COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

سيرة المسيح

الكتاب الرابع: معجزاته العظيمة

هذا الكتاب

يسر أسرة «نداء الرجاء» أن تصدر هذا الكتاب عن حياة السيد المسيح، في سبعة أجزاء.

وقد كتب هذا الكتاب في مجلد واحد باللغة العربية الدكتور جورج فورد في أوائل العشرينات من هذا القرن، بعنوان «كتاب القول الصريح في سيرة يسوع المسيح».

وقد قام محررو نداء الرجاء بإعادة كتابته في الصورة التي تراها الآن.

ونحن نأمل أن يتعرَّف القارئ الكريم على المسيح بطريقة شخصية، وأن يكون شعاره «نحن نحبه لأنه هو أحبّنا أولاً».

أسرة «نداء الرجاء»

1 - المعمدان يشك في المسيح

«فَدَعَا يُوحَنَّا ٱثْنَيْنِ مِنْ تَلامِيذِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَسُوعَ قَائِلاً: «أَنْتَ هُوَ ٱلآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ ٱلرَّجُلانِ قَالا: «يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ قَدْ أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ قَائِلاً: أَنْتَ هُوَ ٱلآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» وَفِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ شَفَى كَثِيرِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَدْوَاءٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ، وَوَهَبَ ٱلْبَصَرَ لِعُمْيَانٍ كَثِيرِينَ. فَأَجَابَ يَسُوعُ: «ٱذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ ٱلْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَٱلْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَٱلْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَٱلصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَٱلْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَٱلْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لا يَعْثُرُ فِيَّ» (لوقا 7: 19-23).

وبخ يوحنا المعمدان الملك هيرودس لأن الملك اغتصب زوجة أخيه وأخذها، وغضب الملك وأمر بسَجْن المعمدان في قلعة مخيروس في بيرية حيث بقي أكثر من سنة. إلا أن سجنه لم يمنع تردد تلاميذه عليه، فأخبروه بمعجزات المسيح المتكاثرة، ولا سيما بأعجبها وهي إقامة الشاب الميت، ابن أرملة نايين. وأخبروه أيضاً كيف تتبع الجماهير المسيح وتُدهَش لأقواله وأفعاله.

وكان المعمدان في الماضي قد أعلن اعتباره وشدة حبه للمسيح، وهو لا يرتاب في حب المسيح له - فكيف لا يسأل المسيح عنه في سجنه هذه الأشهر الطويلة؟ أليس هو المسيح الموعود به، نصير المظلوم؟ فأي ظلم أفظع من هذا الذي أصابه، بسبب صلاحه وغيرته على الصلاح؟ فكيف لا يمدُّ له المسيح نسيبُه وحبيبه، يده القديرة لينتشله من هذا الضيق والخطر، ولو اقتضى الأمر إجراء معجزة؟ ولعل يوحنا كان ينتظر أن يكون ملكوت المسيح زمنياً، محاطاً بالمجد: أين هذا الملكوت الذي بشرتُ أنا باقترابه؟ وأين المحبة والرأفة التي يُنتظَر ظهورها في المسيح ملك هذا الملكوت؟ ولما كان المعمدان بشراً معرَّضاً للسقوط في الخطأ، فلا بد أن استولى عليه الشك والقنوط أحياناً في مرارة ظروفه المتغيّرة، خصوصاً بعد كل ما كان له من الحرية والسطوة والعظمة. ويصعب جداً على رجل في عزِّ قوته أن يُقيَّد بلا عمل، بعد سنتين كلها عمل بهمة ونشاط. ففي ذات يوم خار عزمه وفرغ صبره، فأرسل اثنين من تلاميذه الأمناء إلى المسيح ليسألاه إنْ كان هو حقاً المسيحَ الموعود به، أو أن المسيح الحقيقي سيأتي بعده.

والتقى تلميذا يوحنا بالسيد المسيح وسألاه: «أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» فأجرى المسيح أمامهما معجزات، ثم قال: «طوبى لمن لا يعثر فيَّ». ونستنتج من إجابة المسيح على تلميذي يوحنا أن سؤال المعمدان نتج عن شكوك حقيقية، يُلام عليها، بعد كل ما قد رآه وسمعه وشهد به في برية الأردن. فتكون هذه زلة وإنْ كانت وحيدة، ذُكرت لرجل اللّه العظيم هذا، كما ذُكرت زلات لغيره من الأنبياء والرسل، وقد صلى نبي الله داود «اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا! مِنَ ٱلْخَطَايَا ٱلْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي» (مزمور 19: 12) لكن «ٱلصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ» (أمثال 24: 16) وقد وجهت الشكوكُ المعمدانَ ليتوجه إلى المسيح، لا ليبتعد عنه.

يتظاهر بعض الناس بالشكوك الدينية بدافع الادّعاء. أو لأجل غايات أنانية. مع أن المتظاهرين بها لا يعتقدون بصحة ذلك، ودينونة هؤلاء ظاهرة.

وهناك شكوك ناتجة عن تمسك أصحابها بخطايا معينة، ولا يمكن اهتداء هؤلاء إلى الحقيقة ما لم يتركوا أولاً تشبُّثهم بخطاياهم، سواء كانت علنية أو خفية.

أما الشكوك الناتجة عن قلة المعرفة فقط، فالأمل قوي بزوالها بواسطة الدرس والسؤال، وطلب الهداية الإِلهية، وعمل الواجب الحاضر في حينه بكل أمانة وإخلاص.

ولما كان المعمدان مزيجاً من المحبة والغيرة والتواضع، مع شيء من الخوف والميل الطبيعي إلى القنوط، فلا بد أن تكون النتيجة أخيراً انقشاع غيوم الشكوك وبزوغ شمس اليقين التام، وهذا ما جرى معه.

زعم البعض أن المعمدان لم يشك، بل قصد أن يأخذ رسولاه من المسيح جواباً مقنعاً لهما على هذا السؤال الجوهري، يفيد سائر تلاميذه. فإنْ صدق هذا الفرض يكون المعمدان في آخر خدمته، قد سعى ليهدي الناس إلى المسيح الأعظم منه، الذي يأتي بعده والذي هو قبله.

شاء الآب في حكمته وحبه أن يموت المعمدان شهيداً ليحصل على مجد مضاعف في أبديته، وليعطينا نموذجاً مؤثِّراً للجرأة الدينية التي لا تهاب إنساناً في اتِّباع الأوامر الإِلهية ولو كان ملكاً، ويكون مثالاً للمجاهرة بالدين الحق ومبادئه. ولهذا لم ينقذ المسيح المعمدان في ضيقه.

جواب عملي

فضَّل المسيح أن يجيب على سؤال المعمدان بالأفعال قبل الأقوال «ففي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة، ووهب البصر لعميان كثيرين». وبعد هذا البرهان النظري الوافي بأنه المسيح، أفهم الرسولين أن يبلغا مرسِلهَما الكريم خبر ما رأيا وسمعا من معجزاته وتعاليمه، وخصَّ بالذكر علامة روحية، هي أن شخصاً قد أحرز شهرة وأظهر سلطاناً بهذا المقدار، ثم يعتني بتبشير المساكين، لا يمكن إلا أن يكون المسيح. ألم يعْطِ النبيُ العظيم هذه العلامة في قوله: «يَزْدَادُ ٱلْبَائِسُونَ فَرَحاً بِٱلرَّبِّ، وَيَهْتِفُ مَسَاكِينُ ٱلنَّاسِ بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ» (إشعياء 29: 19) وأيضاً «ٱلرَّبُّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ» (لوقا 4: 18).

«فَلَمَّا مَضَى رَسُولا يُوحَنَّا، ٱبْتَدَأَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا ٱلرِّيحُ؟ بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لابِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا ٱلَّذِينَ فِي ٱللِّبَاسِ ٱلْفَاخِرِ وَٱلتَّنَعُّمِ هُمْ فِي قُصُورِ ٱلْمُلُوكِ. بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ! هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاكِي ٱلَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ! لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ، وَلٰكِنَّ ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ أَعْظَمُ مِنْهُ».وَجَمِيعُ ٱلشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَٱلْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا ٱللّٰهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَٱلنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ ٱللّٰهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ»(لوقا 7: 24-30).

أعلن المسيح في جوابه على سؤال المعمدان أهمية العمل، برهاناً قاطعاً لمزايا الشخص. فإنْ كان هو المسيح حقاً، يتضح ذلك من أعماله أكثر من أقواله. ولكنْ لئلا يُؤخذ سكوته، ثم كيفية جوابه، ثم تخلّيه عن إنقاذ المعمدان، دليلاً على عدم اهتمامه بالمعمدان الشهم الغيور المعتبَر عند الشعب أنه من أنبياء اللّه، أسرع المسيح في مدحه حالما انصرف رسولا المعمدان راجعيْن إليه. لم يشأ أن يبلغ مديحه هذا آذان المعمدان، لئلاّ يظن أنه فقط من باب التعزية أو الترضية أو التمليق، ولأن المدح في غياب الممدوح تكون قيمته مضاعفة.

ذكَّر المسيح الجمهور بأيام نجاح المعمدان، حين كان بعض سامعيه بين الجماهير المتقاطرة إليه في البرية، تاركين الأوطان والأشغال، وطالبين أن يسمعوه ويعتمدوا منه. سأل المسيح الجمهور: هل وجدوا المعمدان آنئذٍ رجلاً متقلِّباً تزعزعه المخاوف أو المطامع، فيشبه قصبةً تحرّكها الريح؟ أليس ثباته وعزمه وحزمه سبب وجوده في ذلك السجن المخيف؟ إذاً لا يجوز اتّخاذ سؤاله بواسطة رسوليْه أساساً للحكم بأنه رجل ضعيف ومتقلِّب.

وسأل المسيح الجمهور أيضاً إن كانوا قد وجدوا المعمدان رجلاً محبّاً للذات يطلب التنعُّم والرفاهية، حتى يروا بين كلامه وسلوكه تناقضاً يمنع من اتّباع إرشاداته. ألم يجدوا بخلاف ذلك أنه يسلك في منتهى إنكار الذات، ويعطي نفسه كلها لخدمة اللّه بواسطة خدمته للبشر؟

فإن اعتبروه نبياً فقد أصابوا العلم. لكنه أيضاً أعظم من نبي. لأن لا موسى بتسليمه الشريعة للشعب بعد إخراجهم من عبودية مصر، ولا إيليا بمقاومته عبادة الوثن وصنُعْه المعجزات المدهشة، ولا داود برعايته شعب إسرائيل كملكٍ مدة أربعين سنة وإعطائه العالم مزاميره الشهيرة، قد خدموا العالم خدمةً جوهرية مثل خدمة المعمدان، الذي هيّأ الطريق للمسيح الموعود به، ثم دلَّ الناس عليه.

إنْ صحَّ من كتب: «الخَلْق عيال اللّه، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله» يكون المعمدان من أحب الناس إلى الله. وتؤيد ذلك شهادة المسيح عنه، إذ قال: «الحق أقول لكم إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان». وهذا يعني أنه أعظم من كل نبي وُلد ولادة طبيعية - فيُستثنَى المسيح من ذلك - وقد فاق المعمدان كل الأنبياء في أنه أقربهم إلى المسيح. وأكمل المسيح كلامه هذا بالقول: «ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه». وهذا يعني أن أدنى مركز في العهد الجديد هو حظٌ أعظم من أرفع مركز في العهد القديم، لأن مؤمن العهد الجديد يدرك أكثر من مؤمن العهد القديم أن ملكوت المسيح ملكوت روحي، وأنه قد جاء ليفدي شعبه بموته.

ثم وبخ المسيح رؤساء اليهود لأنهم من الناس الذين يصح فيهم القول إن «الأولين يكونون آخِرين». فبدلاً من أن يكونوا في مقدمة المستفيدين من خدمة المعمدان في الوعظ والتعميد، بسبب معارفهم ووظيفتهم «رفضوا مشورة اللّه من جهة أنفسهم غير معتمدين منه». بينما العشارون المحتقرون «برروا اللّه معتمدين بمعمودية يوحنا» إذْ أقروا بصلاح اللّه الذي ظهر في كرازة المعمدان. وقال المسيح إن رؤساء اليهود انتقدوا يوحنا المعمدان لابتعاده عن الناس، ولاختياره العيشة التقشُّفية قائلين إن به شيطاناً، فرفضوه. ثم انتقدوا المسيح لاقترابه من الناس، واختياره العيشة الطبيعية، مشتركاً معهم في أفراحهم وأتراحهم، فقالوا عنه: «هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ» (متى 11: 19) فرفضوه أيضاً. وأثبتوا بذلك أنهم غير مخلصين في توجيه التهمتين. وأوضحوا أنه لا يؤمل ظهور الحكمة الحقيقية وتزكيتها إلا في أهلها الحقيقيين.

عزيزي القارئ، افتح قلبك لتقبل المسيح طريق اللّه الوحيد للخلاص، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً.

2 - المسيح يزور فريسياً

«وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ ٱلْفَرِّيسِيِّ وَٱتَّكَأَ. وَإِذَا ٱمْرَأَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ ٱلْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَٱبْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِٱلدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِٱلطِّيبِ. فَلَمَّا رَأَى ٱلْفَرِّيسِيُّ ٱلَّذِي دَعَاهُ ذٰلِكَ، قَالَ فِي نَفْسِهِ: «لَوْ كَانَ هٰذَا نَبِيّاً لَعَلِمَ مَنْ هٰذِهِ ٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئِةٌ!» (لوقا 7: 36-39).

دعا فريسي اسمه سمعان المسيح ليتناول الطعام على مائدته مع أناس آخرين، فلبّى المسيح الدعوة. ونحن نجهل قصد سمعان من هذه الدعوة، لأننا نجهل صفاته. قد يكون قصده بسيطاً لكي يكرم إنساناً شهيراً ويرى أعماله ويسمع أقواله. وقد يكون قصده خبيثاً لكي يخدم أفكار زملائه فريسيي اليهودية ويصطاد يسوع بكلمة. أما قصد المسيح في قبول الدعوة فواضح لأننا نعلم صفاته ومبادئه، فقد أحب خصومه مع أنهم قصدوا أن يهلكوه. وبرهن على غيرته أنه يغتنم كل فرصة ليصيد النفوس، سواء كانت من أدنياء القوم أو عظمائهم.

ومع أن سمعان كان يحترم المسيح، بسبب معجزاته وانتشار صيته كنبيّ، إلا أنه كان يزدري به بعض الازدراء بالنظر إلى أصله الناصري، وإلى عدم تخرُّجه من إحدى مدارسهم العالية، وإلى معيشته الفقيرة.

وكان يحتقره من الوجه الديني لعدم قيامه بالعوائد والتقاليد الفريسية. لذلك لم يقدم للمسيح الاحترام والخدمة حسب العادات الجارية في الضيافة. ويظهر أنه اعتبر مجرد دعوته شرفاً كافياً لهذا الناصري.

وانتشر في المدينة خبر قبول المسيح دعوة سمعان، وربما انتشر أيضاً خبر تقصير سمعان في إكرامه الواجب، فتحمست لذلك امرأة في المدينة كانت خاطئة، لم تتحمل معاملة التحقير لهذا المعلم والنبي الفاضل، فقصدت أن تعوّض عن ذلك التقصير في إكرامه، فجاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه، لأنها تعرف مقامها الدنيء في أعين المجتمعين، وتشعر بثقل خطاياها الماضية. فلم تجسر أن تتقدم لتسكب هذا الطيب الثمين على رأس المسيح، فاستبدلت رأسه بقدميه. ألا يحق لنا أن نعتبرها من المتعَبين والثقيلي الأحمال، الذين سمعوا دعوته السامية منذ ساعات قليلة، وأنها قبلت الدعوة وأتت إليه بالتوبة والإيمان؟

نراها واقفة وراء تدهن قدميه بالطيب. لكن أطيب من الطيب دموع توبتها السخية التي تتساقط وتمتزج مع الطيب، لأن بعضها محزنة بسبب ماضيها المعيب وبعضها مفرحة بسبب شكرها لأجل الغفران الجديد الذي وجدت فيه راحةً لنفسها. فعملها هذا الإكرامي مألوف عند الناظرين. لكن غير المألوف رؤية امرأة شريرة تذرف دموع التوبة أمام عيونهم، مع الاحترام الذي جعلها تمسح قدمي هذا المعلم بأعزّ ما لديها أي شعرها. ولعلهم نسبوا ما فعلته إلى أنها سكرى بالخمر. ولم يدركوا أنها فعلت فعل المستعصي المتذلل، ثم الآخذ الشكور، فقبلّت قدمي المسيح الذي قادها للتوبة والخلاص.

كان سمعان الفريسي يتحاشى العشارين والخطاة تماماً، فاستاء جداً من دخول المرأة الخاطئة بيته، ومن العمل الذي قامت به للمسيح - ولا بد أنه استغرب كيف يقبل المسيح ما عملته به هذه المرأة. ألا يعلم من تكون؟ إن كان المسيح يعلم فقد أخطأ بقبول لمساتها له. وإنْ لم يكن يعلم فهو ليس نبياً. دارت هذه الأفكار في عقل سمعان الفريسي - ولكنه لم يقل منها شيئاً. وعرف المسيح ما جال في فكر سمعان، فوجَّه إليه مثلاً، ثم سأله سؤالاً.

«فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا سِمْعَانُ عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ». فَقَالَ: «قُلْ يَا مُعَلِّمُ». «كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى ٱلْوَاحِدِ خَمْسُ مِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى ٱلآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعاً. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبّاً لَهُ؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ: «أَظُنُّ ٱلَّذِي سَامَحَهُ بِٱلأَكْثَرِ». فَقَالَ لَهُ: «بِٱلصَّوَابِ حَكَمْتَ». ثُمَّ ٱلْتَفَتَ إِلَى ٱلْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «أَتَنْظُرُ هٰذِهِ ٱلْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِٱلدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِٱلطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا ٱلْكَثِيرَةُ لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيراً. وَٱلَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلاً». ثُمَّ قَالَ لَهَا: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ». فَٱبْتَدَأَ ٱلْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: «مَنْ هٰذَا ٱلَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضاً؟». فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ! اِذْهَبِي بِسَلامٍ» (لوقا 7: 40-50).

كان لمداين مديونان، واحد مديون بخمسين ديناراً، والآخر مديون بخمسمئة. وسامح المداين المديونيْن - فمَنْ منهما يحبُّ المداين أكثر؟ فأجاب سمعان: «أظن الذي سامحه بالأكثر».

كان المسيح يريد أن يقول لسمعان إنه هو المديون بالقليل، أما المرأة الخاطئة فهي المديونة بالكثير. قارن المسيح دموعها التي سكبتها على رجليه ونشفتهما بشعر رأسها بالماء الذي لم يقدمه سمعان لغسلهما. وقارن تقبيلها لقدميه بالقُبلة التي لم يطبعها سمعان على وجنتيه. وقارن الطّيب الثمين الذي سكبته، بالزيت الرخيص الذي بخل به سمعان عليه. وفسر قصدها الشريف بأنه طلب المغفرة منه على خطاياها الجسيمة، وأنه منحها الضمان بأنه قد استجاب هذا الطلب. فشكْرُها الحبي للذي منح الغفران جاء نتيجة لشعورها بعظم آثامها. وأما سمعان فلأنه لم يشعر بعظم آثامه، ولم يشعر أيضاً بالشكر الحبيّ نظيرها، فلم يفهم شعورها.

وقول المسيح: «قد غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً» يؤخذ مع المَثَل الذي أوضح فيه المسيح لسمعان أن الخاطئ يحب كثيراً لأنه غُفر له كثير. فلا يستنتج أن محبة الخاطئ لله تسبق المغفرة وتكون سببها، بل عكس ذلك هو الصحيح. في القولين ليس المقصود أن الذي يحب كثيراً يُغفر له لأنه أحب، بل إن الذي يُغفر له كثيراً يحب كثيراً لأنه غُفر له الكثير.

ثم قال المسيح للمرأة: «مغفورة لك خطاياك». ولما عرف المسيح أن الحاضرين ينتقدونه، كما سبق أن انتقده أهل كفر ناحوم على غفرانه لخطايا المفلوج، قال للمرأة: «إيمانك قد خلَّصك. إذهبي بسلام». وكل من يغفر الله له الكثير يجتهد أَلا يعود إلى الخطية التي غفرها الله له.

ولا زال المسيح إلى يومنا، المخلِّص الذي يغفر للخاطئ ويردُّه عن ضلال طريقه. هل وجدت هذا المخلِّص الذي ليس بأحدٍ غيره الخلاص؟

3 - أقرباء المسيح الحقيقيون

شفاء مجنون أعمى أخرس

«حِينَئِذٍ أُحْضِرَ إِلَيْهِ مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَسُ فَشَفَاهُ، حَتَّى إِنَّ ٱلأَعْمَى ٱلأَخْرَسَ تَكَلَّمَ وَأَبْصَرَ. فَبُهِتَ كُلُّ ٱلْجُمُوعِ وَقَالُوا: «أَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ دَاوُدَ؟» أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: «هٰذَا لا يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ إِلا بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ». فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لا يَثْبُتُ. فَإِنْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يُخْرِجُ ٱلشَّيْطَانَ فَقَدِ ٱنْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ وَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذٰلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ! وَلٰكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ ٱللّٰهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ! أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟» (متى 12: 22-29).

جاء الناس للمسيح بمريض مصاب بثلاث علل: كان مجنوناً، أعمى وأخرس. فلما شفاه تماماً من العلل الثلاث، تهلل الجمهور متسائلاً إن كان هذا المحسن المقتدر هو مسيحهم ابن داود. أما الفريسيون والكتبة الذين نزلوا من أورشليم ليراقبوه فلم يقدروا أن يسكتوا على عواطف الحب والاحترام التي بدأت تظهر في الجمهور، فاستعانوا بسطوتهم السياسية ليبعدوا الجمهور عنه، وقالوا إنه آلة في يد «بعلزبول رئيس الشياطين». وأذاعوا هذا الحكم بين القوم على غير مسمع من المسيح. لكن المسيح عالم الخفايا، أدرك ما أذاعوه، وأوضح لهم مرة أخرى طبيعته السماوية في علمه الخفايا، دون أن يرى أو يسمع. فدعاهم إليه وابتدأ يفنّد حكمهم الشرير.

وقد دفع المسيح تهمة شيوخ اليهود له بدفاع مثلث:

  1. لا يمكن أن إبليس يساعد المسيح الذي يقاومه ويخطف من يده فرائسه من البشر. لو أن الشيطان فعل ذلك لسقطت مملكته، لأن انقساماً حدث في بيته. ولا يمكن أن إبليس يُخرج شيطاناً من إنسان، وإلاّ هلكت مملكته. والشيطان لا يفسد عمله في العالم عمداً.

  2. أما الدفاع الذي دافع به المسيح، فهو أن بعض اليهود كانوا يدَّعون أنهم يُخرجون شياطين، فإذا صحَّ الاتهام على المسيح أنه بقوة الشيطان يخرج الشياطين، يصح أيضاً على كل اليهود الذين يقولون أنهم يخرجون شياطين. وعندما يُثبت أولئك كذب كلام شيوخ اليهود، فيكونون القضاة الذين يدينونهم. وعندما يعلن أولئك اليهود أنهم يطردون الشياطين بقوة الله يسكتون شيوخ اليهود.

  3. ثم قال المسيح إن إخراج الشياطين هو من عمل روح الله، الذي يعلن قدوم ملكوت المسيح الجديد. فإن المسيح قد هاجم الشيطان القوي وقيَّده وأخذ فرائسه من بين أسنانه. عندما أخرج المسيح الشياطين من المسكون برهن أنه المخلِّص القوي القادر أن يخلص إلى التمام. فكيف يكون المسيح شريك الشيطان وهو الذي قيده بسلسلة سلطانه؟

أليس غريباً أن الفريسيين رأوا في معجزات المسيح ناحية القوة فقط، ولم يروا فيها ناحية الرحمة؟ عند الشيطان قوة فائقة ولكن بلا رحمة، فكيف أغفل شيوخ اليهود عنصر الرحمة في معجزات المسيح، ولم يفطنوا إلى ما هو ظاهر كعين الشمس، وهو أن طبيعة الشيطان وكل أعماله منافية تماماً لأعمال الرحمة والخير؟ فما أعظم عماهم وهم ينسبون إلى الشيطان الأعمال الخيرية، التي لا يمكن أن يقوم بها إلا صانع الخيرات!

الحياد في الدين مستحيل

«مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ» (متى 12: 30).

بعد أن شرح المسيح أن معجزاته هي من عند الله، أثبت أننا لا يمكن أن نقف موقف الحياد في الدين، فكل إنسان يكون في صف المسيح أو ضده. إن الذي لا يعمل أعمال الله، فهو من إبليس. فهو لا يجمع معه بل يفرق، لأن الجميع أصلاً في خدمة عدوه إبليس، ولا يكونون قد تركوا خدمته الطبيعية فيهم إلا بانتقالهم عمداً إلى خدمة المسيح.

في العالم الروحي مملكتان فقط، والحرب بينهما لا تهدأ ولا تنتهي. لا صلح ولا هدنة بين هذين الضدين. مملكة الله (مملكة النور والحق والبر) ومملكة الشيطان (مملكة الظلمة والبُطل والإثم). وموقف الحياد فيهما مستحيل على كل إنسان.

لم يفعل المسيح معجزاته إلا بقوة الروح القدس الذي لم يعطَ بالكيل بل بفيضان. وكان هذا الروح دائماً يقود الإنسان يسوع المسيح ويقويه. ولقد أهان شيوخ إسرائيل الروح القدس إذ نسبوا فعله إلى بعلزبول، فأدانهم المسيح بسبب إضلالهم للشعب. لقد سبق أن حكم الرؤساء على المسيح حكماً ظالماً لما قال للمفلوج: «مغفورة لك خطاياك» - وها هو المسيح الآن يثبت عليهم حكماً عادلاً بأنهم جدفوا في ما افتكروه وقالوه في أمر إخراج الشياطين.

في قلب حكم المسيح الصارم هذا على الرؤساء، أعلن أعظم تعزية لعالم الخطاة وهي أن الغفران الإلهي يشمل جميع الخطايا، مهما كان جُرمها، متى تقدَّم الخاطئ في توبة حقيقية مع إيمان. لم يبق لأعظم الخطاة عذر يعطلهم عن الخلاص من الخطايا ونتائجها، ولم يبق موجب لليأس لأي خاطئ تفاقمت شروره وأحب أن يقدم التوبة ويطلب الغفران. ويؤيد كلام المسيح هذا قول الله على فم النبي إشعياء: «هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَٱلدُّودِيِّ تَصِيرُ كَٱلصُّوفِ» (إشعياء 1: 18).

التجديف على الروح القدس

«لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لا فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَلا فِي ٱلآتِي» (متى 12: 31، 32).

أظهر المسيح لرؤساء اليهود وللعالم، نوعاً واحداً من الخطايا يُستثنى من رجاء الغفران، وهو التجديف على الروح القدس، ذلك أن التوبة الحقيقية هي بفعل هذا الروح القدس. فالذي يهين الروح القدس يمنع فعله فيه ويحرم نفسه الواسطة الوحيدة للتوبة والغفران الذي يتبع التوبة. وكل من يخاف التجديف على الروح القدس يبرهن برهاناً قاطعاً أنه لم يجدف، لأن الذي يجدف على الروح القدس يفقد تماماً كل شعور روحي، ويضيع منه كل رجاء بالغفران، لأن الرجاء بتوبته مفقود، لعدم مبالاته كلياً بهذه الأمور، إذ أن ضميره قد مات، فرفض التوبة عن عمد، وأصر أن يختار الظلمة، إلى أن تركه الروح الإلهي لقساوة قلبه.

في كلام المسيح عن التجديف على الروح القدس، ودرجة شر ذلك، إثبات لحقيقة شخصية ذلك الروح، وإثبات لحقيقة التثليث في الله الواحد.

من فضلة القلب يتكلم الفم

«اِجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً، أَوِ ٱجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً، لأَنْ مِنَ ٱلثَّمَرِ تُعْرَفُ ٱلشَّجَرَةُ. يَا أَوْلادَ ٱلأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ. اَلإِنْسَانُ ٱلصَّالِحُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلصَّالِحِ فِي ٱلْقَلْبِ يُخْرِجُ ٱلصَّالِحَاتِ، وَٱلإِنْسَانُ ٱلشِّرِّيرُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلشِّرِّيرِ يُخْرِجُ ٱلشُّرُورَ. وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلامِكَ تُدَانُ» (متى 12: 33-37).

نبَّه المسيح أفكار سامعيه إلى أن الكلام ثمر الأفكار، ولا يصلح الكلام إلا إذا صلُحت الأفكار أولاً. لا تقدر أفكار الرؤساء الشريرة الكاذبة أن تأتي بكلام صالح، ولذلك فإنهم يستحقون اللقب الذي رشقهم به المعمدان في أيام سطوته، وكرره المسيح بتسميتهم: «أولاد الأفاعي». كان سمُّهم موروثاً، فهو لهذا السبب أصعب وأردأ. في هذه القرينة لفظ المسيح بحكمة جوهرية ثمينة. قال: «من فضلة القلب يتكلم الفم». وعلّم أنه حتى على الكلمة الواحدة البطالة يجري الحساب يوم الدين، لأنها تكفي للدلالة على حالة القلب الفاسدة، التي هي الأساس الحقيقي للدينونة.

اليهود يطلبون معجزة

«حِينَئِذٍ قَالَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً». فَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلا آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ ٱلْحُوتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَالٍ، هٰكَذَا يَكُونُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي قَلْبِ ٱلأَرْضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَالٍ. رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هٰهُنَا! مَلِكَةُ ٱلتَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هٰهُنَا! إِذَا خَرَجَ ٱلرُّوحُ ٱلنَّجِسُ مِنَ ٱلإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلا يَجِدُ. ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي ٱلَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً. ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ. هٰكَذَا يَكُونُ أَيْضاً لِهٰذَا ٱلْجِيلِ ٱلشَّرِّيرِ» (متى 12: 38-45).

طلب شيوخ اليهود من المسيح آية يتفرجون عليها، فاستحقوا على عماهم الروحي هذا تأنيباً جديداً مُرّاً، إذ قال لهم: «جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي». الجيل فاسق، لأن الفسق الحقيقي الأصلي هو الابتعاد القلبي عن حب الله، والتمسك بحب غيره. والفسق المتعارف بين الناس هو رمز لذلك. يتظاهرون كأنهم مستعدون أن يؤمنوا بالمسيح، إن هو أشبعهم بالآيات مع أن المعجزات التي شاهدوها تزيد عما يحتاجونه ليقتنعوا بأنه مسيحهم المنتظر، وكانت توجب عليهم الإيمان به. أمثالهم كثيرون في كل الأجيال. هؤلاء يعتذرون في رفضهم الدين، بما يسمُّونه النقص في البيّنات، بينما الواقع هو أنهم لا يريدون أن يؤمنوا، ولا يؤمنون ولو زادت البراهين أضعافاً.

وقد أحالهم المسيح على آية يونان النبي المألوفة جيداً عندهم، لأن فيها إشارة نبوية إلى قصده أن يمكث في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليال. وقد برهن اقتباس المسيح هذا صدق قصة يونان تاريخياً، فكل ما نعهده في المسيح يكذّب الزعم أنه يتّخذ خرافة يمثّل بها عمله العظيم في موته الفدائي. إذاً قصة يونان والحوت ليست خرافة، لأن المسيح علّق عليها تعليقاً مهماً، فشرح أن الله سيفضِّل في يوم الدين رجال نينوى الوثنيين، وملكة التيمن الوثنية، على هؤلاء المدَّعين أنهم رجال الله، لأن أهل نينوى تابوا عند مناداة يونان، ولأن ملكة التيمن الوثنية آمنت بسليمان وقصدته من بعيد. بينما المسيح الذي هو أعظم جداً من يونان ومن سليمان، ظهر لهم وكلَّمهم بكلام الحكمة السماوية ولم يؤمنوا به.

شبَّه المسيح ذلك «الجيل الشرير الفاسق» برجل خرج منه شيطان كان ساكناً فيه، ثم عاد إليه ترافقه سبعة أرواح أُخر أكثر شراً منه، فهُمْ على زمان المعمدان ذهبوا إليه وقدموا توبة من خطاياهم وقبلوا معموديته، لكن لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح، ولم يقبلوا روحه القدس ليسكن فيهم، أبقوا قلوبهم فارغة، فعادت إليهم شرورهم القديمة متجددة أضعافاً. ثم أكّد المسيح أن أواخر الجيل الشرير الذي كان يكلّمه تصير شراً زمن الخراب الهائل والعذاب المخيف الذي سماه المسيح «ضيقٌ عظيمٌ لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن، ولن يكون».

أما الفائدة التي نتعلمها من هذا المثل، فهي أن مجرد ترك الشرور يكون عبثاً لو لم يملأ الإنسان مكانها بالخيرات، التي هي ضد تلك الشرور - وإلا فتعود الشرور القديمة ترافقها شرور جديدة إلى القلب الذي طردها، لأن فراغ القلب مستحيل. وما لم يحل روح الله ويسكن القلب الذي يخرج الشيطان منه، فإن الشيطان يرجع متنشطاً أكثر، ويمتلك القلب امتلاكاً مضاعفاً. والعودة إلى الخطيئة شرٌّ جداً من ارتكابها أولاً.

أقرباء المسيح الحقيقيون

«وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ». فَأَجَابَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟» ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلامِيذِهِ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي. لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي» (متى 12: 46-50).

لما سمع أقرباء المسيح أن الازدحام زاد عليه وعلى من معه، حتى أنهم لم يجدوا وقتاً للأكل، خرجوا ليمسكوه باعتبار أنه «مختل العقل» (مرقس 3: 21) وكان الواجب أن يدركوا أن ليس الغيور في الدين هو المختل، بل الفاتر في الدين.

هل يمكن أن نقدّر مرارة الحزن التي تولَّدت في قلب المسيح المحب، عندما جاءت أمه مع إخوته ليحجزوا عليه كمختل، لكنهم لم يقدروا أن يصلوا إليه لسبب الجمع المزدحم من حوله؟ أليس غريباً أن درجة الحماسة والتفاني التي يحسبها الناس نشاطاً، ويمدحونها كحكمة في جمع المال، أو مقاومة الخصوم، أو تحصيل العلوم، يعتبرونها جنوناً إن كانت في خدمة الدين والإصلاح؟ فلما منع الازدحام أقرباء المسيح من الوصول إليه كلَّفوا بعض الواقفين أن يقولوا له: «هوذا أمك وإخوتك واقفون خارجاً يريدون أن يروك، طالبين أن يكلّموك». وكانوا يأملون أن يخرج ليكلّمهم خارجاً، فيسهل لهم أخذه معهم ولو قسراً، ليستعملوا الوسائط اللازمة لشفائه من هذا الاختلال العقلي الذي اتّهموه به ظلماً وجهالة.

وانفتح للمسيح بهذا الطلب باب مناسب ليعلّم أهله، ثم تلاميذه، ثم جمهور سامعيه، أموراً جوهرية، يأمل رسوخها في أذهانهم. علّمهم أنه ليس من هذا العالم، فهو لا يعتبر أحداً من البشر أُمّاً حقيقياً أو إخوة حقيقيين له، كغيره من البشر. فقد زالت العلاقة الوقتية الجسدية مع أهل بيته، وحلّت محلها العلاقة الدائمة الروحية، التي تربطه، مستقلة عن الروابط الجسدية، مع كل الذين يتّحدون به اتحاداً روحياً. أعلن كل هذا في سؤاله للذي كلَّمه: «من هي أمي، ومن هم إخوتي؟» ثم مدَّ يده نحو تلاميذه (من رجال ونساء) وقال: «ها أمي وإخوتي. أمي وإخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها. لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي».

كانت محبة المسيح لأمه مريم العذراء واحترامه لها ومحبته لإخوته حسب الجسد أشد وأنقى من محبة أي إنسان كان لذويه، فالمسيح مثال الكمال في هذا الأمر، كما في غيره. لكن أمانته وحبه لأقربائه هؤلاء تخضع كل الخضوع لأمانته وحبه للآب الذي أرسله. كما تخضع أيضاً للمحبة الروحية التي تربط أولاد هذا الآب الروحيين معه كإخوة حقيقيين. ومن جواب المسيح هذا نرى أن كل الذين يعملون مشيئة الآب يكونون أقرب البشر إليه وأعزهم عنده.

وللقارئ العزيز أن يتخيل مقدار تعزية رسل المسيح من تأثير هذا الكلام في أيام الاضطهاد المرّ القادم عليهم، الذي سيقاسونه من مبغضيهم. فإن المسيح يُكافئ كل من يصنع مع تلاميذه خيراً، ويعاقب كل من يصنع معهم شراً، حتى ومن يتغاضى عن فعل الخير لأجلهم. فيتحقق معهم قول النبي زكريا: «مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ» (زكريا 2: 8).

رفض المسيح أن ينقاد إلى أهله في حبهم البشري الطبيعي، الممتزج بقصر البصر الروحي، وخرج من البيت وجلس عند البحر، ليسرد سلسلة أمثال تبيّن ماهية ملكوت السماوات.

4 - المسيح يعلّم بأمثال

علّم المسيح كثيراً بالأمثال. وأمثاله خالية من القصص الخيالية كنطق الحيوان وحركة الجماد، كما أنها اجتنبت كل إشارة هزلية، لأنها شرحت لسامعيه أسرار ملكوت السماوات.

مثل الزارع

«هُوَذَا ٱلزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى ٱلطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ ٱلطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلٰكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ ٱلشَّمْسُ ٱحْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلشَّوْكِ، فَطَلَعَ ٱلشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (متى 13: 3-9).

في المثل الأول المسمَّى مثل الزارع، قسم المسيح سامعي كلام ملكوته إلى أربعة أقسام. قسم يسمعون بآذانهم فقط، ولا يفهمون بأذهانهم، وذلك إمَّا لانشغالهم بأمور أخرى، أو لقساوة قلوبهم من جراء انصبابهم السابق على المعاصي. وهؤلاء يكونون كأنهم لم يسمعوا. وتظهر عدم استفادتهم سريعاً، لأنهم لم يذوقوا من لذة هذا الطعام الروحي شيئاً. شبَّه المسيح هؤلاء ببذار يقع على الطريق فيُداس ويخطفه الطائر بأقرب وقت، فلا يأتي بثمر.

أما القسم الثاني من سامعي التعليم، فهم الذين يفهمونه ويقبلونه بفرح. لكن فرحهم سطحي ووقتي. هؤلاء لم يحسبوا حساب النفقة، ولم يستعدوا لاحتمال المقاومات الداخلية والخارجية التي تترصد كل محبي كلام الله. لذلك عند وقوع الضيقات يرتدُّون عما كانوا أولاً يتباهون ويفرحون به. ويشبّه المسيح هؤلاء بالزرع الذي يقع على الأرض الخفيفة، التي قعرها صخر، هذا الزرع ينبت سريعاً لعدم عمق التربة، ثم يجف عند وقوع حرارة الشمس عليه، فلا يأتي بثمر.

القسم الثالث هم الذين يفهمون التعليم ويقبلونه بفرح، ويثبتون في وجه المقاومات غير متزعزعين من الاضطهادات والخسائر التي تنتج عنها. لكن ثباتهم هذا ناتج عن عنادهم الطبيعي، إذ يحسبون أنفسهم شهداء الدين، فلا يأتون بثمر - أي لا يمجدون الله ولا يفيدون الناس - لأنهم منهمكون بأمور الدنيا.. إن كانوا من الفقراء فهمُّهم عوزهم، أو من الأغنياء فهمُّهم مقتنياتهم وأشغالهم الكثيرة. ويشبّههم المسيح بالزرع الذي ينمو جيداً وتظهر فيه للناظرين كل علامات الأثمار، ولا يُعرَف عدم إثمارهم إلا يوم الحصاد، إذ تكون السنابل فارغة، لأن الأشواك والأعشاب البرية تغلَّبت على الزرع وخنقته، فلم يثمر.

القسم الرابع والأخير من سامعي التعليم الإلهي هم السالمون من العيوب التي مرّ ذكرها. هؤلاء يطلبون أولاً ملكوت الله وبرّه، فلا يلتهون عنه بأمور العالم، أغنياء كانوا أم فقراء. ولذلك لا يبالون بضيقاتهم (رومية 5: 3). وبالطبع يفهمون جيداً ما يسمعونه، فيأتون بثمر كثير لمجد الله وخير الناس. أما أثمار هؤلاء فتكون على درجات متفاوته، تتبع المواهب والفرص المتنوعة وموافقة الأحوال التي يوجدون فيها. فشبّه المسيح هؤلاء بالزرع في الأرض الجيدة، الذي يثمر ثلاثين ضعفاً وبعضه ستين وغيره مئة. وفي تفسير هذا المثل أعطى المسيح مفتاحاً يساعد كثيراً على تفسير سائر الأمثال التي وردت بلا تفسير. لما ابتدأ بالمثل نبَّه السامعين بقوله: «اسمعوا، هوذا الزارع قد خرج ليزرع». ولما انتهى المثل نبَّههم ثانية بندائه: «من له أذنان للسمع فليسمع».

مثل زوان الحقل

«قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً زَرَعَ زَرْعاً جَيِّداً فِي حَقْلِهِ. وَفِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَاناً فِي وَسَطِ ٱلْحِنْطَةِ وَمَضَى. فَلَمَّا طَلَعَ ٱلنَّبَاتُ وَصَنَعَ ثَمَراً، حِينَئِذٍ ظَهَرَ ٱلزَّوَانُ أَيْضاً. فَجَاءَ عَبِيدُ رَبِّ ٱلْبَيْتِ وَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً زَرَعْتَ فِي حَقْلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ زَوَانٌ؟. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْسَانٌ عَدُوٌّ فَعَلَ هٰذَا فَقَالَ لَهُ ٱلْعَبِيدُ: أَتُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ وَنَجْمَعَهُ؟ فَقَالَ: لا! لِئَلا تَقْلَعُوا ٱلْحِنْطَةَ مَعَ ٱلزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ. دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاهُمَا مَعاً إِلَى ٱلْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ ٱلْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: ٱجْمَعُوا أَوَّلاً ٱلزَّوَانَ وَٱحْزِمُوهُ حُزَماً لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا ٱلْحِنْطَةَ فَٱجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَنِي» (متى 13: 24-30).

المثل الثاني بناه المسيح على أن العدو إبليس يُدخِل في ملكوت المسيح الخارجي (أي الكنيسة) أناساً ليسوا من شعب اللّه. وهؤلاء لا يعرفهم الناس في أول أمرهم. فلما تظهر عليهم تدريجياً دلائل حقيقتهم، يريد رجال اللّه أن يفرزوهم ويخرجوهم من الكنيسة المسيحية. لكن هذا الإِفراز محفوف بالخطر، لأن مدبّري الكنيسة لا يعلمون ما في القلوب. فقد يُخرِجون بطرساً تائباً هو تلميذ حقيقي، بينما هم يحاولون أن يخرِجوا إسخريوطياً خائناً فاقد كل الصفات المسيحية. ولذلك يطلب اللّه من قادة شعبه التأني الكافي قبل طرد الضعفاء والساقطين، لئلا يخطئ حكمهم فيظلمون.

في مثل زوان الحقل يشبّه المسيح نفسه بإنسان زرع في حقله زرعاً جيداً. ثم يشبّه عدوه إبليس بإنسان آخر، زرع في ذات الحقل زواناً. ويشبّه الملائكة بالحاصدين، ويوم الدين بيوم الحصاد. ويختم تفسيره هذا المثل بقوله: «كما يُجمَع الزوان ويُحرَق بالنار، هكذا يكون في انقضاء العالم. يرسل ابن الإِنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم، من له أذنان للسمع فليسمع».

مثل النمو الخفي للزرع

«وَقَالَ: «هٰكَذَا مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ: كَأَنَّ إِنْسَاناً يُلْقِي ٱلْبِذَارَ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَٱلْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو، وَهُوَ لا يَعْلَمُ كَيْفَ، لأَنَّ ٱلأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلاً نَبَاتاً، ثُمَّ سُنْبُلاً، ثُمَّ قَمْحاً مَلآنَ فِي ٱلسُّنْبُلِ. وَأَمَّا مَتَى أَدْرَكَ ٱلثَّمَرُ فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُ ٱلْمِنْجَلَ لأَنَّ ٱلْحَصَادَ قَدْ حَضَرَ» (مرقس 4: 26-29).

قدم المسيح مثلاً ثالثاً بدون أن يفسره، وبناه على الحقيقة أن النمو في ملكوته الروحي على الأرض أمر طبيعي لا بد منه، وأنه يأتي تدريجياً لا فجأة. وأن هذا النمو يكون له أصل سري غامض، يعجز البشر عن فهمه وتفسيره.

مثل حبة الخردل

«قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُورِ. وَلٰكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ ٱلْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ ٱلسَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا» (متى 13: 31، 32).

لما كان الوقت الذي يتكلم فيه المسيح أول فصل الشتاء، وكان عمل الزرَّاع منتشراً حوله، حكى لسامعيه مثلاً رائعاً زراعياً لإظهار حقيقة ضَعْف ملكوته في العالم عند إنشائه، ثم عظمته أخيراً بواسطة نموّ خارجي مهم، حتى تمكّنه عظمته من خدمة الناس خدمات عظيمة. شبَّه المسيح ملكوته بحبّة الخردل، أصغر جميع البزور التي يزرعها الإِنسان، لكنها تنمو شيئاً فشيئاً إلى أن تصبح أكبر البقول، بل شجرة تأوي إليها طيور السماء للاستفادة منها. ويناسب الخردل تشبيهاً للملكوت الجديد الذي أدخله المسيح، بالنظر إلى صغر حجمه، ولاستعماله دواء في الأمراض، ولاتّصافه بشيء من القساوة المؤلمة، ولأن مفعوله في الشفاء يتوقف على سحقه، كما تتوقف قوة المخلّص للخلاص على سحقه على الصليب.

مثل الخميرة

«قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا ٱمْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيعُ» (متى 13: 33).

المثل الخامس الذي قدّمه المسيح في هذا الوقت، هو مثل الخميرة، وهو مبني على ثلاث حقائق مهمة. الأولى أن إنماء الملكوت لا يكون بواسطة الازدياد الخارجي كنمو الجماد، بل بواسطة المفعول الداخلي كنمو الحي. ونجاح كنيسة المسيح لا يتوقف على أسباب خارجة عنها، بل على الأسباب التي في داخلها. فالسطوة السياسية والثروة المادية وما يشابههما، لا تنمّي كنيسة المسيح الحقيقية إلا قليلاً ونادراً، لا بل كثيراً ما توقِفُ هذه ذلك النمو، مع أنها قد تنمّي جماعات ظاهرة تسمَّى خطأ كنيسة المسيح. لا ينمّي الكنيسة إلا أعضاؤها الذين يحصلون على قوة إلهية تحل فيهم من الروح القدس.

والحقيقة الثالثة هي أن الدين الحقيقي، من طبيعته أن يخترق كل دقائق حياة المؤمن ويتملَّك فيها. فيكون جسمه وعقله وروحه كلياً تحت سطوة تأثير الدين الذي في قلبه... يمثّل المسيح هذه الحقائق بالخميرة التي خبأتها امرأة في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع. فيصحُّ تشبيه فعل المسيح في ملكوته بفعل الخمير، لأنه خفي ومتزايد، ويتوقف على وضعه في قلب الذي يطلب تخميره، ولأنه من جنسه أيضاً. أي أن المسيح المخلص يتّخذ لنفسه طبيعة البشر الذين أتى ليخلصهم.. وأخبار خلاص البشر لا تتم بواسطة الملائكة، بل بواسطة الناس.

هذا بعض ما حُفظ لنا من مجموع الأمثال الجميلة التي ألقاها المسيح على الجمهور المحتشد على شاطئ البحيرة في ذلك النهار، لأن البشير يقول: «وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا. وبدون مثل لم يكن يكلمهم. «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: «سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (متى 13: 35).

لماذا علم المسيح بأمثال؟

بعد أن ترك المسيح وتلاميذه البحر وعادوا إلى البيت، سأله تلاميذه عن سبب اتّخاذه هذا الأسلوب الجديد في الوعظ، الذي لغموضه يتطلَّب تفسيراً، فأجابهم أنه تعمَّد الإغماض عن الذين يرفضون النور الذي لهم، ففقدوا كل حق بأن يزيدهم نوراً. ولما طلبوا منه أن يفسر لهم مثل الزارع وبّخهم بقوله: «أمَا تعلمون هذا المثل؟ فكيف تعرفون جميع الأمثال؟ فإني الحق أقول لكم إن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا».

ومع أسف المسيح على غباوة تلاميذه، احتملهم وفسرّ لهم مثليْن تسهيلاً لفهمهم غيرهما.. من مثلي الزارع والزوان وحدهما قد نظن أن نجاح الملكوت يكون قليلاً. ولكن في مثلي حبة الخردل والخميرة نقيضٌ لهذا الوهم، وتبشير بنجاح باهر لهذا الملكوت الذي نشأ في ضعف.

مثل الكنز المخفي

«أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَنْزاً مُخْفىً فِي حَقْلٍ، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَى ذٰلِكَ ٱلْحَقْلَ» (متى 13: 44).

في البيت زاد المسيح ثلاثة أمثال أخرى. أراد أن يبيّن أن ملكوته ذو قيمة تفوق كل شيء في العالم. وحتى لو ضحَّى الإنسان لأجله يكون في ذلك حكيماً. أراد المسيح أيضاً أن يبيّن أن البعض وإن لم يفتشوا عن كنز الدين الحق، يعثرون عليه كأنه بالصُّدفة، بينما يشتغلون في أمور أخرى، كما حدث لشاول الطرسوسي في طريق دمشق (أعمال 9: 1-22). مثَّل ذلك بإنسان وجد كنزاً في حقل إنسان آخر، فذهب وباع كل مقتنياته واشترى الحقل ليحصل على هذا الكنز.

مثل اللؤلؤة الحسنة

«أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا» (متى 13: 45، 46).

لكن ليس هذا العثور العرضيّ هو القانون، بل السعي الجدّي وراء هذا الكنز. فالذي في تفتيشه بين مذاهب العالم يعثر على ملكوت المسيح الروحي، ينسى كل ما سواه، ويبذل كل نفيسٍ وغالٍ ليتمسّك به. وإظهاراً لهذه الحقيقة قدم المسيح مَثَل إنسانٍ تاجر يطلب لآلئ حسنة، فلما وجد لؤلؤة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما له واشتراها.

مثل الشبكة

«أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. فَلَمَّا ٱمْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا ٱلْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا ٱلأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجاً. هٰكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ ٱلْعَالَمِ: يَخْرُجُ ٱلْمَلائِكَةُ وَيُفْرِزُونَ ٱلأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ ٱلأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ» (متى 13: 47-50).

ختم المسيح سلسلة أمثاله في هذا اليوم، بمثل يشير إلى انقضاء العالم، حين يفرز الديّان الإلهي الأشرار من بين الأبرار، بواسطة الملائكة ثم يطرح الأشرار في أتون النار، حيث يكون البكاء وصرير الأسنان، فلا يطمئن الخاطئ نفسه بأن التساهل الإلهي في عدم سرعة قصاصه يدوم إلى الأبد، بل عليه أن ينتبه الآن. وإيضاحاً لهذه الحقيقة قدم المسيح مَثَل الشبكة المطروحة في البحر، التي تجمع من كل نوع، فلما امتلأت، أصعدوها على الشاطئ، وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية، وأما الأردياء فطرحوها خارجاً.

«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَفَهِمْتُمْ هٰذَا كُلَّهُ؟» فَقَالُوا: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهُمْ: «مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ» (متى 13: 51 ، 52).

العتقاء هي أقوال الكتاب، والجدد هي الفوائد المستخرجة منها، التي تستدعي الدرس المدقق، لأجل الوقوف على معانيها المقصودة. فالذي اعتدنا أن نسمعه من الصغر هو عتيق قديم، ولكن الدروس التي نستفيدها منه هي جديدة تناسب حاجة كل يوم جديد. فكل حقائق كتاب الله كنز ثمين، نستخرج منها الجديد الذي يقوي ضعيف الإيمان، وينير الجاهل، ويعزي الحزين ويرشد الضال.

5 - المسيح يهدئ العاصفة

«وَقَالَ لَهُمْ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ لَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى ٱلْعَبْرِ». فَصَرَفُوا ٱلْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي ٱلسَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضاً سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ ٱلأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى ٱلسَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي ٱلْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِماً. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» فَقَامَ وَٱنْتَهَرَ ٱلرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «ٱسْكُتْ. اِبْكَمْ». فَسَكَنَتِ ٱلرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هٰكَذَا؟ كَيْفَ لا إِيمَانَ لَكُمْ؟» فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هٰذَا؟ فَإِنَّ ٱلرِّيحَ أَيْضاً وَٱلْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!» (مرقس 4: 35-41).

كان النهار قد مال ودنا المساء، فصرف التلاميذ الجمع وأخذوا المسيح وأقلعوا قاصدين شاطئ بحر الجليل الشرقي، ورافقتهم سفن أخرى صغيرة. وفي سيرهم تحت جنح الليل، نام المسيح على وسادة في مؤخر السفينة. ذُكر عنه أنه جاع وعطش وحزن وتعب وتنهد وبكى وابتهج. ولكن لم يُذكر مطلقاً أنه ضحك أو مرض أو خاف. ولم يُذكر أنه نام إلا في هذا الحادث. نام كابن الإنسان، فأعطى بذلك برهاناً قاطعاً على صدق بشريته. أما بالنظر إلى طبيعته الإلهية فلم يزل كلام المرنم صادقاً «لا يَنْعَسُ وَلا يَنَامُ» (مزمور 121: 4). لا بل على رغم هذا النوم الجسدي، هو ساهر على رفقائه في السفينة وهم يسيّرونها ويلاحظون علامات النوء النازل عليهم من بين الجبال المحيطة بهذه البحيرة. كان التلاميذ قد قضوا أكثر أوقاتهم على هذا البحر، وقابلوا أنواء عديدة في مياهه، ولذلك بدأوا يهيئون القلوع والمجاديف، وكل ما يلزم، استعداداً لما قد يطرأ عليهم في النوء الهاجم.

لم يطل الوقت حتى غطت الأمواج السفينة وصارت تمتلئ فصاروا في خطر. سلمت قديماً من ذلك الطوفان الهائل في أيام نوح سفينة كانت تُقلُّ ثمانية أشخاص، هم عائلة نوح الصالح - فهل تسلم الآن البذرة الوحيدة للكنيسة المسيحية في العالم، وهي المسيح ورسله في هذه السفينة على بحر الجليل؟ أليست أهمية سلامة المسيح وتلاميذه مثل أهمية سلامة نوح وبنيه سام وحام ويافث؟

نرى في هذا النوء القوات المهلكة تتخذ نوم المسيح فرصة لتحاول إهلاكه وإهلاك تابعيه. ونتخيل هؤلاء الصيادين وحركاتهم العنيفة في مقاومة العاصفة، ونسمع صياحهم فوق هدير الريح وتلاطُم الأمواج، وهم يصرخون الواحد إلى الآخر بما هو جارٍ معه، وما يطلب كل واحد من الآخر أن يعمله. ننظر كيف يترنّحون من ملاطمة الأمواج في ظلام الليل الدامس، وهم يتعبون في تفريغ المياه من قعر السفينة، لأن السفينة في البحر الهائج يمكن أن تنجو، ولكن متى صار البحر الهائج في داخلها لا يمكن أن تنجو.. كما أن الإنسان الذي يهيج حوله نوء الشر في قلبه.. نوء المحيط لا يغرق، لكن الذي يهلك هو النوء الذي في النفوس... يصحُّ هذا القول في الكنيسة إجمالاً كما يصحّ في أفرادها، لأن الأشرار حولها لا يمكن أن يفنوها، لكن يهدمها الأشرار الذين فيها.

هل خطر للتلاميذ أن المسيح هو نائم «حرز وتميمة» يحفظ السفينة ومَنْ فيها من كل أذى؟ لا نظن. لأن الخوف جبارٌ يضعضع الرشد ويشتّت الإيمان متى كان ضعيفاً. نقصتهم الثقة بالمسيح وهو نائم، كما نقصتنا نحن الثقة بالمسيح وهو غائب عن الأبصار. وقد يكون أنهم لاحظوا اقتراب النوء قبل أن يقلعوا من البر، وربما كان إلحاح المسيح عليهم بأن يسافروا بعد محاولتهم البقاء في الميناء سبباً في أنهم ألقوا اللوم عليه. فكيف لا يزال نائماً على رغم ضجيج النوء وضجيج النوتية؟ كيف لا يبالي بهذا الخطر العظيم المحيط بهم؟

ربما قصد المسيح حتى بعد اشتداد النوء أن يمتحن إيمانهم. في البدء أمسكهم حبهم واحترامهم له عن إيقاظه لأنهم لا ينتظرون منه مساعدة في تدبير السفينة. لكن بعد أن فشل كل ما عندهم من الوسائل، لم يسَعْهم إلا أن يوقظوه. ألا يحقُّ لهم أن يطلبوا معونته في الخطر الشديد صارخين: «يا معلم، أما يهمك أننا نهلك؟». هل نسوا سريعاً ما تعلَّموه عن مقامه الإلهي وقدرته الفائقة، حتى ظنوا في جهالتهم أنه يُحتمل وقوع أقل ضرر لسفينة فيها الذي عرفوه رباً حقيقياً؟ أيقظوه فقام الذي «يَجْمَعُ كَنَدٍّ أَمْوَاهَ ٱلْيَمِّ. يَجْعَلُ ٱللُّجَجَ فِي أَهْرَاءٍ». القائل: « أَنَا ٱلَّذِي وَضَعْتُ ٱلرَّمْلَ تُخُوماً لِلْبَحْرِ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً لا يَتَعَدَّاهَا، فَتَتَلاطَمُ وَلا تَسْتَطِيعُ، وَتَعِجُّ أَمْوَاجُهُ وَلا تَتَجَاوَزُهَا» (مزمور 33: 7 ، إرميا 5: 22).

لما استيقظ هذا السيد النائم رأى نوئين، الواحد في البحيرة، والآخر في صدور تلاميذه، فاهتم لهذا أكثر من ذاك. إنما بلطفه ابتدأ بتوبيخ النوء البحري، بينما كان التلاميذ أوْلَى بالتوبيخ، فقد كان يعلم أنهم لا يستفيدون بالتوبيخ إلا بعد أن يسكن النوء، فسكّته أولاً. تكلّم سلطان البحار وقال للبحر: «اسكت.. ابكم».

ليس كما ضرب موسى البحر بعصاه بأمر الرب، فخضع، بل بمجرد كلمته أخضعه، لأنه هو «ٱلْمُتَنَطِّقُ بِٱلْقُدْرَةِ، ٱلْمُهَدِّئُ عَجِيجَ ٱلْبِحَارِ عَجِيجَ أَمْوَاجِهَا وَضَجِيجَ ٱلأُمَمِ» (مزمور 65: 6 و7).

نحن نشهد له فنقول قول المرنم: «مَنْ مِثْلُكَ قَوِيٌّ... أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ ٱلْبَحْرِ. عِنْدَ ٱرْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا. صَوْتُ ٱلرَّبِّ عَلَى ٱلْمِيَاهِ.. ٱلرَّبُّ فَوْقَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ» (مزمور 89: 8 و9 و29: 3). فالذي ينتهر الآن بحر طبرية هو الذي انتهر قديماً بحر «سوف» فيبس، وسيَّرهم في اللجج كالبرية. تسلط آنئذٍ على البحر الأحمر خدمةً لجماعة خائفيه، وها هو يسكن هيجان بحر الجليل لمرور تلاميذه فيه، لأنه كما أن الخراف لا تعرف ولا تطيع إلا صوت راعيها، كذلك الرياح والأمواج لا تعرف ولا تطيع إلا صوت باريها. فبأمره سكتت الريح وصار هدوء عظيم. ولم يكن هذا الهدوء طبيعياً، لأن قانون الموج أن يزول تدريجياً بعد زوال الريح، فكانت هذه معجزة مزدوجة.

نعلم أن السر في الحياة اليومية هو السرّ في تلك السفينة المعذبة. أي أن السلامة للأشخاص وللكنيسة في وسط أنواء الحياة، تقوم بوجود المسيح في القلوب، وسائراً مع كنيسته، لينتهر قوات الشر، ويوجد الهدوء والظفر.

ولنا في تسكين المسيح هذا النوء لمحة من القصد الإلهي، بأن يعيد إلى الإنسان سلطته على الطبيعة التي فقدها بسقوطه، وذلك بواسطة عمله الفدائي. نرى هذا يتم على نوعين: أولاً بواسطة رقيّه الروحي، فيقابل مخاطر القوات الطبيعية وأضرارها دون ارتعاب. وثانياً: بواسطة رقيّه العلمي، فيستولي على كثير من هذه القوات ويتلافى أضرارها ويستخدم منافعها - كما يستخدم سرعة الرياح في توليد الكهرباء.

مثّلت الريح من خارج البحر المصائب الخارجية التي تنقضُّ على الإنسان، ومنها القُوى الطبيعية المهلكة للأجساد. ومثَّل التموُّج من داخل البحر التجارب الداخلية التي تثور في نفس الإنسان، وهي القوى الشيطانية المهلكة للنفوس. ففي تسكين المسيح هذا النوء المزدوج بالمعجزة المزدوجة، أعلن استعداده أن يعمل عملاً مزدوجاً في سفينة حياة الإنسان التي تتخبط في بحر هذا الدهر. وهو الذي يعطي الفوز على نوعي البلايا، والسلامة من شرهما. فالمصائب والتجارب هي كبوتقة الصائغ، التي لا تحوّل الذهب نحاساً ولا النحاس ذهباً، بل تُظهر الحقيقة وتزيل الإلتباس، وتزيد الذهب جلاءً وانفصالاً عن النحاس. هكذا التجارب لا تصيّر الصالح صالحاً ولا الشرير شريراً، لكنها تُظهر الحقيقة وتكشف عن شر الشرير وتزيده، وعن صلاح الصالح وتزيده.

أما النوء الثاني الذي كان في صدور التلاميذ فقد سكّنه المسيح بتوبيخ لطيف، عندما قال: «ما بالكم خائفين هكذا يا قليلي الإيمان؟ كيف لا إيمان لكم؟» فأظهر سلطانه في معالجة المصائب الخارجية، كما في ذلك معالجة التجارب الداخلية الأشدّ خطراً. فإنه يوقف النوعين متى شاء، وكان في ذلك خير، لأن سماح الله بالتجارب والمصائب، ليس إلا للخير. «ٱللّٰهَ أَمِينٌ، ٱلَّذِي لا يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ ٱلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً ٱلْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1 كورنثوس 10: 13).

6 - المسيح يشفي لجئون

«وَجَاءُوا إِلَى عَبْرِ ٱلْبَحْرِ إِلَى كُورَةِ ٱلْجَدَرِيِّينَ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ ٱلسَّفِينَةِ لِلْوَقْتِ ٱسْتَقْبَلَهُ مِنَ ٱلْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، كَانَ مَسْكَنُهُ فِي ٱلْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلا بِسَلاسِلَ، لأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيراً بِقُيُودٍ وَسَلاسِلَ فَقَطَّعَ ٱلسَّلاسِلَ وَكَسَّرَ ٱلْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. وَكَانَ دَائِماً لَيْلاً وَنَهَاراً فِي ٱلْجِبَالِ وَفِي ٱلْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِٱلْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ، وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ ٱلْعَلِيِّ! أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ أَنْ لا تُعَذِّبَنِي!» لأَنَّهُ قَالَ لَهُ: «ٱخْرُجْ مِنَ ٱلإِنْسَانِ يَا أَيُّهَا ٱلرُّوحُ ٱلنَّجِسُ». وَسَأَلَهُ: «مَا ٱسْمُكَ؟» فَأَجَابَ: «ٱسْمِي لَجِئُونُ، لأَنَّنَا كَثِيرُونَ». وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيراً أَنْ لا يُرْسِلَهُمْ إِلَى خَارِجِ ٱلْكُورَةِ. وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ ٱلْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ ٱلْخَنَازِيرِ يَرْعَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ ٱلشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ: «أَرْسِلْنَا إِلَى ٱلْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا». فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ ٱلأَرْوَاحُ ٱلنَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي ٱلْخَنَازِيرِ، فَٱنْدَفَعَ ٱلْقَطِيعُ مِنْ عَلَى ٱلْجُرْفِ إِلَى ٱلْبَحْرِ - وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ، فَٱخْتَنَقَ فِي ٱلْبَحْرِ. وَأَمَّا رُعَاةُ ٱلْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي ٱلْمَدِينَةِ وَفِي ٱلضِّيَاعِ، فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَنَظَرُوا ٱلْمَجْنُونَ ٱلَّذِي كَانَ فِيهِ ٱللَّجِئُونُ جَالِساً وَلابِساً وَعَاقِلاً، فَخَافُوا. فَحَدَّثَهُمُ ٱلَّذِينَ رَأَوْا كَيْفَ جَرَى لِلْمَجْنُونِ وَعَنِ ٱلْخَنَازِيرِ. فَٱبْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ تُخُومِهِمْ. وَلَمَّا دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ طَلَبَ إِلَيْهِ ٱلَّذِي كَانَ مَجْنُوناً أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، فَلَمْ يَدَعْهُ يَسُوعُ، بَلْ قَالَ لَهُ: «ٱذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ ٱلرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ». فَمَضَى وَٱبْتَدَأَ يُنَادِي فِي ٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُنِ كَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ. فَتَعَجَّبَ ٱلْجَمِيعُ» (مرقس 5: 1-20).

حدث بعد تسكين النوء أمرٌ يحوّل الفكر من أفعال المسيح إلى أفعال خصمه إبليس، الذي لم يسكت عن المسيح كل مدة وجوده طاهراً بين الناس. فتعويضاً عن فشله في محاولة التسلُّط على المسيح ضاعف سلطته على بعض البشر، ليستخدمهم في مقاومة خصمه العظيم

ومن جملة آلات إبليس البشرية رجلان مجنونان يطوفان البرية في منطقة الجرجسيين، في المكان الذي قصد المسيح أن ينزل فيه من السفينة. وإذ رأى هذان المجنونان قدوم سفينة، هجما من مأواهما في المدافن الصخرية، لأنهما كانا قد قطعا بجنونهما الطرقات في تلك الناحية كلها على العابرين. ويُرجَّح أنهما قصدا الفتك بالقادمين فيها، وعلى الأخصّ بالمسيح لأنهما عرفاه، فأتيا يصرخان ملطخيْن بدمائهما، لأنهما كانا يجّرحان نفسيهما بالحجارة. عند ذلك أمر المسيح الأرواح النجسة الحالَّة فيهما أن تخرج منهما، فصاحا للوقت بكلام بعضه شيطاني وبعضه معقول، مما دلَّ على سطوة المسيح عليهما، قائلين: «ما لنا ولك يا يسوع ابن الله العلي! أجئت هنا قبل الوقت لتعذبنا؟».

حصر البشير مرقس هذا الخبر في أشهر هذين الرجلين وأورده مفصَّلاً. بعد انتهار المسيح الأرواح الشريرة الحالَّة في هذا الرجل وفي رفيقه، ركض هذا وسجد له صارخاً: «أستحلفك بالله أن لا تعذبني». التأثير الأول لأمر المسيح للشياطين أن تخرج، كان تعذيباً للمسكون، لأن الشيطان لا يخرج من إنسان إلا ويصرعه ويؤلمه، ولذلك كان المسكون يخاف ويطلب التخلُّص من الآلام. وفعل المسيح الثاني كان تعذيباً للشيطان، الذي يتلذّذ بتعذيب الإنسان وإهلاكه. وعذابه يكون بنزع فريسته من بين مخالبه، فالساكن والمسكون يصرخان: «لا تعذبنا».

يا لها من صورة مؤثرة على شاطئ هذا البحر! يقف المسيح مكلَّلاً بهيبة القداسة، المقترنة بالسلطان والحنان، ووراءه التلاميذ وهيئتهم تدلُّ على الاضطراب الشديد من تعب الليل الماضي، وعلى اضطراب جديد من هجوم المجنونيْن عليهم في هذا الوعر، وجهلهم ماذا يصير من أمرهما. ومع اضطرابهم ترى في وجوههم ملامح الشفقة على هذا المعذب بالأرواح النجسة. وأمامهم هذا الشخص البربري الجاثي في عريه وجروحه أمام سيدهم، وفي هيئته شيء من أمل المستنجد بشخص يعرفه قادراً على تخليصه من شقائه.

سأله المسيح «ما اسمك؟» فأجاب: «اسمي لجئون». لأن شياطين كثيرة دخلته. واقترحت الشياطين على المسيح أن يسمح لها بالدخول في الخنازير، وليس إلى الهاوية. فسمح لهم بالدخول في قطيع كبير من الخنازير، نحو ألفين، كان يرعى عند الجبال بعيداً عنهم - وما أكبر الشبه بين الأرواح النجسة والخنازير - فالخنازير محرمة عند اليهود، وامتلاكها برهان غلبة الطمع على الدين في أصحابها اليهود، فعاقبهم المسيح بهلاك خنازيرهم المحرمة، ولا سيما أن في هذا برهاناً ملموساً بأن الاحتلال الشيطاني حقيقي، وبأن الشفاء من هذا الإحتلال كان حقيقياً ودائماً، ويرى الجميع عاقبة الاستعباد للشيطان، وبرهاناً لسلطان المسيح على الخيرات الزمنية، فيتصرف بها حسب حكمته. لأن الذي سمح بهذه الخسارة على أصحاب الخنازير هو المالك الأصلي الحقيقي. أَوَلا تسمح عنايته كل يوم بمثل هذا العالم، حتى بين خائفيه أيضاً؟ فكل تقي يقول لربه: ما لا يأتيني أستغني عنه دون تذمر قائلاً: «ٱلرَّبُّ أَعْطَى وَٱلرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ ٱسْمُ ٱلرَّبِّ مُبَارَكاً» (أيوب 1: 21).

قال المسيح للأرواح: «امضوا» فخرجت ودخلت في الخنازير، وإذا القطيع كله يندفع من على الجُرف إلى البحيرة ويختنق في المياه. وانذهل رعاة الخنازير من هذا الأمر الغريب، فهربوا وأذاعوا في طريقهم بين الضياع وفي المدينة خبر ما حدث للمجنونين وللخنازير، فأسرع الجمهور قاصدين مكان هذا الحادث الغريب. وعند وصولهم رأوا في جثث الخنازير برهان صحة رواية الرعاة. وزادت دهشتهم عند رؤيتهم المجنون لابساً وعاقلاً وجالساً عند قدمي المسيح، يسمع تعليمه في موضوع ملكوت السماوات الذي دخله جديداً، إذ آمن بالملك الروحي الذي نجّاه.

كنا ننتظر أن يبتهج الناس بظهور خصم إبليس القوي، القادر أن يقيّده ويخلص الناس من الاستعباد له، وكنا ننتظر أن يشكروا المسيح على معجزاته، ولكن الغريب أنهم طردوا المسيح من بلدهم، لأنهم حسبوا خسارة خنازيرهم أكبر من فائدة الانتصار على إبليس.

لكن ماذا يفعل هذا الرجل الذي شُفي؟ هل يطلب العودة إلى بيته وأملاكه وأشغاله، ليستعيض عن الزمان الطويل الضائع؟... لو كان شفاؤه جسدياً فقط لفعل ذلك. لكن المسيح لم يشفِ جسده فقط، بل شفى نفسه أيضاً، وهذا أهم من شفاء جسده بما لا يُقاس. فظهر الشفاء الروحي في هذا المجنون من طلبه أن يكون مع المسيح.

ولنا في هذا المجنون مثال صادق للخاطئ. حقاً إن الخطيئة جنون النفس، والجنون المعروف رمز إلى الجنون الحقيقي وهو الخطيئة، ففضَّل مجنون جدرة القبور النجسة مسكناً على البيوت النظيفة الصحية المرتّبة، وكان عمله إضراراً بذاته مع كل من لاصقه أو مرّ به. كان يتجنّب معاشرة الأصحّاء، ويختار عشراء من المجانين نظيره ومن وحوش البرية، ويقول للمخلص الوحيد: «ما لي ولك!» ولم يظهر مخلِّص من جنون الخطيئة ومن نتائجها في الدنيا والآخرة، إلا المسيح الذي خلَّص مجنون جدرة في ذلك اليوم من جنونه وأسبابه ونتائجه.

7 - المسيح يقيم ابنة يايرس من الموت

«وَلَمَّا ٱجْتَازَ يَسُوعُ فِي ٱلسَّفِينَةِ أَيْضاً إِلَى ٱلْعَبْرِ ٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ. وَإِذَا وَاحِدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ ٱلْمَجْمَعِ ٱسْمُهُ يَايِرُسُ جَاءَ. وَلَمَّا رَآهُ خَرَّ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيراً قَائِلاً: «ٱبْنَتِي ٱلصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ. لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا». فَمَضَى مَعَهُ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَكَانُوا يَزْحَمُونَهُ. وَٱمْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَأَلَّمَتْ كَثِيراً مِنْ أَطِبَّاءَ كَثِيرِينَ، وَأَنْفَقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا وَلَمْ تَنْتَفِعْ شَيْئاً، بَلْ صَارَتْ إِلَى حَالٍ أَرْدَأَ - لَمَّا سَمِعَتْ بِيَسُوعَ، جَاءَتْ فِي ٱلْجَمْعِ مِنْ وَرَاءٍ، وَمَسَّتْ ثَوْبَهُ، لأَنَّهَا قَالَتْ: «إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ». فَلِلْوَقْتِ جَفَّ يَنْبُوعُ دَمِهَا، وَعَلِمَتْ فِي جِسْمِهَا أَنَّهَا قَدْ بَرِئَتْ مِنَ ٱلدَّاءِ. فَلِلْوَقْتِ ٱلْتَفَتَ يَسُوعُ بَيْنَ ٱلْجَمْعِ شَاعِراً فِي نَفْسِهِ بِٱلْقُوَّةِ ٱلَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَقَالَ: «مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي؟» فَقَالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: «أَنْتَ تَنْظُرُ ٱلْجَمْعَ يَزْحَمُكَ، وَتَقُولُ مَنْ لَمَسَنِي؟» وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى ٱلَّتِي فَعَلَتْ هٰذَا. وَأَمَّا ٱلْمَرْأَةُ فَجَاءَتْ وَهِيَ خَائِفَةٌ وَمُرْتَعِدَةٌ، عَالِمَةً بِمَا حَصَلَ لَهَا، فَخَرَّتْ وَقَالَتْ لَهُ ٱلْحَقَّ كُلَّهُ. فَقَالَ لَهَا: «يَا ٱبْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ. ٱذْهَبِي بِسَلامٍ وَكُونِي صَحِيحَةً مِنْ دَائِكِ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جَاءُوا مِنْ دَارِ رَئِيسِ ٱلْمَجْمَعِ قَائِلِينَ: «ٱبْنَتُكَ مَاتَتْ. لِمَاذَا تُتْعِبُ ٱلْمُعَلِّمَ بَعْدُ؟» فَسَمِعَ يَسُوعُ لِوَقْتِهِ ٱلْكَلِمَةَ ٱلَّتِي قِيلَتْ، فَقَالَ لِرَئِيسِ ٱلْمَجْمَعِ: «لا تَخَفْ. آمِنْ فَقَطْ». وَلَمْ يَدَعْ أَحَداً يَتْبَعُهُ إِلا بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ، وَيُوحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ. فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ ٱلْمَجْمَعِ وَرَأَى ضَجِيجاً. يَبْكُونَ وَيُوَلْوِلُونَ كَثِيراً. فَدَخَلَ وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ؟ لَمْ تَمُتِ ٱلصَّبِيَّةُ لٰكِنَّهَا نَائِمَةٌ». فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. أَمَّا هُوَ فَأَخْرَجَ ٱلْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَبَا ٱلصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا وَٱلَّذِينَ مَعَهُ وَدَخَلَ حَيْثُ كَانَتِ ٱلصَّبِيَّةُ مُضْطَجِعَةً، وَأَمْسَكَ بِيَدِ ٱلصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا: «طَلِيثَا، قُومِي». (ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا صَبِيَّةُ، لَكِ أَقُولُ قُومِي). وَلِلْوَقْتِ قَامَتِ ٱلصَّبِيَّةُ وَمَشَتْ، لأَنَّهَا كَانَتِ ٱبْنَةَ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَبُهِتُوا بَهَتاً عَظِيماً. فَأَوْصَاهُمْ كَثِيراً أَنْ لا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِذٰلِكَ. وَقَالَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ» (مرقس 5: 21-43).

ذهب المسيح إلى كفر ناحوم، بعد أن طرده أهل جدرة التي شفى فيها المجنون، وأهلك خنازيرهم. وكان في كفر ناحوم رجل اسمه يايرس، وهو رئيس المجمع هناك. كانت له ابنة توشك على الموت، لم تنجح معها معالجات الأطباء، ولا خدمة الأقرباء ولا تضرعات الأحباء. ولم يبق رجاءً إلا في الالتجاء إلى الناصري الشهير.

لا بد أن يايرس قرر الذهاب إلى المسيح ليطلب مجيئه إلى بيته، لكنه استصعب مفارقة وحيدته في حالتها هذه. كما أنه لم يكن ينتظر أن يأتي المسيح إلى بيته لو أرسل له آخر، ولا يمكن أن يأخذ ابنته إلى المسيح وهي في هذه الدرجة من الخطر. فأسرع يايرس بنفسه إلى الشاطئ، ووقع عند قدمي المسيح وسجد له. وكم كانت دهشة الحاضرين عند رؤيتهم رئيسهم متذلّلاً بهذا المقدار أمام النجار الناصري الفقير، الذي هو رفيق للعشارين والخطاة. غير أن ما عرفه يايرس وأهل كفر ناحوم عن فضائل المسيح وفضله، يفسّر شيئاً من هذا الاحترام غير المنتظر. لقد ذللت المصيبة الشديدة يايرس، وساقته إلى المسيح، فانفتح له باب الفرج، وتحولت مصيبته إلى بركة أعظم.

صبر المسيح على يايرس إلى أن «طلب إليه كثيراً» ووصف حالة ابنته، وأظهر كامل الإيمان بالمسيح، لأنه قال: «ابنتي الصغيرة على آخر نسمة. ليتك تأتي وتضع يدك عليها لتُشفى. تعال وضَعْ يدك عليها فتحيا». يستحيل أن يتغاضى المسيح عن طلب كهذا مقرون بإيمان، لأن الإيمان هو الدلو الوحيد الذي يسحب به الإنسان ماء الحياة من آبار الخلاص. وهو العين الوحيدة التي بها يرى الإنسان طريق السماء ليسير فيه، وهو اليد الوحيدة التي بها يتناول الإنسان خبز الحياة ليحيا به «أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِٱلإِيمَانِ يَحْيَا» (رومية 1: 17).

وهنا يواجهنا سؤال: لماذا لم يأمر المسيح بالشفاء عن بُعد كما فعل مرتين قبلاً؟ ألا يكون في ذلك معجزة أبهج، وموجباً أقوى لإيمان الجمهور وأهل المدينة به؟ ربما كان ذلك لأن المسيح علم ما لم يعرفه يايرس أو غيره من الحاضرين، وذلك أن الابنة قد ماتت فعلاً بعد خروج أبيها من البيت. وبما أن رئيس المجمع عدو للمسيح، ففي ذهاب المسيح معه يظهر له محبة تكون لنا مثالاً في محبة العدو. وبما أن يايرس أتمّ الشروط الأربعة اللازمة لنوال بركات المخلّص، فقد نال طلبه، وذهب المسيح معه إلى بيته. وهذه الشروط هي: (أ) الإتيان إلى المسيح. و(ب) الإتضاع أمامه. و(ج) الحرارة في الطلب منه. و(د) الإيمان الحي به.

وفيما كان المسيح