COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

سيرة المسيح

الكتاب الخامس: جوهره واتِّباعه

هذا الكتاب

يسر أسرة «نداء الرجاء» أن تصدر هذا الكتاب عن حياة السيد المسيح، في سبعة أجزاء.

وقد كتب هذا الكتاب في مجلد واحد باللغة العربية الدكتور جورج فورد في أوائل العشرينات من هذا القرن، بعنوان «كتاب القول الصريح في سيرة يسوع المسيح».

وقد قام محررو نداء الرجاء بإعادة كتابته في الصورة التي تراها الآن.

ونحن نأمل أن يتعرَّف القارئ الكريم على المسيح بطريقة شخصية، وأن يكون شعاره «نحن نحبه لأنه هو أحبّنا أولاً».

أسرة «نداء الرجاء»

1 - من هو المسيح وماذا سيفعل؟

«ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ. وَفِي ٱلطَّرِيقِ سَأَلَ تَلامِيذَهُ قَائِلا: «مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابُوا: «يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ وَاحِدٌ مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ». فَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ!» فَٱنْتَهَرَهُمْ كَيْ لا يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ» (مرقس 8: 27-30).

ارتحل المسيح وتلاميذه شمالاً، سفر نحو يومين، إلى سفح جبل الشيخ في نواحي قيصرية فيلبس، وهناك وجَّه لهم السؤال: «من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟». وكعادته لم يكن سؤاله للاستفهام، بل لخير الذين يطلب منهم الجواب. طلب منهم أن يخبروه برأي الناس فيه كابن الإنسان فقط، لأن العامة لا يرون إلا ناسوته. فأجابوه أن الناس في حيرة من جهته. يعتبرونه نبياً عظيماً، لكن لا يتصورونه نبياً جديداً. يظنون أنه إيليا أو إرميا أو المعمدان أو نبي آخر قديم قد ظهر ظهوراً جديداً. والظاهر أن ليس أحد يقول إنه المسيح المنتظر.

هل هذه هي النتيجة بعد خدمته ثلاث سنين؟ هل ذهبت أتعابه أدراج الرياح؟ قد أصاب البشير بقوله: «إن النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه» (يوحنا 1: 5). بعد إشباعه الخمسة الآلاف قال عنه الجمع: «إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم». أي النبي الذي ينبغي أن يظهر قبل مجيء المسيح ليعلن مجيئه.

كان سؤال المسيح عن رأي الناس فيه مقدمة للسؤال الأهم، عن رأي تلاميذه الذين ثبتوا بعد ارتداد الأكثرين عنه. وبعد سنوات الدرس والتمرين، أتت الساعة ليفحصهم فيعرف أفكارهم في شخصية المعلِّم وليس فقط في تعليمه. لذلك سألهم: «وأنتم من تقولون إني أنا؟» - دون حصر سؤاله كالمرة الأولى في كونه ابن الإنسان.

لا ريب أنهم كانوا قد تحدثوا في ما مضى وتحاوروا في الأمر الذي سألهم عنه الآن، وتمسكوا طوال حياتهم بالآمال السياسية العالمية المتعلقة بمجيء المسيح، فيكون تركها تماماً من أصعب الأمور. ولكن المسيح أراد أن يمحو هذه الفكرة منهم، وأن يقطعها نهائياً. ليت الجميع يدركون ضرورية «القطع والبتّ»، دون تردد أو إمهال في تقرير المعتقَد الديني، ومباشرة السلوك بموجبه.

وكم كان ابتهاج المسيح عظيماً لما أخذ من تلاميذه - بفم بطرس - ذلك الجواب المستوفي الصريح: «أنت المسيح ابن الله الحي». كان السؤال الأول للمسيح: ما القول فيه كابن الإنسان. فجاءه في الجواب الثاني «أنت ابن الله». فما أعظم سر التقوى الذي أشار الرسول بولس إليه وهو أن الله ظهر في الجسد (1 تيموثاوس 3: 16) أي أن القولين في المسيح إنه ابن الإنسان وإنه ابن الله الحي صادقان، على رغم ما بظاهرهما من التناقص. أخذ المسيح لنفسه لقب الاتضاع، واعترف بطرس له بلقب الارتفاع. لم يبتهج المسيح لهذا الجواب، لأن الشياطين سبقت إلى مثل هذا الاعتراف مراراً، وكذلك يوحنا المعمدان ونثنائيل. وبطرس ذاته أجاب قبلاً بهذه الألفاظ. لكن المسيح ابتهج لروح بطرس وزملائه، وللإيمان الثابت بعد تمحيص الحوادث السابقة. فطوَّب المسيح بطرس حالاً شخصياً تطويباً لم نقرأ أنه أسبغه على غيره إذ قال: «طوبى لك يا سمعان بن يونا».

ليس في هذا التطويب مديح لبطرس، بل تهنئة لحظِّه الممتاز. وقد ظهر هذا في قول المسيح لبطرس: «إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السموات» فليس شيء مما قاله أو فعله بطرس مجلبة لهذا التطويب، بل ما ناله من كلام الإله الذي أعلن له بإلهام روحي تلك النبوة الفريدة. ونحن نعلم أن نور الخلاص - مثل هذا الإعلان لبطرس - لا يمكن أن يأتي من البشر، فالبشر يهيئون السراج والزيت، لكن النور من عمل الإله. وقد قال الرسول بولس: «لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (1 كورنثوس 12: 3).

أعطيك مفاتيح الملكوت

«فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ». فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لٰكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ». حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيذَهُ أَنْ لا يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ» (متى 16: 16-20).

ثم كرر المسيح لبطرس ذِكْر الإسم الذي دعاه به بياناً لثباته (بطرس معناه: صخرة) وكأن المسيح يقول لرسوله المقدام: «أنت يا بطرس قد برهنت ثباتك الصخري في هذه الأحوال الصعبة لما كررت بيان حقيقة كوني في شخصي الواحد: المسيح البشري وابن الله الحيّ. وأنا أصرح لك أني سأبني كنيستي على صخرة هذه الحقيقة الجوهرية التي نطقت بها الآن، بعد أن أُعلنت لك من أبي الذي في السماوات. وكل مقاومات العالم، وقوات الجحيم إلى آخر الأيام لا يمكن أن تتغلب على الكنيسة المؤسسة على هذه الحقيقة. أصرّح لك وللذين نُبت عنهم في الجواب، بأني قد عينتكم لتنوبوا عني وتكملوا عملي بعد صعودي إلى السماء. أعطيكم مفاتيح ملكوت السماوات، لتفتحوا باب الخلاص بتبشيركم في كل البلدان، وتدخلوا إلى كنيستي الذين ترونهم من أهل الخلاص، لأنهم أتّموا شروط الخلاص. أخوّلكم سلطاناً لتصرِّحوا بالهلاك الأبدي للذين يرفضون شروط الخلاص، ويتأخرون عن التوبة والإيمان والصلاح. تحلون وتربطون هذه أيضاً بواسطة كتابكم الإنجيل - يقودكم إلهام الروح الإلهي. فكل ما تضعونه في هذا الكتاب يكون مصدَّقاً في السماء، وكل ما تتركونه يكون متروكاً في السماء. لأن ما تكتبونه من الواجبات والمحرمات يكون ما سمعتموه مني، أو ما تأخذونه بإلهام روحي، فيصلح أن يكون قانون كنيستي إلى كل الأزمان. وسأعطيكم نصيباً خصوصياً وكافياً من روح النبوة وتمييز الأرواح، تأهيلاً لهذه المهمة الفائقة. وأجعلكم أهلاً له بسكب الروح القدس عليكم سكباً عجيباً، تحقق لكم ولجميع الناس، أنكم نوابي المفوّضين. وسأمنحكم ختماً لكل ذلك: قوة لفعل المعجزات العظيمة. أسلّمكم هذا العمل الخطير لأني أسندكم فيه فتستطيعونه».

ماذا سيفعل المسيح؟

«وَٱبْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً، وَيُرْفَضَ مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ. وَقَالَ ٱلْقَوْلَ عَلانِيَةً، فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَٱبْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ. فَٱلْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلامِيذَهُ، فَٱنْتَهَرَ بُطْرُسَ قَائِلاً: «ٱذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ، لأَنَّكَ لا تَهْتَمُّ بِمَا لِلّٰهِ لٰكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ» (مرقس 8: 31-33).

بعد اعتراف بطرس هذا، طلب المسيح من تلاميذه أن لا يقولوا لأحد إنه يسوع المسيح، لأن ساعته لم تأت بعد. ثم أعلن لهم لأول مرة صريحاً غاية مجيئه من السماء، فابتدأ يعلّمهم أنه سيتألم كثيراً في أورشليم ويرفضه الرؤساء ويقتلونه ثم يقوم في اليوم الثالث. انتظر إلى أن يرسخ في قلوبهم اليقين بسرّ تأنُّسه، ويعترفون به بلسانهم صريحاً ونهائياً قبل أن يعلن لهم أمر آلامه وموته ثم قيامته. لأن فهم عمل الفداء بموته يتوقف على تأنُّسه - أي طبيعته المزدوجة. فإن لم يعرفوه المسيح ابن الله وابن الإنسان، لا يدركون معنى موته وقيامته. وكل من يرفض حقيقة التأنُّس لا يترك مكاناً للفداء. لذلك ترى الذين ينكرون لاهوت المسيح ينكرون أيضاً كفارته، لأن القضيتين مرتبطتان برباط لا يُحل.

لكن هذا الإعلان الجديد خالف كل آمال التلاميذ، فلم يقدر بطرس أن يسكت، بل تجاسر وأخذ المسيح على جانب وابتدأ ينتهره. يا للعجب! إن الذي اعترف في هذه الساعة أن هذا السيد هو ليس المسيح العظيم فقط، بل ابن الله الحي، ينتهره ويكذَّبه بقوله: «حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا». فما رآه بطرس في نفسه غيرةً حبية نحو سيده، كان بالحقيقة انتصاراً شيطانياً فتح له بطرس الباب، لأن الأسد الزائر إبليس كامنٌ لهذا الرسول المقدام، فوثب عليه في ساعة ارتفاعه، وأوقعه إلى الأرض مهشَّماً. كان خيراً لكل ناجح وممدوح ومرتفع لو تحذَّر من حيل الشيطان لإسقاطه. ولنا هذا التحذير في قول الرسول: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لا يَسْقُطَ» (1 كورنثوس 10: 12). وقال سليمان الحكيم: «قَبْلَ ٱلْكَسْرِ ٱلْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ ٱلسُّقُوطِ تَشَامُخُ ٱلرُّوحِ» (أمثال 16: 18).

لم يحتمل المسيح هذا الكلام بل انتهر الشيطان الذي تكلم في بطرس. ووبخ بطرس توبيخاً مراً، وقال له: «اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس». رأى المسيح عالم الخفايا أن نوايا بطرس لم تخل من حب المجد العالمي، فاستحق هذا التوبيخ الصارم. ولأنه تلميذ حقيقي احتمله بمحبة، ولذلك وبخه. قال الحكيم: «وَبِّخْ حَكِيماً فَيُحِبَّكَ» (أمثال 9: 8). وأيضاً: «وَبِّخْ فَهِيماً فَيَفْهَمَ مَعْرِفَةً» (أمثال 19: 25).

شروط اتباع المسيح

«وَدَعَا ٱلْجَمْعَ مَعَ تَلامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ ٱلإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ ٱلإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ٱلإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟» (مرقس 8: 34-37).

ثم دعا المسيح تلاميذه مع الجمع الذي كان قد انفرد عنه، وأعلن لهم الشروط الثلاثة الشهيرة المطلوبة من تابعيه.

  1. الشرط الأول: «إنكار الذات» أي تسليم زمام الذات والحياة له. لما أنكر بطرس المسيح قال: «لا أعرفه». ومن يتبع المسيح حقاً وينكر نفسه يقول: لا أعرف نفسي حاكماً في حياتي، بل ربي هو الحاكم. سأعطي كل السيطرة على حياتي للمسيح الذي أحبني.

  2. الشرط الثاني: حَمل الصليب يومياً. وهذا بالأكثر هو التمثُّل بالمسيح الذي حمل صليباً لم يضعه آخر عليه، بل هو قصده وأقامه وحمله حبّاً ليخلّص النفوس من الخطيئة والهلاك. وحَمْل الصليب وراء المسيح هو الإقدام على المصائب والمتاعب الجسدية - حتى الموت - تطوُّعاً لا إرغاماً، متى كان ذلك اهتماماً بتخليص النفوس، فليس هذا الشرط (في معظمه) احتمال صليب يوضع علينا، بل حمل صليب نقصده ونرفعه باختيارنا لخير الآخرين.

  3. الشرط الثالث: اتِّباع المسيح، أي السير في خطواته بالتدقيق، دون كلل أو فتور، ودون تردُّد أو ارتداد. هو الراعي الذي يتقدم خرافه فتسير وراءه أمينة وآمنة. ثم أوضح المسيح أن هذه الشروط الثلاثة مبنية على حقيقة رئيسية في شريعة النعمة، وهي أن الذي يطلب السلامة أولاً يخسرها، والذي يطلب الخدمة أولاً يجد السلامة أيضاً. والذي يتهم أولاً بأن يحمي ذاته لا يحميه الرب فلا يسلم، أما الذي يتفرغ أولاً لخدمة الرب ويرضى أن يهجم على المخاطر في سبيل هذه الخدمة، فهذا يحميه الرب فيسلَم.

ثم قال السيد المسيح: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟» - هنا يسأل المسيح سامعيه: هل قيمة العالم بأسره تساوي قيمة نفس واحدة؟ والجواب: هذا غير ممكن، طالما العالم وكل ما فيه من الخيرات والأمجاد يزول، بينما النفس خالدة تبقى إلى الأبد. إذاً ما أعظم غباوة الذي يهمل أمور النفس في سيره وراء الأرباح العالمية. لأنه لو ربح العالم كله ثم أراد أن يشتري به الخلاص، يجد ذلك مستحيلاً.

وأخيراً أنذر المسيح سامعيه أن لا يستحوا به ولا بكلامه. ولو استهان ذلك الجيل الفاسق الخاطئ به وبهم، فإنه سيجيء يوماً في مجد أبيه مع الملائكة ليجازي كل واحد حسب عمله، ويستحي بالذي استحى به أولاً.

2 - المسيح على جبل التجلي

«وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدّاً كَٱلثَّلْجِ، لا يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى ٱلأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذٰلِكَ. وَظَهَرَ لَهُمْ إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوعَ. فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقولُ لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدِي، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هٰهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاثَ مَظَالَّ، لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً». لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ. وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ ٱلسَّحَابَةِ قَائِلاً: «هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ. لَهُ ٱسْمَعُوا». فَنَظَرُوا حَوْلَهُمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً غَيْرَ يَسُوعَ وَحْدَهُ مَعَهُمْ» (مرقس 9: 2-8).

أعلن المسيح لتلاميذه أنه سيُقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. ولكن التلاميذ رفضوا الفكرة بلسان زعيمهم بطرس.

وأراد المسيح أن يثبت لهم ضرورة صليبه. فأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عال. أما التلاميذ التسعة الآخرون فتركهم مع الجمهور عند أسفل الجبل.

ولا نعرف كل تفاصيل ما حدث على هذا الجبل الذي سماه بعدئذ «الجبل المقدس» (2 بطرس 1: 18). لكن يرجح أن الأربعة بلغوا قمة الجبل في آخر النهار. وبينما كان المسيح منصرفاً بكليته إلى الصلاة، تثقَّل التلاميذ الثلاثة بالنوم. ولو علموا بخسارتهم في هذا النوم، لسهروا معه ولم يتركوه وحده في صلاته - لأنه بينما هم مثقلون بالنوم، طرأ على هيئته الطبيعية تغيير عجيب، فكأنه خلع ستار الاتضاع الوقتي، وأبرق نور مجده الأصلي الحقيقي. أي أن الآب استجاب صلاته ومجَّده لينشِّط ويثبِّت تلاميذه أيضاً. مجَّده بهيئته التي تغيّرت وبصحبة موسى وإيليا، لأنه لم يرسل له ملاكاً حسب المألوف في تاريخ شعبه - بل أرسل له رجلين ظهرا بمجد، وهما موسى زعيم الشريعة وإيليا زعيم الأنبياء.. موسى كليم الله وفخر بني إسرائيل الأعظم، المتَّصف بالحلم والوداعة. هذا دفنه الله قبل هذا الحادث بنحو 1500 سنة في رأس جبل، ولا يُعرف قبره إلى هذا اليوم، وربما تمجد جسده دون أن يرى فساداً.. وإيليا رجل الله الجبار المليء بالنشاط والغيرة ومحاربة الشر، حتى أنه سُمِّي بالنبي الناري، الذي صعد إلى السماء قبل هذا الحادث بنحو ألف سنة في مركبة نارية، ولم يمسه الموت الطبيعي. أعاد الله هذين الرجلين من عالم الأرواح إلى الأرض ليتكلَّما مع الابن الوحيد في موضوع صليب المسيح.

الصليب موضوع الحديث:

كان موضوع الحديث الذي دار بين هؤلاء على مقربة من الثلاثة النائمين، إعلان موت المسيح العتيد، الذي أزعج التلاميذ. والاسم الذي وضعه الإنجيل هنا للموت هو «الخروج»، وهو نفس الاسم الذي أتى في التوراة لإنتقال بني إسرائيل قديماً من عبودية مصر إلى أرض الميعاد، إذ قال البشير لوقا إن موسى وإيليا تكلما معه عن «خُرُوجِهِ ٱلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ» (لوقا 9: 31). أي أن موت المسيح لا يكون قَسْراً كغيره، بل اختياراً، كعمل يقصده ويكمله.

في تلك الساعة فقط في التاريخ كله، تمثلت الكنيسة المسيحية الواحدة الجامعة التي تكلم عنها المسيح، لأن رأس الكنيسة الوحيد وقف على هذا الجبل يتكلم مع زعيمي العهد القديم اللذين يمثلان قيم الكنيسة الموجودة في السماء، على مسمع الرسل الثلاثة الممتازين، زعماء العهد الجديد الذين يمثلون القسم الأرضي من هذه الكنيسة الواحدة.

ولا عجب أن افتخر بولس بموضوع هذه المحادثة وأهميته ايضاً. إذ قال: «لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً» (1 كورنثوس 2: 2) ويردد الملائكة والقديسون في السماء في تسابيحهم ذكر هذا الموت المجيد الذي هو إكليل فخر المسيح الممتاز، والذي لأجله يحبه الآب. ولا ريب أن الذين يسكتون عن موت المسيح الفدائي أو ينكرونه، يخسرون ويُخسِّرون كل من ينتمي إليهم، فقد قال هو: «إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ ٱلْحِنْطَةِ فِي ٱلأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلٰكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يوحنا 12: 24).

دهشة التلاميذ:

ربما كان المسيح قد انتهى من حديثه مع زائريه السماويين لما أفاق تلاميذه الثلاثة من نومهم الثقيل، ورأوا فجأة أن سيدهم لم يعد جاثياً يصلي كما كان عندما غلبهم النعاس. ولما نظروه يتكلم مع شخصين لم يصعدا معهم إلى هذا الجبل العالي، وعرفوهما، كان لرؤيتهما وقعٌ أعظم في أعينهم مما لو كانا ملاكين.. وها هم الآن يبصرون في يقظة، وليس في رؤيا، مجداً جديداً عجيباً لرفيقهم وسيدهم المسيح مع موسى وإيليا مسربلين أيضاً بمجد سماوي. ومما زاد أسفهم كثيراً على ما خسروه من هذا المجد في نومهم، ملاحظتهم أن موسى وإيليا يُهمَّان بالانصراف. ولهذا لا نتعجب أن بطرس العجول الجسور يحاول منعهما من الذهاب.

قد تعودنا أن نرى بطرس تائهاً عن الصواب في تجاسره. أما الآن فهو يتطفل ويقدم للمسيح رأياً للعمل. فاته أن الواجب عليه أن ينتظر آراء المسيح وإرادته الكاملة، لا أن يقدم آراءه للمسيح، كأنه أوفر حكمة من سيده. فاقترح أن يشتغل مع رفيقه في نصب أكواخ مثل التي تعوّدوا أن ينصبوها في ضواحي أورشليم في عيد المظال. فقال: «يا رب، جيد أن نكون ههنا». وقد درج هذا القول على ألسنة المؤمنين في كل آن ومكان، متى حضروا في أماكن الصلاة.

أما الجواب على اقتراحه فلم يأت من المسيح بل من السماء. لأنه «فيما هو يتكلم ظللتهم سحابة نيّرة، فخافوا لما دخلوا في السحابة». ثم زاد خوفهم جداً وسقطوا على وجوههم عندما سمعوا من وسط السحابة صوتاً من شخص غير منظور، قال في آذانهم: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت. له اسمعوا».

عندما أعلن المسيح أنه سيصلب انتهره بطرس قائلاً: حاشاك يا رب. ولكن الصوت الإلهي على جبل التجلي جاء يقول عن المسيح: «له اسمعوا». فكأن الله يقول للتلاميذ: «اقبلوا ما يقوله المسيح لكم! إن الصليب ضرورة حتمية!»

شهادة السماء لابن الله:

في الأسبوع الماضي وافق المسيح على شهادتهم أنه ابن الله وليس ابن الإنسان فقط. فالآن يثبت صوتٌ من السماء تلك الشهادة. فصار برهاناً حسيّاً كاملاً على ما شهدته عيونهم وسمعته آذانهم على هذا الجبل. فهل بقي مكانٌ بعد للشك؟ لما جاهر هؤلاء فيما بعد بهذه الحقيقة أسندوا تأكُّدهم منها إلى هذا الحادث الفريد.

أخذ التلاميذ من الصوت السماوي درساً مهماً جداً، وهو أن الاهتمام الأعظم يجب أن ينصرف إلى نوال الرضى الإلهي لا البشري، وكل من نال الرضى الإلهي لا يبالي بغيظ البشر، حتى أعظمهم، ولا بمقاومتهم حتى أمرّها! في قول الصوت «له اسمعوا» أتاهم تصديق على ما فعلوه من عدم استماعهم لرؤساء الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة، وعلى إصغائهم إلى المسيح بدلاً منهم. ومع وجود موسى وإيليا معهم لم يكن الأمر الإلهي «لهما اسمعوا». أفلا يرنَّ في مسمع كل مؤمن هذا الصوت الإلهي القائل عن المسيح: «له اسمعوا». فيجعله يعدل عن الإصغاء إلى التعليم البشري، ما لم يكن ذلك التعليم صدى لتعليم المعلم الإلهي!

وبينما كان هؤلاء الثلاثة ساقطين على وجوههم خوفاً، ارتفعت السحابة نقلت موسى وإيليا رجوعاً إلى السماء، إذْ قد أتمَّا رسالتهما. فلم تؤيد السماء احتفاء التلاميذ الثلاثة بهما، بل كان الصوت الذي أمرهم أن يسمعوا للابن الحبيب بمثابة توبيخ لطيف على تمسُّكهم بموسى وإيليا، كأنهم يربحون بوجودهما أكثر مما هم حاصلون عليه. وكأن الصوت يقول لهم: إن مستقبلكم لا يرتبط بالذين لا يدومون معكم، مثل موسى وإيليا، بل بالذي هو رفيقكم الدائم، وإن كنتم لستم تعرفون قيمته بعد.

لكنهم لم يدروا بارتفاع السحابة وذهاب موسى وإيليا إلا بعد أن لمسهم المسيح وقال: «قوموا ولا تخافوا» فرفعوا أعينهم ونظروا حولهم بغتة، ولم يروا إلا المسيح وحده معهم. فنِعْمَ الخوف الذي تعقبه الطمأنينة من الله! ونِعم البصر الذي يحدق بالمسيح وحده، كما جرى لبطرس ويعقوب ويوحنا في هذه الساعة المباركة. لم يروا إلا الذي هو الكل وفي الكل، إذ ليست هناك حاجة إلى غيره، المخلِّص والشفيع وسيد حياتنا.

برهان الخلود:

زال كل شك بخصوص الخلود من أفكار التلاميذ بعد أن رأوا موسى وإيليا عياناً. ولما كان الصدوقيون ينكرون الخلود والأرواح، كان هذا البرهان المناقض لأضاليلهم غاية في الأهمية أمام الذين سيكونون معلمي الكنيسة المسيحية الجديدة. واستفاد التلاميذ أيضاً أنه يوجد جسد ممجد مرتبط بالجسد الأرضي الأصلي، وغير مقيَّد بالقيود التي كان مقيَّداً بها هنا في كل حركاته.

وقد تبرهن للتلاميذ أيضاً أن الذين ماتوا في الإيمان ليسوا في حالة سُبات، بانتظار يوم القيامة كما يزعم البعض، بل هم أمام العرش، مستعدون لخدمة الله ومقاصده، كما أنه سيكون لجميع المؤمنين أجسادٌ مجيدة وراء القبر.

3 - المسيح يشفي مسكوناً بروح نجس

«وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلتَّلامِيذِ رَأَى جَمْعاً كَثِيراً حَوْلَهُمْ وَكَتَبَةً يُحَاوِرُونَهُمْ. وَلِلْوَقْتِ كُلُّ ٱلْجَمْعِ لَمَّا رَأَوْهُ تَحَيَّرُوا، وَرَكَضُوا وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ. فَسَأَلَ ٱلْكَتَبَةَ: «بِمَاذَا تُحَاوِرُونَهُمْ؟» فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ ٱلْجَمْعِ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ ٱبْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ، وَحَيْثُمَا أَدْرَكَهُ يُمَزِّقْهُ فَيُزْبِدُ وَيَصِرُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَيْبَسُ. فَقُلْتُ لِتَلامِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا». فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا ٱلْجِيلُ غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِ، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمُوهُ إِلَيَّ!». فَقَدَّمُوهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ لِلْوَقْتِ صَرَعَهُ ٱلرُّوحُ، فَوَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ يَتَمَرَّغُ وَيُزْبِدُ. فَسَأَلَ أَبَاهُ: «كَمْ مِنَ ٱلزَّمَانِ مُنْذُ أَصَابَهُ هٰذَا؟» فَقَالَ: «مُنْذُ صِبَاهُ. وَكَثِيراً مَا أَلْقَاهُ فِي ٱلنَّارِ وَفِي ٱلْمَاءِ لِيُهْلِكَهُ. لٰكِنْ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئاً فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ، فَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ». فَلِلْوَقْتِ صَرَخَ أَبُو ٱلْوَلَدِ بِدُمُوعٍ وَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي». فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ ٱلْجَمْعَ يَتَرَاكَضُونَ، ٱنْتَهَرَ ٱلرُّوحَ ٱلنَّجِسَ قَائِلاً لَهُ: «أَيُّهَا ٱلرُّوحُ ٱلأَخْرَسُ ٱلأَصَمُّ، أَنَا آمُرُكَ: ٱخْرُجْ مِنْهُ وَلا تَدْخُلْهُ أَيْضاً!» فَصَرَخَ وَصَرَعَهُ شَدِيداً وَخَرَجَ، فَصَارَ كَمَيْتٍ، حَتَّى قَالَ كَثِيرُونَ: إِنَّهُ مَاتَ. فَأَمْسَكَهُ يَسُوعُ بِيَدِهِ وَأَقَامَهُ، فَقَامَ. وَلَمَّا دَخَلَ بَيْتاً سَأَلَهُ تَلامِيذُهُ عَلَى ٱنْفِرَادٍ: «لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «هٰذَا ٱلْجِنْسُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلا بِٱلصَّلاةِ وَٱلصَّوْمِ» (مرقس 9: 14-29).

صعد المسيح من وادي الاتضاع العميق لبرية التجربة إلى جبل التجلي العالي جداً، لينزل منه إلى وادي ذل أعمق من الأول في نهاية خدمته، عند آلامه وموته على الصليب. وكما كان المجد على رأس هذا الجبل كان الهوان عند سفحه، لأنه بينما كان بطرس ويعقوب ويوحنا في نعيم، كان رفقاؤهم التسعة في جحيم. لم ينل هؤلاء شيئاً مما حظي به الثلاثة تثبيتاً لإيمانهم بالمسيح، بعد الإنباء بموته. فيظهر أن إيمانهم تزعزع لأن المسيح كان قد أعطاهم جميعاً قوة ليعملوا المعجزات قبل هذا الوقت. والآن نراهم يحاولون في غياب سيدهم أن يُخرِجوا روحاً نجساً أخرس وأصم يسكن شاباً يقدمه إليهم والده، لكنهم فشلوا لضعف إيمانهم. وأكسبتهم خيبتهم استهزاء خصومهم بين الجمهور، فباتوا في خجل عظيم. وزاد عذابهم لما حاورهم هؤلاء العلماء وطرحوا عليهم أسئلة يعجز عن حلها البسطاء نظيرهم. وشعر الناس باقتراب المسيح ورفقائه نازلين من على الجبل ومعهم جمهور كان قد استقبلهم قبل وصولهم إلى التلاميذ التسعة. ومع علم المسيح بما جرى، طلب من الكتبة أن يخبروه بموضوع محاورتهم مع تلاميذه. لكن أبا الولد المصاب لم يعطهم الفرصة للجواب، إذ تقدم وجثا للمسيح وصرخ طالباً منه أن يفعل له ما عجز التلاميذ عن فعله. وقال للمسيح إن ولده وحيد وإن روحاً شريراً يسكنه، وحيثما أدركه يمزقه ويصرعه فيزبد ويصرّ بأسنانه وييبس ويتألم، وبالجهد يفارقه مرضضاً إياه، وكثيراً ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه.

إن سلمنا بالعلاقة الكبيرة بين الأمراض الجسدية والروحية في كثير من الأحوال، يسهل علينا أن نفهم أن مرض هذا الشاب من خرس وصمم ناتج عن سلطة شيطانية، لذلك نرى المسيح يعتني ليس بإزالة الأعراض، بل بإزالة الأسباب أولاً. واستخدم أب الولد فشل التلاميذ التسعة حجة ثانية لاستنجاده بالمسيح، فكان جواب المسيح توبيخاً عاماً للحاضرين، يشمل الكتبة الذين حاوروا تلاميذه، ويشمل الذين فشلوا في ما باشروه، ويشمل الأب الذي قصر في إيمانه. قال المسيح: «أيها الجيل غير المؤمن والملتوي، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟». فأثر هذا الكلام في الأب ليتواضع، استعداداً لتوليد الإيمان في قلبه. لكن المسيح لم يتركه في ذله، بل شجعه بقوله: «قدم ابنك إلى هنا». أليس هذا صوت المسيح على الدوام لكل الآباء: «قدّم ولدك إلى هنا»؟ وهذا التقديم هو ما يفعله الوالدون عندما يأتون بأولادهم القاصرين إلى العماد المسيحي. وهذا ما يفعله بالصلاة والإيمان كل مسيحي لخلاص ذويه الذين لا يزالون في قيود إبليس.

عمل المسيح على تنشيط إيمان الأب، وإظهار محبته له بسؤال بسيط عن مدة استيلاء هذه المصيبة على ابنه. فدلَّ جواب الأب على أنه لم يكن يعرف المسيح من قبل، ولا بد أنه فهم من التسعة أن المسيح أعطاهم سلطاناً كافياً لإخراج الأرواح. فلما وجدهم عاجزين عن شفاء ابنه ظنّ أن المسيح سيعجز أيضاً. لكن المسيح قال له: «كل شيء مستطاع للمؤمن». فكأنه يقول للرجل: «ليس الخلل في استطاعتي أن أشفي ابنك، بل في استطاعتك أن تؤمن». ففعل دواء هذا الطبيب فعله الشافي في هذه النفس العليلة، إذ صرخ أب الولد بدموع قائلاً: «أؤمن يا سيد، فأعن عدم إيماني». فأصاب في طلبه تقوية إيمانه.

صراخ هذا الرجل اليائس شعار مؤثر وصلاة جميلة لكل من يشعر بأهمية الإيمان وبتقصيره فيه، لأن الإيمان القلبي مفتاح الخيرات الإلهية. ليس للمفتاح فضل، لكنه الواسطة الوحيدة والكافية للحصول على كل ما في مخازن الله من بركات. وصارت دموع هذا الرجل مثالاً للتغيير الروحي في القلب الذي كان يرافق معجزات المسيح الشفائية. وصحّ فيه قول المرنم: «ٱلَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِٱلدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِٱلابْتِهَاجِ» (مزمور 126: 5). فانتهر المسيح الروح النجس بسلطان آمر مطاع قائلاً: «أيها الروح الأخرس الاصم، أنا آمرك، اخرج منه ولا تدخله أيضاً».

فعند ذلك بذل الشيطان منتهى قدرته قبل خروجه لكي يعذب الولد ويهلكه إن أمكن، لكنه وجد هناك من هو أقوى منه، الذي قيَّده لأنه أتى لينقض أعماله، وكما تتقدم أظلم ساعات الليل فجر النهار، كان أمر هذا الولد، لأن الشيطان صرخ وصرعه شديداً قبل خروجه، حتى قال كثيرون إنه مات. أما المسيح فمدَّ تلك اليد المحسنة والموصِّلة بينه وبين اليائسين، والحلقة التي تربط المعطي بالمستعطي، ونشل هذا الولد من باب الهاوية، وأقامه سالماً صحيحاً، وسلمه إلى أبيه. إن الخاطئ المتسلط عليه إبليس لا يسمع الأصوات الإلهية ولا ينطق بمجد الله، لكن الذين يحررهم المسيح من هذه السلطة يحررهم أيضاً من الخرس والصمم الروحيين، فيسمعون تعليمه ويتكلمون بأمجاده.

عرف الجميع أن المسيح عمل هذا باسم أبيه ولمجده، لذلك بُهتوا من عظمة الله. في هذا الكلام دليل على أن أغلب الجمهور في هذه البلاد الأممية كانوا وثنيين، ورأوا للمرة الأولى برهاناً ملموساً على الفرق بين آلهتهم الباطلة، وإله إسرائيل الحي القادر على كل شيء.

بعد ذلك دخل المسيح وتلاميذه بيتاً منفردين فسأله التسعة عن سبب فشلهم، لأنهم لم يتعلموا بعد أن سبب كل فشل لا يكون إلا داخلياً، لأن الفشل الناتج عن أسباب خارجية ليس فشلاً حقيقياً. ولم ينتبهوا لينظروا في قلوبهم ليجدوا علة هزيمتهم. ويُحتمل أن حب الذات منعهم عن السرور بنجاح المسيح في ما عجزوا عنه. ولما كان عدم إيمانهم سبب فشلهم قال المسيح لهم: «هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم».

في خاتمة كلامه أعلن المسيح قيمة الإيمان، بقوله: «لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون للجبل انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل». لا يخلو هذا القول من صعوبة في تفسيره، لكن لا يظن أحدٌ أن المسيح قصد به المعنى الحرفي، إنما الأقرب إلى الصواب أنه قصد المعنى الروحي المعنوي، فكم من جبال صعوبات انتقلت وزالت من أمام المؤمنين.

المسيح يدفع الضرائب

«وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ تَقَدَّمَ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا: «أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ ٱلدِّرْهَمَيْنِ؟» قَالَ: «بَلَى». فَلَمَّا دَخَلَ ٱلْبَيْتَ سَبَقَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ ٱلأَرْضِ ٱلْجِبَايَةَ أَوِ ٱلْجِزْيَةَ، أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ ٱلأَجَانِبِ؟» قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «مِنَ ٱلأَجَانِبِ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «فَإِذاً ٱلْبَنُونَ أَحْرَارٌ. وَلٰكِنْ لِئَلا نُعْثِرَهُمُ، ٱذْهَبْ إِلَى ٱلْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَٱلسَّمَكَةُ ٱلَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَاراً، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ» (متى 17: 24-27).

رجع المسيح إلى وطنه كفر ناحوم بعد غياب طويل، وكان جباة مال الهيكل ينتظرون رجوعه ليأخذوا منه الدرهمين المفروضين على كل يهودي فوق سن العشرين. ويجوز أن هذا الطلب تقدم الآن لأول مرة بتحريك من الرؤساء، ليحقِّروا المسيح بحرمانه من حقوق الإعفاء الممنوحة للأنبياء ورؤساء الدين، أو لاتخاذ حجة لضرره إن رفض الدفع. ويجوز أنه كان يدفع سنوياً هذه الكمية الزهيدة. فالتقى الجباة ببطرس خارجاً، وسألوه: «أما يوفي معلمك الدرهمين، حسب عادته؟»

كان على بطرس أن يسأل المسيح قبل أن يجاوبهم، لكنه تطفل وقال لهم: «نعم». فلما عاد إلى البيت بيَّن المسيح له خطأه. وسأله: «ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية؟ هل تؤخذ من بني الملك؟ أو من رعاياه الذين هم أجانب بالنسبة إلى أولاده». فأجاب بطرس: «من الأجانب» فقال المسيح: «إذاً البنون أحرار. قد اعترفت أني ابن الله. فكيف يطلبون منّي جزية لبيت أبي؟».

اكتفى المسيح بأن صرّح بحقوقه ولم يتشبَّث بها، فلو أصرَّ على عدم الدفع يُعثِر الآخرين، لأن الرؤساء والجمهور لا يعترفون به كالمسيح. فيكون رفضه دفع الجزية في نظرهم تمرُّداً وتحقيراً للهيكل والدين. ولم تكن هذه الجزية من تقاليد الشيوخ، ليكون في رفضها فائدة تعليمية، بل هي من نظام موسى الأصلي، وهو لا يقصد إلغاء الفرائض الخارجية التي هي بوصايا إلهية، إلا بعد إتمامها وإكمال عمله الفدائي. فامتثل للنظام، وأعطى بذلك مثالاً لتابعيه أن لا يتشبّثوا بحقوقهم متى خشوا من ذلك حدوث ضرر أو خصام أو شكوك. فالسير على هذه القاعدة يزيل القسم الأعظم من المشاكل والخصومات بين الناس.

قد يكون الصندوق الذي كان في عهدة الإسخريوطي فارغاً في هذا الوقت، أو أن المسيح أراد أن يقرن خضوعه للنظام بمعجزة تقوّي إيمان بطرس، وتعلن أن هذا الخضوع لم يكن قسراً. فمع خضوعه للظلم في ما يتعلق ببيت أبيه المتواضع، المسمى بالهيكل، يستعمل سلطانه الشرعي في بيت أبيه الأوسع الذي هو الخليقة. لذلك أمر بطرس أن يُحضر المطلوب بواسطة مهنته - ليس بصيد رسمي بالشباك والسفينة، بل بالصنارة، لأجل السرعة. وأخبره أنه عندما يفتح فم أول سمكة يصطادها، يجد إستاراً يساوي أربعة دراهم تكفي لدفع الضريبة المفروضة عليه وعلى سيده. وقال: «أعطهم عني وعنك» لا: «عنا» لأن بطرس مكلَّف بالدفع قانونياً، ولكن المسيح غير مكلَّف، فيكون دفعه كرماً منه وتطوُّعاً.

4 - المسيح يعلّم عن العظمة الحقيقية

«فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ تَقَدَّمَ ٱلتَّلامِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: «فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ؟» فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَداً وَأَقَامَهُ فِي وَسَطِهِمْ وَقَالَ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ ٱلأَوْلادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هٰذَا ٱلْوَلَدِ فَهُوَ ٱلأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. وَمَنْ قَبِلَ وَلَداً وَاحِداً مِثْلَ هٰذَا بِٱسْمِي فَقَدْ قَبِلَنِي» (متى 18: 1-5).

تحدث بعض التلاميذ عند رجوعهم من جبل التجلي، على غير مسمع من المسيح، في من هو الأعظم بينهم. ومن الطبيعي أن التلاميذ الذين لم يدَّعوا لأنفسهم الأولية، كانوا ينتصرون للذين يريدون لأنفسهم الكرامة الممتازة، فأوصلهم الحسد إلى الاحتجاج الذي ربما بنوه على بعض الامتيازات الشخصية في معاملات المسيح وكلامه. فما أشد هذه الضربة على قلب المسيح الرقيق المحب بوقوع هذه المشاحنة الصبيانية، بين الذين قد اصطفاهم من بين كل البشر رسلاً له، ويا له من هبوط عظيم في الآمال التي تعلَّقت عليهم!

وفاتح المسيح بعض تلاميذه في ما عسى أن يكون موضوع جدالهم الحماسي الذي لن يسمعه، فسكتوا. كان يجب عليهم أن يعترفوا ويصلحوا زلتهم، فقد قال إمام الحكماء سليمان: «مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لا يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ» (أمثال 28: 13). وقال نبي الله داود: «لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي ٱلْيَوْمَ كُلَّه.. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي» (مزمور 32: 3 و5) لكن بعد سكوتهم تقدموا وطلبوا إليه أن يفيدهم عن أساس العظمة في ملكوت السماوات ومن هو الأعظم فيه، فجمع الاثنى عشر جميعاً، ثم دعا ولداً إليه وأوقفه في الوسط ليراه الجميع، وكأنه يقول إن العظمة في ملكوته لا تكون إلا للذي لا يطلبها، وأن لا أحد يدخل هذا الملكوت إلا من يرجع إليه ويصير مثل ولد.

من أوصاف الولد بساطة التواضع بدلاً من ادعاء العظمة، وعدم المبالاة برفعة المقام، وسهولة الانقياد والطاعة دون تردد أو اعتراض، وسرعة المسامحة على الأذية بدلاً من التشبُّث بالانتقام والحقد طويلاً، والتطلُّع للأمام برجاء والنظر إلى المستقبل بسرور بدلاً من القنوط واليأس، والاكتفاء بالخير القليل بدلاً من الطمع، وتصديق ما يسمعه بدلاً من الشكوك والظنون السيئة.

لذلك قال المسيح: «الأصغر فيكم جميعاً هو يكون عظيماً». وقد مرَّت تسعة عشر قرناً على البشر ولا يزال هذا التعليم مجهولاً من الكثيرين، ولم يفهم في التواضع إلا عدد قليل.. حتى تلاميذ المسيح أنفسهم لم يستفيدوا في ذلك الوقت إلا قليلاً من هذا التعليم، لأنهم جددوا هذه المجادلة فيما بعد. وفي هذا الوقت طلبوا أن يعرفوا مَن منهم يكون الأعظم في ملكوت السماوات. لذلك كانوا في خطر، ليس أن يفقدوا الامتياز فقط، بل أن يفقدوا الدخول إلى ذلك الملكوت. وما دام الذي يطلب العظمة لنفسه ولا يرجع ويصير مثل الأولاد لن يدخل ملكوت السماوات، فإن عليهم أن يتركوا السؤال عن العظمة، ويهتموا بالسؤال عن دخول الملكوت.

ثم علّمهم المسيح شيئاً عن كرامة اسمه، حتى أن كل ما يصنعه أحد باسمه يُحسب إكراماً له. ومن يكرم صغيراً باسمه يكون قد أكرمه. ومن يكرمه يكون قد أكرم الآب الذي أرسله. فما أجمل هذه الرابطة التي تربط الآب بالابن، ثم الابن بأصغر المؤمنين باسمه.

«وَقَالَ يُوحَنَّا: «يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِداً يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِٱسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا». فَقَالَ يَسُوعُ: «لا تَمْنَعُوهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِٱسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعاً أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرّاً. لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا. لأَنَّ مَنْ سَقَاكُمْ كَأْسَ مَاءٍ بِٱسْمِي لأَنَّكُمْ لِلْمَسِيحِ فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَهُ» (مرقس 9: 38-41).

على أثر هذا الكلام، أخبره يوحنا عما جرى معه ومع بعض رفقائه، لما التقوا بإنسان يخرج شياطين باسم المسيح، وهو ليس من تابعيه ظاهراً، ظناً منهم أن لا حقَّ لغيرهم في هذا الامتياز الذي منحه المسيح لهم. لكن طالما لا يقدر إلا المسيح أن يعطي هذا السلطان، فلا مانع من أن يكون قد أخذه من المسيح على غير علمهم. وأن المسيح أجاز له أن يعمل باسمه دون أن يرافقه، ودون أن يعرِّف التلاميذ به. وقد خطّأ المسيح يوحنا، وأظهر أن من ليس عليه فهو معه. أي أن لا حياد بالنسبة لملكوت البر. فلا يصحُّ أن يُقال مطلقاً في الدين: «لا معنا ولا علينا». والواجب على يوحنا أن يعرف أن كل إنسان صالح يسمِّي اسم المسيح سنداً لعمله، يسنده المسيح، لأن عمله يكون عزيزاً لدى المسيح. وحامل هذا الاسم باستحقاق يكون تحت حماية المسيح، وكل من يؤذيه يجازيه الملك، ويكافئ كل من يقدم خدمة باسمه.

تحذير من العثرات

«وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هٰؤُلاءِ ٱلصِّغَارِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ ٱلرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ ٱلْبَحْرِ. وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ ٱلْعَثَرَاتِ. فَلا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ ٱلْعَثَرَاتُ، وَلٰكِنْ وَيْلٌ لِذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي بِهِ تَأْتِي ٱلْعَثْرَةُ. فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلانِ. وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمَ ٱلنَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ» (متى 18: 6-9).

ثم تطرَّق المسيح إلى موضوع آخر مهم جداً، وهو العثرات. وكان قد تكلم عنه في وعظه على الجبل، وكرره الآن كتعليم خاص للتلاميذ وحدهم. لقد أعطاهم نفسه قدوة لما جنَّبهم العثرة ودفع الجزية، ووبّخهم على غلطهم لما أعثروا التلميذ المجهول الذي كان يُخرج شياطين باسمه. ثم قال المسيح إن غرق الإنسان مثقلاً بحجر الرحى في لجة البحر، أفضل له من أن «يعثر أحد هؤلاء الصغار». ولا بد من أنه قصد بالإعثار أولاً أن يقود الإنسان غيره إلى الخطيئة، وقصد أيضاً الإهانة والتكدير في غير محله. فمن يفعل ذلك لأحد تلاميذه الحقيقيين ينال جزاءً مخيفاً، يجعله يتمنّى أن يبدل العقاب - لو أمكن - بالغرق في قعر البحر.

ولكي لا يولِّد كلام المسيح آمالاً فارغة في تلاميذه، فيظنون أنهم يستطيعون إزالة العثرات من العالم تماماً، قال: «لا بد أن تأتي العثرات». فهل هناك عذر لمن يُعثر غيره لأن العثرات لا بد أن تأتي؟ أسرع المسيح وتلافى هذا الوهم فقال: «لكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة».

ثم نصح المسيح أن من تعثره يده فليقطعها، ومن تعثره عينه فيقلعها. وهذا بالطبع كلام مجازي، لأن قطع اليد أو قطع العين الحرفي لا يزيل الإثم الذي مركزه القلب، فقَطْع أعضاء الجسد لا يصلحها. يمكن أن يرتكب الإنسان جميع الخطايا في فكره وقلبه ولو قلع ليس العين اليمنى فقط، بل واليسرى أيضاً، وقطع يده اليمنى واليسرى أيضاً. فالإله الروح، الذي له وحده الحكم في أمر الخطيئة والهلاك، ينظر إلى ما في القلب وليس إلى ما في الأعضاء. والمقصود من هذا الكلام هو أن كل من يجرُّ الإنسان إلى الخطيئة يجب إبعاده ولو كان عزيزاً عند الإنسان، كعينه اليمنى أو يده اليمنى.

قصد الخالق أن تكون أعضاء الجسد بركة وآلة للخير في نفع الناس، لذلك يسمِّي الرسول بولس الأجساد هياكل للروح القدس (1 كورنثوس 6: 19) فالذي يشوهها يُهين الهيكل وصانعه. إنه لا يطلب قلعاً لأعضاء الجسد، بل يطلب صيانتها وتكريسها لخدمته. وهذه الخدمة تتعذر على من يتلف هذه الأعضاء.

ثم قال المسيح إن كل من يعثر غيره يتعرَّض لجهنم النار، حيث دودهم لا يموت والنار لا تُطفأ. وليس في هذا الكلام رائحة تهديد، بل هو تحذير وإنذار مقدَّم ممن أتى من السماء ليخلصنا من هذه الأبدية المرعبة. ولا يمكن أن محباً نظيره يبالغ في وصف المخاوف التي يخشى من أن تصيب الذين يحبهم.

تحذير من تعثير الصغار

«لا تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هٰؤُلاءِ ٱلصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَلائِكَتَهُمْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ. مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلا يَتْرُكُ ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ عَلَى ٱلْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ ٱلضَّالَّ؟ وَإِنِ ٱتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ ٱلتِّسْعَةِ وَٱلتِّسْعِينَ ٱلَّتِي لَمْ تَضِلَّ. هٰكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هٰؤُلاءِ ٱلصِّغَارِ» (متى 18: 10-14).

ثم حذر المسيح تلاميذه من احتقار الصغار، لأن الله يعتني بهم، حتى أنه يقدم لهم خدمة ملائكية خصوصية. قال إن ملائكتهم ينظرون كل حين وجه الآب السماوي. فأيُّ حقٍ للناس أن يحتقروهم؟ ليس المقصود بهذا القول صغار السن وحدهم، بل يشمل أيضاً صغار النفوس، وعلى الأخص المؤمنين الواقعين تحت نيران الاضطهاد، أو الغرقى في بحر الاحتقار. ثم أوضح المسيح أن خلاصه يعمُّ جميع الأطفال، عندما قال: «ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار».

وأردف بهذا القول كلاماً جميلاً من غاية مجيئه من السماء، بيّن فيه تمسُّكه بلقب ابن الإنسان. وهو «لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك». ومثَّل عمله بتفتيش إنسان عن خروف أضاعه، فترك على الجبال التسعة والتسعين التي لم تضل لكي يفتش عن الضال. ومتى وجده يفرح به أكثر من التسعة والتسعين. حقاً إن اهتمام الله وفرحه بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة، يفوق إدراك البشر، وأن أفكاره ليست كأفكارهم.

إن أخطأ إليك أخوك

«وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَٱذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ ٱثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ٱلْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَٱلْوَثَنِيِّ وَٱلْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاءِ. وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنِ ٱتَّفَقَ ٱثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى ٱلأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ» (متى 18: 15-20).

ثم تكلم المسيح عن عثرة أخرى لا بد من وقوعها بين أهل الإيمان ضمن الكنيسة. فكيف يتصرف المؤمن متى تعدى عليه أخٌ؟ أولاً: لا يجب أن يدخل معه في منازعة، بل عليه أن يحفظ نفسه من الغيظ. ثم عليه أن يراعي المحبة الأخوية، فلا يُفشي الأمر خشية تضخُّمه فيصعب إصلاحه. وعليه أن يعاتب المعتدي حبياً وعلى انفراد، أملاً برجوعه عن خطئه في الحال، ويمنعه من تكرار زلته. لأنه يُرجَّح أن المعتدي متى رأى عدوه في روح الحب والمسالمة، يخجل ويندم ويتوقف عن تكرار الاعتداء ويُصلِح ما فعل. ولهذا السبب قال المسيح: «إن سمع منك فقد ربحت أخاك».

أما إنْ قسّى المعتدي قلبه فالواسطة الثانية لتخجيله وإقناعه هي الاستعانة بلجنة صغيرة تسعى في إصلاح ذات البيْن، وتكون شاهداً على المعتدي إن لم يمتثل للحق، وللمعتدَى عليه ببرائته من الذنب. لكن إنْ أصرَّ على رفض هذه الوسائط الحبية، تُرفع القضية إلى المجلس الرسمي، أي الكنيسة، لتنظر في الأمر، وتسعى في إصلاح المذنب. وهذا الاستشناف مفيد، لأن من شأنه أن يجعل المعتدي يخضع للجنة، لئلا يزيد تخجيله وتُخفَض كرامته بسبب تقديم الشكوى عليه للكنيسة. فإنْ لم يخضع لحكم الكنيسة يحق للشاكي إن يجتنبه ولا يعتبره كأخ، لأنه قد برهن أن ليس فيه الشروط الجوهرية للأخوية المسيحية.

«حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» (متى 18: 21-22).

كانت الشريعة اليهودية تقضي بأن يغفر الإنسان لمن يسيء إليه، ثلاث مرات. وإنْ تكررت الإساءة لا يُكلَّف بتكرار المغفرة. وشعر بطرس أن شريعة المسيح الجديدة أوسع من القديمة، فسأل المسيح: «يا رب، كم مرة يخطئ إليَّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟» ظن أن سبع مرات هي أكثر ما يُطلب منه، فيكون قد تكرم بقوله «إلى سبع مرات». فكم كان خجله لما أجابه المسيح: «لا أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة سبع مرات». يعني إلى ما لا نهاية له.

ما أصعب هذا الأمر على الإنسان، فإن الطبيعة البشرية لا تحتمله دون نعمة إلهية. لكن الروح الذي يقود إلى مسامحة مسيحية قلبية في المرة الأولى، يقود أيضاً في الثانية، وإلى ما لا نهاية له. ولا سيما إنه إذا غفر مرة يتقوى في هذه الروح، فيسهل تكرار الغفران أكثر من المرة الأولى. والذي ليس له في قلبه أن يسامح في المرة المئة يبرهن أن مسامحته الأولى لم تكن من روح مسيحي حقيقي. فكل من يشعر بفضل الإله الغفور، لا يمكنه أن يحاسب إخوته، مهما عُظمت تعدياتهم عليه.

مَثَل الملك الذي سامح

«لِذٰلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ٱبْتَدَأَ فِي ٱلْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلافِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَأَوْلادُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى ٱلدَّيْنُ. فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ. فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ. وَلَمَّا خَرَجَ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِداً مِنَ ٱلْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُوناً لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ ٱلدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى ٱلْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدّاً. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ، كُلُّ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضاً تَرْحَمُ ٱلْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهٰكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلاتِهِ» (متى 18: 23-35).

لما كان ضرورياً أن يبيّن المسيح أساس هذا القانون الصعب ليقنع تلاميذه بصوابه، أوضح لهم ذلك بواسطة مثل العبد الظالم، الذي بعد أن ترك سيده الملك ديناً عظيماً للغاية، لا يمكنه أن يوفيه مطلقاً، قبض ذلك العبد على أحد رفقائه العبيد بسبب ديْن زهيد كان عليه، وزَجَّه في السجن، رغم كل الاستراحامات والمواعيد وإحسان مولاه إليه، بتركه له هذا الدين العظيم. لم يلن قلبه ليصبر على رفيقه، بل أخذه بعنقه وألقاه في السجن حتى يوفي الدين. فلما أبلغ العبيد رفقاؤه مولاهم الملك بهذا الأمر، اغتاظ الملك جداً، وأحضر هذا العبد الظالم وأنّبه، وسلّمه إلى المعذِّبين حتى يوفي كل ما كان له عليه. فإن كان مفلساً قبل سجنه، فأي أمل له أن يفي الملايين وهو سجين؟ فلا مناص من بقائه إلى الأبد بين أيدي المعذِّبين!

في هذا المثل شبَّه المسيح الله بالملك، وشبَّه الخطاة بالعبيد المديونين. ولما كان الدَّين الذي على الخاطئ لله عظيماً، يستحيل على الخاطئ أن يوفيه. لكن الله برحمته، وبناءً على عمل الفداء، يغفر لأعظم الخطاة متى اعترف له وطلب منه الرحمة وتعهَّد أن يصلح أمره فيما بعد. أما دَيْن الخاطئ لرفيقه البشري فزهيد بالنسبة إلى دَيْن الرفيق لربه. فمتى حصل إنسان على الغفران الإلهي، لا حقَّ له أن يمسك عن رفيقه المغفرة على زلاته، مهما تكاثرت وتكررت. ولا يحق لإنسان أن يدين أخاه قبل مقابلته واستماع عذره. لعله أخطأ سهواً، أو ظلمه واشٍ. فما أرهب العبارة التي ختم بها المسيح جوابه على سؤال بطرس بقوله: «فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته».

ولنا في الصلاة الربانية برهان أهمية وجوب ترك الحقد، لما نصلي: «اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا». لا ينتظر البريء أن يأتيه المذنب ليستغفر منه، بل يسبقه، إتماماً للقول: «اذهب وعاتبه بينك وبينه». تمثُّلاً بالمسيح الذي لم ينتظر الخاطئ إلى أن يتوب ويأتي إليه، بل قد أتى من السماء ليطلب ويخلص ما قد هلك.

5 - المسيح يغفر للزانية

«وَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱمْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِناً. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي ٱلْوَسَطِ قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هٰذِهِ ٱلْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ ٱلْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي ٱلنَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هٰذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» قَالُوا هٰذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَٱنْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى ٱلأَرْضِ. وَلَمَّا ٱسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، ٱنْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَّوَلاً بِحَجَرٍ!» ثُمَّ ٱنْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى ٱلأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً، مُبْتَدِئِينَ مِنَ ٱلشُّيُوخِ إِلَى ٱلآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَٱلْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي ٱلْوَسَطِ. فَلَمَّا ٱنْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى ٱلْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: «يَا ٱمْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولٰئِكَ ٱلْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» فَقَالَتْ: «لا أَحَدَ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «وَلا أَنَا أَدِينُكِ. ٱذْهَبِي وَلا تُخْطِئِي أَيْضاً» (يوحنا 8: 3-11).

ذهب المسيح إلى أورشليم، ودخل الهيكل. وأخذ يعلّم ويشرح للجمهور أمور ملكوته الروحي. وبعد قليل حصلت ضجة بين الحاضرين، لأن جماعة من علماء الدين طلبوا أن يفسح لهم الجمع الطريق ليصلوا إلى المسيح، وهم يجرُّون امرأة تعيسة أُمسكت في زنى. وتظاهروا في ريائهم المعهود بغيرة كاذبة على شريعة العفة، وباحترام كاذب للمسيح، إذ طلبوا حكمة في أمر يتعلق بشريعتهم الدينية المقدسة، ولقبوه بأكرم ألقابهم أي «معلم في الدين» وأوقفوا المذنبة في الوسط أمام الجمهور، وطلبوا منه أن يحكم: «هل تُعامل بمقتضى شريعة موسى فيرجمونها؟».

كانت الحكومة الرومانية قد منعت المحاكم الدينية اليهودية من الحكم بالإعدام. فإن حكم المسيح برجم هذه الخاطئة يخالف النظام السياسي الحاكم، ويغيظ كثيرين من الشعب الذي تعوَّدوا التساهل في الأحكام. وإن حكم بعدم رجمها، يفتح لهم باباً واسعاً لينتقدوه أمام الشعب كمخالفٍ لشريعتهم المقدسة. وبما أنهم يعلمون كيف تصرَّف أمامهم قبلاً بشريعة السبت، حاسباً ذاته أعظم من موسى، وغير مقيَّد بشريعته، كانوا يأملون أن يتصرف بذات الطريقة في شريعة الزنى أيضاً، فيهيّجون عليه كل من تهمُّه المحافظة على العفة والآداب الصحيحة. فقالوا له: «موسى يقول كذا وكذا. فماذا تقول أنت؟» كأنهم يعترفون له بحق مخالفة أحكام موسى، لو شاء.

وانصرفت أفكار المسيح من هذه المذنبة إلى طالبي رجمها، وهم أعظم منها إثماً، لأنه لم يكن يقبل أن يتساهل مع الظالم والخبيث. فكان جوابه الأول أنه انحنى وصار يكتب بإصبعه على الأرض، ليعطي سائليه فترة للتفكير. ولما تابعوا السؤال أجابهم قانونياً ما معناه: حسب شريعتكم متى ثبت جُرم الزنى على امرأة، فالشهود هم الذين يجب أن يبدأوا أولاً برجمها، وأنتم الشهود. ثم أن العدل يقضي بأن الذي يخطئ أولاً يُجازى أولاً. فالذي منكم خالف شريعة العفة قبل هذه المرأة، لا يحق له أن يطلب قصاصها قبله، فليبتدئ برجمها البريء منكم لا غيره.

ثم انحنى ثانية وصار يكتب بإصبعه على الأرض، فانسحبوا خجلين منكسرين، وخرجوا بالترتيب الذي دخلوا به حسب رتبهم: الشيوخ أولاً ثم الآخرون، حتى لم يبق منهم أحد، فإن الضمير يصيِّرنا جميعاً جبناء.

يُرجَّح أن التلاميذ والجمهور لم ينصرفوا مع الشاكين، بل انتظروا النتيجة في أمر المرأة التي بقيت واقفة في الوسط. واتّجه فكر المسيح الآن إليها، لأنه أتى ليطلب ويخلِّص ما قد هلك. «أين أولئك؟ أما دانك أحد؟» وأجابت: «لا أحد يا سيد». قال لها: «ولا أنا أدينك. إذهبي ولا تخطئي أيضاً».

بقوله: «ولا أنا أدينك» تصرف قانونياً، لأن هروب المدَّعين والشهود قبل استجوابهم يُسقط الدعوى، فليس في قوله هذا أقل تساهل مع الخطيئة التي اتُّهمت بها. ولما كان المسيح يكره الخطيئة ويحب الخاطئ، كان يسهل للخطاة أن يتركوا خطاياهم.

«ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ». فَقَالَ لَهُ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ: «أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقّاً». أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلا تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلا إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. أَنْتُمْ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ تَدِينُونَ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَداً. وَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَقٌّ، لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أَنَا وَٱلآبُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي. وَأَيْضاً فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ: أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَقٌّ. أَنَا هُوَ ٱلشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي ٱلآبُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي». فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً».

هٰذَا ٱلْكَلامُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي ٱلْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي ٱلْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ، لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ.

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً: «أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا» فَقَالَ ٱلْيَهُودُ: «أَلَعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ: حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟» فَقَالَ لَهُمْ: « أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ. فَقُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ». فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مِنَ ٱلْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِهِ. إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ، لٰكِنَّ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ فَهٰذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَمِ». وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ ٱلآبِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «مَتَى رَفَعْتُمُ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهٰذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. وَٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي ٱلآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ» (يوحنا 8: 12-29).

استأنف المسيح تعليمه للناس بعد المقاطعة التي سبَّبها حادث المرأة، فشبَّه ذاته وعمله بالنور، فإن من أشرف ألقابه «نور العالم». فاعترض الفريسيون على كلامه بحُجَّة أن شهادة الإنسان لنفسه لا تثبت، فأجابهم بما معناه أن هذا الحكم ولو صحَّ في الخطاة الذين تخدعهم الأنانية، أو يخدعون الآخرين عمداً، فلا يصح في المسيح الكامل الذي هو في حضن الآب. هذا فضلاً عن شهادة الآب غير القابلة للشك أو الاعتراض. فلما سألوه: «أين أبوك؟» أجاب بما لا يحقُّ لبشر أن يقوله، إذ قال: «لستم تعرفونني أنا ولا أبي. لو عرفتموني لعرفتم أبي ايضاً». ولما كرر كلامه السابق أنهم لا يقدرون أن يتبعوه إلى حيث يذهب بعد قليل، قالوا تهكُّماً: «ألعله يقتل نفسه حتى يقول هذا القول؟». فأجابهم بكلام آخر لا يسوغ لبشر أن يقوله. قال: «أنا لست من هذا العالم. أنا من فوق. إن لم تؤمنوا أني أنا هو، تموتون في خطاياكم. ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حيث أفعل ما يرضيه».

«وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهٰذَا آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: «إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلامِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلامِيذِي، وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». أَجَابُوهُ: «إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ. كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَاراً؟» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ ٱلْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَٱلْعَبْدُ لا يَبْقَى فِي ٱلْبَيْتِ إِلَى ٱلأَبَدِ، أَمَّا ٱلابْنُ فَيَبْقَى إِلَى ٱلأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً. أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لٰكِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي لأَنَّ كَلامِي لا مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ». أَجَابُوا: «أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ أَوْلادَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ! وَلٰكِنَّكُمُ ٱلآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِٱلْحَقِّ ٱلَّذِي سَمِعَهُ مِنَ ٱللّٰهِ. هٰذَا لَمْ يَعْمَلْهُ إِبْرَاهِيمُ. أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ». فَقَالُوا لَهُ: «إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِناً. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ٱللّٰهُ». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ ٱللّٰهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. لِمَاذَا لا تَفْهَمُونَ كَلامِي؟ لأَنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ ٱلْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ٱلْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِٱلْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو ٱلْكَذَّابِ. وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ ٱلْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي. مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ ٱلْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ اَلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ يَسْمَعُ كَلامَ ٱللّٰهِ. لِذٰلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ ٱللّٰهِ» (يوحنا 8: 30-47).

بعد أن تحدث المسيح عن نفسه أنه نور العالم، آمن به كثيرون. فصرح بأن الحق يحرر من يعرف الحق، وإن حررهم الابن فبالحقيقة يكونون أحراراً. وقال المسيح للذين اعترضوا على كلامه، بحجة أنهم لا يحتاجون إلى التحرير، إن العبودية الحقيقة هي الاستعباد للخطيئة، وإن كل من يفعلها هو عبد لها، والعبد لا يرث ولا يدوم في البيت. وقال للذين يُضمرون في قلوبهم قتله: «تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم». أعلن لهم أن الإستعباد للخطيئة يعني البنوَّة لإبليس. فادّعاؤهم البنوَّة لإبراهيم ادّعاء بغير حق، لأنهم لا يعملون أعمال إبراهيم بل أعمال إبليس. فإبراهيم لم يطلب أن يقتل إنساناً لمجرد أنه تكلم بالحق. وكل من يفكر في قتل البريء، يعمل عمل إبليس لا عمل إبراهيم. ومثله الكذب الذي تعوَّدوه، لأن «إبليس كذاب وأبو الكذاب».

ثم قال قولاً آخر، لا يجوز لمجرد بشر أن ينطق به. قال: «من منكم يبكّتني على خطيئة؟» اعترف سائر الأنبياء بخطاياهم بتذلل وأسف وحزن، فمن هذا الذي يقول هذا القول عن نفسه؟ لو كان بشراً فقط لحقَّ لنا أن نحسبه دون أولئك الذي أقرُّوا بأنهم خطاة. ثم قال أيضاً: «الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد». وهذا القول أيضاً لا يحقُّ لبشر.. إنه كلام ابن الله.

فَأَجَابَ ٱلْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَناً إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ، لٰكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي. أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلامِي فَلَنْ يَرَى ٱلْمَوْتَ إِلَى ٱلأَبَدِ». فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «ٱلآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَاناً. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَٱلأَنْبِيَاءُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلامِي فَلَنْ يَذُوقَ ٱلْمَوْتَ إِلَى ٱلأَبَدِ». أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي مَاتَ. وَٱلأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟»أَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئاً. أَبِي هُوَ ٱلَّذِي يُمَجِّدُنِي، ٱلَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلٰهُكُمْ، وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِباً، لٰكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ. أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ». فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَٱخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هٰكَذَا» (يوحنا 8: 48-59).

قال المسيح إنه الحق الذي يحرر، فاتَّهمه خصومه أنه «سامري وبه شيطان» وكذَّبوا قوله بأن من يحفظ كلامه لن يرى الموت إلى الأبد، بحجة أن أب الآباء إبراهيم وسائر الآباء والأنبياء ماتوا. فكيف لا يموت كل من يحفظ كلامه؟ وسألوه: «من تجعل نفسك؟» فجواباً على هذا قال القول الشهير الذي يثبت بلا مراجعة إعلانه إنه ليس بشراً فقط، لأن حياته لم تبتدئ كسائر البشر لما وُلد، بل إنه منذ الأزل. قال: «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي، فرأى وفرح» فقال له اليهود: «ليس لك خمسون سنة بعد، افرأيت إبراهيم؟» فأجابهم: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا 8: 58). فرفعوا حجارة ليرجموه. لقد أدركوا المعنى الخطير الذي أعلنه بقوله: «قبل إبراهيم أنا كائن» - هذا إعلان لألوهيته، فكيف رآه إبراهيم ما لم يكن صاحب طبيعة أخرى أزلية كانت من البدء (يوحنا 1: 1) وقوله: «أنا كائن» هو نفس الاسم الذي أعلن الله نفسه به يوم أرسل موسى لليهود «وَقَالَ: «هٰكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ (أي أنا كائن) أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ» (خروج 3: 14) - لقد فهموا أنه يقول إنه الله، ويدَّعي لنفسه الأزلية، فأرادوا أن يرجموه، لكنه أفلت منهم، لأن ساعته لم تأت بعد، فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى.

6 - شروط اتباع المسيح

«وَحِينَ تَمَّتِ ٱلأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذٰلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالا: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟» فَٱلْتَفَتَ وَٱنْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ ٱلنَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ». فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى» (لوقا 9: 51-56).

في رحلة المسيح الأخيرة من الجليل في الشمال إلى اليهودية في الجنوب، قصد أن يمرَّ بالسامرة، وهي الجزء المعروف باسم «عبر الأردن» في كلام النبي إشعياء عن الأراضي التي سوف يبصر شعبها نوراً عظيماً (إشعياء 9: 2).

وأرسل المسيح خبراً إلى قرية سامرية قصد أن يبيت فيها مع تلاميذه، فهاج التعصُّب السامري لما سمعوا بقدوم جماعة من اليهود مع هذا المعلم الشهير، متَّجهين إلى أورشليم ليؤدّوا فيها فروض الدين، لأن السامريين يتمسكون بوجوب تأديتها في جبلهم المقدس. ولربما أخذتهم أيضاً غيرة الحسد، فنفروا من المسيح لإِهماله بلادهم، وخدمته لخراف بيت إسرائيل الضالة وحدها في إحساناته العجيبة. ولربما استصعبوا تقديم الضيافة لعدد كهذا من المسافرين. فرفضوا قبوله.

لما عاد المرسَلون بخبر الرفض، استاء التلاميذ جداً من هذه الإِهانة لقائدهم العظيم، ولهم. كنا نتوقع تحمُّس بطرس في مقدمة القوم، لكن سبقه ابنا زبدي: يعقوب ويوحنا، اللذان سمّاهما المسيح «ابني الرعد» وأستأذنا منه أن يُنزِل ناراً من السماء تهلك هؤلاء السامريين. ألم تسقط في هذه المقاطعة قديماً نار من السماء بطلب النبي إيليا، فأهلكت مئة رجل من جنود الملك أخزيا الذين أرسلهم للقبض على النبي؟ (2 ملوك 1: 10). أوَلمْ يتعلما أمساً على جبل التجلي أن معلمهما أعظم من إيليا؟ فما دام الغضب الإِلهي حلَّ ناراً على الذين أهانوا إيليا، فكيف لا يُجازَى بمثل ذلك الذين أهانوا سيدهم الذي عرفا واعترفا أنه ابن اللّه ومسيحه؟

لكن في بعض الأمور لا يصلح الاقتداء بالأنبياء. وانتهر المسيح يعقوب ويوحنا، وقال: لستما تعلمان من أي روح يجب أن تكونا وأنتما في صحبتي. إن ما جرى حتى الآن أمامكما كافٍ لتعلما ما هو روح المحبة الذي فيَّ، والذي يجب أن يكون في تلاميذي أيضاً. فالروح الذي ساقكما إلى هذا الطلب لا يخلو من اندفاع الشباب وانتقام الكبرياء. فهل رأيتما فيَّ شيئاً من هذا؟ قد ساقكما روح التعصب المذهبي الذي نشأتما عليه، فكنتما تحسبان هؤلاء السامريين كلاباً نجسة، فاستصعبتُما احتمال الإِهانة ممَّن تحتقرانهم. فهل رأيتما هذا فيّ؟ لما هاج عليّ جمهور الناصرة وجرُّوني إلى حافة الجبل ليقتلوني - هل عاقبتُ أحداً منهم؟ ولما قاموا عليّ في اليهودية ليرجموني، هل انتقمت من إنسان؟ ولما طردوني من كورة الجدريين، هل قاومتُ أحداً لذلك؟ ألم أقل تكراراً: «أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلى مبغضيكم». فكيف تطلبان الآن أن تُفنيا بنار من السماء أهالي هذه القرية؟ ألستما تعلمان بعد كل هذا أني لم أت لأهلك الناس جسداً أو نفساً، بل لأخلصهم؟

رفض المسيح اقتراح تلميذيه بإحراق السامريين الذي رفضوه، وانتقل مع تابعيه إلى قرية أخرى. ويُرجَّح أن موقعها وراء الحدود السامرية، وقدم بذلك مثالاً للطف والحلم والوداعة في احتمال عمل سخيف. كانت أعمال الشفاء في هذه الرحلة أكثر من كافية لتشغل كل أوقاته، لكن البشير يقول: «وكعادته كان أيضاً يعلّمهم» لأن اهتمامه الأول بالتعليم الروحي. وهذا درس لجميع الذين يشتغلون في أعمال الرحمة للأجساد، أن يرافقوها بالتعاليم الروحية لأجل النفوس.

ثلاثة أمثال

«وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي ٱلطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَوْكَارٌ