموس.
ولكي نوضح ذلك بالأمثلة نقول: إن الشخص الخاطئ قد يبدي رغبة صادقة في الخلاص، فيسأل هذا السؤال: «ماذا أعمل لكي أخلص؟»، ثم يبدأ في محاولات فاشلة لتحطيم قيود الخطية، ولكن بدون إيمان. إنه يصمم أن يعمل حسناً وأن يصلح هذا الأمر أو ذاك. إنه يتوقع أن يخلص بدون النعمة والإيمان، ولكن خطأه هو في محاولته أن يحصل على النعمة بأعمال الناموس.
وهذا نفس الشيء الذي نراه في المؤمنين الذين يريدون أن يغلبوا العالم والجسد والشيطان، فهم يصدقون الحق الإلهي: «هٰذِهِ هِيَ ٱلْغَلَبَةُ ٱلَّتِي تَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ: إِيمَانُنَا» (1 يوحنا 5: 4)، وأنه: «بدِرْعِ ٱلإِيمَانِ» (1 تسالونيكي 5: 8) يمكنهم أن: «يُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ ٱلشِّرِّيرِ ٱلْمُلْتَهِبَةِ» (أفسس 6: 16).
إنهم يسألون لماذا تغلبنا الخطية ؟ لماذا لا ننتصر عليها؟ لماذا نحيا عبيداً لبعض الشهوات والميول؟ ثم نراهم وكأنهم اكتشفوا السبب في إهمالهم إتمام واجب من الواجبات أو لاستسلامهم في تجربة من التجارب، وبدلاً من معالجة الأمر بالإيمان نراهم يستجمعون جهودهم في ناحية النقص والضعف، لكنهم سرعان ما يكتشفون أن ضعفاً آخر قد ظهر في ناحية أخرى من حياتهم!!
وهكذا يقضون سنين يدورون حول حلقة مفرغة، ينشئون سدوداً من الرمال أمام تيار شهواتهم الجارف.
إن الجواب على سؤالهم عن سبب فشلهم هو أن قوة التجربة، وضعف القلب، وقساوة العادات، والميول الشيطانية، هي سبب الفشل والهزيمة. ولكن كيف نتغلب على ذلك؟ الجواب بالإيمان فقط.
وهنا يبرز هذا السؤال: «ألا ينبغي أن نصلي ونصوم ونقرأ الكتاب ونجاهد، أم هل نجلس هكذا دون أن نعمل شيئاً؟»
والجواب على ذلك أنه من اللازم أن تعمل ما يأمرك به الرب، ولكن ابدأ أيضاً بما يأمرك أن تبدأ به، واعمل ذلك بالطريقة التي يأمرك أن تعمله بها.
أولاً، طهّر قلبك بالإيمان بابن الله، ولا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات، الكلمة قريبة منك، هي في فمك وفي قلبك - أعني كلمة الإيمان. ثم بعد أن تؤمن تمم وصايا الله من حيث الصلاة والصوم...الخ
إن تاريخ الشخص يكيف اختباراته في الحاضر والمستقبل أيضاً، فالمشاعر التي يحس بها المختبر تختلف عن تفاصيل المشاعر التي يحس بها مختبر آخر. يجب أن نفهم جيداً فلا نكون مقلدين الآخرين ، إذ أننا حينما نقلد الآخرين يجد الشيطان فرصة لخداعنا.
إن اختبارات المسيحيين الحقيقيين تتشابه في جملتها باعتبار الإيمان بشخص الفادي، لكنها تختلف في تفاصيلها.
(5) ولنتذكر أن حياة القداسة ليست مجرد العواطف التي تعودنا أن نسمع عنها من بعض المسيحيين، ولكن حياة القداسة تتضمن تكريساً كاملاً لا يمكن الحصول عليه بمجرد تقليد مشاعر قد لا تتفق والحق الإلهي.
(6) ولن نصل إلى حالة القداسة إذا انتظرنا حتى نعمل بعض التحسينات قبل أن نختبرها. لاحظ أنك ترنو إلى أن تكون لك حياة القداسة أمام الله، فلا تظن أنه ينبغي أن يسبق ذلك بعض التدريبات والتمرينات الجسدية والذاتية. والأمر الملاحظ لدى الكثيرين أن البعض يستفسرون عن موضوع القداسة برغبة صادقة، فقط يظنون أن وجود هذا المعطل أو ذاك يمنع تقدمهم في هذا الطريق، فيحسبون حساباً لكل المعطلات ولا يفطنون إلى أن عملهم هذا هو عقبة العقبات. إنها الأنانية والذاتية التي تدفعهم لإصلاح ذواتهم.
(7) ولا يمكن الوصول إلى القداسة الحقيقية عن حضور الاجتماعات والطلب من المؤمنين أن يصلوا من أجلنا، أو عن طريق الاعتماد على أي وسيلة مشابهة.
ولست أقصد أن أقول أن هذه الوسائل غير ضرورية، ولكن أقصد أن أحذر أنه إذا اعتمدنا على أية وسيلة من هذه الوسائل فإنها تقود تفكيرنا إلى الانحراف عن الهدف الحقيقي الذي أمامنا فنضل السبيل إلى حياة القداسة.
(8) ولا يمكننا الوصول إليها إذا كنا نتوقع إعلاناً خاصاً من المسيح. عندما يسمع شخص بعض المؤمنين يتحدثون عن الرب يسوع في حياتهم، يقول: «آه لو أعلن لي الرب هذه الإعلانات لكنت أؤمن! ينبغي أن أرى هذه الاعلانات قبل أن أؤمن!!».
والآن يجب أن ندرك أن هذه الاعلانات تأتي نتيجة الإيمان بوعد الروح القدس الذي يأخذ مما للمسيح ويخبرنا، ولكن ليست هذه الرؤى والإعلانات هي وسيلة القداسة أو الخلاص، فقط ينبغي أن تتمسك بوعود الرب وتثق أنه يقصد ما يقول، وهذا ما يقودك بعد الإيمان إلى الإعلان الذي تتوقعه.
(9) ولا يمكن أن نصل إلى القداسة الحقيقية بالطريقة التي نرسمها لأنفسنا. بعض الأشخاص يسترسلون في تصوراتهم فيرسمون طريق القداسة لأنفسهم، ويتوقعون أن يختبروا كذا وكذا، وأن يكون لهم هذا الإعلان أو ذاك الشعور قبل أن يصلوا إلى هدفهم. والنتيجة أن جميعهم يفشلون لأنهم نسوا قول الرب إنه يقود الأعمى في طريق لا يعرفها. إن تصوراتك التي ترسم بها طريقاً معيناً للقداسة هي في الواقع معطل كبير. إنها تضيع عليك أوقات كثيرة، وتسبب لك متاعب جمة. ثم هي تحزن روح الله القدوس، فبينما يحاول أن يقودك إلى نقطة معينة تقفز أنت من الطريق وتصر على أن ما تتصوره هو الطريق، وفي كبريائك وجهلك تسبب تعطيلاً كثيراً، وتضايق الرب كثيراً. اسمعه إذ يقول: «هذه هي الطريق، إسلكوا فيها». ولكنني أكاد أسمعك تجيب: «لا.. بل هذه هي الطريق». وهكذا تقف مكابراً ومعارضاً، وأنت في كل لحظة تحزن روح الله وتعرض نفسك للخسارة.
(10) ولن نحصل أيضاً على هذا الاختبار بوسيلة معينة في وقت معين أو مكان معين. إن كانت في فكرك طريقة معينة، أو مكان معين، أو زمن معين لتحصل على هذا الاختبار فأنت معرض لخداع الشيطان، وستفشل في النهاية، وتكتشف أن حكمة البشر هي جهالة عند الله، وأن طريق الله ليست كطرقنا، ولا أفكاره كأفكارنا: «لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ عَنِ ٱلأَرْضِ هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ» (إشعياء 55: 9).
ولكن:
(11) يمكن الحصول على حياة القداسة الحقيقية بالإيمان فقط. تذكر هذا إلى الأبد أنه بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله، وإن كل ما ليس من الإيمان فهو خطية. إن كلاً من التبرير والقداسة هو بالإيمان فقط: «لأَنَّ ٱللّٰهَ وَاحِدٌ، هُوَ ٱلَّذِي سَيُبَرِّرُ ٱلْخِتَانَ بِٱلإِيمَانِ وَٱلْغُرْلَةَ بِٱلإِيمَانِ» (رومية 3: 30).
«فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِٱلإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ ٱللّٰهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رومية 5: 1).
«فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ ٱلأُمَمَ ٱلَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ ٱلْبِرِّ أَدْرَكُوا ٱلْبِرَّ - ٱلْبِرَّ ٱلَّذِي بِٱلإِيمَانِ. وَلٰكِنَّ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ ٱلْبِرِّ لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ ٱلْبِرِّ لِمَاذَا؟ لأَنَّهُ فَعَلَ ذٰلِكَ لَيْسَ بِٱلإِيمَانِ، بَلْ كَأَنَّهُ بِأَعْمَالِ ٱلنَّامُوسِ» (رومية 9: 30-32).
(12) ولكن لا يتبادر إلى الذهن أنني أعلم أن القداسة فقط بالإيمان، بمعنى أن ذلك يتعارض مع القداسة بالروح القدس - روح المسيح - مع أن الإثنين واحد. فقداستنا هي بالمسيح الذي يحيا ويملك على قلوبنا، والإيمان هو الوسيلة أو الشرط وليس السبب المباشر للقداسة. ولكن الإيمان يقبل المسيح كملك يحيا ويملك في نفوسنا.
إن المسيح في اختبار علاقاته المختلفة بالنفس وكفايته لسد حاجات النفس بالإيمان هو ضمان قداستنا.
إنه يقدس النفس إذا إكتشفته النفس في كماله وملئه الإلهي بالإيمان وعمل الروح القدس.
«اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي، وَٱلَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي». قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ ٱلإِسْخَرْيُوطِيَّ: «يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا 14: 21 -23).
إذاً شرط قبول المسيح هو الطاعة والإيمان.
إن الوصول إلى حالة القداسة الحقيقية في هذه الحياة يتطلب إدراكنا للأمور التي تحارب النفس والتي ينبغي أن نتغلب عليها.
عندما تجددنا حديثاً تكرس القلب والإرادة لله وأصبح الكل للرب. وأدركنا أن هذه حالة سمو روحي، واكتشفنا أن الخطية كلها تتركز في محبة الذات، أو بمعنى آخر أن الخطية هي محاولة الذات تمجيد نفسها وتسليم الإرادة لإطاعة الشر بدلاً من طاعة الرب.
إن حواسنا أصبحت مدربة تدريباً عظيماً لإدراك الأمور الحسية المادية، ولكن لجهلنا بالأمور الروحية لم يتدرب الحس على التفكير فيها لأننا لا نراها ولا نلمسها.
أصبحت عواطفنا وإدراكنا لا تتجاوب مع الأمور الروحية، لأن إدراكنا للأشياء الحسية العالمية أصبح في غاية الحيوية واليقظة. لكن إدراكنا ميت من جهة الأمور الروحية.
طريق القداسة | ||
علينا أن نتعلم شيئاً واحداً إن شئنا أن نعيش الحياة المسيحية المنتصرة وهي البساطة. لقد جعلنا هذه البساطة معقدة، وكتبنا الكتب الكثيرة عنها، واستعملنا كل العبارات التكنولوجية لتوضيحها، ولكنها ظلت للكثيرين منا معقدة، حتى إننا وإن عرفناها نظرياً لا نستطيع سرد ما نعرفه في حياتنا العملية واليومية. وكي نحصل على أبسط الحقائق فنحن نحاول وضعها في شكل صور.
الصورة العامة للحياة المنتصرة جاءتنا من سفر إشعياء حيث يقول النبي: «وَتَكُونُ هُنَاكَ سِكَّةٌ وَطَرِيقٌ يُقَالُ لَهَا «ٱلطَّرِيقُ ٱلْمُقَدَّسَةُ» (إشعياء 35: 8). والصورة أن الطريق مبنية من أمور العالم المحيطة بها. ورغم أن هذه الطريق ضيقة وعالية إلا أنها ليست فوق طاقتنا للسير فيها لأن العابرين حتى ولو كانوا جهالاً لا يضلون سبيلهم. ولو كثرت المخاطر فيها فإذا لازمنا السير في تلك الطريق نكون في أمان. إذ لا أسد أو وحشاً مفترساً يصعد إليها. والشخص الوحيد الذي يمنع من السير فيها هو غير الطاهر والمقدس. وبكلمات النبي: «لاَ يَعْبُرُ فِيهَا نَجِسٌ». ولا يشمل هذا الخاطىء فقط الذي لا يعرف المسيح مخلصاً إنما يشمل أيضاً المسيحي الذي يعرفه لكنه يسير في ذلك الدرب وهو يحمل معه خطيته التي لم يعترف بها ويحصل على تطهيرها.
والسبيل الوحيد الناجح هو السير في تلك الطريق العامة، وإن بدت مظلمة إلى تلة الجلجثة. وهي تلة علينا أن نتسلقها زحفاً على أيدينا وركبنا، ولكن إن كنا قانعين بحياتنا المسيحية الحاضرة، وإن لم تكن لنا رغبة لنسير في تلك الطريق، فنحن لا نسير على ركبنا، وبالتالي فنحن لن نتسلق تلك التلة! ولكن إذا كنا غير راضين عن حالنا وشاعرين بالجوع الروحي نجد أنفسنا صاعدين إليها. لا تسرع أيها الأخ! بل اجعل الله يشعرك بالجوع لتلك الطريق! اجعله يدفعك بصلاة حارة لتسير على ركبك! أما التفرج من الشرفة فلا يوصلك بعيداً: «تَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي» يقول الله، (لا سيما عندما تفتشون عني من كل قلوبكم) (إرميا 29: 13).
الباب الضيق | ||
ويرتفع صليب قائم على رأس التلة ليحمي الممر إليها. فهناك يرتفع ذاك الذي يفصل الأزمان، ويقسم أصناف الناس. ونجد عند أسفل الصليب باباً ضيقاً. فإذا أراد أحد أن يجتاز منه عليه أن ينحني ويزحف. فهو المدخل إلى الطريق العامة. وعلينا أن نجتازه إذا رمنا أن نسير أبعد في تلك الطريق. ويدعى هذا الباب بباب «المنكسري القلوب» حيث يسير هؤلاء فقط من ذلك الباب. ومعنى الانكسار أن نجعل المسيح بارزاً لا نحن. وفي كل منا عنصر التكبر والافتخار المتجسّد في كلمة «أنا». وهذا العناد بدأ أولاً في جنة عدن عند أبوينا آدم وحواء. ففي البدء طأطآ الرأس خضوعاً لإرادة الله لكنهما عادا فصلّبا رقبتيهما ونشدا الاستقلال في محاولة منهما لتقليد الله.
ونرى على صفحات الكتاب المقدس أن الله يتّهم شعبه دوماً بالتمرّد وصلابة الرقبة التي لا نخلو نحن أيضاً منها. فنحن قساة ولا نرضى بأن نخضع لأحد. ونحن حساسون، ومتهيجون ومنتقدون، ونحن عرضة للغضب وعدم المسامحة. ونحاول بقوتنا، ونجرب أن نعمل ما هو مختص بالله. وننغمس في أمور الذات، وهذا يقودنا إلى النجاسة. فكل هذه المساوىء إنما تنبع من النفس المتكبّرة. ولو أنها ما كانت هناك ولو أن المسيح حلّ محلها لما حصلنا على مثل هذه الإنفعالات. وقبل أن نسير في هذه الطريق العامة، على الله أن يكسر هذه الرقاب المتصلّبة، لكي يحكم المسيح مكانها. ومعنى الانكسار ألا تكون لنا حقوق أمام الله والانسان، ولا يعني هذا فقط أن نسلم حقوقنا له، بل أن ندرك أننا لا نستحق شيئاً سوى الجحيم. وهذا معناه التجرّد من كل شيء ندعوه ملكاً لنا. فلا مال أو وقت أو مقتنيات أو وظيفة وقف لنا.
ولكي تُكسر إرادتنا لله، يجلبنا الروح القدس إلى قدمي الصليب وهناك يرينا معنى الانكسار الحقيقي. فنرى اليدين والرجلين المثقوبتين والوجه المكلّل بإكليل الشوك. فنلمس عند ذاك الانكسار التام المبتدئ من شخص ذاك الذي قال: «لتكن إرادتك لا إرادتي» ونراه يشرب كأس الخطية المُرَّة حتى ثمالتها. وهكذا فإن معنى الانكسار هو أن نتطلع إليه ونتحقق أن خطيتنا هي التي سمّرته هناك. وعندما نرى المحبة والانكسار اللذين أظهرهما ابن الله بموته عنا على الصليب، عندئذ تذوب قلوبنا، ونرغب أن ننكسر مثله وترانا نصلي قائلين:
خلاصنا يا رب معك، أن نذوب فيك!
وليتك أيها المسيح تسكن فيّ فأنسى نفسي وأتّحد بك!
ولشد ما وجد البعض أن لا صلاة يستجيبها الله أسرع من الصلاة التي فيها يطلب صاحبها الانكسار.
ولا تظن أيها القارىء أنه يطلب منا أن ننكسر مرة واحدة عندما نحاول اجتياز الباب، بل أن هذا اختبار سيواجهنا دوماً ويكون رهن اختيارنا. فالله يضغط علينا ونحن بدورنا يجب أن نختار. فإذا أساء أحد إلينا أو أهاننا ففي وسعنا حالاً أن نختار قبول تلك الإهانة واعتبارها وسيلة للنعمة لحملنا على الإتضاع أو أن نرفض ذلك فتصلب رقابنا ونعيش باضطراب يجلبه الروح لنا. وطوال ساعات النهار نتعرض لتجربة الانكسار هذه، ولا جدوى من اعترافنا بالانكسار أمام الله إن لم نظهر ذلك لمن نحتك بهم من إخوتنا بني الإنسان. والله دوماً يمتحننا بالناس الذين حولنا. وليس هنالك من أسباب ثانوية للمسيحي إذ أن إرادة الله تعلن عن طريق مشيئته، وهذه المشيئة غالباً ما ترتبط بحياة الآخرين. وإذا وجدت نفسك في حالة انكسار، فما عليك إلا أن تهرع من جديد إلى تلة الجلجثة فترى المسيح مكسوراً من أجلك، فتذهب من هناك وأنت راض أن تنكسر من أجله.
وسوف نرى فوق باب الذين انكسرت نفوسهم دم المسيح مرشوشاً عليه، وعندما ننحني لنجتاز من ذلك الباب نلمس دمه الثمين يطهرنا من كل خطية، ولا يكفي أن ننحني لنجتاز الطريق، بل علينا أن ندرك أنه لا يمكن لغير الطاهر أن يجتاز ذلك الطريق، وربما أنك ما عرفت المسيح مخلصاً أبداً، وربما تكون قد عرفته لسنوات، ولكن مهما كانت الحال فأنت ملوث بخطية الكبرياء والحسد، والغضب والنجاسة... فإذا ألقيتها على ذاك الذي حمل خطايا العالم على الصليب فإنه يهمس لك ثانية تلك الكلمات التي دوى بها في سالف من الزمن على الجلجثة: «قد أُكمل». وعند ذاك يتطهّر قلبك كالثلج.
وهكذا نصل نحن إلى الطريق العام. وهو طريق ضيق يسير صُعداً نحو السماء. وعلىجانبيه تقوم ظلمة كثيفة. وتكتنف الظلمة جنبات الطريق، إنما في الوسط نجد النور يسطع ويشع، ووراءنا يتراءى الصليب، ليس قاتماً بل مشعاً بالنور. ولا نعود نرى المسيح مشدود اليدين علىالصليب بل سائراً في ذلك الطريق، مملوءاً بحياة القيامة وحاملاً بيديه إبريق ماء الحياة. إنه يقترب منا ويسألنا أن نمسك قلوبنا وكأنه يقدم لنا كأساً. فيتطلع إلى تلك القلوب الفارغة بإمعان وعندما يرى أننا قد سمحنا لدمه أن يطهّرها يملأها بماء الحياة. ونسير في دربنا فرحين وحامدين الله، وممتلئين بحياته الجديدة...
هذا هو الانتعاش أن نكون مملوئين من الروح القدس كل الوقت، محبين الآخرين، وتواقين من أجل خلاصهم. فلا تريث ولا جهاد، بل تسليم له ليطهر خطايانا بدمه الثمين، ومتناولين من يديه عطية الامتلاء المجانية، وسامحين له أن يعمل عمله فينا. وفيما نحن نسير معه نجده دوماً هناك ليملأ كؤوسنا ويجعلها تفيض وتفيض...
وتصبح بقية حياتنا المسيحية سيراً في هذا الطريق العام بقلوب فياضة، وبرقاب محنية لإرادته بحيث نثق دوماً بأن دمه يطهرنا من خطايانا فنعيش في وحدة تامة مع يسوع. وليس هذا بأمر غريب أو عجيب، ولا يتطلب اختبارات عاطفية أو تنهدات دعاء لحدوث مثل هذا، فهذه حياة يومية وبسيطة أرادها الرب لنا ورتّبها لنفوسنا، وهو خلاصة القداسة الحقة.
ولكن أحياناً تسول النفس للإنسان أن ينحرف عن هذا الطريق العام لأنه ضيق. وخطوة واحدة فإذا بنا خارج الطريق وفي الظلام. وينجم هذا عن قصور في طاعتنا لله، أو عن ضعف لنسمح لله أن يعمل عمله فينا. وينتصب إبليس على قارعة الطريق لينادينا. ولكنه لا يقدر أن يلمسنا. وإنما نستطيع أن نخضع له إذا أردنا. وهذه هي أول خطوة في الخطية، وبدء الابتعاد عن يسوع. وتجدنا في بعض الأوقات نصلب رقابنا حتى ضد الله نفسه. وفي بعض الأوقات نجد الغضب والحسد والأنانية تهاجمنا. وفي أوقات أخرى تجدنا قلقين ومضطربين بحيث لا نحاول أن نجد راحتنا في الله... وهكذا نكون قد خرجنا عن الطر

