سيرة المسيح |
الكتاب الثالث: سلطانه وتعليمه
- هذا الكتاب
- 1 - شفاء أبرص
- 2 - معجزتان في كفر ناحوم
- 3 - المسيح يدعو متى
- 4 - شفاء مريض بركة بيت حسدا
- 5 - تعليم المسيح عن الصوم
- 6 - تعليم المسيح عن السبت
- 7 - المسيح يختار تلاميذه
- 8 - الموعظة على الجبل (متى 5: 1-7: 28)
- 9 - شفاء خادم قائد المئة
- 10 - المسيح يقيم شاباً من الموت
- مسابقة الكتاب
هذا الكتاب | ||
يسر أسرة «نداء الرجاء» أن تصدر هذا الكتاب عن حياة السيد المسيح، في سبعة أجزاء.
وقد كتب هذا الكتاب في مجلد واحد باللغة العربية الدكتور جورج فورد في أوائل العشرينات من هذا القرن، بعنوان «كتاب القول الصريح في سيرة يسوع المسيح».
وقد قام محررو نداء الرجاء بإعادة كتابته في الصورة التي تراها الآن.
ونحن نأمل أن يتعرَّف القارئ الكريم على المسيح بطريقة شخصية، وأن يكون شعاره «نحن نحبه لأنه هو أحبّنا أولاً».
أسرة «نداء الرجاء»
1 - شفاء أبرص | ||
|
«فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِياً وَقَائِلاً لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي!» فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: «أُرِيدُ، فَٱطْهُرْ». فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ ٱلْبَرَصُ وَطَهَرَ. فَٱنْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ، وَقَالَ لَهُ: «ٱنْظُرْ، لا تَقُلْ لأَحَدٍ شَيْئاً، بَلِ ٱذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُمْ». وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَٱبْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيراً وَيُذِيعُ ٱلْخَبَرَ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِراً، بَلْ كَانَ خَارِجاً فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ، وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ» (مرقس 1: 40-45). |
بين كل أنواع المرض التي شفَى المسيح منها، كان عدد الذين شفاهم من البرص - أي الجذام - أكبر من أي عدد آخر. وقد اعتُبر هذا المرض منذ القديم رمزاً للخطيئة ونجاستها، حتى سُمِّي الشفاء منه «تطهيراً». كما اعتبروه إعلان غضب اللّه على الخطاة. وبين كل ما ذُكر في كتب اليهود الطبية من أدوية ومعالجات للأمراض كافة، لا يُذكر علاجٌ لمرض البرص، لأنهم تأكدوا أنه عديم الشفاء إلا بمعجزة إلهية. وظهر اعتقادهم هذا جلياً في جواب الملك يهورام زمن النبي أليشع في قصة نعمان السرياني (2 ملوك 5: 7). لذلك كان هذا المرض هو الوحيد الذي يفرضون على المُصاب به أن يعتزل عن جميع الناس، حتى عن أهل بيته، وإنْ دخل بلداً يُجازَى بأربعين جلدة. وكانوا يعتبرون الأبرص كأنه ميت، يتنجس من يلمسه. وكان الأبرص مجبوراً أن يمارس فروض الحداد من تمزيق ثيابه، والكشف عن رأسه، وتغطية فمه، وترك الاغتسال، وما أشبه، وأن يُحذِّر كل إنسان من الاقتراب منه بصراخه الدائم: «نجس! نجس!». والبرص هو المرض الوحيد الوراثي، الذي ينتقل من الوالدين إلى الأولاد. فإذا أُصيب إنسان بالبرص أو بما يُشتبه أنه برص، ثم تحققت سلامته منه فيما بعد، كان يتوجب عليه الحصول على شهادة كهنوتية بهذه السلامة.
كان المسيح يوماً يزور إحدى المدن عندما أتاه رجل مصاب بهذا المرض، بالرغم من الموانع الشرعية التي كانت تحول دون مجيئه. ولا بد أن يشتت مجيئه هذا جمهور الحاضرين حذراً من التنجُّس. كانت هيئته كئيبة ورأسه محلوقاً مكشوفاً، وثيابه ممزقة، وصوته أجش من تأثير المرض في حنجرته، وهو يصرخ تحذيراً للجميع: «نجس! نجس!». وجهه بشع من اهتراء أنفه وأذنيه وشفتيه وجفنيه، لأنه كما يقول البشير: «مملوء برصاً». فلما رأى هذا الأبرص المسيح خرَّ على وجهه وسجد له.
يا أيها التعيس في الظاهر، أنت بالحق سعيد، لأن روح اللّه ألهمك أن تسجد لهذا الرجل الذي دعوْتَه «يا سيد». لم يسبقك إلى هذا السجود، إلا المجوس الذين سجدوا له في مهده. أما بعدك فيقتدي بك ملايين البشر على اختلاف أجناسهم.
ولكن كيف قبِلَ المسيحُ هذا السجود؟ لم يبرح بعد من آذاننا صوتُه الرهيب لما طرد إبليس من أمامه قائلاً: «مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد». ورسله حتى وملائكته يوقفون سجود الناس لهم، لأنه لا يجوز. فهل هم أصلح من المسيح، وأكثر غيرة منه على حقوق اللّه الذي وحده يحقُّ له السجود؟ ألا يضطرُّنا الأمر أن نرى في قبول المسيح لهذا السجود الذي قُدِّم له دليلاً كافياً أنه يعلم أن له حقوقاً إلهية؟
يدهشنا إيمان هذا الأبرص اليائس، ونحار في أمره - كيف تولَّد فيه هذا الإيمان؟.. كان لسان المصابين الذين لجأوا إلى المسيح: «إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئاً فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا» (مرقس 9: 22) مع أن عللهم لم تكن بعيدة عن الرجاء كعلة هذا الرجل الذي قال: «يا سيد، إن أردتَ تقدر أن تطهرني». في هذه الكلمات أعلن إيمانه بأن المسيح قادر على هذا العمل الذي لا يقدر عليه إلا اللّه، لكنه لتواضعه لم يجسر أن يحكم هل يشاء المسيح أن يشفيه أو لا يشاء. ومع شدة حاجته احترم حرية إرادة المسيح، فاستحق أن يكرمه المسيح على ذلك وأن يلتفت إليه.
وبناءً على ما ظهر لم ير المسيحُ مُوجِباً لامتحانه بتأجيل الاستجابة إلى حين كما امتحن غيره، بل لاشى شكوكه حالاً بخصوص إرادته أن يشفيه، فالمسيح لا يؤجل دقيقة واحدة طلب من يريد الشفاء من خطاياه والخلاص بمغفرتها. يهمُّنا أن نلاحظ أن ما دفع المسيح لتطهير هذا الأبرص لم يكن لجاجته (لأنه لم يكن لجوجاً)، ولا حب الافتخار وطلب الشهرة، (لأن المسيح أوصاه أن يكتم خبر شفائه). لكن المسيح شفاه لأنه تحنن، وإظهاراً لحنانه «مدَّ يده ولمسه» تقرُّباً منه.
نرى في لمس المسيح الأبرص أموراً هامة، فقد كافأه المسيح على إيمانه العجيب، إذْ طيَّب قلبه باقترابه ولمْسه، بعد سني نفيه واجتناب الجميع (حتى أهله) له، وبعد عذاباته المتنوعة من هذا المرض الشنيع. لقد اقترب المسيح من الأبرص ولمسه ليلخِّص عمله الفدائي، الذي استوجب أن يرسل اللّه ابنه في شبه جسد الخطيئة، ويجعل «ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللّٰهِ فِيهِ» (2 كورنثوس 5: 21).
وفي لَمْس المسيح للأبرص أعلن أن اللّه محبة، وأنه يضع المحبة قبل الطقوس، فقد قال: «إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً» (متى 12: 7) فأبهج هذا الأبرصَ المسكين بلمسةٍ منه، ثم زاده ابتهاجاً وملأ قلبه وفمه شكراً لما أزال شكوكه بخصوص إرادته أن يشفيه بقوله: «أريد فاطهر». هاتان الكلمتان صيَّرتا الأبرص إنساناً جديداً في الخارج وفي الداخل.
رأى المسيح أن في انتشار خبر شفاء الأبرص ضرراً، وأن الرجل متحمِّس ابتهاجاً وراغبٌ في نشره، فأوصاه: «لا تقلْ لأحدٍ شيئاً». لئلا يقول الناس إن المسيح قد تنجس بلمسه الأبرص، وهذا الخبر إنْ شاع يعطّل عمله كثيراً. والسبب الآخر هو قصد المسيح أن لا يزيد الازدحام الذي يقف في وجه عمله الأهم وهو الكرازة والتعليم. ويقول القديس يوحنا فم الذهب إن المسيح قصد أن يحضّ الذين شفاهم على التأمل بسكوت ووقار في مراحم الله الفائقة نحوهم، وأن يحميهم من الكبرياء إذا أدهشوا الكثيرين بما حدث لهم، وحصلوا بذلك على شهرة.
من الواجب على هذا الرجل اليهودي أن يخضع دون تردُّد للنظام الموسوي. فألحَّ عليه المسيح أن يسرع بالذهاب إلى الكهنة في أورشليم، ليحصل على الشهادة التي تعلن براءته، وتعيد له كامل حقوقه بين شعبه. ومع أن هذا الأمر ليس سهلاً ولا بسيطاً فقد كان لا بد منه. وربما لم يرد المسيح من الرجل أن يعلن عن شفائه المعجزي لئلا يحرمه كهنة أورشليم من الحصول على وثيقة الشفاء، بسبب كرههم للمسيح فقال له: «اذهب أرِ نفسك للكاهن».
وقد سبَّب عصيانُ هذا الأبرص لأمر المسيح انزعاجاً، لأنه سبَّب ازدياد الازدحام. قال البشير: «خرج وابتدأ ينادي كثيراً ويذيع الخبر. فاجتمع جموع كثيرة حتى لم يعد المسيح يقدر أن يدخل مدينة ظاهراً، بل كان خارجاً في مواضع خالية يعتزل في البراري ويصلي» (لوقا 5: 16).
لقد عصى هذا الرجل أمر المسيح له بالسكوت، بعد أن نال الشفاء، وكان الواجب أن يخضع. إن كنت قد نلت شفاءك من مرض الخطيئة بنعمة المسيح، فاعمل على أن تكون المؤمن الخاضع الممتثل لأمر المسيح.
2 - معجزتان في كفر ناحوم | ||
معجزة صيد السمك | ||
|
«وَإِذْ كَانَ ٱلْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ، كَانَ وَاقِفاً عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ. فَرَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ ٱلْبُحَيْرَةِ، وَٱلصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا وَغَسَلُوا ٱلشِّبَاكَ. فَدَخَلَ إِحْدَى ٱلسَّفِينَتَيْنِ ٱلَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ ٱلْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ مِنَ ٱلسَّفِينَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلامِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ٱبْعُدْ إِلَى ٱلْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ». فَأَجَابَ سِمْعَانُ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا ٱللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئاً. وَلٰكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي ٱلشَّبَكَةَ». وَلَمَّا فَعَلُوا ذٰلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً، فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ. فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ ٱلأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ. فَأَتَوْا وَمَلأُوا ٱلسَّفِينَتَيْنِ حَتَّى أَخَذَتَا فِي ٱلْغَرَقِ. فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذٰلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: «ٱخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ». إِذِ ٱعْتَرَتْهُ وَجمِيعَ ٱلَّذِينَ مَعَهُ دَهْشَةٌ عَلَى صَيْدِ ٱلسَّمَكِ ٱلَّذِي أَخَذُوهُ. وَكَذٰلِكَ أَيْضاً يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ٱبْنَا زَبْدِي ٱللَّذَانِ كَانَا شَرِيكَيْ سِمْعَانَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: «لا تَخَفْ! مِنَ ٱلآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ ٱلنَّاسَ!» وَلَمَّا جَاءُوا بِٱلسَّفِينَتَيْنِ إِلَى ٱلْبَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ» (لوقا 5: 1-11). |
في إحدى الليالي التي قضاها بطرس ويعقوب ويوحنا، وربما أندراوس أيضاً في الصيد، لم ينالوا إلا الفشل، فرجعوا صباحاً إلى الشاطئ خائبين وأرسوا سفينتهم، ثم غسلوا الشباك حسب عادتهم، وما لبثوا إلا قليلاً حتى حصل ازدحام حول معلمهم عند الشاطئ، لأن جمهوراً من الناس جاءوا ليسمعوا كلمة الله. وبعد أن ألقى المسيح عظته، أمر تلميذه بطرس أن يبعد إلى العمق ويجدد الصيد. وكان هذا صعباً على بطرس، لأنه غسل الشباك وأعدَّها للصيد في الليلة التالية. فإن طرحها مرة أخرى دون أن يفلح، يتحمَّل تعباً لا فائدة منه. ثم بما أنه صياد ماهر، والمسيح نجار، فثقيلٌ على صياد أن يأخذ تعليمات للصيد من نجار، فالمعروف أن يكون الصيد ليلاً، وقلّما يُرجى خير من صيد النهار. وقد أكد اختبار بطرس في الليل الفائت أن الأسماك غير موجودة الآن في تلك البقعة. لذلك اعترض أولاً، ثم عاد فامتثل لأمر المسيح. فحصل حالاً على جزاء طاعته وتسليمه، فقد امتلأت سفينته وسفينة ابني زبدي بالسمك حتى أخذتا في الغرق. فاعترتهم دهشة لهذا الأمر العجيب. أما بطرس فلشدة انفعاله، سجد عند ركبتي سيده وقال: «اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ». نتصوره مدفوعاً إلى هذا الطلب الغريب لخجله بسبب اعتراضه أولاً، ومن ارتعابه لوجود شخص في سفينته قادر أن يعرف جميع سيئاته ويجازيه عليها، كما دفعه أيضاً التواضع ليحسب سفينته حقيرة عن أن تتشرف بشخص مثل المسيح. يرتعب الخاطئ دائماً من رؤية القدوس. فلما رأى بطرس شيئاً جديداً من أمجاد المسيح القدوس ارتعب. لكن المسيح لم يوبخه على طلبه الغريب هذا، لأن طلبه كان مشفوعاً بسبب شريف جداً، وهو الشعور بالخطأ. فلم يكن بطرس يعرف المسيح بعد كما هو، وظن أنه يريد الابتعاد عن الخطاة. وإبليس عادة يزرع مثل هذا الوهم في عقول الخطاة ليحرمهم من الإقبال على المسيح.
لكن المسيح بحكمته ومحبته رفض طلب بطرس، وهذه خُطته دائماً عندما يطلب منه المؤمنون في صلاتهم أموراً ليست للخير. فاستجاب طلب بطرس بعكسه، لأن بطرس طلب أن يَبْعُد المسيح عنه، فاقترب المسيح منه أكثر، لأنه نظر إلى الصواب في قلب بطرس، لا إلى الخطأ في كلامه، وطمأنه حالاً بقوله: «لا تخف». وأكّد له تعيينه ليصيد الناس. وهذا شرف أعظم كثيراً من مهنته السابقة. وهذه هي المهنة التي يريدها المسيح لكل فرد من تابعيه حسب مقدرته واختلاف أحواله.
ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر، ترك التلاميذ الأربعة كل شيء وتبعوه.
معجزة شفاء مشلول | ||
|
«ثُمَّ دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ أَيْضاً بَعْدَ أَيَّامٍ، فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ ٱجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلا مَا حَوْلَ ٱلْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِٱلْكَلِمَةِ. وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجاً يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ٱلْجَمْعِ، كَشَفُوا ٱلسَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا ٱلسَّرِيرَ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعاً عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هٰذَا هٰكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلا ٱللّٰهُ وَحْدَهُ؟» فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هٰكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهٰذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَٱحْمِلْ سَرِيرَكَ وَٱمْشِ؟ وَلٰكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ ٱلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ ٱلْخَطَايَا» - قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «لَكَ أَقُولُ قُمْ وَٱحْمِلْ سَرِيرَكَ وَٱذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ». فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ ٱلسَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ ٱلْكُلِّ، حَتَّى بُهِتَ ٱلْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا ٱللّٰهَ قَائِلِينَ: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هٰذَا قَطُّ!» (مرقس 2: 1-12). |
بعد هذا عاد المسيح من شاطئ البحر ودخل بيتاً وصار يعلّم، كما علّم سابقاً في الهيكل، وعلى البئر، وفي المجمع، وعلى ظهر السفينة، فكثر الازدحام حوله حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب، وكان يخاطبهم بالكلمة. وحضر بين هذا الجمع الغفير فريسيون ومعلمون للناموس من مدن وقرى عديدة في مقاطعتي اليهودية والجليل حتى ومن أورشليم، ليسمعوا كلامه ويروا معجزاته. فنتصورهم جالسين في مقام الإكرام بجانب المعلم الشهير الذي أتوا إليه، لأن قوة الرب كانت لشفائهم.
ثم شعر الجمع بحركة غير اعتيادية أحدثها أربعة رجال يحملون مشلولاً على فراش يطلبون أن يصلوا إلى المسيح فلم يقدروا، لأن كثيرين كانوا قد أتوا قبلهم، ينتظرون فرصة ليصلوا إلى هذا الطبيب العجيب لينالوا الشفاء لهم أو لذويهم، فاستنبط حاملو المفلوج طريقة غريبة للوصول بمريضهم إلى المسيح، فقد استدلّوا على مكان جلوس المسيح في البيت، ونقبوا السقف فوق رأسه ودلُّوا الفراش من بين الأجُرّ إلى الوسط قدامه. فيا له من منظر مدهش يستلفت أبصار الجمع الغفير ويشغل أحاديثهم، ولا سيما هؤلاء الغرباء الأكابر! أمام المسيح وأمامهم الآن فراش نزل بينهم يحمل مشلولاً أخرسه الشلل دون أن يمسّ سمعه. لا صوت ولا حركة ولا مطالب إلى حالته المحزنة.
انفرد المسيح عن سائر المعلمين في اهتمامه بأحوال الناس الداخلية قبل الخارجية. ولما كان يعلم الخفايا والأسرار، كان يمكنه أن يوفّق كلامه وأعماله لمقتضيات هذه الأحوال الداخلية، فابتدأ مع هذا العليل بالشفاء الداخلي. إذْ قال له: «ثق يا بنيَّ، مغفورة لك خطاياك» نستنتج من هذا أنه رأى في قلب هذا الشاب توبة عن خطايا كان يحسب مرضه بالشلل قصاصاً لها. فكان مهتماً غاية الاهتمام بغفرانها مع اهتمامه بالشفاء الجسدي. نتصوره من جملة الذين سمعوا تعليم المسيح سابقاً واستفادوا منه. فعند هذه المصيبة الكبيرة، تعلّق قلبه بهذا المعلم أملاً بخلاص روحي وجسدي معاً.
وكان الإيمان القوي الذي أظهره حاملوه الأربعة سبباً عظيماً جعل المسيح يساعده، إذْ نابوا بذلك عن المفلوج الذي منعه خرسه عن إعلان ما في قلبه من التوبة والإيمان، فامتلأ المفلوج، وهو بعد تحت سلطة الشلل، تعزية وفرحاً روحياً حالما سمع كلمة المسيح أن خطاياه مغفورة. فكانت نتيجة مصيبته العظيمة أنها أتت به إلى المسيح الذي خلصه من المصيبة الأعظم جداً، أي حمل خطاياه.
يؤيد صحة كلامنا هذا أن المسيح لا يعلن الغفران إلا لمن هو أهلٌ له بسبب شعوره الروحي. ولا بد أن هذا المفلوج رنَّم في قلبه مع داود النبي: «طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُلٍ لا يَحْسِبُ لَهُ ٱلرَّبُّ خَطِيَّةً» (مزمور 32: 1 و2). طوبى له لأن الله يرافق غفرانه بسائر بركاته، وليس كالذي تبرِّئه المحاكم الدينية، فإن الله يعطي مع غفرانه مواعيد لا تُقدَّر بثمن، ونعمةً فائضة، ثم المجد الأبدي.
أثبت المسيح حقَّه في منح الغفران، فأثبت لنفسه مقاماً فوق سائر البشر. وقد أثَّر هذا كثيراً في الذين رأوا وسمعوا ما حدث، فلم ينْسَ بطرس فيما بعد عمل المسيح الغفراني، إذ نسمعه يصرّح أمام المجمع الكبير الذي اجتمع في أورشليم ليحاكمه بقوله: «هٰذَا رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ بِيَمِينِهِ رَئِيساً وَمُخَلِّصاً، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ ٱلتَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا» (أعمال 5: 31).
كان شفاء هذا الرجل جسدياً يشبه شفاءه الروحي، في أن حَمْل السرير لم يكن شرطاً سابقاً لنيْل الشفاء، بل نتيجة له. وليس الصلاح شرطاً سابقاً لنوال الغفران بل هو نتيجة للغفران المجاني وثمره.
وكان يشبهه أيضاً في أن شفاء النفس مُنح حالاً. وليس غفران الخطايا وعداً بأمر مؤجل، يحصل عليه الخاطئ عند موته أو بعده، أو بعد أن يظهر استحقاقه، لأن الله يعطي الغفران حالاً عند الطلب المخلص القلبي الحار من إنسان يفهم ماذا يطلب. يستطيع المخلِّص أن يفعل ذلك حالاً لأنه يعلم نيّة الإنسان الداخلية، فلا يحتاج كما يحتاج البشر إلى وقت ليتأكد من استعداد الخاطئ للغفران.
وكان يشبهه كذلك في أن المسيح لم يمنح المفلوج جزءاً فقط من الصحة، ثم يتركه ليسترجع العافية تدريجياً، ويطلب من الأربعة الذين أتوا به أن يحملوا له الفراش ليعود إلى بيته من حيث أتوا. لكنه أعطاه صحة كاملة، وأعطاه أيضاً غفراناً كاملاً لجميع خطاياه دفعة واحدة. فكل ما يفعله المسيح يعمله كاملاً. لو بقي أقل شيء من الخطيئة بدون غفران لهلكت نفس الرجل، كما لو بقيت الخطيئة كلها. تماماً كما لا يمكن لصاحب سفينة اخترقتها ثقوب عديدة أن يصلح بعضها ويترك ولو واحداً منها، لأن ثقباً واحداً يُغرق السفينة نظير المئة. ولذلك يغفر الله غفراناً كاملاً..
أما الرؤساء الزائرون الجالسون مع المسيح فلم يعترفوا له إلا بالحقوق التي لمعلم بشري، وليس بينها حق مغفرة الخطايا. فاعتبروا المسيح مجدفاً لأنه أخذ لنفسه حقوقاً إلهية، ولذلك حكموا في أفكارهم على المسيح أنه مجدف، وعليه يكون أشر الناس، ويستحق عقاب الرجم حسب شريعتهم.
اهتم المسيح أن يقدم لهم براهين أنه أكثر من معلم بشري، وإذْ ذاك لا يكون منحه الغفران تجديفاً. وأول برهان قدمه على ذلك أنه أعلن لهم ما هي أفكارهم التي لم يظهروها لأحد. وبذلك أتمَّ نبوة إشعياء عنه «وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ ٱلرَّبِّ، رُوحُ ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْفَهْمِ... فَلا يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلا يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ» (إشعياء 11: 2 و3).
ثم أشار المسيح إلى برهان آخر تكلم عنه لكي يتأملوا فيه قبل أن يقدمه لهم فعلاً، أي القوة لشفاء هذا المفلوج، لأن الفالج متى رسخ وطال يكون غير قابل للشفاء. لكن إن شُفي وظهرت النتيجة حالاً، لا يقدر إنسان أن يتهم المسيح بالكذب. لذلك قال للمفلوج: «قم احمل سريرك وامش». أما القول: «مغفورة لك خطاياك» فمن السهل أن يقوله أي كذّاب شاء، لأنه لا توجد واسطة ظاهرة لتكذيبه، ولهذا السبب يكون القول: «مغفورة لك خطاياك» أسهل من القول: «قم احمل سريرك وامش». فالذي يأمر بالشفاء ويَصْدُق فيه، لا يمكن أن يقول بغفران الخطية إلا صدقاً. كان هذا دفاعَ المسيح عن نفسه، فأظهر لهم أن سلطانه على غفران الخطايا هو حقُه على الأرض كابن الإِنسان، لأنه ابن اللّه أيضاً. ثم ليثبت قوله بفعله قال للمفلوج: «قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك».
وحالاً قام المفلوج صحيحاً، فالذين لم يفسحوا لحامليه الطريق في دخوله، تسابقوا الآن للتفسيح في خروجه. والسرير الذي حمله وهو داخل، وكان دليل سقمه، صار يحمله وهو خارج دليلَ شفائه التام. فما أقوى العبارة التي وُضعت لبيان شفائه: في الحال قام أمامهم، وحمل ما كان مضطجعاً عليه، وخرج قدام الكل، ومضى إلى بيته وهو يمجد اللّه.
3 - المسيح يدعو متى | ||
|
«ثُمَّ خَرَجَ أَيْضاً إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَأَتَى إِلَيْهِ كُلُّ ٱلْجَمْعِ فَعَلَّمَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «ٱتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ. وَفِيمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِهِ كَانَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ يَتَّكِئُونَ مَعَ يَسُوعَ وَتَلامِيذِهِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِينَ وَتَبِعُوهُ. وَأَمَّا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ يَأْكُلُ مَعَ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ، قَالُوا لِتَلامِيذِهِ: «مَا بَالُهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ؟» فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لا يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ» (مرقس 2: 13-17). |
يوجه إليك السيد المسيح الآن دعوة لتتبعه.. تماماً كما سبق أن وجَّه الدعوة لأحد جُباة الضرائب واسمه «متى». لما وصل المسيح إلى محل الجباية حيث يحصّل مأمور الحكومة الرومانية الضرائب على البضاعة المنقولة من بلاد إلى بلاد، وقف مقابل أحد هؤلاء الرجال، وبعد السلام ناداه: «اتبعني».
لم يكن باطن هذا الأمر بسيطاً كظاهره، لأنه كان في ظروف هذا المدعو الجديد ما ينفّر منه جميع الذين مع المسيح. ومع أنه ابن بلدهم كفر ناحوم، واسمه متى أي «عطية اللّه». واسمه العبراني لاوي يعلن أنه من العائلة الكهنوتية الشريفة. ومع أنه من أصحاب المعارف، ومن أهل اليُسْر المالي، لكنه كان من جباة الضرائب المرذولين المحتقرين. وهذا يكفي لاشمئزاز كل محب، ولشماتة كل مبغضي المسيح، إنْ لبَّى متى العشار دعوة المسيح وانضم إلى تلاميذه.
لنا في دعوة المسيح لمتى شاهد جديد على عظمة المسيح المبنيَّة على استقلاله عن الآراء السائدة عند الجميع في أيامه. وهذا الشاهد يتفق اتفاقاً جميلاً مع القول بلاهوته، لأن البشر يُجَارون المجتمع في أفكارهم. ألم يقل الرب لشعبه: «أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلا طُرُقُكُمْ طُرُقِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ»؟ (إشعياء 55: 8). فمخالفة أفكار المسيح ومبادئه لأفكار معاصريه ومبادئهم، دليل على أنه ليس من الأرض، فقد كان الرؤساء والمتقدمون بين اليهود يكرهون جابي الضرائب ويحرمونه من الحقوق المدنية، ولا يقبلون شهادته في المحاكم، وكانوا يعتبرونه من المرابين والمقامرين واللصوص والقتلة والزناة والوثنيين، فلا يطلبون منه إحساناً، ولا يخالطونه خصوصاً وقت الطعام، وكانوا يشبّهون العشارين بين سكان المدن بالوحوش الضارية بين الحيوانات. فنتيجة لهذا حدث أن الذين لدناءتهم كانوا يقبلون هذه الوظيفة ازدادوا بفعلها دناءةً شيئاً فشيئاً، حتى صار تحقيرهم حكماً عادلاً إلا في ما ندر. كيف إذاً يدعو المسيح عشاراً ليكون تلميذاً ملازماً ثم رسولاً عنده؟
لم يكن ممكناً أن يكون المسيح مثل الرؤساء والمتدينين في إغضائهم عن العدد الكبير من اليهود الذين دخلوا بالاختيار وبالتسلسل في صفّ العشارين. لا بل إن روح المروءة جعلت المسيح يمنح هؤلاء المحتقرين التفاتاً خاصاً.. وهذا ما فعله لما دعا متى العشار ليتبعه.
رأى المسيح زلات معلمي الدين تفوق كثيراً زلات العشارين في الجسامة وفي استحقاقها الدينونة، فصرَّح مراراً وجهاراً بهذا الحكم العادل. ولو أدرك الفريسيون هذا، لسلِموا من دينونته المخيفة، فإن الخطاة الذين يشعرون بخطاياهم ويعترفون بها له، هم أقرب إلى ملكوت اللّه من المتظاهرين رياءً بالتديُّن، لذلك تنسَّم المسيح الخير الأعظم من العشارين المرفوضين.
أدرك المسيح شخصاً من الطبقة السفلى، لما بشّر السامرية وقادها إلى التوبة والإِيمان، وها هو يدعو متى ليُدخِله إلى ملكوته الروحي. فأوضح أن رداءة العشارين هي حُجَّتهم لينالوا منه التفاتاً ممتازاً، لأنه كطبيب لا يطلب الأصحاء بل المرضى. ومخلص الفريسيين هو أيضاً مخلص العشارين، حتى أنه قال مرة لرؤساء الكهنة وشيوخ الشعب: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ، لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ ٱلْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا ٱلْعَشَّارُونَ وَٱلزَّوَانِي فَآمَنُوا بِهِ» (متى 21: 31 ، 32). بهذا الكلام أظهر المسيح أن نصيب المعمدان كان نصيبه هو أيضاً، إذْ رفضه الرؤساء غير التائبين، بينما تمسك به الأشرار التائبون.
لا نظن أن هذه بداءة معرفة متى بن حلفى للمسيح. نرجِّح أنه كان قد سمع وعظه تكراراً ومال إلى تعاليمه، وأنه رأى معجزاته وآمن به إيماناً بسيطاً نظير كثيرين غيره. ونعتقد أنه ابتدأ يكره وظيفته الدنيئة ويشتهي أن يتركها. وأن المسيح نظر إلى هذا الاستعداد السابق، فعرف متى أهلاً لهذه الدعوة، فدعاه حتى ترك كل شيء وقام وتبعه حتى الآن، وظهر عمل النعمة فيه، فتحوَّلت ميوله عن حب المال إلى حب التضحية بالمال بل وبكل شيء، لأجل المسيح.
لم يكتف متى بترك وظيفته وأرباحها لأجل المسيح، بل أضاف على ذلك أنه صنع ضيافةً في بيته للمسيح، دعا إليها معه زملاءه العشارين والخطاة، لأن غيرهم لا يلبّون دعوة عشار. لا بد أنه قصد بذلك أن يفتح الباب لهم ليستنيروا كما استنار هو، وهذا دأْبُ كل مستنير. ومتى هو الوحيد بين الرسل الذي ذُكر له عمل كهذا، أظهر به امتنانه الزائد للمسيح الذي تنازل ودعاه ليكون تلميذاً ملازماً له بعد أن خلّصه من ورطة الآثام. قدّر متى هذه الدعوة حقَّ قدرها، فإن الخسارة التي تحمّلها في تركه كل شيء، لا تُقاس بما ربحه عوضاً عن تلك الخسارة. فضلاً عن الكرامة التي منحها الله له على مرّ السنين، إذ صارت بشارته فاتحة الإنجيل وخُلِّد اسمه فوق أسماء معاصريه من ملوك وعلماء وأغنياء، وربح بواسطة إنجيله نفوساً بلا عدد، كان هو هاديهم إلى الملكوت السماوي. هذا وكل من يترك منكرات هذا العالم، حتى وخيراته وملذاته، لأجل اتّباع هذا المعلم السماوي وخدمته، لا بد أن ينال ربحاً جزيلاً.
أظهر متى صدق تقواه الجديدة في أنه بدأ يفكر في ماذا يعطي، لا ماذا يأخذ. نرى البعض يميلون إلى اعتبار ذواتهم متفضّلين على الكنيسة في انضمامهم إليها، ويطلبون مقابل ذلك منافع زمنية، يماثلون بطرس الذي في إحدى سقطاته الكثيرة سأل المسيح: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» (متى 19: 27). بينما يجب أن يعتبروا الكنيسة مفضَّلة عليهم بقبولها لهم، ويقدمون للكنيسة قسماً مهماً من خيراتهم الزمنية إظهاراً لشكرهم.
يذكر متى في بشارته دعوة المسيح له، لكنه أظهر تواضعه بعدم ذكره أنه ترك كل شيء وتبعه، وأنه صنع ضيافة كبيرة له. لوقا فقط يخبر بذلك. ثم بينما مرقس في قائمة الرسل، ولوقا في قائمته، يتحفّظان ولا يسمّيانه «متى العشار»، يطلق هو قائمته هذا اللقب على نفسه، فيعطي نفسه الاسم المحتقر، كأنه يتعمَّد أن ينسب الفخر للمسيح الذي تنازل وضمَّ عشاراً إلى رسله.
يقول المثل الدارج في كل لغات الشرق والغرب «إن الطيور على أشكالها تقع». وقد نظر الفريسون إلى المسيح بعين الاحتقار، لاختياره مخالطة الأدنياء ومجالسهم ومؤاكلتهم. لكن هذا المثل يصحُّ فقط في من يتلذذ بمعاشرة الأشرار، لارتباطه معهم في المبادئ. ومثل هذا لا حقَّ له أن يتستّر وراء قدوة المسيح الذي عاشر الخطاة المختلفين عن ميوله ومبادئه، ليغيّرهم ويهديهم إلى النور السماوي.
قبل المسيح دعوة متى للضيافة في بيته، وبذلك هدم جداراً فاصلاً بين رتب الناس وطبقاتهم، وأعلن بأن الله لا يفضل أحداً على أحد «بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ ٱلَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ ٱلْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ» (أعمال 10: 35). وكان مبدأ المساواة في الحقوق والكرامة عند الله بين غني وفقير، وعالم وبسيط وملك وعبد، غير معروف في ذلك الزمان، بل صرّح به المسيح أولاً، وأورثه للعالم أثمن كنز.
من يمعن النظر في هذا الاجتماع الغريب يرى طرفي النقيض في بيت متى. على الجانب الواحد نرى المسيح الذي سُميّ «القدوس» (مرقس 1: 24). وهو الكامل الذي يكره حتى أقل درجات الدنس والشر والخطيئة على أنواعها كَرْهاً لا يوصف. ثم الجانب الآخر نرى زمرة العشارين والخطاة. فكيف يمتزج الفريقان؟ لنا الجواب في كلام المسيح الذي قاله بمناسبة هذه الضيافة، فإنه قد جاء ليدعو الخطاة للتوبة.
تذمر الكتبة والفريسون لأن المسيح قبل دعوة متى واشترك في وليمته. لا مانع عندهم من أن يجلس عشارون على مائدة عشار، لكنهم عيَّروا المسيح على ذلك واشمأزوا من امتزاجه مع هذا الجمهور المحتقر.
لما شفى المسيح المفلوج في بيت آخر في هذه المدينة، بكّتهم المسيح وأبكمهم على اعتراضهم الفكري، لذلك لم يجسروا أن يعلنوا أفكارهم ويهاجموه باعتراضاتهم الآن، خوفاً من ردِّه عليهم رداً أقوى من الرد الأول، فصوَّبوا هجومهم ضد التلاميذ وقالوا لهم: «ما بال معلمكم يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة؟». ثم «لماذا أنتم تأكلون وتشربون مع العشارين والخطاة؟».
لم يصبر المسيح على تلاميذه ليجاوبوا، بل أسرع هو بالجواب، فلم يكن التلاميذ مستعدين بعد ليقدموا جواباً كافياً في أمر عظيم الأهمية كهذا، لأنه يتعلق بقصد المسيح الرئيسي في تركه السماء وظهوره متأنساً في العالم. ففي جوابه أعلن وظيفته الروحية التي كانت أعماله الظاهرة رمزاً وإيضاحاً لها. كان يشفي الأجسام ليوضح للناس أنه طبيب الأنفس. فكما أنهم رأوا اهتمامه بالسُّقماء في معجزات الشفاء، وَجَبَ أن يعرفوا اهتمامه بالخطاة لأجل شفاء أنفسهم من الخطيئة. في هذا الكلام يعلن لأول مرة أنه هو طبيب الأرواح. فكما يعلمون أن الطبيب لا يقدم خدمته للأصحاء بل للمرضى، يجب أن يعلموا أيضاً أن المخلِّص يقدم خدمته للخطاة وليس للأبرار. لا يعالج طبيب سقيماً يدَّعي السلامة من المرض، وكذلك لا يخلِّص المخلّص خاطئاً يدَّعي السلامة من الخطيئة. وهذا ما كان يدَّعيه هؤلاء المتدينون ظاهراً، والمفتخرون بأنهم معلّمو الدين. لو كانوا حقاً أبراراً كما يدَّعون، لفرحوا بأن يروا من المسيح اهتماماً بالضالين ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولكانوا يدركون أن امتزاج الطبيب مع السقماء فخر له لا عيب، وليس فيه دليل على أن الطبيب مثل مريضه، أو شريكه في السقام.
أظهر المسيح بقوله: «لم آتِ لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة» أهمية التوبة.
وما هي هذه التوبة التي يدعو إليها؟ أولاً: هي شعور الإنسان بفظاعة الخطيئة وبأنه خاطئ. ثانياً: الأسف الشديد على ما مضى من خطاياه. ثالثاً: العزم الحقيقي بتركها في المستقبل. رابعاً: الالتجاء إلى مانح الغفران الإلهي في روح التوبة، والاستعانة بنعمته للثبات فيها.
4 - شفاء مريض بركة بيت حسدا | ||
|
«وَبَعْدَ هٰذَا كَانَ عِيدٌ لِلْيَهُودِ، فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ ٱلضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِٱلْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ. فِي هٰذِهِ كَانَ مُضْطَجِعاً جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ ٱلْمَاءِ. لأَنَّ مَلاكاً كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَاناً فِي ٱلْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ ٱلْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلاً بَعْدَ تَحْرِيكِ ٱلْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ ٱعْتَرَاهُ. وَكَانَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ بِهِ مَرَضٌ مُنْذُ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً. هٰذَا رَآهُ يَسُوعُ مُضْطَجِعاً، وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ زَمَاناً كَثِيراً، فَقَالَ لَهُ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟» أَجَابَهُ ٱلْمَرِيضُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي ٱلْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ ٱلْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قُمِ. ٱحْمِلْ سَرِيرَكَ وَٱمْشِ». فَحَالاً بَرِئَ ٱلإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى. وَكَانَ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ سَبْتٌ»(يوحنا 5: 1-9). |
يروي البشير يوحنا في الأصحاح الخامس من بشارته قصة شفاء رجل مريض منذ 38 سنة، كان يقيم عند بركة اسمها بركة بيت حسدا، فيها نبعٌ فوَّار بجوار المدينة المقدسة، يفور فينسب الناس إلى مياهه الفائرة فاعلية شفائية. وقد تردَّد الناس على هذه البركة بكثرة لينالوا الشفاء، مما دعا إلى بناء خمسة أروقة (عنابر) حول هذه البركة ليأوي إليها الذين يطلبون الاستفادة من هذه المياه عند فورانها.
جاء المسيح في يوم سبت إلى هذه الأروقة ورأى فيها جمهوراً كثيراً من مرضى وعمي وعُرج وعُسم مضطجعين يتوقّعون تحريك الماء. من بين هذا الجمهور التعيس المحزن اختار المسيح شخصاً واحداً متقدماً في السن ليشفيه، فيتبارك السبت المقدس بفعل الرحمة فيه. فلماذا اختار المسيح هذا المريض بالذات ليشفيه؟ هل لصعوبة أمره لكبر سنِّه، ولمرور ثمان وثلاثين سنة على مرضه؟ لا شك أنه كان أطول المرضى إقامة عند البركة. نستنتج أيضاً أن المسيح رآه مناسباً ليمنحه الشفاء، لأنه علم أن مرضه هذا أتاه نتيجة آثام كان قد ارتكبها، فيسهل منحه شفاء روحياً أيضاً مع شفائه الجسدي. كما رأى فيه الشرط ليمدَّ له يد المساعدة، وهو اليأس. إنْ لم ييأس الإنسان من أمره، وعلى الأخص من أمر خلاص نفسه، بدون المسيح، لا يمكن أن يمدَّ له المسيح يد المساعدة أو يخلصه.
وقف المسيح عند هذا الرجل على فراشه، وتفرَّس فيه، وسأله سؤالاً ظاهره بسيط، يبيّن اهتمام هذا المعلم الغريب القادم من الجليل بخبر هذا العليل الذي يجهله. قال له: «أتريد أن تبرأ؟» كان يمكن أن يستخفَّ هذا الرجل بهذا السؤال الفضولي من غريب، لكنه احترم المسيح وكشف له أمره. لا بد أنه تأثر من هيئة المسيح، كما تأثر من صوته، فاحترمه وأجابه: «يا سيد، ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء، بل بينما أنا آتٍ، ينزل قدامي آخر». علَّق المسيح أمر الشفاء على إرادة هذا العليل. والمسيح يوقف دائماً وأبداً أمر خلاص النفس على إرادة الخاطئ.. يسأله: «أتريد أن تَخْلُص؟» لقد أعلن الله صريحاً أنه هو يريد خلاص الجميع، ومع ذلك يبقى على الخاطئ أن يريد، وإلا فالخلاص لا يتم.
من جواب المقعد على سؤال المسيح نرى أن مرضه ثقيل لدرجة أنه في هذه السنين كلها لم يمكنه أن يسبق الآخرين في النزول من الرواق إلى البركة عند تحريك الماء. كما نرى أيضاً أنه وحيد، ليس له معين يقدّم له هذه الخدمة الضرورية. لو عرف هذا المسكين أن المسيح قصده لأنه ليس إنسان، وأن افتقاره هذا هو حُجَّته عند المخلص، لتغيَّرت لهجته من اليأس إلى الرجاء. ولا يزال هذا المخلص يطلب ويخلّص من يشعر ويعترف أنْ ليس له إنسان آخر، كما قال صاحب المزامير: «لا تَتَّكِلُوا عَلَى ٱبْنِ آدَمَ، حَيْثُ لا خَلاصَ عِنْدَهُ» (مزمور 146: 3).
لكن وجود هذا المريض عند البركة في بيت حسدا يدلّلُ على أنه يطلب الشفاء. فلماذا يسأله المسيح «أتريد؟» والإجابة: كانت إرادة المريض قد صارت سقيمة كجسمه بسبب تكرار الفشل ومرور السنين. وكان لا بد من إنهاض قوة الإرادة لتشترك مع قوة المسيح الشافي، فينفض المريض من خموله المعتاد. ويصدق هذا أيضاً على الخاطئ الذي يلازم فروض الدين الخارجية، فيُظهر بذلك أنه من طالبي الخلاص من الخطيئة. لكنه يخشى أن يتكرر فشله في مقاومته للخطيئة بسبب سلطتها عليه، سنوات طويلة بدون تغيير فيصيب الخمول إرادته، ويفتر في طلب الخلاص من الخطيئة. لذلك سأله المسيح: «أتريد؟».
سؤال المسيح هذا في محلّه أيضاً، نظراً لكثرة الذين لا يريدون هذا الخلاص. وهو لا يمكن أن يمنحه إلا لمن يريد من كل قلبه هذه الهبة التي لا تُثمَّن.
كان هذا الرجل قد حدَّد لنفسه كيفية الشفاء الذي يطلبه، فأتاه الشفاء على صورة تخالف تصوُّراته تماماً. كان يوجه نظره وميوله وأشواقه نحو البِركة التي منها توقع الشفاء عند تحريك الماء بواسطة ملاك حسب زعمه، لكن أتاه المسيح - الذي تنفذ كل الملائكة أمره عند سماع صوت كلامه - ومنحه شفاء لم يكن يحمل بمثله.
أمر المسيح المريض: «قم احمل سريرك وامش». وكنا لا نستغرب الأمر لو أن المريض أجابه: «أقمني أنت وانزلني إلى البركة وقت تحريك الماء، وحينئذ أحمل سريري وامشي. إن كنت حقاً تشفق عليّ وترثي لحالتي، انتظر معي هنا تحريك الماء، وكُنْ أنت الصديق لوقت الضيق، الذي طالما اشتاقت نفسي لمجيئه, ولم يأت». لكننا نمدحه لأنه لم يتقيد بظنونه وتصوراته المتعلِّقة بالشفاء. ومنه نتعلم أن نأخذ المعرفة اللازمة للخلاص من تعاليم المسيح، وليس من تصوُّراتنا السابقة ولا من غيرنا من البشر.
لما كان الشفاء من الأمراض رمزاً للخلاص من الخطيئة، لم يؤجل المسيح شفاء هذا الرجل مع أن ذلك اليوم كان سبتاً. فالخلاص أيضاً لا يؤجل. واليوم المقدس هو أفضل يومٍ لإتمامه. وفي قول المسيح للرجل: «قم» يقول: «اِفعل ما تستطيع أن تفعله، وإلا فلا شفاء لك». وهو يقول مثل ذلك للخاطئ: «تيقَّن أن الذي يأمرك أن تأتي إليه يعطيك القوة الكافية لذلك. أنت تستطيع أن تدرس الكتاب الإلهي، وتستطيع أن تجثو مصلياً. تستطيع أن تواظب على الاجتماعات في المعبد. تستطيع أن تسترشد من الذين تعتبرهم مرشدين. فقُم. تحرَّكْ روحياً».
أحيا المسيح بروحه رجاءً في هذا اليائس، فشعر المريض بنشاط جديد في عضلاته عندما تحرك، وحالاً برئ وحمل سريره ومشى. وعندما أمر المسيح الرجل أن يحمل سريره أوجب عليه أن يبرهن شفاءه السريع المجاني الكامل بعملٍ ظاهر يمجّد شافيه، فأمره أن يهجر مرقده الذي ألفه هذه السنين الطوال، ولا يترك باباً مفتوحاً للعودة إليه، كأنه يشكُّ في حقيقة شفائه ودوامه. وكأن المسيح يأمره أن يخرج ليمارس الأعمال المفيدة له ولغيره. وهذا ما يقوله المخلص دائماً للخاطئ: «امْحُ ما تستطيع من آثار خطاياك بعد نيلك الغفران الحالي المجاني الكامل، واخرج بعد حصولك على الخلاص لتمارس الأعمال الروحية المفيدة لك ولغيرك. بدلاً من أن يحملوك احمل. بدلاً من يخدموك اخدم. قدِّم بعملك برهان خلاصك. اعلن عزمك التام أن لا تعود إلى حياتك القديمة الأثيمة».
ومن قول المسيح للرجل: «امشِ» يبيّن له أنه لا يكفي مجرد الشفاء، بل عليه أن يترك صُحبه السقماء، ويقصد صحبة الأصحاء وأعمالهم، عليه أن يخرج بين الناس ويُريهم ما عمل به المسيح. على الخاطئ الذي يخلّصه المسيح أن يترك عشرته القديمة الفاسدة أولاً، ويطلب عشرة الأتقياء ليتقوى في الإيمان. عليه أيضاً أن يُظهر للجميع بكلامه وأفعاله التغيُّر المهم الذي حصل فيه، ويمجد بذلك مخلصه. لقد حوَّل صوت المسيح محل صلاة التوبة إلى محل الخلاص.
|
«فَقَالَ ٱلْيَهُودُ لِلَّذِي شُفِيَ: «إِنَّهُ سَبْتٌ! لا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ». أَجَابَهُمْ: «إِنَّ ٱلَّذِي أَبْرَأَنِي هُوَ قَالَ لِي ٱحْمِلْ سَرِيرَكَ وَٱمْشِ». فَسَأَلُوهُ: «مَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي قَالَ لَكَ ٱحْمِلْ سَرِيرَكَ وَٱمْشِ؟». أَمَّا ٱلَّذِي شُفِيَ فَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَنْ هُوَ، لأَنَّ يَسُوعَ ٱعْتَزَلَ، إِذْ كَانَ فِي ٱلْمَوْضِعِ جَمْعٌ. بَعْدَ ذٰلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلا تُخْطِئْ أَيْضاً، لِئَلا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ». فَمَضَى ٱلإِنْسَانُ وَأَخْبَرَ ٱلْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلَّذِي أَبْرَأَهُ. وَلِهٰذَا كَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هٰذَا فِي سَبْتٍ. فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى ٱلآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هٰذَا كَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ ٱلسَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ ٱللّٰهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِٱللّٰهِ» (يوحنا 5: 10-18). |
أطاع المريض أمر المسيح الذي شفاه، فحمل فراشه وسار وسط الناس، وكان ذلك يوم سبت، فانتقده رؤساء الدين اليهود. ولما سألوه عن الذي أمره أن يحمل فراشه لم يعرف. وكم من أشخاص يكتفون بما عمله المسيح لأجلهم، ولا يهتمون بمعرفة شخصه ليقدّموا له الشكر الواجب على خلاصهم.
كان التعصُّب الأعمى قد ملأ نفوس شيوخ اليهود، فأرادوا أن يهلكوا المسيح لأنه أمر المريض أن يحمل فراشه في يوم سبت. لم يهتموا أن يسألوا الرجل: من هو الإنسان الذي شفاك، بل فقط: «من هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وامشِ؟».
ولما لم يحصلوا على جواب منه لجهله من هو الذي شفاه، تركوه. لكن المسيح لم يتركه، فقد وجده في الهيكل وقال له: «ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشرّ». إن كل العذاب الذي يجوز فيه الإنسان لا يجلب التوبة ولا يطفئ فيه الميول الشريرة، فعذاب هذا الرجل كل هذه السنين لا يضمن أنه سيبتعد عن الخطيئة فيما بعد. ولذلك نصحه المسيح أن يتحذَّر من الرجوع إلى الخطية.
وما أن عرف الرجل اسم شافيه حتى أخبر رؤساء اليهود، فأرادوا أن يقتلوا المسيح. فقال لهم: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل». وفي هذا القول نلاحظ إفرازة ذاته في قوله «أبي» بصيغة المفرد، معلناً جليّاً أنه ابن الله الوحيد. ويعلِّق البشير على هذا بقوله: «من أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضاً إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله». وردت تكراراً تسميه البشر أبناء الله، ولكن لم ترد مطلقاً على صورة تتطلّب معادلتهم بالله، لذلك اعتبر شيوخ اليهود كلام المسيح تجديفاً وفكروا في إعدامه كمجدف.
نحن مدينون لهذه المقاومة مع أنها عدائية، لأنها جعلت المسيح يُلقي خطاباً من أهم خطبه، أعلن فيه جهاراً لأول مرة أمام الجمهور، حقيقة طبيعته الإلهية وعلاقته مع الآب.
|
«فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لا يَقْدِرُ ٱلابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلا مَا يَنْظُرُ ٱلآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهٰذَا يَعْمَلُهُ ٱلابْنُ كَذٰلِكَ. لأَنَّ ٱلآبَ يُحِبُّ ٱلابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هٰذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذٰلِكَ ٱلابْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ ٱلآبَ لا يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلآبَ. مَنْ لا يُكْرِمُ ٱلابْنَ لا يُكْرِمُ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ. «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلامِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلا يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ ٱلآنَ، حِينَ يَسْمَعُ ٱلأَمْوَاتُ صَوْتَ ٱبْنِ ٱللّٰهِ، وَٱلسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعْطَى ٱلابْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً، لأَنَّهُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ. لا تَتَعَجَّبُوا مِنْ هٰذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ ٱلَّذِينَ فَعَلُوا ٱلصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلْحَيَاةِ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا ٱلسَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلدَّيْنُونَةِ. أَنَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئاً. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ ٱلآبِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 5: 19-30). |
لم يرفض المسيح تهمة أن الله أبوه، وأنه معادل لله، بل أنه لم يرض السكوت عنها، لئلا يعتبر سكوته تسليماً وتصديقاً على اعتراضهم. بالعكس، لقد أيَّد التهمة ولم ينكرها، وزاد كثيراً على كلامه بهذا الخصوص، فقال: «لأن مهما عمل الآب يعمله الابن كذلك. لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعلمه. وكما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك يحب الابن أيضاً يحيي من يشاء. لأن الآب قد أعطى كل الدينونة للابن، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. وكما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً».
|
«إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقّاً. ٱلَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ ٱلَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ. أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَنَا لا أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ، وَلٰكِنِّي أَقُولُ هٰذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ ٱلسِّرَاجَ ٱلْمُوقَدَ ٱلْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً. وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ ٱلأَعْمَالَ ٱلَّتِي أَعْطَانِي ٱلآبُ لأُكَمِّلَهَا، هٰذِهِ ٱلأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا ٱلَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ ٱلآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي. وَٱلآبُ نَفْسُهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلا أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ، لأَنَّ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ. فَتِّشُوا ٱلْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلا تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ. «مَجْداً مِنَ ٱلنَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ، وَلٰكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ أَنْ لَيْسَتْ لَكُمْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِي أَنْفُسِكُمْ. أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِٱسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِٱسْمِ نَفْسِهِ فَذٰلِكَ تَقْبَلُونَهُ. كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْداً بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ وَٱلْمَجْدُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلإِلٰهِ ٱلْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ «لا تَظُنُّوا أَنِّي أَشْكُوكُمْ إِلَى ٱلآبِ. يُوجَدُ ٱلَّذِي يَشْكُوكُمْ وَهُوَ مُوسَى، ٱلَّذِي عَلَيْهِ رَجَاؤُكُمْ. لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتْبَ ذَاكَ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلامِي» (يوحنا 5: 31-47). |
يستشهد المسيح بخمسة شهود على أنه ابن الله الوحيد:
-
يستشهد بالمعمدان الذي يرجح أنهم كانوا قد سمعوا شهادته أن يسوع ابن الله، لأنهم لا يستطيعون الشك بصدق شهادته، ولا الرد على كلامه، فذكرها تسهيلاً لإيمانهم.
-
استشهد بأعماله.
-
ثم استشهد بمن لا تُقابَل عظمته مع عظمة غيره، وهو الآب ذاته. فهُمْ لتوغُّلهم في الشرور لم يسمعوا صوته، ولا أبصروا هيئته، كما سمع المسيح وأبصر.
-
ثم أتاهم بشاهدٍ رابع هو كتبهم المقدسة قال: «فتّشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي».
-
ثم أتاهم بشاهد خامس هو زعيمهم موسى، قال: «لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. لستم تصدقون موسى فكيف تصدقون كلامي؟».
وفي هذا الخطاب ذكر المسيح عمله المزدوج الموكول إليه من قبل الآب: أي الإحياء والإهلاك، فصرَّح بأن الهلاك نتيجة إرادة الإنسان «لا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة». لكن لئلا يظن سامعوه أنه يدّعي بالطبيعة الإلهية فقط (كما كان يفعل لو كان خادعاً ومخدوعاً) فهو يعلن ناسوته أيضاً في قوله: «أعطاه الآب سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان». وفي آخر خطابه يبكتهم المسيح على عدم اكتراثهم للمجد الذي يأتي من الله للمستحقين ذلك، وعلى اهتمامهم بالمجد العالي الذي يأتيهم من الناس دون نظرٍ إلى الاستحقاق.
عزيزي القارئ، ماذا تقول أنت في المسيح؟ هل تؤمن بما شهد الإنجيل عنه؟
5 - تعليم المسيح عن الصوم | ||
|
«وَكَانَ تَلامِيذُ يُوحَنَّا وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ يَصُومُونَ، فَجَاءُوا وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا يَصُومُ تَلامِيذُ يُوحَنَّا وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ، وَأَمَّا تَلامِيذُكَ فَلا يَصُومُونَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو ٱلْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا. وَلٰكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ. لَيْسَ أَحَدٌ يَخِيطُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، وَإِلا فَٱلْمِلْءُ ٱلْجَدِيدُ يَأْخُذُ مِنَ ٱلْعَتِيقِ فَيَصِيرُ ٱلْخَرْقُ أَرْدَأَ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ، لِئَلا تَشُقَّ ٱلْخَمْرُ ٱلْجَدِيدَةُ ٱلزِّقَاقَ، فَٱلْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَٱلزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ» (مرقس 2: 18-22). |
يبدو أن تلاميذ يوحنا المعمدان كانوا يصومون حسب النظام اليهودي، بينما لم يكن المسيح ولا تلاميذه يراعون فروض الصوم. وعندما دعا المسيح متى العشار ليتبعه أقام متى له وليمة ولتلاميذه ليتناولوا الطعام في بيته، فأثار هذا انتقاد قادة اليهود للمسيح.
كان الصوم أمراً عظيماً عند اليهود، كما هو الآن عند كثيرين غيرهم. طلب منهم النظام المُنزَل أن يصوموا يوماً واحداً في السنة، وهو يوم الكفارة. ولكنهم توهّموا أن مجرد الصوم يُرضي الله، فزادوا أصواماً جديدة سنوية عديدة، مبتدئين بذلك في سبي بابل. ووصل بهم الأمر أن فرضوا على أنفسهم صوم يومين في كل أسبوع على مدار السنة. ونستنتج من جواب المسيح على سؤال اليهود أن الله ترك أمر الصوم اختيارياً، وتابعاً للظروف التي تقضي به، فلا محل للصوم إلا في الأحوال الملائمة. وهذا يعني أنه لا يجب تحديد أصوام في أوقات معيّنة تُحفَظ على سبيل الفرض، سواء كانت الظروف تدعو إلى الصوم أم لا. كثيراً ما كانت أصوام شعب الله قديماً مكرهة لله، فقد قال الله على فم إشعياء: «يَقُولُونَ: «لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاحِظْ؟» هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَٱلنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ ٱلشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا ٱلْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي ٱلْعَلاءِ. أَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْماً يُذَلِّلُ ٱلإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَٱلأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيَفْرِشُ تَحْتَهُ مِسْحاً وَرَمَاداً. هَلْ تُسَمِّي هَذَا صَوْماً وَيَوْماً مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟ أَلَيْسَ هَذَا صَوْماً أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ ٱلشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ ٱلنِّيرِ، وَإِطْلاقَ ٱلْمَسْحُوقِينَ أَحْرَاراً، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ ٱلْمَسَاكِينَ ٱلتَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَاناً أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لا تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ» (إشعياء 58: 3-7).
الصوم المقبول إذاً هو الصوم الطبيعي الناتج عن حزن حقيقي. نرى الحزين يهمل الطعام، لأن نفسه تنفر من التلذُّذ في حالة الحزن، لأن الجسم لانشغاله بانفعالات الحزن يكون غير مستعد للهضم الطبيعي. وكما أن الفرح يعين الهضم، فالحزن يعيقه. ولكن تذليل الجسم دون تذلل الروح باطل. وقد حذر المسيح في الموعظة على الجبل من الصوم الافتخاري والتظاهر فيه، وبيَّن أن الصوم الأكثر قبولاً لديه هو الذي لا يعلم به إلا الله والصائم (متى 6: 16-18).
في جواب المسيح على سؤال اليهود عن الصوم، يظهر أن لتلاميذ المعمدان ما يوجب الصوم، بما أن رئيسهم ومعلمهم قد أُخذ منهم، وهو مطروح ظلماً في سجن مظلم. لكن ليس عند تلاميذ المسيح هذا الموجب لأن رئيسهم معهم. في الوقت ذاته أشار المسيح إلى يومٍ مقبلٍ عليهم، حين يُرفع عنهم عريسهم (أي رئيسهم) - وقتها ينوحون ويصومون. نرى في هذا تلميحاً إلى عنف اليهود وقساوتهم في أخذ المسيح للصليب، كما أشار النبي في قوله: «مِنَ ٱلضُّغْطَةِ وَمِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ أُخِذَ» (إشعياء 53: 8). نعم إنه سلّم ذاته للصلب بإرادته الحرة، وبمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، لكن ذلك لم يمنع ما أتى في تكملة هذه الآية في وعظ بطرس، إذ قال لصالبي المسيح: «وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ» (أعمال 2: 23).
في هذا الحديث عن الصوم يذكِّر سامعيه من تلاميذ المعمدان أن معلّمهم شبَّه نفسه بالعريس، وشبّه تلاميذه بأنهم «بنو العرس». فكيف يُنتظَر من بني العرس أن ينوحوا ويصوموا؟ هذا أقوى كلام استخدمه للتعبير عن الاتحاد الكلي بين المسيح وشعبه المؤمن.
تشبه العلاقة بين المسيح وبين نفوس المؤمنين به علاقة العريس مع العروس، من أوجه عديدة. فالمسيح يحب المؤمنين به حباً شديداً حتى الموت، وإلى الأبد. وهذا الحب يوجد اتحاداً تاماً بينه وبينهم، فيصيرون معه واحداً، إذ هم في المسيح والمسيح فيهم. هم الجسد الذي هو رأسه، وهو يفي جميع ديونهم للعزة الإلهية، ويقوم بكافة احتياجاتهم اليومية. وهو يشترك معهم في كل مصائبهم، ويتحمل كل همومهم، ويرثي لكل ضعفاتهم، ويصبر على زلاتهم، ويطيل أناته على كل إهانتهم، ولا يتركهم مطلقاً. هو يعتبر ما يفعله أحدٌ بهم من الخير والشر، كأنه فعله له. وهو مستعد أن يهبهم المجد الذي أعطاه له الآب قبل خَلق العالم، وحيث يكون هو، يريد أن يكونوا هم أيضاً. هذه العلاقة الشريفة الفائقة هي النتيجة السعيدة للإيمان به، وثمر الانضمام إليه.
بعد أن أوضح المسيح أن علاقة المؤمنين به تشبه علاقة العريس بالعروس، أعلن رأيه في فريضة الصوم. لكنه لم يكتف بذلك، بل أوضح حقائق بخصوص سائر الفرائض الموسوية، فقدم لسامعيه مثلين آخرين يوضحان النسبة بين النظام اليهودي القديم، ونظامه هو الجديد. ويبدو أن المسيح كان يوجّه كلامه على الأخص إلى تلاميذ المعمدان الذين ظنّوا أن الجديد الذي أتى به المسيح يُضاف إلى القديم الذي أتى به موسى، ولكنه لا يحل محله، فيبقى القديم محفوظاً، الأمر الذي يعني أن المسيح وتلاميذه يجب أن يمارسوا كل الطقوس اليهودية. فأعلن المسيح أن الجديد القوي إن تعلَّق على القديم البالي يتلفه، فلا يعود ينفع شيئاً،فقال: «ليس أحدٌ يخيط رقعة من قطعة جديدة، أو من ثوب جديد، على ثوب عتيق». فكل من عنده حكمة ولو بسيطة لا يفعل ذلك.. ولا يضع الفهيم الخمر الجديدة في زقاق عتيقة، لأن نتيجة ذلك تكون إتلاف الغلاف والمغلَّف وضياع كل فائدة. الثوب غلاف يكتسي به الإنسان، والزقاق غلاف يغلّف به الخمر. والمسيح يعلّمنا هنا أن الغلاف متى خدم زمانه وعتق، يكون الحكم فيه الإبدال لا الترقيع. هذا لا يعيب العتيق الذي يكون قد أتمَّ القصد من وضعه، فيشيخ كما تشيخ النبوَّة الصادقة عند إتمامها.
بهذا التشبيه اللطيف أوضح المسيح أن النظام الطقسي الموسوي كان قد خدم زمانه وعتق، فلم يعد من الممكن إصلاحه، بل وجب إبداله بنظام جديد يخلفه، لأن فروض شريعة موسى فروض خارجية هي بمثابة غلاف الدين. وكما أن الإنسان الذي يريد أن يحضر عرساً، وكان ثوبه عتيقاً معيباً في شيء، لا يصلحه برقعة جديدة، بل يأتي بثوب جديد.. كذلك الأمر في حياتنا الدينية. فإن أراد أحدُ سامعي المسيح من تلاميذ المعمدان أو الفريسسي، أن يتبع هذا العريس السماوي، عليه بثوب جديد، أي فرائض جديدة، كالمعمودية بدلاً من الختان، والعشاء الرباني بدلاً من عشاء الفصح، والقسوسية بدلاً من الكهنوت، وتقديس اليوم الأول بدلاً من السابع، والكنيسة بدلاً من الهيكل، ومنبر الوعظ بدلاً من مذبح المحرقة.
وفي المَثَل الثاني قال المسيح: الذي يقبل تعليمي الجديد عليه أن يقبله في قلب جديد، مولودٍ ولادة جديدة من الروح الإلهي. وختم المسيح خطابه بقوله: «ليس أحدٌ إذا شرب العتيق يريد للوقت الجديد، لأنه يقول إن العتيق أطيب». هذا يعني أن القلب المتجدد هو الزقُّ الجديد الذي يقدر أن يحتمل ضغط الخمر الجديدة، أي التعليم الجديد المسيحي القوي، وهذا تفسير القديس باسيليوس. ويفسر القديس أوغسطينوس أن هذا القول صَدَقَ بالأكثر في يوم الخمسين، لما حلَّت الخمر الجديدة - أي انسكاب الروح القدس بقوة في الزقاق الجديدة، أي الرسل المتجددين بالولادة من فوق. وفسَّر بعضهم أن الزقاق العتيقة هي الفريسيون، والزقاق الجديدة هي الرسل.
كان تلاميذ يوحنا يتمسَّكون بالقديم، لأن هذه عادة البشر. ويحتاج الأمر إلى وقت للترويّ والبحث ليقفوا على تفوُّق الجديد على العتيق. لنا هنا نموذج للتصرُّف مع الذين نقصد إنارتهم بنور جديد. يجب أن لا نستعمل القساوة والإلحاح الزائد، بل لنقدِّر الصعوبات التي تعارض اقتناعهم بأفضلية الجديد.
6 - تعليم المسيح عن السبت | ||
|
«وَفِي ٱلسَّبْتِ ٱلثَّانِي بَعْدَ ٱلأَوَّلِ ٱجْتَازَ بَيْنَ ٱلّزُرُوعِ. وَكَانَ تَلامِيذُهُ يَقْطِفُونَ ٱلسَّنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ وَهُمْ يَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ قَوْمٌ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ: «لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي ٱلسُّبُوتِ؟» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ وَلا هٰذَا ٱلَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ، حِينَ جَاعَ هُوَ وَٱلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ ٱللّٰهِ وَأَخَذَ خُبْزَ ٱلتَّقْدِمَةِ وَأَكَلَ، وَأَعْطَى ٱلَّذِينَ مَعَهُ أَيْضاً، ٱلَّذِي لا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلا لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟» وَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضاً» (لوقا 6: 1-5). |
كان المسيح وتلاميذه يسيرون بين الزروع، فأخذ التلاميذ يقطفون السنابل ويأكلون. لم يكن في هذا العمل خطأ، لأن شريعة موسى كانت تسمح به، إذْ كانت تقول: «إِذَا دَخَلْتَ زَرْعَ صَاحِبِكَ فَٱقْطِفْ سَنَابِلَ بِيَدِكَ، وَلٰكِنْ مِنْجَلاً لا تَرْفَعْ عَلَى زَرْعِ صَاحِبِكَ» (تثنية 23: 25). ولكن لما قطف تلاميذ المسيح السنابل كان ذلك يوم سبت، فاعتبر رؤساء اليهود أن القطف نوع من الحصاد الممنوع في يوم السبت، وأن الفرك هو نوع من الدِّراس ودارس الغلال في السبت ممنوع. لذلك اعتبروا هذا العمل مخالفاً لإحدى وصايا الله العشر التي كُتبت بأُصبع الله على لوحي حجر في الجبل المقدس، ثم سُلِمت لموسى كليم الله بين الرعود والبروق ودخان النار المخيفة بياناً لأهميتها، وتأكيداً لتوقيرها. ولما كانت وصية السبت هي الوحيدة بين العشر التي تختصّ بالطقوس الخارجية، فاق اعتناء الطقسيين بها على اعتنائهم بما بقي من الوصايا، وتوصّلوا إلى مبالغات غريبة في النهي عن العمل في السبت، خرجت على كل ما ورد في الشريعة.
وانتقد الفريسيون عمل تلاميذ المسيح وقالوا له: «اُنظر، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟».. وفي ردّ المسيح على رؤساء اليهود، اقتبس لهم ما ورد في التوراة التي كانوا يفتخرون كثيراً بمعرفتهم الدقيقة لنصوصها. فابتدأ بتأنيبهم لأنهم لم يتذكروا ما فعله داود نبيُّهم وملكهم وقائدهم الأعظم بعد موسى-فعندما جاع هو والرجال الذين معه، أكلوا طعاماً لم يكن يحلّ أكله إلا للكهنة فقط، وهكذا خالف داود شريعة الهيكل في استسلامه لشريعة الرحمة لما جاع هو والذين معه. فإن كان الرب لم يبكت داود على ذلك، فقد جاز لابن داود الأعظم أن يسمح لتابعيه أن يقطفوا فريكاً ويأكلوه في السبت.
ثم استشهد المسيح بحادث ثانٍ كان يتجدد كل سبت أمام عيونهم بأوامر إلهية، وليس كالأول بمجرد استحسان رجل من رجال الله، ولذلك فهو أقوى جداً. قال: «أوَمَا قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء؟». يدنسون السبت أولاً بإيقاد النار لأجل الذبائح، وثانياً بمضاعفة أشغالهم يوم السبت. فإذاً العمل الذي هو خدمة دينية، لا يوافق فقط أن يمارس في السبوت، بل يُضاعف أيضاً.
ثم زاد المسيح على هذا أنه بيّن سلطته الدينية، لأنه أعظم من الهيكل، بل هو رب الهيكل. فإن كانت عظمة الهيكل تجيز تدنيس السبت بالأعمال في خدمته، فكم بالحري يحقّ لرب الهيكل أن يُجيز ذلك، لأن رب الهيكل يكون رب السبت أيضاً وهو ذاته الهيكل الذي «فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاهُوتِ جَسَدِيّاً» (كولوسي 2: 9) وفيه تُقدَّم العبادة الحقيقية لله، لأنه الوسيط بين الله والناس (1تيموثاوس 2: 5) فما دام الهيكل أعظم من السبت فكم بالحري رب الهيكل؟
ثم أضاف المسيح شرحاً آخر: «إنما جُعل السبت لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت». فالسبت والهيكل وُضعا لخدمة الإنسان ومنفعته. والمسيح رب السبت يكرمه ويثبّته، وفي الوقت ذاته يوسعه ويحرره من القيود التي قيّده بها الفريسيون. فلو كان المسيح مجرد بشر، لما حقَّ له أن يسمِّي ذاته رب السبت.
نستنتج من عبارات عديدة في الإنجيل أن المسيح استعمل سلطانه كرب السبت ونقله من اليوم السابع في الأسبوع، إلى اليوم الأول الذي هو يوم الأحد، فسُمِّي يوم الأحد يوم الرب. والمقصود هو تخصيص يوم الرب لأعمال الضرورة والرحمة والعبادة. وطالما نكرس لله يوماً من كل سبعة أيام تكريساً ممتازاً، تتمُّ غاية الوصية الإلهية، فإبدال اليوم السابع بالأول، أجراه الرسل بإشارة من المسيح، وبإلهام من روحه القدوس. ولا يخالف هذا الإبدال روح الوضع الإلهي وقصده، فنحسب أن الله وضع في عهده القديم اليوم السابع، حافظاً لعهده الجديد يوماً أشرف منه، هو الأحد، اليوم الأول في الأسبوع. وكما كان السبت اليهودي تذكاراً للعمل الإلهي في الخلق، ويُسمَّى في الكتاب «استراحة الخالق في اليوم السابع»، كذلك يكون السبت الجديد المسيحي، تحويل موضوع التذكار إلى ما هو أعظم من فعل الخلق، وهو عمل الفداء، الذي تمَّ بقيامة الفادي في اليوم الأول، ولذلك تَسَمَّى «يوم الرب». وهو تذكار أيضاً للعمل العظيم في يوم الخمسين لما تأسست الكنيسة المسيحية في يوم الرب، بواسطة انسكاب الروح القدس العجيب. ولا يقدر أحداً أن يصف أو يدرك مقدار فوائد السبت المسيحي في تاريخ تمدُّن العالم، من زمن المسيح إلى الآن، وما أعظم الأضرار التي تنجم عن إهماله.
نتيجة تعليم المسيح في هذا الأمر هي أن الوصية الأولى والعظمى (وهي المحبة لله) لا يمكن أن تعارض الثانية التي هي مثلها (أي المحبة للناس). فلا يمكن أن يرضى الإله بحفظ سبته على صورة فيها قساوة نحو الناس، لذلك ذكَّرهم بالقول النبوي القديم: «إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ ٱللّٰهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ» (هوشع 6: 6). وقال لهم إنهم لو علموا معنى هذا القول لما حكموا على تلاميذه الأبرياء.
|
«وَفِي سَبْتٍ آخَرَ دَخَلَ ٱلْمَجْمَعَ وَصَارَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ ٱلْيُمْنَى يَابِسَةٌ، وَكَانَ ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِي فِي ٱلسَّبْتِ، لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً. أَمَّا هُوَ فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ: «قُمْ وَقِفْ فِي ٱلْوَسَطِ». فَقَامَ وَوَقَفَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَسْأَلُكُمْ شَيْئاً: هَلْ يَحِلُّ فِي ٱلسَّبْتِ فِعْلُ ٱلْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ ٱلشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلاكُهَا؟». ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «مُدَّ يَدَكَ». فَفَعَلَ هٰكَذَا. فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَٱلأُخْرَى. فَٱمْتَلأُوا حُمْقاً وَصَارُوا يَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ؟» (لوقا 6: 6-11). |
لم يطل الوقت حتى أعطى المسيح الدرس الثالث في هذه السلسلة المتصلة بموضوع السبت، وكان ذلك أيضاً في يوم سبت. أعطى الدرس الأول في الهيكل، والثاني في الحقول، وهذا الدرس الثالث في مجمع. عُرف أنه لا يرى عليلاً إلا ويودُّ شفاءه، ولا يراه عليل إلا ويطلب منه الشفاء.. في هذا السبت وهو يعلّم في المجمع، لاحظ الكتبة والفريسيون الحاضرون إنساناً بين الجمع يده يابسة. وتوجَّهت أفكارهم حالاً نحو هذا الشخص، وأرادوا شفاءه، لا شفقةً عليه، بل ليجدوا علَّة على المسيح تمكِّنهم من تقديم شكاية رسمية عليه للمجلس الأعلى. وهكذا أظهروا اهتمامهم بالرجل المريض وسألوا المسيح: «هل يحلُّ الإبراء في السبوت؟».
لم يحترم المسيح سؤالهم ليجيب عليه لأنهم غير مخلصين. لكنه بعد أن أوقف العليل في الوسط، ليظهر للجميع أنه لا يهاب مقاوميه، ولا يخشى مقاومتهم، وليبكم أعداءه، طرح عليهم سؤالاً: ماذا يوافق القصد الإلهي أكثر من يوم السبت: فعل الخير أو فعل الشر؟ تخليص هذا الرجل في يوم سبت، وهذا فعل خيري، بينما أنتم تقصدون قتلي في هذا اليوم، وهذا فعل شر. فأيٌّ منا يحفظ وصية السبت، وأيُّنا يخالفها؟ ثم ذكّرهم أن ليس بينهم إنسان لا ينتشل في السبت خروفاً له سقط في حفرة، فكم بالحري يجب أن يُنتشَل من هو أفضل جداً من الخروف؟ كان مقرراً حتى عند الفريسيين أن من يهمل نفساً وهو قادر أن يخلّصها يكون قد أهلكها. فدانهم المسيح بسؤاله هذا، دينونة لم يستطيعوا الاعتراض عليها.
وانتظر المسيح جوابهم، لكنهم سكتوا. وفي هذا السكوت بيان سطوته الأدبية. لكن ليس عندهم ضمير حي ينبّههم إلى غلطتهم، ويبكّتهم على غلاظة قلوبهم، ليعترفوا بذلك ويطلبوا الرحمة لصاحب اليد اليابسة. فحالتهم هذه تضطر المسيح كمصلح إلى الغضب، وتضطره كمخلّص إلى الحزن «فنظر حوله إلى جميعهم بغضب، حزيناً على غلاظة قلوبهم». الغضب في الحزن يسمو به، والحزن في الغضب يقدسه ويجعله فضيلة سامية. قال الرسول: «اِغْضَبُوا وَلا تُخْطِئُوا» (أفسس 4: 26). كثيراً ما نقرأ في الكتاب عن الغضب الإلهي، وليس في الإله إلا ما هو فضيلة وكمال - وهذا حال غضب المسيح، فالغضب في محله فضيلة لا رذيلة. كان المسيح غاضباً على هؤلاء المعتزّين بكبريائهم، كما كان حنّاناً على صاحب اليد اليابسة، فشفاه بكلمتين فقط. وبهذا الشفاء العجيب أثبت صحة ما قاله عن نفسه إنه رب السبت، فشفاه بقوله «مدَّ يدك». كان يخشى أن يجيبه جواباً طبيعياً ويقول: «إني عاجز عن ذلك. فلو كنتُ قادراً على مدِّ يدي لاستغنيت عن إحسانك». لكنه آمن، وإلا ما حاول المستحيل. لم يعطه المسيح شفاءً جزئياً بل كاملاً، فعادت يده صحيحة كالأخرى. ولا يعطي المسيح غفراناً جزئياً بل كاملاً لكل من يلتجئ إليه.
نرى في صاحب اليد اليابسة وفي شفائه مثالاً صادقاً للخاطئ والخلاص. فلم يكن العمل الذي شفاه عمله، بل عمل المسيح. لكن عمل المسيح لا يشفيه ما لم يؤمن بذلك العامل وبعمله. وهكذا العمل الذي يخلص الخاطئ هو عمل المسيح لا عملنا. إنما تتوقف نتيجة عمل المسيح في خلاص الخاطئ على إيمان هذا الخاطئ يشخص هذا المخلّص وخلاصه.
في هذه الحوادث الثلاث المتعلقة بالسبت، أوضح المسيح مبدأه الجوهري الذي أشار إليه بعدئذ في قوله: «اَلْكَلامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يوحنا 6: 63). والذي أوضحه رسوله في قوله: «لأَنَّ ٱلْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلٰكِنَّ ٱلرُّوحَ يُحْيِي» (2 كورنثوس 3: 6). وقد أغاظ هذا القول الكتبة والفريسيين، فيقول البشير إنهم «امتلأوا حمقاً، وصاروا يتكالمون في ما بينهم ماذا يفعلون بالمسيح». لقد كانوا مستعدين بحجة المحافظة على وصية السبت أن يضحّوا بالوصية السادسة القائلة: «لا تقتل». فشابهت أفكارهم ومعاملتهم للمسيح أفكار أهل العالم ومعاملاتهم في جميع الأجيال لرجال الله الممتازين. فالأنبياء والرسل والشهداء والمصلحون قد قاسوا جميعاً ما قاساه المسيح جزاء غيرتهم الوقادة وتقواهم الممتازة. ولا تخلو المراقبة العدائية من فائدة للصالحين، لأنها تزيدهم حرصاً على حسن السيرة والسريرة، وتزيد وضوح الشهادة بفضائلهم التي تظهر بهذه المراقبة الشديدة.
7 - المسيح يختار تلاميذه | ||
|
«وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى ٱلْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى ٱللَّيْلَ كُلَّهُ فِي ٱلصَّلاةِ لِلّٰهِ. وَلَمَّا كَانَ ٱلنَّهَارُ دَعَا تَلامِيذَهُ، وَٱخْتَارَ مِنْهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ، ٱلَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضاً «رُسُلاً»: سِمْعَانَ ٱلَّذِي سَمَّاهُ أَيْضاً بُطْرُسَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ. يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. فِيلُبُّسَ وَبَرْثُولَمَاوُسَ. مَتَّى وَتُومَا. يَعْقُوبَ بْنَ حَلْفَى وَسِمْعَانَ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْغَيُورَ. يَهُوذَا بْنَ يَعْقُوبَ، وَيَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيَّ ٱلَّذِي صَارَ مُسَلِّماً أَيْضاً. وَنَزَلَ مَعَهُمْ وَوَقَفَ فِي مَوْضِعٍ سَهْلٍ، هُوَ وَجَمْعٌ مِنْ تَلامِيذِهِ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ ٱلشَّعْبِ، مِنْ جَمِيعِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ وَسَاحِلِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، ٱلَّذِينَ جَاءُوا لِيَسْمَعُوهُ وَيُشْفَوْا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ، وَٱلْمُعَذَّبُونَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ. وَكَانُوا يَبْرَأُونَ. وَكُلُّ ٱلْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ، لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي ٱلْجَمِيعَ» (لوقا 6: 12-19). |
اجتمع قادة اليهود على كراهية المسيح. وبالرغم من انقسامهم إلى أحزاب، اتفقوا على قتله. كان الفريسيون يكرهون ما اعتبروه كسر المسيح لوصية السبت، فقالوا عنه «إنه مفسِدُ الأمة ومجدف ومضلّ وسامري فيه شيطان، وعشير الشياطين والخطاة، ناقضُ الهيكل والناموس». أما الهيرودسيون فقد خشوا من أنه سيأخذ العرش من الملك هيرودس.
ولما رأى المسيح هذا الاتفاق عليه، انصرف إلى شاطئ بحيرة طبرية ليقدم خدمته للجمهور المحتاج، وليختار جماعة من مريديه ليدربهم على الخدمة، لينشروا الرسالة من بعد أنه يقتله شيوخ اليهود. فالتفَّت الجموع الكثيرة حوله آتيةً من الجليل واليهودية، وأيضاً من أدومية وساحل صور وصيدا وعبر الأردن (أي بيرية) فشفاهم جميعاً.
في هذا التجمهُر في موضع سهل، ظهر أن قسماً من الجمع أقبل على المسيح ليسمع تعليمه، ولو أن الكثيرين جاءوا لأجل الشفاء. وقد أخرج المسيح الشياطين من المعذبين بها. وقد عرفته الشياطين مكرهين على ذلك بقوة إلهية هي سطوة المسيح. كان الجمهور يتهافت على المسيح ليلمسه، لأن قوة كانت تخرج منه وتشفي الجميع، حتى اضطر أن يأمر تلاميذه بأن تلازمه سفينة صغيرة لسبب الجَمْع، كي لا يزحموه. كانت القوة التي تخرج منه عند لمس المرضى له تكلفه جهداً.. كان يفتقر هو ليُغني غيره ويتعب ويضعف ليربح ويقوّي الآخرين.
نحول النظر الآن إلى اختيار المسيح لتلاميذه، الذين سيكون عملهم شفاء الأمراض وإخراج الشياطين باسمه، ونشر التعاليم الجديدة، وتنظيم المؤمنين الجدد وتدوين حقائق الدين لتوريثها للأجيال التي بعدهم.
لم يختر المسيح عظماء العالم لئلا ينسبوا إلى أنفسهم، وينسب العالم إليهم، القسم الأعظم من النجاح، فلا يتمجد الله كما يجب، وقد أصاب الرسول بولس في قوله «وَلٰكِنْ لَنَا هٰذَا ٱلْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ ٱلْقُوَّةِ لِلّٰهِ لا مِنَّا» (2 كورنثوس 4: 7). لذلك نرى المسيح يختار رجالاً من الضعفاء والجهلاء ويصيّرهم أكفاء. وكانت النتيجة أنهم فاقوا سائر عظماء العالم في حُسن تأثيرهم. اختارهم في أوائل سني خدمته ليتمكّن من تدريبهم قبل صعوده.
وقد قضى بعض تلاميذه في رفقته وقتاً كافياً ليختبروه، فرسخ إيمانهم به، واختبروا محبته، واحتملوا المحن والصعوبات والمقاومات في سبيله. اختارهم اثني عشر تلميذاً بعدد أسباط بني إسرائيل، ليربط العهدين القديم والجديد. عرف أهمية اختيار التلاميذ وصعوبته فقضى الليل كله في الصلاة - كان هذا الليل المضني لقواه الجسدية كزرعٍ ظهر حصاده في ثمار هؤلاء الرسل، في قدوتهم وأفعالهم وكتاباتهم التي ملأت الأرض. وهذا الحصاد يتجدد ويتزايد جيلاً بعد جيل لمجد الله ومسيحه وفخر الذين سمَّاهم رسلاً.
قال البشير: «ولما كان النهار صعد إلى الجبل، ودعا تلاميذه الذين أرادهم فذهبوا إليه، واختار وأقام منهم اثني عشر ليكونوا معه، وليرسلهم ليكرزوا، ويكون لهم سلطان على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين». سمّاهم «رسلاً» لأنه أرسلهم ليعملوا باسمه لا باسمهم، قال لهم بعدئذ «كَمَا أَرْسَلَنِي ٱلآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا» (يوحنا 20: 21) أقامهم قبل صعوده بمدة كافية لينسيهم كثيراً مما تلقّنوه في مدارسهم في الصغر، وما تعلموه من رؤسائهم في الكبر، من الآراء المضِلَّة والعوائد الذميمة، وليشبعهم من الغذاء الجديد الروحي الذي هو التعاليم الإِلهية الصحيحة، وليفهمهم روح التعاليم القديمة الحقيقي.
نصحب المسيح بأفكارنا وهو ينظر حوله بعد جلوسه بنظرة الحب الممتاز والرضى، فليس حوله إلا الذين دعاهم. نصغي إلى هذا السيد الذي يزيّن جلالُه ثيابَه، بينما يوضح لهؤلاء حقيقة مشروعه المهم، وسمو مقاصد محبته وعظمة مسؤوليته التي سيضعها على عاتق الذين سينتقيهم من بينهم. لكن ماذا تكون أفكار سامعيه؟ لا شك أن كل فردٍ منهم يشتاق أن يكون من المختارين، لأن هذا برهان ثقة معلِّمه به، وفرصته الذهبية ليصاحب معلمه ليحصل على إرشاداته الخصوصية، ثم على خدمة ممتازة. لا بد أن عواطفهم جاشت عندما ابتدأ يسمي رسولاً بعد آخر، والتفت الجميع إلى الذي يُسمَّى بنظرة التطويب، وربما بقليل من الحسد الطبيعي.
كان إقدام سمعان بن يونا ونشاطه وغيرته أسباباً كافية لتعطيه الاسم الأول في قوائم الرسل الأربع التي حُفظت لنا، فنستنتج أن المسيح دعاه أولاً في هذا الاختيار، وأنه دعاه باسمه الجديد «بطرس» الذي يدفع الالتباس بينه وبين سمعان الثاني بين الرسل. ثم تلا ذلك تسمية أخيه أندراوس - أول من تبع المسيح بعد ظهوره - وأول مبشر مسيحي في التاريخ، لأنه هو الذي أتى بأخيه بطرس إلى المسيح، ولو أن الإِنجيل لم يذكره كثيراً بعد هذا. ثم سمَّى المسيح الأخوين يعقوب ويوحنا ابني زبدي شريكيّ أندراوس وبطرس في الوطن والمهنة، نرى أكبرهما يعقوب مقداماً في الكنيسة بعد صعود المسيح، حتى أخذه هيرودس أغريباس بعد نحو خمس عشرة سنة أول ضحية يقدمها إرضاءً لكيْد أعداء المسيحية رؤساء اليهود. وأما الأصغر يوحنا فعاش كثيراً، وخدم الكنائس خدمات جليلة طويلاً، بعد أن رقد كل زملائه في قبورهم.
أما سبب ذكر هؤلاء الرسل الأربعة أولاً فهو أن هؤلاء الأربعة كانوا باكورة الذين تبعوا المسيح يوم كان لا يزال مجهولاً بين الناس.
ثم اختار المسيح شخصين آخرين رفيقين لهؤلاء الأربعة في التتلمُذ له، وهما فيلبس ونثنائيل، ولم يرِدْ ذكْرُ فيلبس بعد اختياره إلا في بشارة يوحنا. أما نثنائيل فهو نفسه برثولماوس. بتسمية هؤلاء الستة تمَّ تنظيم نصف الهيئة الرسولية، وكلهم من تلاميذ المعمدان سابقاً، وكان التصاقهم بالمعمدان النبي المصلح، برهاناً كافياً على حسن استعدادهم الديني. فلا بد من أن اختيارهم جميعاً كان منتظراً ومُستصوَباً من التلاميذ الآخرين الحاضرين.
أما الاسم السابع فموجِبٌ لبعض الريب، لأنه العشار متى أو لاوي. فهل يصلح هذا الخاطئ رسولاً؟ بناء على مواهبة العقلية والروحية يصلح. وقد برهن اختيار المسيح له أن المرفوض من الناس يكون مكرَّماً عند اللّه، فاختياره مثال دائم لقوة النعمة التي تصيِّر عشاراً دنيئاً، رسولاً ممتازاً. أما رفيق متى في التسمية فهو توما،

