إبراهيم خليل الله |
- الفصل الأول: الله يدعو إبراهيم
- الفصل الثاني: إبراهيم يخطئ
- الفصل الثالث: لوط يترك عمَّه إبراهيم
- الفصل الرابع: إبراهيم ينقذ لوطاً
- الفصل الخامس: الله يشجع إبراهيم
- الفصل السادس: هاجر وإسماعيل
- الفصل السابع: تشجيع جديد لإبراهيم
- الفصل الثامن: الصديقان يتكلمان
- الفصل التاسع: وحقق اللّه وعده!
- الفصل العاشر: خليل اللّه وجيرانه
- الفصل الحادي عشر: اللّه يمتحن إبراهيم
- الفصل الثاني عشر: إبراهيم يحزن
- الفصل الثالث عشر: زواج إسحق
- الفصل الرابع عشر: إبراهيم في الإِنجيل
- أسئلة المسابقة
الفصل الأول: الله يدعو إبراهيم | ||
كان اسمه أبرام ومعناه أب رفيع. لكن الله غيّر اسمه إلى إبراهيم، ومعناه أب لجمهور من المؤمنين، وهذا معناه أن إبراهيم أب لكل المؤمنين في كل الأجيال. وإبراهيم هو خليل الله، الذي قال الله عنه في نبوة النبي إشعياء 41: 8 في التوراة «إبراهيم خليلي». وقد بارك الله في نسل إبراهيم كل قبائل الأرض، إذ جاء المسيح من نسل إبراهيم. ويقول الله: «ٱنْظُرُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَبِيكُمْ وَإِلَى سَارَةَ ٱلَّتِي وَلَدَتْكُمْ. لأَنِّي دَعَوْتُهُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَبَارَكْتُهُ وَأَكْثَرْتُهُ» (إشعياء 51: 2). وهذا يدفعنا أن نتأمل في حياة إبراهيم خليل الله لسببين:
أولاً: لأن حياته عظيمة، فهو من أعظم رجال الله في كل التاريخ.
ثانياً: لأن في دراسة حياته فائدة روحية لنا، فقد اختاره الله وسيلة ليحقِّق به المقاصد الإلهية في الفداء والخلاص.
تبدأ قصة حياة إبراهيم، عندما طلب الله منه أن يهاجر من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه، إلى أرضٍ يُريها له، دون أن يحددها له بالإسم. وقال له إنه إذا أطاع الدعوة، فإنه يجعله أمة عظيمة ويباركه ويعظّم اسمه ويكون بركة، ويبارك مباركيه ويلعن لاعنيه، وتتبارك في إبراهيم جميعُ قبائل الأرض.
ترى لماذا يترك إبراهيم بلاد ما بين النهرين، التي كانت تقع بين نهري دجلة والفرات في العراق، وهي بلاد عامرة عريقة في الحضارة، ليذهب إلى بلد لا يعرف عنها شيئاً؟
يقول لنا الإنجيل المقدس: «بِٱلإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثاً، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي» (عبرانيين 11: 8). لكن إبراهيم عرف أن الله الحقيقي هو الذي يدعوه، فقد كان أهل بلده وكل عشيرته يعبدون الأصنام، وكان إبراهيم يعبد الإله الحي الذي لا إله إلا هو. وكان إبراهيم قد عرف الله بالعقل. وحين فكر عرف أن الأصنام لا يمكن أن تكون آلهة، لأن الناس يصنعونها بأيديهم، وهي لا تصنع الناس.
وعندما أخبر إبراهيم أباه تارح أن الله دعاه ليهاجر من أور الكلدانيين، وافق تارح أن يهاجر هو أيضاً منها.
وكان لتارح ثلاثة أولاد: أبرام (الذي صار اسمه إبراهيم) وناحور، وهاران. أما هاران فكان قد مات في أور الكلدانيين بعد أن ولد ابنه لوطاً. وتزوج أبرام أخته من أبيه ساراي، وصار اسمها سارة. وساراي أو سارة معناها أميرة. وكانت العادة في ذلك الزمان أن يتزوج الرجال أخواتهم، الأمر الذي لا يحدث اليوم، إذ لم يكن في تلك الأيام اختلاط بين الناس إلا بين أفراد القبيلة الواحدة.
مدينة أور: | ||
كان تارح يسكن مع أولاده في مدينة أور الكلدانيين، وهي من أعظم مدن العالم في ذلك الزمان، فقد كان بها المدارس والأبنية العظيمة، كما كانت مدينة تجارية كبيرة، فكانت السفن تحمل منها القمح والبلح إلى البلاد المختلفة. وكانت الأرض حول أور خصيبة يعطي قمحها مئتي ضعف، بل ثلاثمائة ضعف أحياناً. وقال بعض العارفين إن القمح عُرف أول ما عُرف في هذا المكان من الأرض. وكان أهل أور وثنيين يعبدون آلهة كثيرة. كانوا يعبدون آلهة الجمال والحب «فينوس» وقد عملوا لها صنماً كبيراً، وكانت الديانة في أور مختلطة بالفساد، فقد كانوا يعبدون اثني عشر صنماً كبيراً، وعدداً كبيراً من الأصنام الصغيرة. لكن إبراهيم عرف الله من الطبيعة، فإن «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ» (مزمور 19: 1). وعندما رأى إبراهيم الطبيعة الجميلة أدرك أن لها صانعاً هو الله. وعرف إبراهيم الله من الضمير. فقد كان يشعر بصوت الله يكلّمه. وفوق الكل عرف لله لأن الله أظهر نفسه له، فيقول استفانوس في الإنجيل / «ظَهَرَ إِلٰهُ ٱلْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ» (أعمال 7: 2) فإن الله مثل الراعي الصالح الذي يبحث عن الخروف الضال.
لماذا دعا الله إبراهيم؟ | ||
نستطيع أن نرى أربعة أسباب دعا الله من أجلها إبراهيم ليخرج من أرضه إلى الأرض التي يُريها له.
-
كان الله يريد أن يكون إبراهيم شهادة لكل الأرض. وقال الله على فم نبيِّه إشعياء: «أنتم شهودي. وهل يوجد إله غيري؟».
-
أراد الله أن يضع أقواله في إبراهيم وفي نسله أمانةً، ليوصِّلوها للعالم أجمع. ويقول رسول المسيحية بولس عن فضل إبراهيم وفضل نسله على العالم إنه فضل كبير، «لأَنَّهُمُ ٱسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 2).
-
أراد الله أن يجهّز العالم لمجيء المسيح المخلّص المنتظر، الذي سيجيء إلى عالمنا من نسل إبراهيم.
-
ليكون إبراهيم بركة للعالم كله عندما يجيء المسيح من نسله.
لماذا رافقه أبوه؟ | ||
وهنا يواجهنا سؤال: إن كان الله وجّه دعوته لإبراهيم ليترك أور الكلدانيين، فلماذا سافر أبوه تارح معه من أور إلى حاران؟ يقول الكتاب: «أَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ٱبْنَهُ، وَلُوطاً بْنَ هَارَانَ ٱبْنَ ٱبْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ ٱمْرَأَةَ أَبْرَامَ ٱبْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعاً مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتُوا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ» (تكوين 11: 31).
لماذا أطاع تارح إبراهيم وسافر معه؟ هناك ثلاثة أسباب شجعت تارح على ذلك السفر:
-
كان هاران قد مات في أور، وكانت مدينة أور تُذكّر تارح بموت ابنه، فأراد أن يبتعد عن المكان الذي مات فيه ولده.
-
كانت حالة تارح المالية سيئة، فأراد أن يذهب إلى بلد آخر ليكسب مالاً أكثر.
-
3ربما يكون أن حرباً قامت على أور، وأراد تارح أن يسافر بعيداً عن أرض الحرب والخطر.
نشكر الله لأن الظروف الصعبة كانت سبباً شجَّع تارح على السفر مع ابنه، فكانت التجارب المؤلمة دافعاً دفع العائلة كلها إلى طاعة إعلان الله. ولا زال الله يرسل لنا التجارب والآلام اليوم حتى نسمع صوته ونطيع كلامه. ويقول لنا موسى كليم الله في التوراة إن الله يعمل مع شعبه كما يفعل النسر مع فراخه. «كَمَا يُحَرِّكُ ٱلنَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ، هٰكَذَا ٱلرَّبُّ» (تثنية 32: 11). النسر يضع فراخه في عش دافئ، لكنه يضع في جوانب العش بعض الأشواك. وحين تكبر فراخ النسر ويريدها أن تطير، يحرك النسر عشَّه، فتخرج الأشواك من العش وتؤلم الفراخ، ثم يرفُّ النسر على العش حتى تخاف الفراخ الصغيرة وتحاول الخروج من العش. وعندما تسقط تحاول أن تفرد أجنحتها دون أن تكون قادرة على الطيران، فيبسط النسر جناحيه ويحملها ويرجعها مرة أخرى إلى العش. ويكرر النسر هذا العمل إلى أن تتعلم صغاره الطيران.
كانت التجارب التي جاءت على إبراهيم وعلى عائلته مثل الأشواك التي يضعها النسر في عشه، ثم يحركها حتى تؤلم صغاره، لأنه يريد أن يعلّم الصغار أن تطير. حرك الله عشَّ تارح بالألم، فخرج من أور إلى حاران في طريقه إلى أرض كنعان.
عزيزي القارئ، هل جاءت عليك تجربة؟ اعلم أن الله قد أرسلها لك لتترك أرض الكسل والخطية والضعف، وتقوم فتذهب إلى مكان أفضل. إنه يريدك أن تخرج من عبادة الأوثان لتتفرغ لعبادة الله، لتضع الله أولاً في حياتك، ليكون هو سيد حياتك. هذه التجارب مثل الجوع الذي جاء على الكورة التي سكن فيها الابن الضال ليقول: «أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي» (لوقا 15: 18). اترك الخطية والشر، واذهب إلى النعمة والحياة الجديدة، فهذه دعوة الله لك.
إبراهيم يكمل الرحلة: | ||
بدأت رحلة تارح الذي سافر مع إبراهيم ابنه، ولوط ابن هاران ابن ابنه، وساراي كنته، امرأة إبراهيم ابنه. فخرجوا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان، وبلغوا بلداً في الطريق اسمها حاران، قرر تارح أن يقيموا فيها. والمسافة بين حاران وأور تبلغ نحو ألف ومئتي كيلو متر. وحاران معناها «محروق» أو «يابس» أو «ملفوح». وقرر تارح أن يبقى في حاران، ولم يشأ أن يكمل الرحلة إلى كنعان. ولا نعرف لماذا بقي تارح في المكان الجاف المحروق دون أن يكمل الرحلة إلى مكان الراحة والموعد. وبقيت العائلة في حاران إلى أن مات تارح.
وبعد موته جاء صوت الله إلى إبراهيم مرة أخرى يقول: «ٱذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ ٱسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ» (تكوين 12: 1-3). ووقف إبراهيم يسمع صوت الله العجيب مرة أخرى. كان يقدر أن يرفض ولا يطيع ويعتذر، كما فعل شابٌّ غني جاء إلى السيد المسيح يسأل عن طريقة الحصول على الحياة الأبدية، ولم يقبل أن يتبع المسيح، لأنه كان صاحب أموال كثيرة، فترك المسيح ومضى حزيناً، لأن أمواله كانت أكثر أهمية عنده من طاعة المسيح (مرقس 10: 17-22). لكن إبراهيم لم يهتم بالمرة بالأموال التي كانت له، ولا بالأرض التي كان يمتلكها في حاران، فقرر أن يتركها كلها طاعة لأمر الله.
عزيزي القارئ، إن إبراهيم ابن الطاعة، والديانة الحقيقية هي الطاعة الكاملة للرب. إن طاعتنا لله تعني أولاً أننا نضع ثقتنا فيما يقوله لنا. وطاعتنا تعني أننا نُخضع إرادتنا لإرادته، فيكون الفكر كله لله.
ليست الديانة فريضة، وليست طقوساً، وليست صلاة في محل عبادة، لكنها طاعة حقيقية لله تنبع من القلب الذي يحب الله كثيراً، والذي يخضع له كثيراً والذي يريد أن يرضيه بمجامع الحياة. وليس المسيحي الحقيقي هو الذي يصلي كثيراً، ولكنه الذي يطيع الله كثيراً. والبركة دوماً على رأس المطيع.
كانت طاعة إبراهيم عجيبة فعلاً، لأنها كانت على غير أساس منظور. فقد كان إبراهيم خليل الله الذي يحبه، وكان صاحب إيمان عظيم لا يرى شيئاً أرضياً منظوراً، لكنه كان يتبع إلهاً غير منظور، ووضع ثقته في هذا الإله غير المنظور، وعلى إرشاد إلهه سار. لقد سمع بعض المواعيد وآمن بها، ووثق في أمانة الله، فترك أهله وعشيرته وبيت أبيه، فصار قدوة لبرنابا من بعده، إذ ترك أرضه في قبرص وباعها من أجل رسالة المسيح (أعمال 4: 37)، وكما ترك رسول المسيحية بولس ديانته وأهله وهو يعتبر كل شيء نفاية لكي يربح المسيح ويُوجد فيه (فيلبي 3: 8).
مواعيد الله لإبراهيم: | ||
كانت مواعيد الله لإبراهيم غريبة، ولكن إبراهيم وثق فيها:
-
قال الله لإبراهيم إنه سيجعله أمة عظيمة، مع أن زوجته عاقر، وتصفها التوراة بالقول: «وكانت ساراي عاقراً ليس لها ولد». ولكن الوعد الإلهي هنا يؤكد لإبراهيم أن هذه العاقر ستكون أماً لأمم كثيرة. وصدَّق إبراهيم وعد الله، بالرغم من أن زوجته عاجزة عن الإنجاب.
-
وكان هناك وعد آخر من مواعيد الله لإبراهيم: «أباركك وأعظّم اسمك». فإذا أطاع إبراهيم وسافر يأخذ البركة، وهي كل ما يحتاج إليه الانسان في هذه الحياة وفي الحياة الأبدية. نعم، وعد الله إبراهيم أن يباركه وأن يجعله عظيماً. ومع أنه سيكون وحيداً بعيداً عن أهله وعشيرته إلا أن الله سيجعل اسمه عظيماً.
-
وقدَّم الله لإبراهيم وعداً ثالثاً، قال له: «ستكون بركة». نعم ستفيض البركة من إبراهيم على غيره. يكون بركة لكل الذين يتعامل معهم والذين يتعاملون معه. وفي ثقة عرف إبراهيم أن مستقبلاً عظيماً ينتظر البشر عندما يؤمن كل الناس في العالم كله.
-
ثم قدّم الله لإبراهيم وعداً رابعاً. قال له: «أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه». يباركه ويبارك كل من يؤمن إيمانه. والذي أخذ البركة مثل إبراهيم هو الذي سيقبل الإيمان الذي قبله إبراهيم. ومن يؤمن ينال البركة، والذي يرفض تصيبه اللعنة.
صدق إبراهيم مواعيد الله، وبدأ يجهز عائلته ومواشيه وعبيده للسفر الطويل. وسافر من حاران إلى كنعان، وهي مسافة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر. ولا نعلم كم من الوقت صرفه إبراهيم وعائلته في السفر، فقد كان لا بد لهم أن يسافروا على مهل حتى تأكل البهائم من المراعي التي حولهم. وأخيراً وصلوا إلى أرض كنعان: إبراهيم وسارة ولوط وزوجته، ومعهم العبيد والمواشي. مرَّ إبراهيم بدمشق في طريقه من حاران إلى كنعان، وهناك قابل أليعازر الدمشقي، الذي جعله فيما بعد وكيلاً على أمواله. وعبر إبراهيم ومن معه الأراضي والأنهار، ولذلك سمّوهم العبرانيين، ومعناها «الذين يعبرون». وفي كل الأراضي التي مرَّ بها إبراهيم كان كاهن العشيرة كلها، يقودهم ويؤمُّهم في الصلاة ويعلّمهم كلمة الرب.
إبراهيم يُقيم في «بلوطة مورة»: | ||
وعندما وصل إبراهيم إلى كنعان أقام في شكيم، ونصب خيمته عند بلوطة مورة. وشكيم هي مدينة نابلس الحالية، وتبعد أربعين كيلو متراً شمال أورشليم. ومعنى كلمة «مورة» معلِّم، وكانت في ذلك المكان أشجار بلوط كثيرة. وفي الغالب كان يجلس تحت تلك الأشجار معلمون يعلِّمون الشعب وصايا الدِّين، لذلك صار اسم ذلك المكان «بلوطة المعلم» وكانت أشجار البلوط هناك سبباً جعل إبراهيم ينصب خيامه في ظلها. وقد سكن إبراهيم في خيمته، وذلك معناه أنه غريب.
في بلوطة المعلم ظهر الله لإبراهيم وقال له: «لنسلك أعطي هذه الأرض». وهذا تأكيد لوعد الله لإبراهيم. إن الله لا ينسى وعوده. إنه يشجع بوعوده الإلهية. وهناك بنى إبراهيم مذبحاً للرب، ونقل مكان سكنه من بلوطة مورة إلى مكان بيت إيل على سفر يوم من شكيم، وهناك نصب خيمته. وبيت إيل معناها بيت الله، وهناك أخذ إبراهيم يدعو باسم الرب ويعلّم الناس حوله عن الله.
عزيزي القارئ، يطلب الله منك أن تخرج من مدينة الخطية والهلاك، لتسير إلى الحياة الجديدة، فتدخل من الباب الضيق. أرجوك أن لا تسير نصف الطريق وتقف، كما فعل تارح أبو إبراهيم، لكن امش كل الطريق لتتوب توبة كاملة. في طريق خروجك كن شهادة طيبة للناس الذين تتعامل معهم ليشمّوا منك رائحة المسيح الذكية. وفي كل مكان تنصب خيمتك فيه، أقِمْ هناك مذبحاً وادْعُ باسم الرب، حتى تربح الناس للمسيح. ولا تنسَ أنك غريب في العالم، وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.
الفصل الثاني: إبراهيم يخطئ | ||
صدَّق إبراهيم الله وأطاعه ووضع ثقته في مواعيده. وسكن في بيت إيل ومعناها بيت الله. ولكنه بدأ يسافر سفراً متوالياً نحو الجنوب متّجهاً إلى مصر. ترك الأرض التي وعده الله بها، لأن جوعاً حدث جوع في الأرض. وكان الجوع شديداً - وهو أمر عادي - لأن تلك البلاد تعتمد على المطر في ري الأرض. واهتزَّ إيمان إبراهيم بسبب نقص المطر، لأنه لم يكن معتاداً على كيفيّة ريّ الأرض بالمطر، فقد كانت الأرض في بلده أور تُروى من مياه الأنهار، ففكر أن يسافر إلى مصر التي يرويها نهر النيل، دون أن يستشير إلهه، ودون أن يأمره الرب بذلك. وسافر إبراهيم إلى مصر، وهناك لم يبنِ مذبحاً للرب كما بنى في بلوطة مورة، أو كما بنى في بيت إيل، فقد ابتعد عن أرض الموعد بجسده، وابتعد عن إله الموعد بقلبه. وفي مصر تدوِّن لنا التوراة أنه ارتكب خطأ.
ما أجمل صدق كلمة الله - فليس إنسان بدون خطأ. واحد فقط لم يخطئ أبداً، هو السيد المسيح. ولكن الله المحب يبقى أميناً لوعوده ولمحبته، لأنه هو محبة. الله لا يحبنا لأننا صالحون، ولكنه يحبنا ليجعلنا صالحين. وإن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً، لن يقدر أن ينكر نفسه (2 تيموثاوس 2: 13).
السفر إلى مصر: | ||
سافر إبراهيم إلى مصر هروباً من الجوع الذي هاجمه في كنعان، ولما اقترب من مصر قال لامرأته: «إِنَّكِ ٱمْرَأَةٌ حَسَنَةُ ٱلْمَنْظَرِ. فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ ٱلْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هٰذِهِ ٱمْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ» (تكوين 12: 11 و12) أليس هذا غريباً؟ لقد نسي إبراهيم وعد الله الذي قال له: «أُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ» (تكوين 12: 3). ونسي أن الله حفظه في شكيم وفي بيت إيل. ونسي أن من نسله سيأتي الذي فيه تتبارك جميع قبائل الأرض. ونسي أن نسله سيكون أمة عظيمة.
ونحن نندهش من إبراهيم: كيف يضحي بزوجته من أجل سلامته الشخصية؟ قال لها: «قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ» (تكوين 12: 13). هذا أمر مخجل! ولكن ألا نرى الأنانية داخل نفوس أكبر المؤمنين؟ لكن يجب أن نذكر أن إبراهيم كان يقول نصف الحق، فإن سارة أخته من أبيه. لكن علاقته بها كزوجة تأتي قبل علاقته بها كأخت. إن إبراهيم يكذب لأنه يخفي نصف الحق، ويقول نصف الحق فقط، وفي نيته الكذب، ثم هو يجعل سارة تكذب معه. ولماذا يكذب؟.. لكي ينجي نفسه، وليكون له خير بسبب الكذب. إنه ينتظر الخير من البشر، بعد أن ذاق ألم الجوع في كنعان، وهو يرجو النجاة بمجهود الجسد، ويرمي زوجته وينسى مواعيد الله من أجل سلامة جسده ومن أجل كثرة مكسبه. لا ندري السبب الذي دفع إبراهيم إلى هذا كله، لكننا نعرف في نفوسنا سبب الخطية التي نقع فيها نحن. كم مرة كذبنا الكذب الأبيض وقلنا نصف الحقيقة وأخفينا نصف الحقيقة الآخر، فظهر نصف الحق وهو الكذب، ونسينا وصية الإنجيل: «لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ ٱلإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ» (كولوسي 3: 9). وكم مرة دَفَعَنا الجوع والضيق إلى الخطية والكذب والغش والخداع، مع أن الله يستخدم الجوع ليزيد إيماننا، وليرفع نظرنا إليه. ونحن نعلم في نفوسنا كيف نفكر بأنانية أحياناً فننسى الآخرين وراحتهم، ونفتكر في راحتنا وسلامتنا فقط. نذكر كيف أخطأنا حتى نزيد ثروتنا: قبضة من حقل الجار.. ميزان غش.. كيل ناقص غير مضبوط.. كلمة كذب. لا يجب أن نلوم إبراهيم، فإننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا أكثر مما عثر إبراهيم.
فرعون يأخذ سارة: | ||
وقالت سارة إنها أخت إبراهيم، وهذا معناه أنها غير متزوجة منه. فذهب رجال فرعون إليه يمدحون جمال سارة. وسمع فرعون فأرسل وأخذ سارة إلى بيته. ويقول التاريخ العالمي إن إبراهيم سكن في مدينة أون المصرية زماناً طويلاً، وكان يعلّم المصريين علوم الفلك والرياضة، وهي علوم كان يعرفها أهل بابل. وكان إبراهيم يُصلح بين الكهنة المصريين في منازعاتهم الدينية، فأعطوه كثيراً من الهدايا. وتقول التوراة إن فرعون صنع إلى إبراهيم خيراً بسبب سارة، وصار له غنم وبقر وعبيد وحمير وإماء وأتن وجمال. وكانت هاجر هدية من فرعون أيضاً. ونحن لا نعلم ما هي الضربات التي نزلت على فرعون، ولكن فرعون عرف أن هذا كله كان بسبب سارة زوجة إبراهيم. لعل سارة قالت لفرعون إنها زوجة إبراهيم، فاستدعى الفرعون إبراهيم وسأله: «لِمَاذَا قُلْتَ هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟» (تكوين 12: 19). واضحٌ من هذا الكلام أن فرعون لم يكن قد تزوج من سارة، فقد كانت عادة الملوك أن يختاروا الفتاة ويتركوها للتجهيز قبل الزواج فترة طويلة. لكن الضربات التي جاءت على فرعون جعلته يبحث عن سبب البلوى التي حلّت به، وعندما عرف أنها بسبب سارة قال لإبراهيم: «ٱلآنَ هُوَذَا ٱمْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَٱذْهَبْ» (تكوين 12: 19).
لا شك أن خجلاً كبيراً أصاب إبراهيم بسبب الكذب. وبالرغم من أنهم أعطوه البقر والحمير لكنهم أخذوا منه زوجته! وكان إبراهيم سبباً في مجيء المصائب على الآخرين، فقد وقع عقاب الله على فرعون وعلى بيته، مع أنهم أبرياء. وجاءت المصيبة على إبراهيم نفسه. فقد وبَّخه فرعون على الكذب. وكم هو مؤلم أنَّ أهل العالم يوبِّخون أولاد الله. كان الواجب أن يتعلم فرعون الاستقامة من إبراهيم، لكن العكس حدث.
إبراهيم يتعلم أكثر عن الله: | ||
أخطأ إبراهيم خطأ كبيراً عندما كذب وقال عن سارة زوجته إنها أخته. لكننا نشكر الله الذي لم يترك إبراهيم، فقد حفظه حتى وهو يخطئ. هل يمكن أن مقاصد الله تتغيَّر؟ لقد سقط إبراهيم، لكن قصد الله لا يسقط ووعده لا يتغير. هنا لا يجب أن ننظر إلى إبراهيم الضعيف قدر ما ننظر إلى الإله الطيب المحب الذي يعرف جبلتنا ويذكر أننا تراب نحن. وتقول التوراة إن فرعون أوصى رجاله فشيَّعوا إبراهيم وامرأته وكل ما كان له خارج حدود مصر. فصعد إبراهيم ومعه لوط إلى بيت إيل، وعاد إبراهيم إلى حيث كان، إلى مكان المذبح الذي عمله هناك أولاً، ودعا باسم الرب.
عاد إلى مذبحه القديم بعد أن تعلَّم أكثر عن الله. عرف أولاً أن الله إله الحق والطهارة. كان يعرف أن الله عظيم، لكنه لم يكن يدرك أن الله يحب الطهارة، ويحب الحق ويحب أولاده. لو كان إبراهيم عاد إلى كنعان بدون توبيخ من فرعون، لكان يظن أن تدبيره الجسدي نجح لكن فرعون وبَّخه، فكان فرعون الوثني أول من علّم إبراهيم درساً عن قداسة الله.
وهناك درس آخر تعلَّمه إبراهيم، تعلّم أن الله إله الغفران. لقد سقط وكذب لكن الله غفر له. كان يمكن أن يسحب الله مواعيده منه، ولكن الله طويل الروح وكثير الرحمة، رحم إبراهيم وغفر له خطيته.
وعرف إبراهيم درساً ثالثاً، عرف كيف يتكل على الله. حين دخل مصر كان يظن أنه يقدر أن يتكل على ذكائه وحكمته وتدبيره ليخلص نفسه، ولكنه خرج من مصر وقد تعلَّم درساً في الاتكال على الله القادر وحده أن ينجي، فإن الطريقة التي رسمها إبراهيم للنجاة عن طريق الكذب لم تنجح، لكن الله أنقذه بيد رفيعة وذراع ممدودة.
عزيزي القارئ، وأنت تتعامل مع الله أرجوك أن تحترس من نقطة الضعف التي فيك، كما تحترس من النقطة القوية التي فيك. لقد كان إبراهيم رجل الإيمان، وهاجم الشيطان إيمانه وجعله يشكُّ في مواعيد الله. تمسَّكْ بالله واحترس، فما أجمل قول المسيح: «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ» (متى 26: 41).
الفصل الثالث: لوط يترك عمَّه إبراهيم | ||
أخطأ إبراهيم عندما نزل إلى مصر، لكن الرب أعاده بقوته إلى مكان الشركة والصداقة كما كان. وتعلم إبراهيم الكثير من نزوله إلى مصر، واختبر الرب اختباراً أفضل، ورجع مع زوجته وكل ما كان له ومعه لوط إلى البلاد التي كان فيها حيث أراد الله له أن يكون. رجع بعد ذلك إلى بيت إيل حيث كانت خيمته في البداية، وهناك عند مكان المذبح الذي بناه من قبل، بدأ يدعو باسم الرب من جديد، وما أحلى الرجوع إلى الله! يقول إمام الحكماء سليمان: «ٱلصِّدِّيقُ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ» (أمثال 24: 16). ويقول النبي ميخا: «لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي. إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي ٱلظُّلْمَةِ فَٱلرَّبُّ نُورٌ لِي» (ميخا 7: 8). وقال نبي الله داود: «يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ ٱلْبِرِّ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِهِ» (مزمور 23: 3). شكراً لله الذي أصعدني من جب الهلاك، من طين الحمأة.
وهذا ما يحدث معك يا عزيزي القارئ، فإن كنت تحب الله ولكنك تقع في خطأ، فإنه يقيمك ويرجعك إليه.
ثروة لوط: | ||
كان لوط ساكناً مع إبراهيم، وكان غنياً مثل إبراهيم - والكلمة «غني» معناها في اللغة العبرية «ثقيل»، فالغِنى حمْلٌ ثقيل، وقد كان حِمْلاً ثقيلاً على لوط. هذه هي المرة الأولى التي ورد فيها ذكر الثروة في التوراة. إن الله لا يريدنا أن نكون فقراء، لكنه يريدنا أن نتصرف في المال بحكمة. ونجد في الكتاب المقدس هذه التعاليم عن المال.
-
ليس المال والثروة خطية، ما دمنا قد حصلنا عليهما بالأمانة والشرف.
-
يجب أن يحسب كل إنسان أن ثروته من عند الله، وأنها كلها من الرب.
-
يجب أن نصرف المال في ما يرضي الله.
-
يجب أن نعطي الرب عُشْر دخلنا على الأقل، 10٪ مما يعطيه الله لنا.
-
يجب أن نفتكر في الآخرين ونحن نصرف مالنا فنساعدهم.
الأغلب أن لوطاً ربح الكثير من المال في مصر، وكان له أتباع كثيرون. ولم تحتمل الأرض إبراهيم ولوطاً أن يسكنا معاً. كان الغنم والبقر كثيراً، ويحتاج إلى أرض واسعة للرعي كما كان يحتاج إلى ماء للشرب. وكان الكنعانيون والفرزيون ساكنين في الأرض، وكانت أغنامهم وأبقارهم محتاجة أيضاً للمرعى والشرب. فلم تكن المراعي كافية للجميع.
مخاصمة: | ||
حدثت مخاصمة بين رعاة مواشي لوط ورعاة مواشي إبراهيم. ورأى إبراهيم الخطر القادم على الجميع. رأى خطراً من الكنعانيين الذين يسكنون في الغرب، ومن الفرزيين الذين يسكنون في الشرق- فإن هؤلاء عندما يرون المخاصمة بين لوط وإبراهيم يضربون الإثنين. قال رسول المسيحية بولس: «فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فَٱنْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (غلاطية 5: 15). ورأى إبراهيم أيضاً أنه لا اتفاق بين الخصام وبين الصلاة أمام المذبح، فذهب إلى لوط وقال له: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. أَلَيْسَتْ كُلُّ ٱلأَرْضِ أَمَامَكَ؟ ٱعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِيناً وَإِنْ يَمِيناً فَأَنَا شِمَالاً» (تكوين 13: 8 و9)، لقد بدأ إبراهيم رسالة السلام. كان يجب أن لوطاً يخضع لأنه ابن أخ إبراهيم، ولا بد أن ثروته جاءته بفضل سفره مع عمه إبراهيم، ولكن لوطاً لم يخضع.
تكلم إبراهيم إلى لوط بحكمة، لم يأت بعنف ولا بقسوة، ولم يفتح الجروح بالعتاب المرّ. لم يقل له: «أنا أكبر منك. أنا أقوى منك. كل ثروتك جاءت من فضلي». لكن إبراهيم تعلَّم من الله كيف يقتل الخصام بالمحبة والسلام. فقال لابن أخيه: «نحن أخوان». قال إبراهيم: لا داعٍ للخصام على السقي فإن الأرض واسعة. اختر الأرض التي تريدها، وأنا أذهب إلى الطرف الأبعد منها. بهذه الطريقة ربح إبراهيم الموقف كله وانتصر، وبنفس هذه الأخلاق الكريمة تكسب أنت درساً في الأخلاق الكريمة والتسامح.
ردّ فعل لوط: | ||
لم يكن لوط كريماً في موقفه مع عمه إبراهيم. الأغلب أن لوطاً اشترك مع الرعاة في الخصام، فإن إبراهيم يقول له: «لا تكن مخاصمة بيني وبينك». وحين عرض إبراهيم على لوط هذه الشروط الكريمة، لم يطلب لوط من عمه إبراهيم أن يختار أولاً، فقد ملأت الأنانية قلب لوط! ووقف على مرتفعات بيت إيل وأمامهم أرض كنعان الفقيرة، وكانت المزروعات تنمو في الجنوب الشرقي، ونهر الأردن يرويها. كان واضحاً أمام لوط أن كل دائرة نهر الأردن خصيبة فاختارها. وترك لإبراهيم عمِّه الأرض الفقيرة الصحراوية. لم يهتمّ لوط بأن سكان الأرض أشرار، ولم يفكر في أن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة. كان كل فكره في الغنى والنجاح المادي. كان قصير النظر جداً، ولم يرَ غير نفسه ومصلحته وثروته ومستقبله المالي. لم يرَ غير الأرض والسقي والآبار والأنهار. لم يستطع أن يرى الله - لم يرَ عمه - ولا مصلحة عمه - ولا الواجب من نحو عمه، لم يستطع أن يرى شر أهل سدوم وعمورة الذي يقول عنهم الكتاب: «كان أهل سدوم أشراراً وخطاة لدى الرب جداً» لم يستطع أن يرى بناته يدخلن بيوت أهل سدوم وعمورة زوجات لرجال أشرار.. نعم، كان لوط قصير النظر، واختار لنفسه كل دائرة نهر الأردن العامرة بالثراء المادي والفقر الروحي، واعتزل عن إبراهيم، ونقل خيامه إلى سدوم.
الفصل الرابع: إبراهيم ينقذ لوطاً | ||
كانت سدوم وعمورة بلاداً خضراء خصيبة وغنية، لكنهما كانتا مستعبدتين لملك قاس اسمه كدر لعومر، وهو اسم كدر لعومر مكوَّن من كلمتين: «كدر» ومعناها «عبد». و «لعومر» اسم إله بلاد عيلام، فيكون اسم كدر لعومر «عبد الإله لعومر».
في السنة الثالثة عشرة ثارت سدوم وعمورة ضد الاستعمار، واتفق ملوك ثلاث بلاد قريبة مع ملكي سدوم وعمورة أن لا يرسلوا الجزية المفروضة عليهم إلى كدر لعومر. فجاء كدر لعومر ومعه جيوش ثلاث بلاد أخرى، وهاجم الملوك الخمسة. لم تكن الحرب بسيطة، لكنها كانت شديدة قاسية. وانهزم فيها ملك سدوم وملك عمورة وأصحابهما الثلاثة. وهرب ملك سدوم وملك عمورة وسقطا. وأخذ كدر لعومر جميع أملاك سدوم وعمورة من بهائم وغنم وذهب وطعام ورجال ونساء.. وأخذ لوطاً وزوجته وبناته وأملاكه من ضمن السبايا. لقد ضاع لوط مع شعب المدينة الفاسدة. انهزمت سدوم وعمورة بسبب فساد الأخلاق، كما يقول سليمان الحكيم: «عَارُ ٱلشُّعُوبِ ٱلْخَطِيَّةُ» (أمثال 14: 34). والخاطئ يسقط دائماً ويكون سقوطه عظيماً، لأن أجرة الخطية هي موت.
ودفع لوط ثمن خطية سدوم وذهب إلى السبي. وهرب بعض أهل سدوم من الحرب إلى حبرون حيث يسكن إبراهيم، وأخبروه كيف أن الملك كدر لعومر سبى لوطاً وكل ممتلكاته وكل ما كان له. وكان يمكن أن يقول إبراهيم: «لوط خاصمني وتركني. صحيح أنه ابن أخي، لكنه عاصٍ غير مطيع، فليدفع أجرة العصيان وثمن الخصام معي، إن لوطاً يستحق كل ما جاء عليه. إنه ينال عقاب الشخص كل من يترك الكبير ويجري وراء الطمع».
لم يفكر إبراهيم أبداً في هذه الأفكار، وما إن سمع عن لوط المسكين حتى قام فوراً لينجده، فإن لوطاً ابن أخيه. إنه لحمه ودمه، وإبراهيم صاحب القلب الملآن بالمحبة. لم تكن محبة إبراهيم للوط محبة عواطف ترتفع وتنخفض، لكنها كانت محبة من الله، محبة تخدم. كانت محبة إبراهيم مثل المحبة التي وصفها رسول المسيحية يوحنا فقال: «بِهٰذَا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ ٱلإِخْوَةِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ ٱلْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجاً، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِيهِ؟» (1يوحنا 3: 16،17) إن محبة إبراهيم محبة حقيقية.. لا تشمت، ولا تفرح بالإثم. وبهذه المحبة العاملة تحرك قلب إبراهيم، وقرر أن ينقذ ابن أخيه لوطاً.
إبراهيم يحارب: | ||
لم نسمع من قبل أنَّ إبراهيم كان رجل حرب، ولم نقرأ أبداً أنه خرج يقتل ويحارب. بالعكس، نحن نعلم أنه رجل سلام. كان في حبرون ثلاثة رؤساء عظماء، وهم عانر وأشكول وممرا، وقد عقد إبراهيم مع هؤلاء الثلاثة عهد صداقة، لكن إبراهيم قرر أن يخلِّص لوطاً وأن يدافع عن ابن أخيه، فأخذ ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً من رجاله. وعندما سمع أصحابه عانر وأشكول وممرا عن عزمه، ساروا مع صديقهم المحبوب إبراهيم. خلف جيش كدر لعومر وهجموا عليه وغلبوه، واسترجع إبراهيم كل أملاك سدوم من أجل ابن أخيه لوط. وهكذا نجح إبراهيم العامل بالمحبة وانتصر وأنقذ ابن أخيه من يد الغزاة.
ووصلت أخبار انتصار إبراهيم إلى ملك سدوم، ففرح وخرج يقابل إبراهيم ويشكره. قال الملك لإبراهيم: «أَعْطِنِي ٱلنُّفُوسَ، وَأَمَّا ٱلأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ» (تكوين 14: 21). وكانت العادة أن الذي يحارب ويغلب يأخذ كل الأملاك ويترك الناس للملك الذي حارب من أجله. لكن إبراهيم كان قد تعلَّم درساً عظيماً عندما نزل إلى مصر، هو أن الله يبارك ويعطي، أما البشر فلا يستطيعون أن يعطوا. قال إبراهيم لملك سدوم: «رَفَعْتُ يَدِي إِلَى ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ ٱلْعَلِيِّ مَالِكِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطاً وَلاَ شِرَاكَ نَعْلٍ وَلاَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ لَكَ، فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ. لَيْسَ لِي غَيْرَ ٱلَّذِي أَكَلَهُ ٱلْغِلْمَانُ. وَأَمَّا نَصِيبُ ٱلرِّجَالِ ٱلَّذِينَ ذَهَبُوا مَعِي: عَانِرَ وَأَشْكُولَ وَمَمْرَا، فَهُمْ يَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ» (تكوين 14: 22-24).
لقد كان إبراهيم مكتفياً، ولم تستطع الغنيمة أن تغريه. علم أن الله هو مالك السماوات والأرض، وأن كل عطية صالحة نازلة من عنده. لم يأخذ إبراهيم من الأرض شيئاً، لكن السماء أعطته الكثير. وحين نذكر ما فعله إبراهيم مع ملك سدوم نذكر كيف يمكن أن يكون الإنسان منا مكتفياً ببركة الله له، وأن يكون قلبه عامراً بالشكر لله.
ردّ فعل لوط: | ||
كان موقف لوط من عمِّه الذي أنقذه موقفاً غريباً! ملك سدوم يشكر إبراهيم لكن لوطاً لا يشكر. فإن التوراة لا تقول إن لوطاً شكر عمه إبراهيم الذي أنقذه. عرض ملك سدوم هدايا على إبراهيم، لكن لوطاً لم يفعل شيئاً من هذا. كنا نظن أن لوطاً يأتي إلى إبراهيم في شكر واعتراف، ويعتذر عن الخطأ الذي وقع فيه يوم انفصل عن عمه، ويوم فكر في نفسه فقط ولم يعمل الواجب مع عمه. ولكن لوطاً لم يفعل شيئاً من هذا. كنا نظن أن لوطاً يفكر في ترك سدوم بعد أن قاسى من الحرب والخراب، وكنا نظن أنه يطلب أن يسكن مع إبراهيم الذي أحبه ودافع عنه، لكن لوط لم يفعل شيئاً من هذا. وهذا كله يظهر لنا بطولة إبراهيم المحب. قام إبراهيم بالواجب نحو لوط، دون أن ينتظر شكراً أو تقديراً أو جزاءً، لكنه قام بواجب المحبة من أجل الإله مالك السماء والأرض. إن إبراهيم خليل الله يعطي كل واحد منا درساً في خدمة الآخرين وليس من أجل الجزاء.
درس من قول المسيح: | ||
إن هذا السلوك الرائع من إبراهيم نحو ابن أخيه لوط، يذكرنا بقول السيد المسيح: «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلآخَرَ أَيْضاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضاً. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.
«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلأَشْرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلأَبْرَارِ وَٱلظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هٰكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِل» (متى 5: 38 - 48).
الفصل الخامس: الله يشجع إبراهيم | ||
رأينا كيف حدثت مخاصمة بين لوط وإبراهيم، ولكن إبراهيم انتصر بالتسامح والمحبة. وحين هجم كدر لعومر على سدوم وأخذ لوطاً مسبياً، لم يترك إبراهيم ابن أخيه، بل سار وراءه حتى أنقذه وأرجعه إلى مكانه، ورفض هدية ملك سدوم في ثقة ورفعة، ثم رجع إلى مكانه بعد أن أنقذ لوطاً. وبدأ إبراهيم يفكر في نفسه وأحواله، وشعر باليأس. نعم كانت هناك ظروف كثيرة تضايقه.
حارب إبراهيم كدر لعومر وهزمه، وأخذ الغنائم منه، ولا بد أن كدر لعومر وأصحابه يرجعون ليحاربوا إبراهيم. وبدأ إبراهيم يشعر بالخوف بعد الانتصار.. من يعلم، قد ينقلب أهل المكان ضده ويحاربونه مع كدر لعومر. إذاً كيف يكون الحال؟ لم يكن إبراهيم مستريحاً بعد الانتصار في الحرب.
ثم إن إبراهيم كان في ضعف روحي. منذ عشر سنوات ترك بلاده وجاء إلى كنعان طاعة لأمر الرب، وقال الله له إنه سيجعل نسله كتراب الأرض، حتى إذا استطاع أحد أن يعُدَّ تراب الأرض يعدّ نسله. لكن الوقت مضى ولم يتحقق هذا الوعد. نعم، إن الله وعَدَه، وكرر له الوعد، لكن الله أطال أناته.
ثم كان إبراهيم يعيش في وحدة. لوط ابن أخيه تركه. حتى بعد أن أنقذه من السبي لم يرجع معه. لم يكن هناك صديق لإبراهيم يحكي له أحواله ويشاركه اختباراته. وبسبب هذه الظروف شعر إبراهيم بالخوف والضيق.
أنا ترس لك: | ||
ولكن لا يمكن أن يترك الله أولاده في يأسهم وخوفهم. فتقول لنا التوراة: «بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ ٱلرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي ٱلرُّؤْيَا: «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدّ» (تكوين 15: 1).
عفي هذه الكلمات نرى تشجيعاً ثلاثياً لإبراهيم.
-
التشجيع الأول «لا تخف». ولقد تكرر هذ الوعد في الكتاب المقدس نحو ثلاثمائة وخمساً وستين مرة. كأن الله يقول لنا مرة كل يوم «لا تخافوا» - «لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِٱسْمِكَ. أَنْتَ لِي. إِذَا ٱجْتَزْتَ فِي ٱلْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي ٱلأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي ٱلنَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ، وَٱللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ. لأَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ مُخَلِّصُكَ» (إشعياء 43: 1 - 3). وكل مؤمن يأتيه صوت من اللّه يقول: لا تخف من المستقبل المجهول لأن الرب معك. لا تخف من الأعداء لأن الذين معك أكثر من الذين عليك. لا تخف من العوز والاحتياج لأن أباك السماوي يعلم ما تحتاج إليه من قبل أن تسأله. لا تخف من الحيات والعقارب البشرية لأن كل قوة العدو لا تضرك بشيء. ما دمت مع اللّه فإنك في أمان.. لا تخف.
-
وهناك تشجيع ثانٍ يقدمه اللّه لإبراهيم «أنا ترس لك». هذا هو السبب في عدم الخوف. إن الرب ترس لإِبراهيم يحميه ويحفظه. والترس هو قطعة خشب مغطاة بالجلد، يمسكها الجندي بحزام من الخلف ليتلقّى عليها سهام العدو، فلا تصيبه. وعندما تضايق داود من الأعداء الذين قالوا له: «ليس لك خلاص بإلهك». قال: «أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَتُرْسٌ لِي. مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي» (مزمور 3: 1 - 3). وقد حفظ اللّه إبراهيم حتى انكسرت كل سهام العدو على الترس الحافظ.
-
وكان هناك تشجيع ثالث. قال اللّه لإِبراهيم: «أجرك عظيم جداً». كان إبراهيم قد سامح لوطاً وأعطاه فرصة أفضل. كان قد أنقذ لوطاً من السبي، ورفض هدية ملك سدوم. واللّه ليس ظالماً حتى ينسى تعب المحبة. وقد جاء ميعاد إعطاء إبراهيم أجرته، فإن اللّه لا بد أن يجازي كل واحد حسب عمله.
إيمان إبراهيم يُحسب له براً: | ||
في وقت الضيق قال الله لإبراهيم: «لا تخف يا إبراهيم، أنا ترس لك. أجرك عظيم جداً». فتساءل: «أين أجرتي؟ إن كل ما عندي من مال وبهائم سيأخذه أليعازر الدمشقي الوكيل الذي عندي». وقال إبراهيم للرب: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلاً، وَهُوَذَا ٱبْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي» (تكوين 15: 3). ولكن الرب قال إن أليعازر لا يرثك، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. وأخرج اللّه إبراهيم إلى خارج الخيمة وقال له: / «ٱنْظُرْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَعُدَّ ٱلنُّجُومَ إِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا». ثم قال له: «هٰكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ» (تكوين 15: 5).
عزيزي القارئ، الذي ينظر إلى النجوم يرى بينها أشعة نور آتية من نجوم أخرى أبعد، فلا يقدر أحد أن يعرف عدد النجوم بالضبط. وتقول التوراة إن إبراهيم آمن بكلمات الرب له، وصدَّق وعده مع أن سارة وصلت إلى سن اليأس. آمن باللّه فحسب إيمانه براً (تكوين 15: 6)، فليس بار ليس ولا واحد، لكن اللّه يحسب الإنسان باراً، لأنه يحسب لنا برّ المسيح. كان اللّه موضوع إيمان إبراهيم، وكانت كلمة اللّه أساس إيمان إبراهيم. وجاء برُّ إبراهيم نتيجةً لإِيمان إبراهيم، بعد أن حسب له اللّه إيمانه براً.
اللّه يدخل في عهد مع إبراهيم: | ||
في اليوم التالي جرى حديث آخر بين اللّه وإبراهيم. قال اللّه لإِبراهيم: «أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هٰذِهِ ٱلأَرْضَ لِتَرِثَهَا» (تكوين 15: 7). وفي شجاعة الإِيمان سأل إبراهيم: «بماذا أعلم أني أرثها؟» لم يكن هذا السؤال سؤال الشك الذي يحتاج إلى برهان، لكنه كان سؤال الثقة التي تطلب الشرح. فجاوب اللّه إبراهيم جواباً لطيفاً عامراً بالمحبة، باللغة التي يفهمها إبراهيم. لقد دخل اللّه في عهد مع إبراهيم بطريقة ذلك الزمان. قال اللّه لإِبراهيم: «خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلاَثِيَّةً وَعَنْزَةً ثُلاَثِيَّةً وَكَبْشاً ثُلاَثِيّاً وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً» (تكوين 15: 9). وأخذ إبراهيم هذه كلها وشقَّها من الوسط، وجعل شقَّ كل واحد مقابل صاحبه، أما الطير فلم يشقه... وكان الناس في زمان إبراهيم يقطعون العهود مع بعضهم بطريقة خاصة. هي الطريقة التي طلبها اللّه من إبراهيم، فقد كانوا يقسمون كل ذبيحة إلى نصفين، ثم يمشي كل من يدخل العهد وسط القطع. وكانوا يقصدون أن يقولوا إن الذي يكسر العهد يتقطع كما تقطعت الذبيحة. وقد فعل إبراهيم ما أمره اللّه به: شقَّ الذبائح من وسطها، ووضع كل نصف مقابل النصف الآخر، أما اليمامة والحمامة فلم يقطعهما إلى نصفين، لكنه وضع اليمامة في جانب والحمامة في جانب آخر. وجلس بجوار الذبائح ينتظر. كان لا بد أن يأتي الرب ويسير بين القطع. وكان المفروض أيضاً أن إبراهيم يسير بين القطع ليدخل الله وإبراهيم في عهد معاً.
لكن النهار الطويل مضى دون أن يحدث شيء. تُرى ماذا قال إبراهيم في نفسه؟ هل ظن أنه يسير وراء أوهام؟ هل ظن أن اللّه لا يحقق وعده؟ لا بد أنه طرد تلك الأفكار الشريرة التي جاءت إلى رأسه. وعند المغيب نام نوماً عميقاً ورأى رؤيا، رأى ظلمة شديدة واللّه يتكلم معه ويعلن له المستقبل: إن نسله الكثير سيذهب إلى أرض غريبة، وهناك يكونون عبيداً مدة أربعمائة سنة، لكن اللّه يدين الأمة التي تستعبد الشعب، ويكافئ نسل إبراهيم. واستيقظ إبراهيم من نومه، وعندها تمم اللّه عهده، فقد جاء تنُّور دخان ومصباح نار ليجوز بين قطع الذبائح... إذاً فقد دخل اللّه في العهد مع إبراهيم، فإن النار رمز حضور اللّه.
تلاحظ أيها القارئ الكريم أن إبراهيم لم يمشِ بين القطع، فقد كان العهد بين إبراهيم وبين اللّه من جانب واحد فقط. اللّه هو الذي يدخل في عهد مع الإِنسان - ماذا يستطيع الإِنسان أن يفعل مع اللّه، إلا أن يقبل حب اللّه؟ وهذا ما قاله المرنم داود: «مَاذَا أَرُدُّ لِلرَّبِّ مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟ كَأْسَ ٱلْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ، وَبِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أَدْعو» (مزمور 116: 12، 13).
عزيزي القارئ، ندعوك أن تقبل الخلاص الذي يقدمه اللّه لك، بقلب شاكر ونفس مؤمنة وسعيدة.
الفصل السادس: هاجر وإسماعيل | ||
صار عمر سارة زوجة إبراهيم خمساً وسبعين سنة، وبلغ إبراهيم الخامسة والثمانين، ولم تلد سارة لإِبراهيم ابناً. وكانت سارة تعلم أن اللّه وعد إبراهيم أن يكون له نسل كثير، لكن اللّه لم يكن قد قال إن هذا النسل الكثير سيكون من سارة. كان الوعد الواضح أن إبراهيم سيكون أباً لجمهور من الأمم. وقد أعطى اللّه هذا الوعد عندما كان في أور الكلدانيين، ولم تكن له زوجة في ذلك الوقت سوى سارة، لأن التوراة تحكي لنا أن الذين خرجوا من أور الكلدانيين إلى كنعان كانوا: تارح أبا إبراهيم، وإبراهيم وزوجته سارة، ولوط.
ولما تأخرت سارة عن الولادة، ووصلت السن الذي لا تستطيع فيه أن تلد، فكرت في تحقيق ذلك الوعد القديم: أن يكون لإِبراهيم نسل ووارث. وكان عند سارة جارية مصرية اسمها هاجر، ربما جاءتها هدية من فرعون عندما أخذها إلى بيته. وقالت سارة لإِبراهيم: «ٱلرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ ٱلْوِلاَدَةِ. ٱدْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ» (تكوين 16: 2). ولم يكن هذا التصرف غريباً في ذلك الوقت، فقد كانت عادة ذلك الزمان أن الزوجة التي لا تلد تعطي جاريتها لزوجها. وعندما تلد الجارية كانت تلد على ركبتي سيدتها، ويحسبون الطفل المولود طفل السيدة وليس طفل الجارية. ولا شك أن هذا العمل كان صعباً على سارة. كان تضحية من جانبها، لأنها أعطت جاريتها زوجة لزوجها. كما كان في طلب سارة أن يتزوج إبراهيم من هاجر إيمان منها بوعد اللّه لإبراهيم، أنه سيكون أباً لجمهور من الأمم. وقد أرادت سارة أن يكون إبراهيم أباً لجمهور من الأمم، ولو كان ذلك من جاريتها هاجر.
لكن هذا العمل كان خطأ. كان خاطئاً ضد هاجر، فقد كان من الممكن أن تتزوج خادماً مثلها، تعيش معه في سعادة، لأنها تتزوج ممن هو نظيرها، لكنها صارت أماً لابن إبراهيم دون أن تكون زوجة لإِبراهيم. لقد جعل هذا العمل هاجر تقف في موقف شاذ.. ضاعت شخصيتها ولم يكن الذنب ذنبها. لقد وضعوها في هذا المكان الغريب الشاذ.
ثم إن هذا العمل الخاطئ كان ضد سارة نفسها. كانت سيدة البيت الأولى، ولكنها نزلت عن مكانها، وحرمها هذا العمل الخاطئ من حقها العظيم في البيت، وفي نفس الوقت اشتركت مع إبراهيم في العصيان.
ولا يجب أن نلوم سارة، فنحن نقابل مشكلة مشابهة عندما نرى الناس من حولنا يرتكبون عملاً خاطئاً، فنشترك معهم في هذا العمل، بدون تفكير. كان الرجال زمن إبراهيم يتزوجون الجواري، ليكون هناك نسل للزوجات. وبدون تفكير عميق وبدون صلاة، عملت سارة كما يعمل أهل العالم من حولها. فلنحترس لئلا نتصرف التصرف الخاطئ، لأن المحيطين بنا يعملون هذا الخطأ كشيء طبيعي.
وهناك تحذير آخر نراه لنا في هذه القصة: إن نصيحة الصديق ليست دائماً صحيحة. سمع إبراهيم كلام سارة. لو جاءه الكلام من شخص آخر غير سارة لتردَّد. أما وقد جاء الكلام من سارة فقد أطاع. ولهذا السبب يجب أن نحترس من الأصحاب والأحباب. فقد يقدمون لنا نصيحة نقبلها لأنها جاءت من صديق، وتكون النصيحة خاطئة. جاءت وصية اللّه في سفر التثنية تقول: «وَإِذَا أَغْوَاكَ سِرّاً أَخُوكَ ٱبْنُ أُمِّكَ، أَوِ ٱبْنُكَ أَوِ ٱبْنَتُكَ أَوِ ٱمْرَأَةُ حِضْنِكَ، أَوْ صَاحِبُكَ ٱلَّذِي مِثْلُ نَفْسِكَ... فَلاَ تَرْضَ مِنْهُ وَلاَ تَسْمَعْ لَهُ وَلاَ تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلاَ تَرِقَّ لَهُ وَلاَ تَسْتُرْهُ» (تثنية 13: 6 - 8).
على أننا يجب أن نذكر هنا أن إبراهيم يحترم سارة زوجته. لقد سمع كلامها وأطاع نصيحتها. كانت تدعوه سيدها. لكنه كان يعاملها بمحبة كاملة واحترام كامل، فسمع نصيحتها. وفي هذا درس لنا أن لا نسمع كلام أصحابنا مهما احترمناهم، بل نسمع كلمة اللّه مهما بدت صعبة وغريبة، فلا طاعة في معصية، و «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ ٱللّٰهُ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنَّاسِ» (أعمال 5: 29).
ثمن الخطأ: | ||
تزوج إبراهيم من هاجر جارية سارة. ولما حبلت هاجر، بدأت الأمور تتغيَّر. لقد كانت النتيجة مصيبة على ذلك البيت الصغير. بدأت هاجر تتكبر حتى صغرت مولاتها في عينيها. لقد عرفت هاجر أن طفلها سيكون وارث البيت، وهذا معناه أنها ستصير سيدة البيت الأولى، فتكبَّرت على سارة.
ثم ملأ الحسد قلب سارة. دفع الحب والتضحية سارة لأن تطلب من زوجها أن يتزوج هاجر، ولكن لما حبلت هاجر امتلأت سارة بالغيرة، فقالت لإِبراهيم: «ظُلْمِي عَلَيْكَ! أَنَا دَفَعْتُ جَارِيَتِي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا. يَقْضِي ٱلرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ» (تكوين 16: 5).
وواجه إبراهيم نفسه مشكلة: سارة طلبت منه أن يتزوج هاجر، والآن تقول له: «ظلمي عليك». كيف يصنع إبراهيم سلاماً بين سارة وبين هاجر؟ سارة زوجته وهاجر ستكون أم ابنه. كان يجب أن يعرف إبراهيم كل هذا قبل حدوثه ويمتنع عن الزواج من هاجر، لكن عندما جرى هذا الذي جرى، أدرك إبراهيم الخطأَ الذي وقع فيه. فقال لسارة: «جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. ٱفْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ» (تكوين 16: 6). وهنا بدأت سارة تذل هاجر.
ولا نعرف كيف أذلت سارة هاجر، لكن الإِذلال كان قاسياً حتى هربت هاجر من البيت، وسارت في طريق يقود إلى مصر. لعلها أرادت أن ترجع إلى بلادها. ولما تعبت من السير جلست على عين ماء في الصحراء، وجاء ملاك الرب وسألها: «مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ، وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِين؟». فَقَالَتْ: «أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَايَ». فَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: «ٱرْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَٱخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا». وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: «تَكْثِيراً أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ ٱلْكَثْرَةِ». وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: «هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ٱبْناً وَتَدْعِينَ ٱسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ». وحين طلب الرب من هاجر أن تخضع، أعطاها وعداً بالمكافأة، فقال لها إن ابنها سيكون إسماعيل بمعنى: اللّه يسمع. في كل مرة تنادي هاجر ابنها إسماعيل تذكر الرب الذي سمع لمذلتها. ثم قال الملاك عن إسماعيل: «يَكُونُ إِنْسَاناً وَحْشِيّاً، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ» (تكوين 16: 7 - 12). وهذا يعني أن إسماعيل سيحب الحرية، ويعيش متبدِّياً، ينتقل من مكان إلى مكان في حرية كاملة، لا يحدها قيد يمنعها من القتال والخصومة في طلب الماء والعشب لرعي المواشي.
الرب يرى: | ||
عزيزي القارئ، التقى الملاك بهاجر وشجعها، فكان مكان لقائها بالملاك بركة لها، فأطلقت عليه إسم «إيل رُئي» بمعنى الرب يرى. ألا ترى معي كيف أن اللّه يرى ويلاحظ ويعتني؟ دعت هاجر اسم عين الماء بئر «لَحَي رُئي» ومعناها بئر الحي الذي يراني. عند تلك البئر حفظ الرب حياتها بعد أن التقت به، وأعادها إلى البيت الذي خرجت منه. ورجعت هاجر إلى بيت إبراهيم في خضوع، وولدت ابنها إسماعيل عندما كان إبراهيم في السادسة والثمانين من عمره (تكوين 16: 13 - 16).
إسماعيل ابن الصلاة: | ||
يرتبط اسم إسماعيل بالصلاة، فإن معنى اسمه «الله يسمع». ويقول لنا الكتاب المقدس كيف أن الله سمع صلاته عندما كان طفلاً. لم يكن إسماعيل مرغوباً فيه في أسرته، فبعد ولادته حدثت معجزة: ولدت سارة ابناً لإبراهيم وهي في شيخوختها بحسب وعد الله لإبراهيم، وسمَّت طفلها إسحق، بمعنى «ضحك». وأقاموا احتفالاً كبيراً يوم فطامه. وحدثت غيرة في نفس إسماعيل من أخيه غير الشقيق إسحق، فضايقه واستهزأ به. وأثار هذا الاستهزاء غضب سارة، فأصرَّت على أن يطرد إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل. ولم يعجب إبراهيم كلام سارة، لكن الله كلَّمه في حلم وقال له: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ ٱلْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ ٱسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَٱبْنُ ٱلْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ» (تكوين 21: 12 و13). فأخذ إبراهيم خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر، وصرفها هي وابنها.
وضلت هاجر في صحراء بئر سبع، وانتهى الماء من قربتها. وضعف إسماعيل بسبب العطش، فطرحته هاجر تحت إحدى الأشجار، ومضت وجلست مقابله بعيداً، لأنها قالت: «لا أنظر ولدي يموت». ولا شك أن السؤال يتبادر إلى أذهاننا: ألم يقدم الرب وعداً لإبراهيم قائلاً: ابن الجارية سأجعله أمة، لأنه نسلك؟ فهل يمكن أن يموت إسماعيل عطشاً؟ ألا يجب أن تتحقق مواعيد الله في كلامه لإبراهيم؟ نعم، لا بد أن تتحقق المواعيد الإلهية. لذلك يقول الكتاب المقدس: «فَسَمِعَ ٱللّٰهُ صَوْتَ ٱلْغُلاَمِ. وَنَادَى مَلاَكُ ٱللّٰهِ هَاجَرَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ ٱلْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. قُومِي ٱحْمِلِي ٱلْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً». وَفَتَحَ ٱللّٰهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ ٱلْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ ٱلْغُلاَمَ. وَكَانَ ٱللّٰهُ مَعَ ٱلْغُلاَمِ فَكَبِرَ» (تكوين 21: 17-20) وسكن صحراء فاران، وكان ينمو رامي قوس. ولما كبر، زوَّجتهُ أمه زوجة مصرية من جنسيتها هي. وأنجب إسماعيل أولاداً وبنات صاروا شعباً قوياً. وعندما مات إبراهيم دفنه ابناه إسماعيل وإسحق.
عزيزي القارئ، أود أن أسألك إن كنت مررت باختبار يشبه اختبار إسماعيل؟ هل شعرت أنك شخص غير مرغوب فيك من الذين تتوقع منهم العناية والحب؟ هل رأيت آخرين يتمتعون بامتيازات لا تتمتع بها أنت؟ هل كانت لك آمال كبيرة وانتهت فجأة؟ هل اختبرت معنى الحرمان من محبة الأم ومن طمان البيت؟ ربما أهملتك أمك وكأن أحداً لا يهتم بك.
عندما تركت هاجر إسماعيل تحت الشجرة صلى، فسمع الله صراخه وأنقذه في قلب الصحراء، وأرشد أمه لتجد الماء الذي بعث الحياة في جسده. نعم هناك من يهتم. إن الله يهتم. كان للرب قصد عظيم في حياة إسماعيل. لا شك أن إسماعيل ارتبك وهو يرى التعقيدات في حياته، فذات يوم كانوا يعاملونه باعتبار أنه وارث إبراهيم والابن الوحيد له. وفي يوم آخر عاملوه على أنه ابن الجارية غير المرغوب فيه. كان يرى سارة وأمه تتعاركان باستمرار وتشكوان إلى إبراهيم. في بعض الأحيان كان إبراهيم لطيفاً معه، وفي أحيان أخرى كان يتصرف معه بطريقة خشنة مزعجة مخيفة. ولكن الصدمة الكبرى جاءته عندما طرده إبراهيم مع أمه هاجر من بيته، ولم يعطه سوى قربة ماء وبعض الخبز. إن للرب قصداً في حياة إسماعيل، وتحقق هذا القصد عندما صلى إسماعيل، فكانت صلاته نقطة التحول في حياته. وعندما أطاعت أمه توجيهات ملاك الرب اكتشفت الماء الذي كانت تحتاج إليه هي وابنها. ولم يرجع إسماعيل إلى محل إقامة أبيه، لكنه أقام لنفسه مسكناً مستقلاً. إن هذا يذكرنا بقول نبي الله داود: «ٱتَّكِلْ عَلَى ٱلرَّبِّ وَٱفْعَلِ ٱلْخَيْرَ. ٱسْكُنِ ٱلأَرْضَ وَٱرْعَ ٱلأَمَانَةَ. وَتَلَذَّذْ بِٱلرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَٱتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي» (مزمور 37: 3 - 5).
عندما تنغلق في وجهك أبواب الأرض كلها، ستجد دوماً أبواب السماء مفتوحة!
الفصل السابع: تشجيع جديد لإبراهيم | ||
مضت ثلاث عشرة سنة على ولادة إسماعيل دون أن يسمع إبراهيم فيها إعلاناً إلهياً، فالتوراة لا تسجل لنا شيئاً من ذلك. لا شك أنها كانت سنوات جافة لم يسمع فيها إبراهيم صوت الله صديقه المحب. وعندما كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب له، وكان بينهما حديث صداقة حار. قال الله: «أَنَا ٱللّٰهُ ٱلْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيراً جِدّاً» (تكوين 17: 1 و2). وهذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها الله لإبراهيم عن نفسه أنه الله القدير. لقد كان إبراهيم محتاجاً أن يسمع عن «الله القدير» أن يتمم وعده له. ومع أن السنوات تمضي إلا أن الله أمين في تحقيق الوعد، وساهر على كلمته ليجريها. وطول أناة الله لا تعني أن الله لا ينفذ وعوده، أو أنه بطيء في تنفيذ الوعد، فإن الله وإن تأنى يستجيب ما يعِدُ به، ويتمّمه. الله القدير لا يصعب عليه أمر، قادر أن يفعل أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر. لقد أراد الله أن يقول لإبراهيم: «أنا الذي أُحيي الموتى، وأدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. أنا أستطيع أن أُقيم من الحجارة أولاداً لك. أنا الله القدير الذي لا يعسر عليه شيء».
قال الله لإبراهيم: «سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً» (تكوين 17: 1). وليس المقصود بالكمال هنا أن إبراهيم لا يخطئ، فإنه لا يوجد إنسان لا يخطئ، وليس أحدٌ صالحاً إلا واحد وهو الله. لكن المقصود بالكمال هو كمال الثقة.. فيكون الله القدير وحده موضوع ثقة إبراهيم. ثم أن الله يعني بقوله: «كن كاملاً» كمال العزم والرغبة في إبراهيم على أن يعمل مشيئة الله الصالحة. ثم أن الله يقصد أن يكون إبراهيم كاملاً في إخلاصه لله، لأن عيني الرب تجولان في كل الأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كاملة نحوه. وكل من يسير مع الله يصبح كاملاً.
سر مع الله لتكون كاملاً.كن مستعداً أن تعمل مشيئته بكل قلبك. كن مخلصاً راغباً أن تفهم مشيئته وإرادته الصالحة.
ثم قال الله لإبراهيم: «أجعل عهدي بيني وبينك». ومن هذا القول نرى كيف أن الله هو الذي يصنع العهد. ليس العهد من إبراهيم، ولا بفضل إبراهيم، لكنه عهد من الله بنعمة الله وفضل الله وإحسانه. لقد كان عهد الله مع إبراهيم تأكيداً للعهود الماضية. كان العهد مع إبراهيم عهداً شخصياً: «أجعل عهدي بيني وبينك». إنه شخص مهم في نظر الله. وكان العهد أيضاً عن النسل: «أَجْعَلُكَ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ ٱلأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيراً جِدّاً... وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْداً أَبَدِيّاً، لأَكُونَ إِلٰهاً لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ» (تكوين 17: 5-7).
هذه الكلمات تشملنا نحن المؤمنين، فإن كل مؤمن بإله إبراهيم هو ابن إبراهيم في الإيمان. والله يحقق له الوعد. ويقول رسول المسيحية بولس: «ٱلَّذِينَ هُمْ مِنَ ٱلإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُؤْمِنِ» (غلاطية 3: 9). ويقول لنا رسول المسيحية بطرس: «لأَنَّ ٱلْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ» (أعمال 2: 39). كما يقول الإنجيل أيضاً: «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ فَأَنْتُمْ إِذاً نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ ٱلْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلاطية 3: 29). إن هذه العهود جميعاً قد أُعطيت لنسل إبراهيم الروحي، الذين يؤمنون إيمان إبراهيم، ولم تُعْطَ لنسل إبراهيم الجسدي، فما أكثر الذين وُلدوا من إبراهيم جسدياً لكنهم لم يكونوا مؤمنين.
علامتان للعهد: | ||
أعطى الله لإبراهيم عهداً وجعل لهذا علامتين: علامة صغيرة هي تغيير اسم إبراهيم وتغيير اسم سارة. كان اسمه أبرام، ومعناه أب رفيع، فصار اسمه إبراهيم ومعناه أب لجمهور من الأمم. وكان اسم زوجته ساراي فجعل الله لها اسماً جديداً هو سارة بمعنى أميرة.
ثم كانت هناك علامة كبيرة دائمة هي علامة الختان. قال: «تُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْداً أَبَدِيّاً» (تكوين 17: 11 و13). لقد طلب الله من إبراهيم أن يختن كل ذكر في بيته من العبيد وأبناء البيت. وأطاع إبراهيم، وخُتن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وخُتن إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وخُتن كل الرجال والأولاد في بيته.
لم يكن الختان شيئاً جديداً رسمه الله لإبراهيم، فقد كان معروفاً في بلاد كثيرة، لكن الله جعل للختان معنىً جديداً، عندما طلب أن يكون الختان علامة العهد. هذا تماماً يشبه قوس القزح الذي كان موجوداً قبل الطوفان، لكن الله اتخذ منه علامة عهد بينه وبين نوح بعد الطوفان (تكوين 9: 12 - 15).
نرى في الختان بعض المعاني: | ||
-
كان الختان علامة التخصيص. في الختان أفرز الله شعباً خاصاً، وجعل علامة هذا الفرز والتخصيص في لحم من يرضى أن يدخل في العهد معه. ونحن نعلم أن كل مؤمن مخصَّص لله ومفروز له. فهل تحيا مخصصاً لله الذي يحبك، علامة لذلك العهد.
-
وهناك معنى آخر للختان، هو أنه علامة الطهارة. قال رسول المسيحية بولس: «خِتَانُ ٱلْقَلْبِ بِٱلرُّوحِ ... ٱلَّذِي مَدْحُهُ... مِنَ ٱللّٰهِ» (رومية 2: 29). قال أيضاً «خَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا ٱلْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ ٱلْمَسِيحِ» (كولوسي 2: 11). ويطلق نبي التوراة إشعياء على الشخص النجس أنه أغلف - أي غير مختون (إشعياء 52: 1). وفي العامية المصرية نقول عن الختان «طهارة». ومن علامة الختان ندرك أن الله يريد أن يطهر المؤمنين من خطاياهم، وأن يغسلهم من شرورهم كما قال السيد المسيح: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰهَ» (متى 5: 8).
-
ثم أن الختان علامة طاعة، فقد ختن إبراهيم كل الذين معه كما كلَّمه الله. قال لنا السيد المسيح: «اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي» (يوحنا 4: 21). وقال كليم الله موسى: «وَيَخْتِنُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ نَسْلِكَ، لِكَيْ تُحِبَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ لِتَحْيَا» (تثنية 30: 6). إن الختان يعني أن الإنسان يطيع االله ويضع ثقته فيه.
درسان لنا من الختان: | ||
نرى في العهد بالختان أمرين: (1) كان العهد لإبراهيم ولنسله، والله يريد الكبار والصغار له. (2) ثم أننا لا يجب أن ندخل في عهد مع شخص آخر غير الله. وفي نور عهدنا مع الله ندخل في العهود مع الناس. كثيرون يدخلون في عهود مع الناس، ويدخل غيرهم في عهد مع الشيطان. ولكن العهد الذي يجب أن نرتبط به هو العهد مع الله وحده. قال واحد من المؤمنين: «أنا لا أسأل إن كان الله في جانبي، لكني أسأل دوماً إنْ كنت أنا في جانب الله». ويجب أن يسأل كل واحد منا نفسه إن كان في عهد مع الله وحده.
ثم مضى يقول لإبراهيم: «سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. وَلٰكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ ٱلَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هٰذَا ٱلْوَقْتِ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلآتِيَةِ» (تكوين 17: 19 - 21).
الفصل الثامن: الصديقان يتكلمان | ||
دخل إبراهيم في العهد مع الله وختن كل أهل بيته، ليكون للعهد علامة في جسدهم جميعاً، وكان إبراهيم خليل الله، وكان بينه وبين الله صداقة عميقة. وهذا يُرينا أن علاقة الإنسان بالرب يمكن أن تكون كعلاقة الابن بأبيه، فإن الله أبونا، وكعلاقة العابد بالرب فإن الرب سيدنا، وكعلاقة الوكيل بصاحب المال فإن الله هو الكريم الحنان ونحن وكلاء على ما أعطاه لنا. ويمكن أن تكون علاقة الصداقة مع الله هي تاج علاقة المؤمنين مع الله، إذ يقول الرسول يوحنا: «وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ ٱلآبِ وَمَعَ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (1يوحنا 1: 3).
عاش إبراهيم مع الله سنوات طويلة، وصارت صداقته مع الله أقوى وأعمق. وكلما نضج الإيمان زادت صداقة الإنسان بالله والأُنس به. وفي الأصحاح الثامن عشر في سفر التكوين نقرأ قصتين تُظهران عمق صداقة إبراهيم مع الله.
القصة الأولى: مجيء ثلاثة ملائكة يزورون إبراهيم.
والقصة الثانية يكشف فيها الله سراً لإبراهيم، ونسمع حديث إبراهيم مع الله وهو يصلي ست مرات من أجل سدوم.
ومن القصتين نعرف مقدار عمق وعظمة صداقة إبراهيم مع الله، ومقدار محبة إبراهيم للّه.
ثلاثة ملائكة يزورون إبراهيم: | ||
جاء ثلاثة ضيوف من الملائكة يزورون إبراهيم. كان إبراهيم جالساً في باب خيمته تحت شجرة البلوط الكبيرة عند مدينة حبرون، وكان الوقت ظهراً واليوم حاراً. وما إن رأى إبراهيم الملائكة الثلاثة في هيئة رجال، حتى جرى نحوهم ودعاهم إلى خيمته. نسي إبراهيم أنه ابن تسع وتسعين سنة، ونسي عظمة مقامه، وافتكر في إضافة الغرباء، فسجد إلى الأرض علامة الاحترام، ووجَّه حديثه إلى أعظم الرجال الثلاثة. ربما عرفه لأنه كان يسير أمامهم، أو لعل منظره كان يشهد أنه الأعظم، وقال له: «... يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَٱغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَٱتَّكِئُوا تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ» (تكوين 18: 1 - 5). وقبل الضيوف الدعوة، وقالوا: «هٰكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ» .
لم يكن إبراهيم يعرف مَنْ هؤلاء الضيوف، لكنه حسب عادته في الكرم دعا أولئك الغرباء. ويقول كاتب الرسالة للعبرانيين في الإنجيل: «لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ ٱلْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ» (عبرانيين 13: 2). وكاتب الرسالة إلى العبرانيين يقصد أن إبراهيم أضاف الملائكة وهو لا يعرف من هم. أضافهم لأنه كريم مضياف.
وإبراهيم أب المؤمنين يقدم مثالاً لكل المؤمنين في إضافة الغرباء، شأنه شأن كل رجال الله الأتقياء. قال إمام الصابرين أيوب إنه لم يكن يأكل لقمته وحده لكنه كان يطعم منها اليتيم (أيوب 31: 17). ويوصينا رسول المسيحية بولس أن نكون عاكفين على إضافة الغرباء (رومية 12: 13). وكانت الكنيسة الأولى تطلب من كل أسقف أن يكون كريماً يضيف الغرباء (1 تيموثاوس 3: 2). كما كان مفروضاً على الأسقف أن لا يربي كلاباً في بيته ليكون مفتوحاً دوماً للضيوف والغرباء. ونحن اليوم نحتاج إلى هذه الروح الكريمة لإضافة الغرباء.
وأحضر إبراهيم الماء وغسل أرجل الضيوف. فقد كان المشي في الطريق يملأ الأرجل بالتراب، ويُعطي راحة بعد المشي الطويل. وأسرع إبراهيم إلى الخيمة وقال لسارة: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقاً سَمِيذاً. ٱعْجِنِي وَٱصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ» (تكوين 18: 6). هذه الكمية من العجين كبيرة، وركض إبراهيم إلى مكان البقر وأخذ عجلاً رَخْصاً أعطاه لواحد من الخدم ليجهّزه، وبسرعة كان الخبز جاهزاً والعجل مشوياً. وأخذ إبراهيم زبداً ولبناً والعجل. ووضع الكل أمام الضيوف، ووقف يخدم ضيوفه بنفسه.

