سيرة المسيح |
الكتاب السابع: موته وقيامته المجيدة
- هذا الكتاب
- 1 - القبض على المسيح في بستان جثسيماني
- 2 - شيوخ اليهود يحاكمون المسيح
- 3 - الوالي الروماني يحاكم المسيح
-
4 - المسيح يموت مصلوباً
- المسيح يسقط تحت حمل الصليب
- نساء أورشليم يبكين عليه
- ليس المسيح شهيداً
- المسيح يرفض المخدِّر
- صلبوه بين لصين
- المسيح يطلب الغفران لصالبيه
- تحققت نبوات
- توبة أحد اللصين
- المسيح يهتمّ بأمه العذراء
- إلهي، لماذا تركتني؟
- أنا عطشان
- قد أُكمل
- في يديك أستودع روحي
- الزلزلة وقيام الموتى
- شقُّ حجاب الهيكل:
- حقاً كان هذا ابن اللّه:
- 5 - المسيح في القبر
- 6 - المسيح قام.. بالحقيقة قام
- 7 - المسيح يظهر بعد القيامة
- 8 - المسيح يصعد للسماء
- مسابقة الكتاب
هذا الكتاب | ||
يسر أسرة «نداء الرجاء» أن تصدر هذا الكتاب عن حياة السيد المسيح، في سبعة أجزاء.
وقد كتب هذا الكتاب في مجلد واحد باللغة العربية الدكتور جورج فورد في أوائل العشرينات من هذا القرن، بعنوان «كتاب القول الصريح في سيرة يسوع المسيح».
وقد قام محررو نداء الرجاء بإعادة كتابته في الصورة التي تراها الآن.
ونحن نأمل أن يتعرَّف القارئ الكريم على المسيح بطريقة شخصية، وأن يكون شعاره «نحن نحبه لأنه هو أحبّنا أولاً».
أسرة «نداء الرجاء»
1 - القبض على المسيح في بستان جثسيماني | ||
|
«حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلامِيذِ: «ٱجْلِسُوا هٰهُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَٱبْنَيْ زَبْدِي، وَٱبْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى ٱلْمَوْتِ. اُمْكُثُوا هٰهُنَا وَٱسْهَرُوا مَعِي» (متى 26: 36-38). |
كل قادم وراءه نور، يسبِقه ظلُّه. فالصليب قادمٌ وراءه نور الخلاص، لذلك يظهر الآن ظله كثيفاً بعد ظهوراته الخفيفة السابقة، لأنه قبل غروب الشمس مرة أخرى، يظهر الصليب ذاته. خرج الإسخريوطي من علية العشاء وكان ليلاً. وبعد خروجه رسم المسيح فريضة العشاء الرباني، وتحدث بمناسبتِهِ، ثم ألقى على تلاميذه عظته الوافية وصلاته الشفاعية. فلا بد أن الليل كان قد انتصف عندما كمُلت الصلاة. لكن المسيح لا يستغني في هذا الوقت الرهيب عن اختلاء خصوصي مع الآب استعداداً لِمَا ينتظره، فإن الاستعدادات العدائية في المدينة تتكامل.
خرج المسيح ومعه تلاميذه الإثنا عشر من العلية يمرُّون بالأزقة المسقوفة تحت ستار السكينة والظلام، ويجتازون وادي قدرون في نور البدر متوجِّهين شرقاً إلى بستان في سفح جبل الزيتون، يملكه أحد محبّي المسيح في منطقةٍ اسمها جثسيماني (معناها معصرة). لذلك نرجح أن شجر هذا البستان في معصرة جبل الزيتون كان من نوع الزيتون. وأن المسيح اختار ظل هذه الأشجار الكثيف مخدعاً للصلاة.
وعندما دخلوا البستان أجلس المسيح ثمانية من التلاميذ هناك، وأوصاهم أن يصلُّوا لئلا تتغلب عليهم التجربة التي تأتيهم. وتقدم أكثر إلى الداخل يرافقه تلاميذه الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنا، فشاهدوا المسيح في حزن واكتئاب. كان الثلاثة قد رافقوه على جبل التجلي، وشاهدوا منه بهجة ومجداً وجلالاً. وكانت هذه المشاهدة الجديدة على جبل الزيتون ضرورية لإِعلان بشريته الحقيقية، كما أعلنت مشاهد جبل التجلي بنويته الحقيقية للّه. قد أراهم المسيح في جبل التجلي شمس عظمته في أفقها الأرضي، وها هو في جثسيماني يريهم بداءة كسوفها في آلام اتضاعه، كسوفاً لا يقلُّ عجباً عن مجدها. فالحادثان مرتبطان برباطٍ لا ينفصم.
اختار المسيح الانفراد التام في مصارعته الأخيرة مع إبليس، ومقابلته العظمى مع أبيه، وتسليمه التام لمشيئته. ونحن نتعجب أن المسيح الذي قَبْل هذا الوقت بساعة كان يقدِّم عظة ثم صلاة ملؤها الابتهاج والمجد، يقول الآن: «نفسي حزينة جداً حتى الموت». السبب أنه قد أتت الساعة التي لأجلها جاء من السماء. ثم أوصى رفقاءه الثلاثة قائلاً: «امكثوا ههنا واسهروا معي». وتقدَّم قليلاً وانفصل عنهم نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه وخرَّ على وجهه على الأرض، وكان يصلي. ما ألطف وأجمل وأكرم طلبه منهم «اسهروا معي»!
المسيح يصلي في جثسيماني | ||
|
«ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ، وَلٰكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». ثُمَّ جَاءَ إِلَى ٱلتَّلامِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهٰكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا ٱلرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا ٱلْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ إِلا أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضاً نِيَاماً، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضاً وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذٰلِكَ ٱلْكَلامَ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «نَامُوا ٱلآنَ وَٱسْتَرِيحُوا. هُوَذَا ٱلسَّاعَةُ قَدِ ٱقْتَرَبَتْ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي ٱلْخُطَاةِ. قُومُوا نَنْطَلِقْ. هُوَذَا ٱلَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ ٱقْتَرَبَ» (متى 26: 39-46). |
ها هو المسيح بطل السماء الطاهرة، ووحيد الآب وواحد معه، لا يطيق ما يراه أمامه من ساعةٍ فيها يخفي هذا الآب وجهه عنه. وسبب ذلك أنه في موته الفدائي سيتحمَّل لعنة الشريعة كحامِل خطايا البشر. وهو لا يطيق ذلك، إنْ كان لدى الآب وسيلةٌ أخرى لتخليص البشر بغير هذا العذاب الفائق. إنه يأبى أن يتحمل غضب أبيه ولو لحيظة. هذه أسباب اكتئابه الآن وصراخِه في صلاته لكي تعبر عنه الساعة إنْ أمكن، وطلبه من الآب ثلاث مرات أن يُجيز عنه هذه الكأس. كان في جهادٍ يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دمٍ نازلة على الأرض.
علم المسيح أن إبليس لا يهاجمه وحده ليثنيه عن عزمه في تتميم الفداء بموته على الصليب، بل يهاجم أيضاً تلاميذه، فحذَّر تلاميذه من إبليس وأوصاهم أن يسهروا معه ويصلوا لأجله ولأجل ذواتهم. كنا نظن أن النوم يستحيل عليهم في ساعة كهذه، لكن الواقع أنهم استسلموا حالاً للنوم كما ناموا على جبل التجلي.
ثم ركع المسيح للصلاة، وتحدث مع أبيه. لم يطلب أن تعبر عنه هذه الكأس وسكت، لكنه مضى يقول: «لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت».
بعد الصلاة الأولى عاد المسيح إلى تلاميذه وأيقظهم، ثم وجَّه توبيخه اللطيف إلى بطرس أولاً، ثم إلى الجميع بقوله: «لماذا أنتم نيام؟ أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة». وأردف توبيخه بعبارة الحنوّ: «أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف». ثم عاد إلى صلاته ثانية، وكانت مؤثرة أكثر من الأولى، وفيها لهجة المعاناة والألم. وبعدها وجد الثلاثة مثقَّلين أيضاً بالنوم، ولما أيقظهم لم يعلموا بماذا يجيبونه. ثم مضى وصلى ثالثة الصلاة السابقة قائلاً ذلك الكلام بعينه. من عدم استجابة الآب للمسيح في كل ما طلبه، وعلى الصورة التي طلبها في بشريته، عرفنا أهمية شُربه هذه الكأس، لأن محبة اللّه الغير محدودة لابنه الوحيد، لا يمكن أن تتركه في عذابات كهذه دون اضطرار كلي. لكن الآب الذي يحب البشر الساقطين الذين جعلوا أنفسهم أعداءه، لم يشفق على ابنه (الوحيد) بل بذله لأجلنا أجمعين (رومية 8: 32).
لما أيقظ المسيح بطرس ويعقوب ويوحنا ثالث مرة، أكد لهم أن فرصة السهر والصلاة قد فاتت، فنومهم ويقظتهم سيَّان. قال: «ناموا الآن واستريحوا. يكفي. قد أتت الساعة. هوذا ابن الإنسان يُسلَّم إلى أيدي الخطاة». محبُّوه نيام لكن الخائن يقظان. الإسخريوطي لا يحتاج إلى وصية أن يسهر. أليست هذه شهادة التاريخ أن «أَبْنَاءَ هٰذَا ٱلدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ ٱلنُّورِ فِي جِيلِهِمْ» (لوقا 16: 8)؟ مع أن سهر قوات الشر في العالم مدعاةٌ لمضاعفةِ سهرِ قواتِ الخير ويقظتها.
وأظهر المسيح مرة أخرى اهتمامه بيهوذا الذي باع نفسه، كما باع سيده بثلاثين من الفضة، مع أنه جاهد ليربّيه في الصلاح ويقوده إلى الخلاص، فقال: «هوذا الذي يسلّمني قد اقترب». سلّم المسيح نفسه لأبيه في هذا البستان قبل أن يسلّم جسده لأعدائه عند باب البستان، وبذلك التسليم تمَّ الفداء جوهرياً، وصار فِعْل الصليب وآلامه الجسدية تكملةً فقط لعمله الجوهري في جثسيماني.
يهوذا يقود الرؤساء | ||
|
«وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ ٱلٱثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ ٱلشَّعْبِ. وَٱلَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلامَةً قَائِلاً: «ٱلَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ». فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «ٱلسَّلامُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟» حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا ٱلأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ ٱلَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَٱسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ بِٱلسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لا أَسْتَطِيعُ ٱلآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ ٱثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ ٱلْمَلائِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ ٱلْكُتُبُ: أَنَّهُ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟» (متى 26: 47-54). |
نعود بالفكر إلى الإسخريوطي الذي قضى مع شيوخ اليهود هذه الساعات في التدبير لنجاح مشروعهم، بينما كان غيرهم من أهل المدينة مثقلين بالنوم بعد وليمة عشاء الفصح، والمسيح وتلاميذه في البستان. فارق الإسخريوطي المسيح والتلاميذ في علية العشاء، وهو يعلم أنه لا سلاح معهم إلا السيفين، ولا أنصار لهم بين الشعب في ساعات النوم، فطمأن شركاءه الرؤساء أن المسيح لن يستخدم قوته المعجزية ليتخلص منهم، لأنه أعلن مراراً نيّته أن يسلِّم نفسه للصليب، فلا صعوبة تُذكر في القبض عليه في العلية وتسليمه باكراً للحكومة الرومانية، ما دام الجمهور نائماً.
لكنهم لم يجدوه في العلية، فرأى الإسخريوطي أن يفتشوا عنه في بستان جثسيماني، حيث يُرجَّح وجوده. فزادوا القوة التي معهم وهيأوا ما يحتاجون إليه لأجل عملهم خارج المدينة. نعلم أن الذين بلغوا البستان هم يهوذا والجند الروماني المقيم بجوار الهيكل، الذين وضعهم الوالي تحت إمرة رؤساء اليهود، وخدام رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين وشيوخ الشعب، حتى أصبحوا جمعاً كثيراً بمشاعل ومصابيح وسلاح بسيوف وعصيّ. ولئلا يقع غلط في الليل ويقبض الجند على أحد التلاميذ بدلاً من المسيح فيتسنّى له الهرب من بينهم تحت جناح الليل، تم الاتفاق أن الإسخريوطي الذي يعرف المسيح جيداً يعطيهم علامة تقيهم من الغلط. وقال لهم: «الذي أقبله هو هو».
تقدم الإسخريوطي إلى المسيح وقال: «السلام يا سيدي». وقبّله لا قبلة واحدة بسيطة بل قبلات عديدة، كأنه أوفر الناس حباً له. أما المسيح فكان لا يزال يحاول أن يخلّصه من فساد قلبه إن أمكن، فقال له: «يا صاحب، لماذا جئت؟ يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟». وعمل المسيح هذا مع الإسخريوطي مثال مفيد يقدِّم لأعظم الخطاة رجاء بأن المخلِّص لا يهمله لكثرة شروره. وفيه درس لصيادي النفوس يجعلهم يتمسكون إلى النهاية بتخليص النفوس الهالكة مهما توغلت في الآثام.
يظهر أن يهوذا وبعض القادة دخلوا البستان، بينما بقي الباقون خارجاً ينتظرون أوامر القادة. وعندما خرج يهوذا مع المسيح من البستان، رأى المسيح الجمع المحتشد بالأسلحة، فكان همُّه الأول أن يحمي تلاميذه من الضرر، فسأل الجمهور: «من تطلبون؟» أجابوه: «يسوع الناصري». فقال لهم «أنا هو». فأرعبتهم هيبته جداً حتى رجعوا إلى الوراء، هم والخائن، وسقطوا على الأرض. بذلك تأكد لهم أنهم لا يأخذونه دون إرادته.
ولما نهضوا أعاد السؤال عليهم ثانية. فلما أجابوا كالأول، دون أن يتقدموا قال لهم: «قد قلتُ لكم إني أنا هو، فإنْ كنتمُ تطلبونني فدعوا هؤلاء (أي تلاميذه) يذهبون». وقف أمامهم كآمِرٍ فأطاعوا. ليست هذه المرة الأولى التي أرعب المسيح فيها جمهوراً معادياً فأحبط مقاصدهم ضده، لكنها أعظم تلك الحوادث وأغربُها. لقد اكتسب المسيح من سهره وصلاته وتسليمه للآب في البستان قوة وهَيْبة جديدة. وعندما شاهد أعداؤه هيبته ظهر جُبْنهُم، لأن ضمائرهم كانت تشهد ضدهم.
لم ينصرف التلاميذ عند قول المسيح لأعدائه: «دعوا هؤلاء يذهبون» لأنهم تذكروا وعْدَهم أنهم يذهبون معه للسجن والموت، وأن سيدهم قال لهم في هذا المساء: «مَنْ ليس له سيف فليبعْ ثوبه ويشتري سيفاً». ولما قالوا له: «هنا سيفان». قال لهم: «يكفي» ظنوا أنه يريدهم أن يدافعوا عنه بالقوة. فلما رأوا أن الذين أمسكوه لم يكتفوا بمَسْكه، بل أوثقوه (أي ربطوا يديه وراء ظهره، كعادتهم عند مَسْك أصحاب الجرائم الكبيرة» تحمَّسوا فسألوا سيدهم بعبارة التعظيم أمام خصومه: «يا رب، أنضرب بالسيف؟».
يظهر أن بطرس لاحظ أن المهاجِم الأعظم على سيده، كان عبد رئيس الكهنة، فلم يصبر ليسمع جواب المسيح، بل استَّل السيف الذي معه، وضرب به هذا العبد (واسمه ملخس) على رأسه ليقتله، لكنه لم يصِبْ إلا أذنه اليمنى فقطعها. اهتم المسيح حالاً بإصلاح خطأ بطرس، كما اهتم أن يُظهِر حبَّه لأعدائه واستعدادَه أن يفعل معجزة لخيرهم، وفي الوقت ذاته يوضح لأعدائه مقامه الحقيقي. لم يتسلطوا عليه إلا برضاه، فأظهر أولاً استياءه من فعل بطرس، وأمَرَه أن يردَّ سيفه إلى غمده. وذكَّره بالحكمة القديمة القائلة إن: «الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون». ثم علّمه أنه لا يحتاج إلى بشرٍ يخلِّصون، فهو لا ينتظر من التلاميذ أن يعِينوه بالقوة. ولو احتاج لمعونة لطلب من أبيه فيرسل له أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة. أَوَلا يعلم بطرس حتى الآن أن القبض على سيده ينبغي أن يكون لكي تُكمل نبوات التوراة؟ ثم طلب المسيح أن يقدموا ملخس إليه، وهذا يعني تخفيف القيود التي تقيد يدي المسيح. فلما حلوه، مد يده وشفى أذن ملخس وفقاً لوصيته: «أحسنوا إلى مبغضيكم». وكانت هذه المعجزة خاتمة معجزاته قبل صلبه.
ولما عرف التلاميذ أن المسيح لا يطلب مساعدتهم، وأن بقاءهم تحت الخطر لا يفيد سيدهم شيئاً، تركوه كلهم وهربوا. فتمت نبوته لهم وهم في العلية أنهم جميعاً سيتركونه.
2 - شيوخ اليهود يحاكمون المسيح | ||
كان حق توقيع حكم الإعدام للوالي الروماني وحده، ولو أن الحكومة الرومانية، كانت تنفذ أحكام رؤساء الدين اليهودي بسهولة، منعاً للمشاكل.
وكان لليهود رئيسان للكهنة، أولهما حنان - الرئيس الشرعي. ولكن الوالي الروماني كان قد عزله منذ عشرين سنة، وأقام صهره قيافا رئيساً للكهنة بدله. وكان حَنّان صاحبَ نفوذ عند الشعب، كما كان صانع المكائد الأكبر ضد المسيح.
أخذ الجنود المسيح بعد القبض عليه في البستان إلى بيت حنان، وكان تلاميذه قد هربوا، لكن يوحنا التلميذ الحبيب رجع وانضم إلى الجمهور المتَّجه من البستان إلى دار رئيس الكهنة. ولأنه كان معروفاً ومقبولاً فيها، دخل مع الداخلين. ورجع سمعان بطرس أيضاً وتبعهم لكن من بعيد، فلما وصل بعد الآخرين أوقفتْهُ الجارية البوابة، فطلب منها أن تستدعي له من داخل صديقه ورفيقه يوحنا. فلما خرج يوحنا وتكلم مع الجارية أدخل بطرس معه إلى الدار، لكن ليس إلى غرفة الرئيس حيث دخل هو.
يظهر أن الرئيس قيافا أرسل حالاً فجمع ليلاً الذين أرادهم من رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، لكي يُجْروا محاكمة غير رسمية يُصدِرون فيها حكماً رسمياً معجَّل التنفيذ، ليتمكَّنوا من تسليم المسيح باكراً للوالي الروماني، لكي ينفّذ حكمهم بالإعدام قبل يوم ذبيحة الفصح، لأن شريعة موسى كانت تحرم أي عمل مثل هذا يوم عيد الفصح وفي أيام العيد بعده.
أمام رئيس الكهنة | ||
|
«فَسَأَلَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ يَسُوعَ عَنْ تَلامِيذِهِ وَعَنْ تَعْلِيمِهِ. أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَنَا كَلَّمْتُ ٱلْعَالَمَ عَلانِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي ٱلْمَجْمَعِ وَفِي ٱلْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ ٱلْيَهُودُ دَائِماً. وَفِي ٱلْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ ٱلَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هٰؤُلاءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هٰذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ ٱلْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفاً، قَائِلاً: «أَهٰكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ ٱلْكَهَنَةِ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيّاً فَٱشْهَدْ عَلَى ٱلرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» وَكَانَ حَنَّانُ قَدْ أَرْسَلَهُ مُوثَقاً إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ» (يوحنا 18: 19-24). |
يا لغرابة الصورة التي أمامنا الآن! ها رئيس الكهنة الأصلي الحقيقي المُقام من اللّه (المسيح) يقف مكتوفاً مخفوراً ليُحاكَم أمام شخصٍ اختلس اسْمَ رئيس الكهنة ووظيفتَه ومقامَه، بعد أن حصل على موافقة والٍ شريرٍ وثني.
اتهم رئيس الكهنة المسيح أنه قائد مجموعة من المتآمرين لإثارة فتنة ضد الحكومة. بدليل مرافقة الجماهير له في جولاته، فسأله عن تلاميذه وتعليمه. وكان جواب المسيح: «في الخفاء لم أتكلم بشيء. لماذا تسألني أنا؟ إسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتُهم. هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلتُ أنا؟». ولو أن المسيح لبَّى طلب رئيس المحكمة وشَرحَ تعاليمه لَمَا كان لجوابه تأثيرٌ في المحاكمة القانونية، ولَمَا أقنع سائليه. ولم يعجب ردُّ المسيح واحداً من الخدم الواقفين في الغرفة فلطم المسيح ووبّخه على جوابه للرئيس. ولا شك أننا نذكر تعليم المسيح في وعظه على الجبل بأن المضروب على أحد خديه يحوّل للضارب خده الآخر، الذي لم يقصِدْ منه المعنى الحرفي، ولا أن إطلاقه يكون على كل الظروف. فبدلاً من خضوعه لهذه اللطمة بسكوت، وبَّخ الخادم الذي ضربه بكل رزانة وحق قائلاً: «إنْ كنتُ تكلمتُ ردياً فاشهد على الرديء، وإنْ حسناً فلماذا تضربني؟». أما اللطمات الأخرى التي أتته بعد حين فلم يعترض عليها بشيء.
شهود الزور | ||
|
«وَكَانَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخُ وَٱلْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلٰكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالا: «هٰذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ ٱللّٰهِ، وَفِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هٰذَانِ عَلَيْكَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتاً. فَسَأَلَهُ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ ٱلآنَ تُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ ٱلْقُوَّةِ، وَآتِياً عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا وَقَالُوا: «إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ ٱلْمَوْتِ». حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ قَائِلِينَ: «تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا ٱلْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ!» (متى 26: 59-68). |
أهتم الرؤساء كثيراً بتدبير شهود زور. لكن لم تتفق شهاداتهم. أخيراً تنسّموا نجاحاً من شاهدين يشهدان بأن المسيح قال إنه يهدم الهيكل ثم يُقيمه في ثلاثة أيام. وهذا تحريف لكلام قاله منذ ثلاث سنين في الهيكل لما طهَّره أول مرة، وكان يَقصد به هيكل جسده. لكن كلام الشاهديْن اختلف فسقطت شهادتُهما، فاحتدَّ الرئيس ووقف في الوسط وطلب من المسيح أن يدافع عن نفسه جواباً على الشهود. «فلم يجبه بكلمة». فتحققت نبوة إشعياء القائلة: «ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ» (إشعياء 53: 7).
عند ذلك قال الرئيس: «استحلفك باللّه الحي أن تقول لنا: أأنت المسيح ابن اللّه؟». لم يقدر المسيح أن يسكت عند هذا السؤال، لئلا يُؤخذ سكوته دليلاً على رجوعه عن تصريحاته السابقة بهذا المعنى، أو على خوفه من مضطهديه، لذلك أجاب حالاً بالإِيجاب. وزاد قوله إنهم سوف يبصرونه كابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء.كأنه يتنبأ للرئيس وللمحكمة عن يوم يأتي، حين تتبدَّل الأمور، فيكون هو الديَّان الذي يدين الرئيس وقومه.
ما هذا الكلام الغريب العظيم من مكتوفٍ يُحاكم، يوجِّهه إلى محاكميه الذين بيدهم حياته؟ وهل يحقُّ لمجرد بشرٍ أن يقول كلاماً كهذا؟ وتظاهر الرئيس بأنه لا يحتمل أن يسمع كلاماً يعارض العظمة الإلهية، فمزَّق ثيابه وقال: «قد جدف. ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ ها قد سمعتم تجديفه. ما رأيكم؟».
لا يحقُّ لرئيس أن يعلن رأيه في قضية مطروحة لحكم المجلس، لأن ذلك يؤثر تأثيراً مهماً في الأصوات بعده. وكان القانون العبراني العادل يقضي بأن تُؤخذ في المجالس أصوات الأصاغر فيه قبل الأكابر. ومن هذا نرى أن قيافا فقد صلاحيته كحاكم في هذا الوقت، عندما أصدر حكمه أن المسيح جدف، الأمر الذي يعني قتل المسيح. ولكنه حصل على موافقة جميع زملائه في المجلس أن المسيح يستحق الموت.
ولما رأى الخدم والحرس العسكري أن الرؤساء حكموا بصوت واحد على المسيح بأعظم جريمة دينية ممكنة، وأنهم مستاؤون منه غاية الاستياء، أطلقوا العنان لميولهم الوحشية، عالمين أنهم بذلك يسُرُّون الرؤساء. ومع أن المحاكمة الرسمية لم تكن قد بدأت أخذوا يبصقون في وجه المسيح، ويغطُّون وجهه ويلكمونه، ويقولون: «تنبأ لنا أيها المسيح، من هو الذي ضربك؟» ثم جلدوه وأجروا عليه أنواع الإستهزاء المُهين، تحقيقاً للنبوة القديمة القائلة: «بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ ٱلْعَارِ وَٱلْبَصْقِ» (إشعياء 50: 6).
كانت محاكمة المسييح في غرفة تشرف على الدار الخارجية، حيث تجمَّع الخدم والعبيد. وفي أوائل نيسان يشتد البرد قبيل الفجر. فأضرموا جمراً في وسط الدار ليستدفئوا، وانضمَّ بطرس إليهم. ويظهر أن بطرس لم يعترض على شيء من الكلام المُهين الذي دار بينهم في حق سيده، فلم ينتقده أحد. لكن بعد حين تقدمت «البوابة» التي فتحت له، وتفرست فيه، وقالت له: «وأنت كنت مع يسوع الناصري الجليلي. ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان؟». فأنكر قدام الجميع قائلاً: «لستُ أنا (أي لست من تلاميذ هذا الإنسان). لست أدري ولا أفهم ما تقولين. ولست أعرفه يا امرأة».
بطرس ينكر المسيح | ||
|
«وَبَيْنَمَا كَانَ بُطْرُسُ فِي ٱلدَّارِ أَسْفَلَ جَاءَتْ إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ. فَلَمَّا رَأَتْ بُطْرُسَ يَسْتَدْفِئُ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيِّ!» فَأَنْكَرَ قَائِلاً: «لَسْتُ أَدْرِي وَلا أَفْهَمُ مَا تَقُولِينَ!» وَخَرَجَ خَارِجاً إِلَى ٱلدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ ٱلدِّيكُ. فَرَأَتْهُ ٱلْجَارِيَةُ أَيْضاً وَٱبْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلْحَاضِرِينَ: «إِنَّ هٰذَا مِنْهُمْ!» فَأَنْكَرَ أَيْضاً. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً قَالَ ٱلْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: «حَقّاً أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضاً وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ». فَٱبْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لا أَعْرِفُ هٰذَا ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ!» وَصَاحَ ٱلدِّيكُ ثَانِيَةً، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ ٱلْقَوْلَ ٱلَّذِي قَالَهُ لَهُ يَسُوعُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ ٱلدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ». فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى» (مرقس 14: 66-72). |
لكن إنكاره أوقد حريقاً في قلبه، فتركهم وخرج خارجاً إلى الدهليز. وبينما هو هناك سمع صوت صياح الديك. واعترضته جارية أخرى أكّدت للحاضرين أن هذا منهم. فأنكر بقَسَم تثبيتاً لإنكاره السابق لكي لا يكشفوا كذبه. أخيراً بعد ساعة زاد عليه الاعتراض من الذين أكدوا أنه أحد تلاميذ المسيح، ولا سيما أن لهجته الجليلية تدلُّ على ذلك، إلى أن ظهر بينهم نسيب ملخس الذي قطع أذنه في البستان، وقال إنه رآه مع المسيح هناك.
ولما رأى بطرس شدة الخطر الذي يتهدده، وعرف أن الإنكار البسيط كالسابق لا يكفيه، أخذ يحلف ويلعن مؤكداً أنه لا يعرف المسيح.
لم يفرغ بطرس من إنكاره الفظيع، إلا وصاح الديك ثانية. وكان المسيح ينتظر هذا الصياح لينقذ تلميذه من الهوَّة التي تورط فيها، فحوَّل اهتمامه عن عذابه في تلك المحاكمة وما يتبعها، ليسأل عن نفس هذا البطل الساقط. وأدار وجهه عن رئيس الكهنة والرؤساء لينظر إلى بطرس في الدار، فالتقَت عينا المسيح بعيني تلميذه، بالاتفاق مع صياح الديك. وأسَرَ المسيحُ قلْبَ بطرس بلفْتةِ الحب المقترن بالحزن. فابتدأت دموعه تسيل نهراً، وتغلَّبت فيه العواطف الشريفة على الدنيئة، وحلّت التوبة القلبية الصافية محل الجحود والإنكار، فعلم أن خطيئته قد غُفرت وأن صلاة المسيح لأجله لكي لا يفنى إيمانه قد استُجيبت. لم يعُد بطرس يسأل: ماذا يقول الناس عنه، ولا ماذا يتهدده من الخطر. لكنه سأل فقط عن رضى سيده حبيب نفسه. «فخرج إلى خارج وبكى بكاء مراً». ونال الغفران التام.
«هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَٱلدُّودِيِّ تَصِيرُ كَٱلصُّوفِ» (اش 1: 18). «أَنَا أَنَا هُوَ ٱلْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لا أَذْكُرُهَا» (إشعياء 43: 25) «طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ » (مز 32: 1). والمسيح الذي خلّص بطرس بلَفْتَتِه، ينجّي في كل حين من أعمال الإِثم ودركاته كلَّ من ينظر إليه نظرة الإيمان.
محاكمة المسيح صباحاً | ||
|
«وَلَمَّا كَانَ ٱلنَّهَارُ ٱجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ ٱلشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ ٱلْمسِيحَ فَقُلْ لَنَا». فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لا تُصَدِّقُونَ، وَإِنْ سَأَلْتُ لا تُجِيبُونَنِي وَلا تُطْلِقُونَنِي. مُنْذُ ٱلآنَ يَكُونُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ ٱللّٰهِ». فَقَالَ ٱلْجَمِيعُ: «أَفَأَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ». فَقَالُوا: «مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِهِ». فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاطُسَ» (لوقا 22: 66-23: 1). |
كانت المحاكمة في الليل غير قانونية - وما أن أشرق صباح يوم الجمعة حتى قرَّر شيوخ اليهود أن يصدِروا حكمهم الذي اتفقوا عليه خلال الليل. ولما عقدوا جلستهم الرسمية سألوه إن كان هو المسيح المنتظر، فأجابهم: «إنْ قلتُ لكم لا تصدقون، وإنْ سألتكم لا تجيبونني». ثم كرر عبارته السابقة بخصوص جلوسه عن يمين القوة الإلهية. فسألوه: «أفأنت ابن اللّه؟» ولما أجابهم بالإيجاب قالوا: «ما حاجتنا بعد إلى شهود، لأننا نحن سمعنا من فمه؟».
فحكم هذا المجلس الملي المعظَّم على المسيح بالإِعدام، لارتكابه جريمة التجديف. فماذا يفعل المجلس الآن بعد حكمه هذا؟
كان لا بد أن يصدق الوالي الروماني بيلاطس على هذا الحكم، ليصبح نافذ المفعول. ولما كان اليوم التالي من أيام عيد الفصح الهامة التي تدوم أسبوعاً، كان عليهم أن يسرعوا للحصول على موافقة بيلاطس، لأنه لو لم ينفَّذْ هذا الحكم يوم الجمعة لاقتضى الأمر تأجيله أسبوعاً كاملاً. ومن يدري ما سيحدث خلال هذا الأسبوع؟ سيحاول الشعب أن يخلصه من الحكم الظالم.. لذلك قام كل جمهورهم وجاءوا إلى دار الولاية ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي.
ما هذه الصورة المحزنة والمكدرة؟ ها رؤساء الشعب معلمو الشريعة الإلهية الطاهرة، يسيرون في مقدمة جمع في شوارع المدينة المقدسة، ليسلّموا مسيحهم ورجاءهم الوحيد، ورجاء العالم أجمع، إلى والٍ قاسٍ ظالم وثني ليصلبه.
يهوذا ينتحر | ||
|
«حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا ٱلَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ ٱلثَّلاثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخِ قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» فَطَرَحَ ٱلْفِضَّةَ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَٱنْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ ٱلْفِضَّةَ وَقَالُوا: «لا يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي ٱلْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». فَتَشَاوَرُوا وَٱشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ ٱلْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. لِهٰذَا سُمِّيَ ذٰلِكَ ٱلْحَقْلُ «حَقْلَ ٱلدَّمِ» إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ. حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ: «وَأَخَذُوا ٱلثَّلاثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ، ثَمَنَ ٱلْمُثَمَّنِ ٱلَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ ٱلْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي ٱلرَّبُّ» (متى 27: 3-10). |
وهنا شعر يهوذا الإسخريوطي أنه أجرم في حق المسيح. ربما تمنّى أن يُفلت المسيح من قبضتهم بقوته ومعجزاته. ولكن لما رأى أن المحاكمة ماضية في الطريق وأن المسيح يواجه الموت، أسرع لشيوخ اليهود يردُّ الثلاثين من الفضة ويقول: «قد أخطأت إذْ سلّمتُ دماً بريئاً». ولم يكن رؤساء اليهود يهتمُّون بمحاكمة عادلة، فجاوبوا يهوذا باحتقار قائلين: «ماذا علينا؟ أبصر أنت؟».
ألقى يهوذا بالفضة إليهم. ولكن تمسُّكهم الظاهري بالشريعة جعلهم يرفضون إعادتها للخزانة، فتغلَّبوا على المشكلة بأن اشتروا بالمال حقلاً جعلوه مقبرة للغرباء، فتحقَّقت نبوة هامة في التوراة (زكريا 11: 12 ، 13).
ولما رأى الإسخريوطي أن المسيح لم يَنْجُ من الموت، ندم غاية الندم، لكن ندمه كان مختلفاً عن ندم بطرس الذي أنكر، فقد سعى ليصلح أمره مع الناس فقط. اعترف للبشر أولاً، فلقي الفشل الذي يصيب كل من يقدِّم أولاً للبشر اعترافه بخطاياه. توهم أنه يقدر أن يصلح ما فعل وهذا مستحيل. كان عليه أن يستغفر من اللّه أولاً، ويطلب منه أن يصلح ما أفسده هو.
مسكين الإسخريوطي، أولاً وأخيراً... مضى وخنق نفسه. سقط على وجهه وانشقَّ من الوسط، فانسكبت أحشاؤه كلها. فأي نتيجة مرعبة هذه التي تجانس خيانته العظيمة؟ هذه لمحة من عذاب جهنم، أبرقت منها على العالم عبرة ومثالاً. فمن لا يتَّعظ بها؟
3 - الوالي الروماني يحاكم المسيح | ||
في الصباح الباكر من يوم الجمعة بلغ الوالي في مخدعه قدومَ رئيس الكهنة مع مجلسه الموقَّر، وأنهم أحضروا معهم النبيَّ الناصري الشهير، صانع المعجزات الفائقة، مكتوفاً ومخفوراً، على صورةٍ تدلُّ أنه ارتكب جريمة عظيمة. وكان رؤساء اليهود يتشبَّثون بعظمتهم حتى في علاقاتهم مع الولاة الرومان. وكان الولاة يحترمون رؤساء اليهود ويعترفون لهم بسلطة واسعة ونفوذ عظيم، فكانوا غالباً ينفّذون لهم أحكامهم الدينية دون مراجعة.
اهتم رؤساء اليهود أن يتصرف بيلاطس معهم حسب عادته، فلا يفحص القضية، لأن الوقت قد دهمهم. كما كانوا يخشون أن فَحْصَ القضية يعني إلغاء حكمهم الظالم. ولما كانت شريعتهم تقول إن دخولَهم إلى دار المحكمة الوثنية ينجسهم، ولا وقت ليتطهروا من هذا التنجُّس قبل العيد العظيم، تساهل الوالي معهم وخرج إليهم، وأدخل المسيح مع العسكر إلى الدار. ثم سأل الرؤساءَ في غياب المسيح: «أية شكاية تقدِّمون على هذا الإنسان؟» فأجابوه: «لو لم يكن فاعلَ شرٍ لما كُنا سلَّمناه إليك». محاولين بهذا الرد أن لا يفحص بيلاطس القضية. لكن الوالي تمسَّك بحقوقه القانونية، فاضطرُّوا أن يصوغوا دعواهم في قالب قانوني، مما يوجِب معاقبة المسيح بالإعدام.
اتهامات اليهود للمسيح | ||
|
«ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ ٱلْوِلايَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ ٱلْوِلايَةِ لِكَيْ لا يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ ٱلْفِصْحَ. فَخَرَجَ بِيلاطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هٰذَا ٱلإِنْسَانِ؟» أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَٱحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَداً». لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَهُ مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ» (يوحنا 18: 28-32). |
كانت الجريمة الأولى التي نسبها شيوخ اليهود للمسيح هي أنه يفسد الأمة، أي يثير فتنة سياسية ضد الحكومة. لكن لو صدق هذا القول لكان بيلاطس قد عرف هذا بواسطة جواسيسه دون تداخل الرؤساء الذين لا تسيئهم الفتنة ضد الحكومة.
وكانت الجريمة الثانية أن المسيح يمنع أن تُعطى جزية لقيصر. وهذا ما حاولوا أن يجعلوا المسيح أن يقوله، لكنه رفض وقال: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه».
وأما الشكاية الثالثة فكانت أنه «يقول إنه هو مسيحٌ ملك». وهذا أيضاً كذب، فليس في هذه التهمة أيضاً ما يؤثر على الوالي، لأنه يعلم جيداً أن هؤلاء اليهود يفتخرون بكل من يقاوم الحكم الروماني، فلا يمكن أن يسلِّموا يهودياً للقتْل بهذه التهمة لو كانت صحيحة.
فأجابهم الوالي بنفور وتحقير وتهكّم: «خذوه أنتم وأحكموا عليه حسب ناموسكم» مع أنه لا علاقة بين الجرائم التي ذكرها وبين ناموسهم. وكأنه يقول لهم: «لا تستطيعون أن تفعلوا ما تشاؤون بدوني، وأنا لا أخضع لمطاليبكم بدون فحص». فاضطر الرؤساء إلى التذلُّل لينالوا مرامهم، فقالوا: «لا يجوز لنا أن نقتل أحداً».
بيلاطس يستجوب المسيح | ||
|
«ثُمَّ دَخَلَ بِيلاطُسُ أَيْضاً إِلَى دَارِ ٱلْوِلايَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هٰذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» أَجَابَهُ بِيلاطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لا أُسَلَّمَ إِلَى ٱلْيَهُودِ. وَلٰكِنِ ٱلآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». فَقَالَ لَهُ بِيلاطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهٰذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهٰذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». قَالَ لَهُ بِيلاطُسُ: «مَا هُوَ ٱلْحَقُّ؟». وَلَمَّا قَالَ هٰذَا خَرَجَ أَيْضاً إِلَى ٱلْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً» (يوحنا 18: 33-38). |
حصل كل هذا في العراء أمام دار الولاية، وبعده دخل الوالي ودعا المسيح ليفحص أمره. وكان سؤاله الأول معقولاً ومناسباً، لأن اتهام اليهود له بأنه قال إنه مسيح ملك لم يكن في مواجهته فسأله: «أأنت ملك اليهود؟» ولم يستطع المسيحُ أن يجيب بنعم فقط، لئلا يأخذ الوالي هذا الجواب على معنى سياسي، بخلاف الواقع. ولم يستطع أن يقول كلا، لأنه بالحقيقة ملك اليهود، بل ملك كل العالم بالمعنى الروحي. وكان يعلم ما قاله اليهود للوالي، فأجاب: «أمِنْ ذاتك تقول هذا، أم آخرون قالوا لك عني؟». أي هل تطلب أن تعرف حقيقة أمري، أو فقط أن تعرف صِدْق الذين سلموني إليك؟ فنفى بيلاطس أنه يطلب معرفة الحقيقة بقوله: «ألعلي أنا يهودي؟». (يعني لماذا أهتمُّ أن أعرف مسيح اليهود؟») «أمَّتُك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ. ماذا فعلتَ؟».
حينئذ كلم المسيح بيلاطس بكلامٍ سامٍ بيَّن فيه ماهية ملكوته الروحي، وبرهان ذلك أن أتباعه لم يدافعوا عنه بالسلاح. بينما كانوا يستعملون السلاح لو كان فهموا ملكوته بالمعنى السياسي. لكن الوالي لم يكتفِ بهذا التصريح الروحي المُبهَم عنده، فطلب جواباً واضحاً على سؤاله، فقال المسيح: «أنت تقول إني ملك. لهذا قد وُلدت أنا. ولهذا قد أتيتُ إلى العالم لأشهد للحق (أي الحق الإلهي). وكلُّ مَنْ هو من الحق يسمع صوتي».
فقال بيلاطس بمزيج من الاستخفاف والاحترام، وهو خارجٌ ليقابل اليهود في الفسحة الخارجية: «ما هو الحق؟». أي من يقدر أن يعرف الحق بين الآراء الدينية الكثيرة المتضاربة؟ هل هو بجانب فلاسفة اليونان المتعبّدين للجمال وآلهته - أم بجانب الرومان المتعبدين للقوة وآلهتها - أم بجانب اليهود المتعبِّدين لإلهٍ واحد وهو روحٌ لا صورة ظاهرة له - أم بجانبك أنت المرفوضِ من أمَّتك اليهودية التي تخالفها، وتقول إنك أتيت من السماء لتشهد للحق؟».
سأل بيلاطس: «ما هو الحق؟» لكنه لم ينتظر الجواب، وما أكثر أمثاله في كل عصرٍ وقطر، الذين يسألون سؤال بيلاطس بالاستخفاف أو بالاحترام، لكنهم لا ينتظرون ليحصلوا على الجواب من الحق سبحانه، ولذلك لا يهتدون إليه. قال المسيح: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلامِي... تَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يوحنا 8: 31 ، 32).
وخرج بيلاطس ليعلن لليهود: «أنا لست أجد فيه علة واحدة». إنْ صحَّ زعْمُ البعض، تكون امرأته قد زرعت فيه مَيْلاً إلى المسيح. والأمر ظاهر أنه كان يهاب المسيح ويحترمه.
|
«فَقَالَ بِيلاطُسُ لِرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْجُمُوعِ: «إِنِّي لا أَجِدُ عِلَّةً فِي هٰذَا ٱلإِنْسَانِ». فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُ يُهَيِّجُ ٱلشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ ٱلْجَلِيلِ إِلَى هُنَا» (لوقا 23: 4 ، 5). |
عند هذا التصريح من الوالي جدد اليهود شكاياتٍ متنوعة لم يْرضَ المسيح أن يجيب عليها. ولما سأله الوالي لماذا لا يدافعُ عن نفسه، لم يجِبْه بكلمة، لأنه يعلم أن كلامه يكون عبثاً. وتعجب الوالي من هذا السكوت، لكنه أظهر احترامه بإعادة شهادته أمام الرؤساء والجمهور ببراءة المسيح، فغضبوا وجددوا الشكوى بأن المسيح كان يحرك الشعب للفتنة، ليس فقط في ولاية بيلاطس، بل أكثر أيضاً في وطنه في ولاية هيرودس أنتيباس، في مقاطعة الجليل حيث قضى المسيح معظم سنيه.
ذكر رؤساء اليهود أن المسيح من الجليل ليهيِّجوا الوالي على المسيح ليقتله. لأن الجليليين أكثر الناس إثارةً للفتن السياسية. لكن الرؤساء ندموا على قولهم هذا، لأنه أدَّى إلى بطءٍ جديد في مشروعهم. فقد جعلوا الوالي يفكر في وسيلة جديدة للتخلُّص من هذه الدعوى المزعجة، بإحالتهم إلى حاكم الجليل اليهودي، رغم ما بينهما من الخلاف الشديد. فأرسل بيلاطسُ المسيحَ إلى قصر هيرودس في أورشليم، ومعه المشتكين عليه، وهو يحسب أن هذه الإِحالة تريحه من المسئولية تجاه اليهود وتجاه هيرودس أيضاً، ويكون فيها شيء من الاسترضاء، فينتهي العداء بينه وبين هيرودس، فنجح في الغاية الثانية، وصار بيلاطس وهيرودس صديقين مع بعضهما من ذلك اليوم. لكنه لم ينجح في التخُّلص من مشكلة إرضاء اليهود، ولا إراحة ضميره.
المسيح أمام هيرودس | ||
|
«فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاطُسُ ذِكْرَ ٱلْجَلِيلِ، سَأَلَ: «هَلِ ٱلرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ؟» وَحِينَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَلْطَنَةِ هِيرُودُسَ، أَرْسَلَهُ إِلَى هِيرُودُسَ، إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْكَ ٱلأَيَّامَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدّاً، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَاهُ يَصْنَعُ آيَةً. وَسَأَلَهُ بِكَلامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِٱشْتِدَادٍ، فَٱحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَٱسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاساً لامِعاً، وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاطُسَ. فَصَارَ بِيلاطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ فِي عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا» (لوقا 23: 6-12). |
لما وصل المسيح مع المشتكين عليه إلى قصر الملك هيرودس فرح هذا جداً، ليس فقط لافتخاره بتنازل الوالي له، بل لأنه منذ زمان كان يشتهي أن يرى المسيح، لأنه أشهر كل أفراد رعيته في الجليل. ولم يكن قد رآه حتى ذلك الوقت. وقد فرح هيرودس لأنه ظن أن المسيح سيُجري أمامه المعجزات التي قد سمع بها كثيراً. لكن ألا تكون رؤية المسيح موَثَقَاً بالقيود تذكيراً مؤلماً لهيرودس بيوحنا المعمدان لما أدخلوا أمامه رأسه على طبق؟... لما سمع سابقاً بالمسيح قال إنه يوحنا المعمدان الذي قام من القبر، فماذا يظن الآن؟
فحص هيرودس المسيح بكلام كثير لم يُحفظ لنا منه شيء، لكن المسيح لم يكترث ولم يجِبْه بشيء. كان هيرودس الشرير قد أسكت صوت اللّه بفم المعمدان، والآن لا يكلمه ابنُ اللّه بشيء. فاحتقره هيرودس. مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباساً لامعاً وردَّه (دون حكم) إلى بيلاطس.
بيلاطس يحاول أن ينقذ المسيح | ||
|
«فَدَعَا بِيلاطُسُ رُؤَسَاءَ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْعُظَمَاءَ وَٱلشَّعْبَ، وَقَالَ لَهُمْ: «قَدْ قَدَّمْتُمْ إِلَيَّ هٰذَا ٱلإِنْسَانَ كَمَنْ يُفْسِدُ ٱلشَّعْبَ. وَهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هٰذَا ٱلإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلا هِيرُودُسُ أَيْضاً، لأَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَا لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ ٱلْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ. فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ». وَكَانَ مُضْطَرّاً أَنْ يُطْلِقَ لَهُمْ كُلَّ عِيدٍ وَاحِداً، فَصَرَخُوا بِجُمْلَتِهِمْ قَائِلِينَ: «خُذْ هٰذَا وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ!» وَذَاكَ كَانَ قَدْ طُرِحَ فِي ٱلسِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَقَتْلٍ. فَنَادَاهُمْ أَيْضاً بِيلاطُسُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُطْلِقَ يَسُوعَ، فَصَرَخُوا: «ٱصْلِبْهُ! ٱصْلِبْهُ!» فَقَالَ لَهُمْ ثَالِثَةً: «فَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ هٰذَا؟ إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهِ عِلَّةً لِلْمَوْتِ، فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ». فَكَانُوا يَلِجُّونَ بِأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ طَالِبِينَ أَنْ يُصْلَبَ. فَقَوِيَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ. فَحَكَمَ بِيلاطُسُ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتُهُمْ. فَأَطْلَقَ لَهُمُ ٱلَّذِي طُرِحَ فِي ٱلسِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ وَقَتْلٍ، ٱلَّذِي طَلَبُوهُ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ لِمَشِيئَتِهِمْ» (لوقا 23: 13-25). |
لما عاد الجمع بالمسيح إلى بيلاطس مع جواب أن هيرودس لم يقف له على ذنب حقيقي يستوجبُ قَتْله، دعا بيلاطس الشعب مع رؤساء الكهنة والعظماء، لعله يحصل من الشعب على مساعدةٍ ضد مكائد الرؤساء، واقترح على اليهود أن يكتفوا بجلْدِه، زاعماً أن هذا إشفاق على المسيح يخدم العدالة بتخليص بريء من الإِعدام، وفي الوقت ذاته يجتنب استياء اليهود منه، الذي لا بد سيحصل، لو أنه أطلق المسيح بدون أن يعذبه. فقال لهم: «أنا أؤدبه وأطلقه». بيلاطس يؤدب المسيح بعد أن برَّأه تماماً، والأمران ضِدان. هذا بداءة خطئه، الذي جرَّه إلى أخطاء أعظم.
عند ذلك تحوَّلت أفكار الجموع إلى أمرٍ آخر تعوَّدوه في مثل هذا الوقت من كل عام، وهو أن الوالي يُطلق أحد المسجونين تحت الحكم بالإِعدام هديةً لهم بمناسبة عيد الفصح. فلما طالبوا بيلاطس بهذه المنحة، رأى في ذلك بابَ فرجٍ للمسيح، فخيَّرهم مراعاةً لحريتهم بين المسيح وبين محكومٍ عليه بالإِعدام، اسمه باراباس، قائد زمرةِ لصوصٍ ارتكبوا فتنة وقتلاً. ولم يتصور بيلاطس أن الجمهور سيطلب منه أن يطلق لهم باراباس ويقتلَ المعلمَ الديني التقي الصالح، الذي شفى من مرضاهم عدداً لا يُحصى. وكان بيلاطس يظن أن الجمهور ليس مدفوعاً كالرؤساء بعوامل الحسد ليفضِّلوا لِصاً صانع فتنة على صانع المعجزات الذي اتهموه زوراً بأنه صانع فتنة. فسأل الجمهور: «من تريدون أن أطلق لكم، باراباس أم يسوع الذي يُدعَى المسيح ملك اليهود؟» ثم دخل بعد سؤاله وجلس على كرسي الولاية ليعطي فرصة للجمهور ليقرروا من يختارون.
وصية زوجة بيلاطس | ||
|
«وَإِذْ كَانَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْوِلايَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ٱمْرَأَتُهُ قَائِلَةً: «إِيَّاكَ وَذٰلِكَ ٱلْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ ٱلْيَوْمَ كَثِيراً فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ». وَلٰكِنَّ رُؤَسَاءَ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخَ حَرَّضُوا ٱلْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. فَسَأَلَ ٱلْوَالِي: «مَنْ مِنَ ٱلٱثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟» فَقَالُوا: «بَارَابَاسَ». قَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ؟» قَالَ لَهُ ٱلْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» فَقَالَ ٱلْوَالِي: «وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟» فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخاً قَائِلِينَ: «لِيُصْلَبْ!» فَلَمَّا رَأَى بِيلاطُسُ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ ٱلْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيٌّ مِنْ دَمِ هٰذَا ٱلْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ». فَأَجَابَ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلادِنَا». حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ» (متى 27: 19-26 أ). |
اتفق عند ذلك مجيء رسول من زوجة بيلاطس تحذّره من أن يحكم ضد المسيح الذي سمَّتْه «ذلك البار». لأنها تألمت كثيراً في ذلك اليوم في حلم من أجله. لا بد أن هذا الحلم ترك أثره في زوجها، لأنه مِثْلُ جميع الوثنيين تحت سلطة الخرافات، فيزيد خوفَه من أن يأخذ على نفسه مسئولية إعدام المسيح. لكن بينما كانت أسباب تبرئة المسيح تزيد في غرفة الوالي، كان العكس تماماً يزيد في خارجها، لأن الرؤساء بذلوا كل جهدهم ليقنعوا الجمهور أن يُصرُّوا على قَتْله بدعوى أنه جدَّف، إذْ أطلق على نفسه صفة الإله، فجريمته أعظم من جريمة باراباس، ولا سيما أنه أراد أن ينقُضَ هيكلهم المعظَّم. فلما طلب بيلاطس جوابهم، صرخوا جميعاً قائلين: «خُذْ هذا وأطلق لنا باراباس». ولما راجعهم لعل اختيارهم كان عن إسراعٍ أو سوء فهم، وكأنه يُظِهرُ لهم مرة أخرى مَيْله لأن يطلق المسيح، كان ينتظر أن يؤثر ذلك فيهم ليغيِّروا قرارهم، ولكنهم أصرُّوا على قرارهم الأول قائلين: «أطلِقْ لنا باراباس».
لم يكتفِ الوالي بهذا الجواب فسألهم: «ماذا تريدون أن أفعل بيسوع؟». فكرروا صراخهم: «اصلبه اصلبه».
لكن الوالي راجعهم ثالثة فقال: «وأي شرٍ عمل هذا؟ إني لم أجدْ فيه علة للموت. فأنا أؤدبه وأطلقه». غير أن قبوله أن يؤدِّب رجلاً، كرَّر هو تصريحَه ببراءته، يعني أنه سلَّم بعض الحكم والسلطة للجمهور، فتهيَّج طمعهم وعنادهم وتشبُّثهم بأن يفعل الوالي إرادتهم لا إرادته. وأخذوا يلجُّون بأصوات عظيمة ويزدادون جداً صراخاً قائلين: «اصلبه». فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة، وأصبح بيلاطس آلة بين أيديهم، واستسلم لجنون الجمهور وطلبهم أن يُصلَب. إلا أنه لم يسلِّم دون تحفظ، بل حاول التخلُّص تماماً من مسئولية هذا الغدر، ووضعها على الرؤساء والشعب. وعلامة لذلك أخذ ماءً وغسل يديه أمام الجَمْع قائلاً: «إني بريء من دم هذا البار». فقال جميع الشعب: «دمه علينا وعلى أولادنا».
ومن الغريب أن الذين قالوا: «دمه علينا وعلى أولادنا» اغتاظوا بعد حين على بعض رسل المسيح وقالوا لهم: «قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هٰذَا ٱلإِنْسَانِ» (أعمال 5: 28).
جَلْد المسيح | ||
|
«وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذَ عَسْكَرُ ٱلْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ ٱلْوِلايَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ ٱلْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيّاً، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «ٱلسَّلامُ يَا مَلِكَ ٱلْيَهُودِ!» وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا ٱلْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ» (متى 27: 26 ب-30). |
في قانون اليهود كان لا بد لمن يُحكَم عليه بالصلب أن يُجلَد أولاً، وكان الجَلْد يوقف عند تسع وثلاثين جلدة على الأكثر، لكن العدالة الرومانية المشهورة كانت عديمة الإِشفاق، فكان جَلْد المجرمين يتجاوز في القساوة كل الحدود المعقولة، بأسواطٍ من جلد مربوط في أطرافها قطعٌ من حديد أو رصاص أو عظام. فكثيراً ما كان يُغمى على المضروب. وكان البعض يموتون في أثناء الجلد.
وقد أسلم بيلاطس المسيح للجلد، ولعله كان يأمل أن اليهود يكتفون بهذا القصاص الصارم، فيعدلون عن طلب الصلب.
أخذ الجنود الرومان المسيح وجعلوه ألعوبة بين أيديهم. سمعوا أنه تلقَّب ملكَ اليهود فقصدوا أن يسخروا به كملك. أخذوه إلى داخل دار الولاية، وجمعوا عليه كل الكتبة، وعرُّوه وألبسوه رداء قرمزياً (ثوب أرجوان) وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه. وقصبة في يمينه (إشارةً إلى قضيب المُلْك والصولجان). وكانوا يجثون أمامه استهزاءً قائلين: «السلام يا ملك اليهود». وكانوا يخطفون من يده القصبة ويلطمونه ويضربونه بها على رأسه ويبصقون عليه، ثم يعيدون السجود له.
محاولة أخيرة لإنقاذ المسيح | ||
|
«فَخَرَجَ بِيلاطُسُ أَيْضاً خَارِجاً وَقَالَ لَهُمْ: «هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً». فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجاً وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ ٱلشَّوْكِ وَثَوْبَ ٱلأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ». فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْخُدَّامُ صَرَخُوا: «ٱصْلِبْهُ! ٱصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَٱصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً». أَجَابَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ». فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاطُسُ هٰذَا ٱلْقَوْلَ ٱزْدَادَ خَوْفاً. فَدَخَلَ أَيْضاً إِلَى دَارِ ٱلْوِلايَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَاباً. فَقَالَ لَهُ بِيلاطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَاناً أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَاناً أَنْ أُطْلِقَكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ ٱلْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذٰلِكَ ٱلَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ». مِنْ هٰذَا ٱلْوَقْتِ كَانَ بِيلاطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَلٰكِنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هٰذَا فَلَسْتَ مُحِبّاً لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكاً يُقَاوِمُ قَيْصَرَ». فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاطُسُ هٰذَا ٱلْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْوِلايَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «ٱلْبَلاطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا». وَكَانَ ٱسْتِعْدَادُ ٱلْفِصْحِ وَنَحْوُ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «هُوَذَا مَلِكُكُمْ». فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ ٱصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ: «لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلا قَيْصَرُ». فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ» (يوحنا 19: 4-16). |
أخيراً أخذ بيلاطس المسيح من بين أيدي الجنود، وخرج به متوَّجاً بإكليل الشوك، ومسربلاً بالثوب الأرجواني، وقدَّمه إلى الجمع المنتِظر، مكرراً مرة أخرى تبرئته قائلاً: «أُخرجه إليكم، لتعلموا أني لم أجد فيه علة واحدة. هوذا الإنسان». قال بيلاطس هذا وهو يشير إلى يسوع وقد أفرط في الاستهزاء به. فازدادت جرأة اليهود وصرخوا من جديد: «اصلبه اصلبه». فكرر بيلاطس حكمه مرة أخرى ببراءته قائلاً: «خذوه أنتم اأصلبوه، لأني لست أجد فيه علَّةً». فصرخوا: «لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت، لأنه جعل نفسه ابن اللّه».
كان بيلاطس قد تحقق امتياز المسيح في الصلاح والحكمة، فلما سمع أنه قال عن نفسه إنه ابنُ اللّه، ازداد خوفاً، ورجع للمسيح إلى داخل الدار وسأله: «مِنْ أين أنت؟». فقابل المسيح سؤال الوالي الجدّي الجديد بالسكوت، لكن الوالي لم يتعود عدم إجابة أسئلته، وهو لا يحتمل ذلك، فقال له: «أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطاناً أن أصلبك وسلطاناً أن أطلقك؟» كأنه يقول له: «ألم تلاحظ كل مساعيّ لأجل تبرئتك؟. فلماذا تمنعني بسكوتك عن أن أطلقك؟ قدم الأجوبة السديدة على هذه الشِكايات لكي أكون مسنوداً في إطلاقك».
ومن هذا الذي يدَّعي بالسلطان؟ هل لبيلاطس سلطان على القانون ليخالفه، أو على العدالة ليدوسها؟ هل له سلطان على نفسه ليضحك على الخوف ويتبع ضميره؟ هل له سلطان على أفكار الذين هُمْ تحت حكمه من اليهود؟ هل له سلطان على شهامة هذا الجريح الواقف أمامه والمنهوك القوى الجسدية، فيزحزحه بمقدار شعرةٍ واحدةٍ عن استقامته وقصده؟ كان أشرف لبيلاطس أن لا يتلفظ بكلمة عن السلطان، في ساعة الخضوعِ لرعاياه في الظلم والقسوة.
رأى المسيح أن هذا الادعاء يستحق الجواب، ويتطلَّب منه إظهار عظمته وسلطانه الحقيقيين، فقال له: «لم يكن لك عليّ سلطان البتة، لو لم تكن قد أُعطيت مِنْ فوق. لذلك، الذي أسلمني إليك له خطيئة أعظم». الذي أسلمه إلى بيلاطس هو رئيس الكهنة. فنفهم بكل سهولة كيف عظمَّ المسيحُ خطيئة الرئيس اليهودي على خطيئة بيلاطس الوثني. بيلاطس مدفوع من الرئيس. لكن الرئيس اليهودي مدفوع من عواطفه الشريرة.
هزت إجابة المسيح أعماق نفس بيلاطس، فأراد أن يطلقه حراً، بعد أن حدَّد المسيح في إجابته سلطان بيلاطس، وأشار إلى سلطة الرب على قوات الشر.
أخيراً فرغت كل حيل الرؤساء، فلجأوا إلى التهديد. لو كان بيلاطس مستقيماً لكان التهديد يزيد عزمه على إجراء العدالة والحق، لأن لا شيء يثبِّت الرجل الكبير المستقيم في عزمه الصالح كالتهديد. لكن الشكايات الصادقة التي سبق وقُدِّمت ضد بيلاطس للقيصر جعلت القيصر يستاء منه، ويريد أن يعزله لأَقل سبب. ولذلك هدد رؤساء اليهود بيلاطس بصراخهم: «إنْ أطلقتَ هذا فلست محباً لقيصر. كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر». يعني إنْ أطلقتَ هذا، نشكوك إلى مولاك الإمبراطور، بأنك انتصرت لإِنسانٍ قام لينازع القيصر على مُلْكه. وأنت تعلم ماذا تكون نتيجة ذلك عليك.
أناخت هذه الضربة الشيطانية بيلاطس تماماً أمامهم، فخرج وجلس على كرسي الولاية في موضع يُقال له البلاط وقال: «هوذا ملككم». فصرخوا أكثر: «خذه خذه. اصلبه». فقال لهم بيلاطس: «أأصلب ملككم؟» فصرخوا: «ليس لنا ملك إلا قيصر». واعتبروا ذلك حكمة سياسية تثبّت نفوذهم. في قولهم هذا ختموا على النبوَّة بزوال قضيب المُلْك من نسل داود متى جاء المسيح «شيلون» الذي «لَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ» (تكوين 49: 10).
لم يبْقَ لبيلاطس من حيلة، فأسلمه إليهم ليُصلب. ولما استلموه كرروا الاستهزاء به، ثم نزعوا الرداء الأرجواني وألبسوه ثيابه، وخرجوا ومضوا به للصلب.
وصف التاريخ بيلاطس بالعناد الزائد، وقد ظهر هذا العناد في دفاعه المتكرر في وجه رؤساء اليهود. فبعناده أثبت فوق كل ريب أن المسيح بريء، وأن شيوخ اليهود ظالمون. لكنه بالرجوع عن عناده، وتسليمه المسيح للصلب، أثبت قول المسيح إنه يموت صلباً ويُسفك دمه لأجل حياة العالم.
4 - المسيح يموت مصلوباً | ||
«أسلمه بيلاطس للصلب» - هذا القول فاتحة فصل جديد في حياة المسيح الأرضية، حمل فيه خطايا البشر ليكفّر عنها، فاقت فيه آلامه كثيراً جداً ما سبقها من الآلام التمهيدية. لقد حقق رؤساء اليهود ما أرادوه. وها هي الجماهير ترى هذا الذي أجرى المعجزات منهوك القوى، دامي الجراح. ها حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم يسير ليُذبَح عن البشر، ويجتازُ أزقَّة مدينته حاملاً صليبه - المذبح - الذي سيُرفع عليه، كما حمل قديماً جدُّه إسحق الحطب المهيَّأ لحرْقه ذبيحةً إلى الجبل المقدس.
المسيح يسقط تحت حمل الصليب | ||
|
«وَبَعْدَ مَا ٱسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ ٱلرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ. وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً ٱسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ ٱلْمُسَمَّى «مَوْضِعَ ٱلْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ» (متى 27: 31-34). |
لا نغفل الأسباب التي ذهبت بقُوى المسيح الجسدية في هذا النهار، حتى سقط تحت حمل الصليب، فاضطر أصحاب الأمر أن يحمِّلوا صليبه لغيره. ولا نجهل ما للآلام الروحية من التأثير على قُوى الإِنسان الجسدية. وندرك أن هذه الآلام الروحية كانت أعظم بما لا يُقاس من الجسدية، ففي الساعات الأولى من يوم الجمعة هذا، مع الليل الذي تقدمها، حُرم المسيح من النوم كلياً، وسِيق مكتوفاً من البستان في جبل الزيتون إلى قصر رئيس الكهنة، ثم دار المحكمة، فقصر بيلاطس فقصر هيرودس، ثم قصر بيلاطس ثانية. والوقوفُ في المحاكمات الطويلة، واللطمُ المتكرر وما تعلَّق به، والجَلْدُ الذي لا نعلم مقداره مع ما نزف من دمٍ بسببه.. كل هذه جعلت قواه تخور.
وما أكبر الآلام الروحية الساحقة لنفسٍ ذات رِقة وحب وشعورٍ كنفس المسيح. نذكر خيبةَ آماله في تلاميذه وهم يتشاجرون حول من منهم هو الأعظم، وخيانةَ يهوذا، وسقوطَ بطرس، وهروبَ كل التلاميذ والمصارعةَ العجيبة في البستان، وبعدها معاملاتُ العنف والتحقير والتخجيل والاستهزاء الوحشي، ناهيك عن الجوع والبرد القارص. كل هذه أسباب جعلته يسقط تحت حمل الصليب. وفي آلامه كما في تجربته كان ناسوته فقط في هذه المعصرة الرهيبة.
كان أربعة حراس يسوقون المصلوب إلى حيث صُلب، فلما رأوا عجز المسيح عن حمل الصليب، سخَّروا رجلاً قيراونياً من شمال أفريقيا اسمه سمعان، كان راجعاً من الحقل، ليؤدي هذه المهمة. لم يوجد من يتبرع بهذه المساعدة في كل ذلك الجمهور بسبب عار الصليب المشين الذي لا يتحمله أحد طوعاً. لكن ما كان وقتها عاراً تحوَّل فخراً، وأصبح سمعان القيرواني في مقدمة جيش شريف لا يُحصى عدده من حاملي صليب المسيح.
بعد هذا استأنف الجمهور سيره، ومعهم ثمانية حراس يسوقون مجرمَيْن، ويحملون ألواحاً ثلاثة مرفوعة فوق الرؤوس، يعلن كلٌ منها اسم أحد المصلوبين ووطنَه وجُرمه الذي يُعاقب عليه. أما اللوح الذي عليه اسم المسيح فكان مختلفاً لأنه مكتوب في ثلاث لغات: العبرانية لغة الدين، فكان ابن داود وابن اللّه. وباليونانية لغة العلم، لأنه نور العالم والحق الأزلي. واللاتينية لغة السياسة، لأنه ملك إسرائيل وملك القديسين وملك الملوك ورب الأرباب. كان الإعلان يقول: «هذا هو يسوع الناصري ملك اليهود». اسمه يسوع. ووطنه الناصرة. وجريمته ظهوره كأنه ملك اليهود، ثائراً ضد قيصر.
نساء أورشليم يبكين عليه | ||
|
«وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ ٱلشَّعْبِ، وَٱلنِّسَاءِ ٱللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضاً وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. فَٱلْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ وَقَالَ: «يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لا تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ٱبْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلادِكُنَّ، لأَنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَٱلْبُطُونِ ٱلَّتِي لَمْ تَلِدْ وَٱلثُّدِيِّ ٱلَّتِي لَمْ تُرْضِعْ. حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: ٱسْقُطِي عَلَيْنَا وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا. لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِٱلْعُودِ ٱلرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هٰذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِٱلْيَابِسِ؟». وَجَاءُوا أَيْضاً بِٱثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مُذْنِبَيْنِ لِيُقْتَلا مَعَه» (لوقا 23: 27-32). |
تمسك بيلاطس إلى النهاية ببراءة المسيح. لكن لما أسلمه للصلب صار مُضطرّاً أن يبيّن أمام الجميع جريمةً تستوجب الصلْب، فلم يجد ذلك إلا بالتزوير. وفي هذا التزوير انتقم من اليهود بسبب ضغطهم عليه ليفعل ظلماً. وكتب «ملك اليهود». فصار العار على اليهود الذين صلب ملكهم، لذلك اعترض رؤساء الكهنة طالبين أن يغيّر الوالي هذا العنوان، حتى لا يكون المصلوب ملكهم، بل شخصاً قال إنه ملك اليهود. لكن بيلاطس أصرَّ على ما فعل. هذا الذي سأل استخفافاً: «ما هو الحق؟» خدم الحق وهو لا يدري.
يسبِّب موكبٌ كهذا تجمُّعاً عظيماً في أزقة المدينة وخارجها، فأخذ الحنان بعض النساء الكثيرات الواقفات لما رأين منظر المسيح المحزن، فأخذن ينُحْن بأصوات عالية ويلطِمْن على صدورهن، لا يخشين إظهار المواساة لهذا المغضوب عليه من رؤسائهن. ولما كان الرؤساء مطمئنِّين إلى انتصارهم، لم يبالوا بعمل النساء. واعترض المسيح على بكاء النساء - مع أن هذا البكاء كان الشيءَ الوحيد الذي يُعبّر عن مشاعر محبةٍ في ذلك اليوم. اعترض عليه مع أنه لم يعترض على شيء مما وقع عليه من معاملات عدائية، لأنه المحبُّ الصفوح. فلماذا يبكين عليه والبكاء على أنفسهن أوْلَى؟ إنه يرى ما لا يرَيْنه مما سيأتي عليهنّ وعلى أورشليم، مما يجعل الناسَ يطوِّبون الذين لا نْسلَ لهم، ويتمنُّون أن تسحقهم الجبال الشامخة تخلُّصاً من عذاباتٍ تجعل الموت رحمة لا نقمة، بسبب شدتها ومرارتها. فالتفت إليهم وقال: «يا بنات أورشليم لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسكنّ وعلى أولادكن». وسألهنَّ هذا السؤال: «لقد سمحت العناية الإلهية للحاكم الروماني بأن يفعل كل هذا بإنسان هو كالعود الرطب، لأن حياة الصلاح فيه، فماذا يُنتظَر أن يفعل هؤلاء الرومان العتاة بعد حينٍ بصالبيه الظالمين الذين لا حياة صالحة فيهم، بل الذين يشبهون العود اليابس؟». لقد رأى المسيح ذلك اليوم الذي فيه تحل اللعنة على أورشليم وسكانها، حين تُنصَب الصلبان الكثيرة العدد، التي سيراها بعض سامعيه وقت خراب أورشليم، والمعلَّقون عليها هم صالبوه وعيالهم. لم تكن هنا حاجة لبكاء على شخص حقق ما يريد. صحيح أن المشاهدين رأوا المسيح في موقف الانكسار، وهو وحده علم ما لا يعلمه العالم: إن ذلك موقف الانتصار. فلا عجب أنه اعترض على بكائهم عليه.
ليس المسيح شهيداً | ||
لم يجبر أحدٌ أن يقبل ما فعله به أعداؤه. فليس موت المسيح موت شهيد، فالشهداء يُقتَلون على رغم إرادتهم، ولو استسلموا للموت دون إكراهٍ لكان ذلك افتخاراً. وهذا حرام. لكنهم كانوا يريدون أن يعيشوا. نعم كانوا يريدون أكثر أن يُرضُوا اللّه، فلما اضطرهم مضطهدوهم للاختيار بين ترك الحياة وترك رضى اللّه، فضَّلوا الاستشهاد على مخالفة ما يطلبه اللّه منهم، ولكن لم تكن لهم قدرةٌ للتخلُّص من أعدائهم.
أما موقف المسيح فيختلف عن هذا كلياً.. لقد أوضح كثيراً سلطانه أنه قادر أن يخلِّص نفسه من أيدي أعدائه. وبما أن خلاص البشر يتوقف على استسلامه للصلب، يكون تخليصُه أعظم ضرر على الجنس الخاطئ. فالعقل أيضاً يؤيد الوحي في هذا الأمر. لذلك لا يكفي مطلقاً أن ننظر إلى صَلْب المسيح كحادث تاريخي مؤثر فقط، بل كحادث تتوقف عليه حياتنا الروحية وسعادتنا الأبدية. ولهذا قال الرسول بولس: «مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لا أَنَا بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غلاطية 2: 20) «عَالِمِينَ هٰذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْ لا نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ» (رومية 6: 6).
المسيح يرفض المخدِّر | ||
|
«وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ ٱلْمُسَمَّى «مَوْضِعَ ٱلْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ»(متى 27: 33، 34). |
لما بلغ هذا الموكب محلَّ الصلْب قدموا للمسيح مزيجاً مخدِّراً استعداداً لصلبه. ولما كان اليهود يستهجنون عادة العقاب بالصلب، ألّف نساؤهم لجاناً لأجل تخفيف آلام من يُصلب من قومهم، واستشهدوا بنصيحة سليمان الحكيم في أمثال 31: 6 فكانوا يمزجون مع الخمر بعضَ الأعشاب المخدِّرة ويقدمون هذا الشراب للمهيَّئين للصلْب قبل أن يبدأ تعذيبُهم. لكن المسيح قصد أن يشرب كأس الآلام على مرارتها حتى ثُمالتها. ولم يقبل مخدرات، ورفض حتى أخفَّ تخفيضٍ في صفاء أفكاره، لأن عليه في هذا الوقت أن يوجِّه من على الصليب كلاماً جوهرياً لسامعيه، وصلواتٍ مهمَّة لأبيه، وهذا يقتضي حفْظَ القوى العقلية والروحية سالمة تماماً من التدهور، فلما ذاق الشراب الذي قدموه له وعرف ما هو، رفض أن يشرب.
صلبوه بين لصين | ||
|
«وَلَمَّا صَلَبُوهُ ٱقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: «ٱقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: «هٰذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ». حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ ٱلْيَسَارِ» (متى 27: 35-38). |
صُلب مع المسيح لصان، فوضع العسكر صليب المسيح بين صليبيهما. يقولون إنهما زميلا باراباس في اللصوصية والقتل، وإن صليب المسيح كان مُعدّاً لرئيسهما باراباس، فحلَّ المسيح محله. ويُؤخذ من بعض الكتابات أن اسم باراباس كان يشوع أي مخلص - وباراباس، اسمه الثاني يعني ابن الآب، وأن اسمه جعله يتوهم أنه يقدر أن يخلص شعبه من النير الروماني. وأن هذا كان أساس الجرائم التي سبّبت الحكم عليه بالإِعدام صلْباً مع زميليه. وأن هذا كان سبب انتصار الشعب له بطلب إطلاقه وصَلْب المسيح مكانه.
كان الحراس يربطون المحكوم عليه بالصلب على صليبه وهو مسطَّح على الأرض، ثم يدقُّون مسامير كبيرة في يديه وقدميه. ثم يرفعون الصليب ويغرزونه في الأرض. ولا تكون أقدام المصلوبين مرتفعة كثيراً عن الأرض، ثم يجلسون يحرسونه نهاراً وليلاً إلى أن يموت، لئلاّ يأتي أحد مريديه ويُنزِله عن الصليب. وكان المصلوب يعيش غالباً بعد صلْبه يومين أو على الأقل يوماً كاملاً. وإذْ كان لا بد من موته كان الحراس في توحُّشهم يستبيحون التسلية بتعذيبه، وتعجيلاً لموته كانوا يكسرون ساقيه بعصا من حديد. وكان الرومان يتركون الجثة معلقة على الصليب فريسة لوحوش البرية والطيور الكاسرة. لكن اليهود كانوا يطلبون تنزيلها قبل غروب الشمس. أما ثي

