COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

الزواج في المسيحية

الفصل الأول: العائلة والله

الزواج أو البيت هو أهم مؤسسة على الأرض، فهو نواة المجتمع، وعليه تقوم الدولة. ومعنى هذا أنه كما يكون البيت هكذا يكون المجتمع، فالمجتمع الصالح هو برهان البيت الصالح، والمجتمع الفاسد هو برهان البيت الفاسد والمفكك.

أخذ الكثيرون مفاهيمهم عن الزواج والعائلة من مصادر مغلوطة ومبادئ وفلسفات ملتوية، فقد أخذها بعضهم من الأفلام السينمائية، وبعضهم الآخر من التلفزة، وبعضهم الثالث من المجلات والكتب والمطبوعات الرخيصة اللاأخلاقية! أما المصدر الصحيح فهو كلمة الله كما جاءت في الكتاب المقدس.

الزواج هو بترتيب من الله. هو الذي رسمه وسنَّه وقدَّمه للإنسان لخيره وسعادته. الله هو مهندس الزواج وواضعه ومصدره! فالزواج ليس صفقة تجارية، ولا اتفاقية تأجيرية، بل هو رباط مقدس أمام الله والناس يدوم مدى الحياة. لهذا نقرأ في الكتاب المقدس أن المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حياً... ونقرأ أيضاً أن الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته. وهذا الالتصاق يدوم إلى أن يفرقهما الموت.

الزواج هو بين رجل واحد وامرأة واحدة، لا بين رجل واحد وعدة نساء، ولا بين رجل وآخر، أو بين إمرأة وأخرى. فهذه البدائل هي شر فظيع لأنها خروج على قاعدته. فالله خلق في البدء رجلاً واحداً هو آدم، ومن آدم صنع امرأة واحدة هي حواء. ولهذا تقول كلمة الله إن الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته، لا بصاحبته، ولا بزوجة جاره أو زميلته في العمل. ومن يخالف هذا الترتيب يخالف ترتيب الله، ويعرض نفسه لدينونة الله وغضبه، لأن العاهرين والزناة سيدينهم الله.

وهذا الانفصال عن الوالدين والأهل هو في الأساس في حيز العاطفة والفكر، وقد يكون أحياناً انفصالاً جغرافياً جسدياً. غير أن هذا الترك أو الانفصال لا يعني نسيان الأهل أو عدم إكرامهم ومساندتهم، بل هو تحرر واستقلال في المسؤولية والإدارة. فالعروسان وحدهما هما المسؤولان عن إدارة بيتهما الجديد، ومن الخطأ بمكان كبير أن يتدخل الأحماء والحموات في شؤونهما. فالانفصال ضروري ولو بدا صعباً ومصحوباً بالدموع في يوم العرس.

الفصل الثاني: دعوة إلى القداسة

كل يوم في حياتنا مشحون بالقرارات الصغيرة الغير المتكاملة التي لا تأثير لها على حياتنا. إلا أن هناك قرارات أكثر أهمية تؤثر على حياتنا لسنين قادمة، وقد تصل حتى إلى يوم وفاتنا. ومن هذه القرارات مثلاً: هل سألتحق بالجامعة أم هل سأحصل على وظيفة بعد الدراسة الثانوية؟ ماذا أنوي أن أعمل في ما تبقى من حياتي؟ هل سأنخرط في سلك الكهنوت أو الرهبنة أو القسوسية؟ هل أتزوج أم لا؟

ولا يمكن أن قرارات خطيرة مثل هذه أن تتم بين عشية وضحاها، لأنها تتطلب تفكيراً عميقاً من أجل الحصول على الإرشاد والتوجيه. ويبدو أن مثل هذه الخطوات التحضيرية لاتخاذ القرار غالباً تُهمل عند التفكير بالزواج، فيُقدم الناس على الزواج بدون هدف معين. فبدلاً من إظهار الالتزام الإيجابي والحقيقي للعيش بقدسية الزواج، يقرر الناس الزواج بدون إستعداد، فيصبح الزواج نوعاً من أنواع الإحباط بدلاً من أن يكون دعوةً مسيحية للقداسة الحقة...

يدعو الله الإنسان إلى الزواج المسيحي بنفس الطريقة التي يدعوه بها لخدمته في القداسة. ولقد شهد هذا القرن اعترافاً كبيراً واضحاً بالكرامة والقداسة المرتبطة بالحياة الزوجية، فهي حقاً دعوة مقدسة لها مكانتها الهامة في الكنيسة.

ويجب أن يكون واضحاً للجميع أن الزواج يتطلب اعتباراً واهتماماً وتقديراً من الذين يُقدمون عليه. ففي الزواج المسيحي يدعو المسيح رجلاً وامرأة إلى الاتحاد الوثيق مع بعضهما ومعه أيضاً، وبهذه الدلالة المقدسة يشهدان أمام العالم بمحبة الله الكامنة بين شخصين، ومحبة الله نحو الكنيسة. وبفضل قوة هذا السر يكافح الزوج والزوجة في حياتهما لتعميق اتحادهما واتحاد القداسة التي دعاهما الله إلى تحقيقها.

ويجب الاعتراف هنا أن هذا الأمر مثالي، ويتوجب على كل زوجين محاولة تحقيقه أثناء حياتهما، فإن الرب قد دعاهما إلى العيش سوياً، وسيبقى دائماً موجوداً بنعمته لمساعدتهما في تحقيق هذه الغاية.

المهم أن يعيش الزوجان حياتهما الزوجية كزوجين مسيحيين، لأن كلمات مراسيم الزواج تُتلى مرة واحدة، أما مفهوم الزواج فيبقى دائماً، وقدسيته واجبة وملزمة لبناء البيت المسيحي المؤسس على الإيمان والصلاة.

فنعمة الله هي التي تمكّن الزوج والزوجة لتجسيد المُثل التي تنص عليها تعاليم الإنجيل والكنيسة. ونعمة الزواج هي المرشد للشخص المتزوج الذي يكافح للوصول إلى عمل لإعالة عائلته، أو الذي يحاول الانتقال إلى نمط حياة جديدة. وفي الاوقات العصيبة والمنازعات تعمل قوة الزواج كنور للعقل الذي يوصي بإيجاد حلول للمصاعب. فهذه النعمة موجودة لتقوّي الإرادة لاتخاذ القرارات الصعبة في الحياة المسيحية، أو تنظيم الأسرة عند تعليم المبادئ الخلقية السليمة للأبناء.

وما لم يكن الزوج والزوجة قابلين لوجود الله في حياتهما اليومية فإن نعمة الزواج ستبقى موهبة غير مستغلة، وستبقى غير ذي فائدة، مثلها مثل حقول البترول الغير مستغلة. ومن ناحية أخرى فإن القوة الكامنة في هذه النعمة هي كبيرة، توازي القوة الكامنة في الأرباح التي تجنيها من هذه الحقول. فالزوج والزوجة اللذان يتعاونان مع الرب في الزواج سيجدان أن نعمته تكفي لمواجهة التجارب والمحن التي قد يصادفانها. وبهذه الطريقة يستطيع الزوجان أن يجسِّدا مهمة الزواج، وأن ينموا حقاً بالقداسة وسبل الكمال المسيحي، فيجدان الله ويُظهران عظمته لكافة البشر. وبعد حياتهما على الأرض يكونان مستعدَّين لدخول فرح الملكوت السماوي.

الزوج وزوجته هما جسد واحد، فكل ما يفعله الزوج لإسعاد زوجته سيعود إليه في صورة بركة، «مَنْ يُحِبُّ ٱمْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ» (أف 5: 28). فالحب الذي يمنحه الزوج لزوجته سيرجع إليه عن طريقها. وإذا ادَّعى إنسان أنه لا يحصد بركات روحية عن طريق زوجته فما هذا إلا لأنه لم يزرع لها شيئاً. وعلى مثل هذا الزوج أن يفحص نفسه، لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً.

كلمة «زوج» في اللغة الإنجليزية معناها رباط البيت. فالزوج هو الذي يربط البيت معاً. يقول أحد الكتّاب: «هل سمعتم يوماً تفسير كلمة زوج؟ إنها تعني حرفياً رباط البيت ودعامته، أي كمن يبقيه متماسكاً كما تحفظ الربطة المحيطة بحزمة الحنطة الحزمة من التفكك. لذلك فهناك رجال متزوجون، ولكنهم ليسوا أزواجاً بمعنى الكلمة، لأنهم ليسوا دعائم البيت. فالزوج يمسك البيت معاً بما يقدمه لزوجته من خدمة جسدية وروحية».

وقد يتحطم رباط الأسرة إذا فشل الزوج في القيام بواجبه، كما تتناثر باقة الورد إذا قطع الرباط الذي يمسك أجزاءها معاً.

لقد جعل الله لآدم زوجة كي تكون معينة له. والمعنى الأصلي لكلمة «معين» هو الإحاطة، فالزوجة هي التي تحيط زوجها بالمحبة والمشاركة واللطف. فإذا كانت دعامة الرجل قوية ارتبط الإثنان معاً في وحدة شركة مباركة، وفي هذه الحالة تستطيع الزوجة أن تحيط زوجها بصدى بركاته لها بكيل جيد ملبَّد ومهزوز وفائض، لأن أثرها الكامل كمعينة محيطة به يتوقَّف على مدى تأثيره كضابط ورابط لوحدتهما معاً.

وربما يكون من الملذ أن نعرف معنى كلمة زوجة في اللغة الإنجليزية: الناسجة أو الحائكة. فالزوج في خدمته الروحية يقدم لزوجته النعم الغنية والبركات التي تحيكها بدورها في نسيج الحياة الزوجية بما يؤدي إلى فرح الأسرة كلها وبركتها، وبذلك لا يأخذ الزوج ما يعطيه فقط، بل يأخذه مزيداً، كيلاً ملبداً ومهزوزاً. فكل حبة من حبات البركة الروحية يعطيها الزوج لزوجته تتزايد، وتعود إليه مضاعفة. حين أخذ الله حواء من جسد آدم أخذها ضلعاً صغيراً ثم أعادها إليه في صورة مضاعفة من الأيدي الخادمة، والعيون المتطلعة إليه بشغف، والأقدام التي تتبعه أينما ذهب، والعقل الذي يشاركه التفكير والتدبير، والآذان التي تصغى إلى كل كلمة يقولها ... جسم كامل حي، ونفس تحبه... وهكذا وما زال الله يُكثر للرجل ما يأخذه منه. وأيضاً كما تكون الأسرة يكون المجتمع. فالأسرة هي الوحدة الأساسية للحياة الإجتماعية.

الله نفسه هو الذي أسس شريعة الزواج منذ آدم وحواء.فعندما خلق الله العالم رأى كل شيء في الجنة حسناً ما عدا وجود آدم وحده: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ» (تكوين 2: 18). فتمم هذا. وأُخذت حواء منه، وأُعطيت إليه لتكون له معينة ورفيقة. وأعتقد أنه لهذا السبب - كما يُردد كثيراً - خُلقت المرأة من أحد أضلاع آدم، لا من قدمه لئلا يطأها، ولا من رأسه لئلا ترأسه، ولا من يده لئلا يتحكم فيها، بل من جنبه لكي تكون بجانبه، ومن تحت ذراعه فيحميها، وبالقرب من قلبه فيحبها.

الزواج جميل. ومع أن حياة العزوبية أفضل في بعض الأحيان لكنها ليست مطلوبة في كل الأحوال. والله هو الذي تمم إجراءات أول زواج، فإنه بعد أن خلق حواء «أَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ» (تك 2: 22).

وللزوج وللزوجة أعطى الله البنين. فقد بارك الله البشر «وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلأُوا ٱلأَرْضَ» (تك 1: 28) . وتكرر هذا الأمر أكثر من مرة. ولقد قصد الله أن يكون الأولاد بركة للبيت، لا عبئاً أو نيراً على الوالدين. ليست الأبوة أو الأمومة استشهاداً، «هُوَذَا ٱلْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ، طُوبَى لِلَّذِي مَلأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ» (مز 127 : 3 و5).

وهكذا إذ نتبع آثار تاريخ الأسرة نجد أنها كلها نشأت من الله. فالشاب والشابة يتزوجان، والزوج والزوجة والبنون يكونون أسرة، والأسرة تبني بيتاً. والبيت يمكن أن يكون أجمل مكان على الأرض، كما قصد الله له أن يكون، دون أن يكون ثقلاً، أو عناءً لكل الساكنين فيه. ومما يؤسف له أن الكثير من البيوت ليست كما قصد الله لها. وفي الأيام المحزنة التي نعيش فيها الآن، التي كان يجب أن يكون البيت فيها حصناً للعطف والرقة والمحبة، حصناً حصيناً لا يخزى قط ، ويقدم لكل سكانه ملجأً وقت العواصف، قد أصبح، في كثير من الحالات مجرد مكان لتناول الطعام، وللنوم.

يقضي الكثيرون من الوالدين شهوراً وسنوات للتدقيق في اختيار ما يلزم لتأثيث منزل جميل، دون أن يقضوا أي وقت لجعل ذلك المنزل بيتاً. إنهم يحرصون على أن يكون لون غطاء الكراسي منسجماً مع لون السجاجيد، وألا يتنافر هذا مع لون الأثاث. ووسط كل هذه الجهود التي تبذل في اختيار أثاث البيت فإنه لا يبذل أي جهد لاختيار الألفاظ التي تعبِّر عن المحبة والعطف واللطف.

إنهم يحرصون على أن يكون كل شيء في موضعه، فهنالك موضع لكل شيء ، لكن لا موضع لله. وبعد بضع سنوات من بناء المنزل نقف في وسطه ونجد أن محاولة ربط الأطراف المتنافرة في الأسرة كمحاولة صنع صديري من الصوف باستخدام يدي مكنسة بدلاً من الإبرتين المعتادتين. لقد بنينا منزلاً وأثَّثناه، لكننا فشلنا في بناء أسرة.

ولعلاج هذه الحالة الأليمة ظهر كثيرون من الخبراء في شؤون الحياة العائلية. لم تُبذل في الماضي جهود لتوفير السعادة العائلية بقدر ما تبذل اليوم. وأعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمكن شراؤه اليوم بثمن زهيد جداً هو شراء كتاب تقدم فيه النصيحة نحو زواج سعيد، أو بناء أسرة، أو تربية الأطفال . فإنك بثمن جريدة يومية تستطيع شراء أحدث مؤلَّف عن العلاقات الزوجية. أو كتاباً عن أفضل الطرق لمعاملة زوجتك.

وما أكثر الخبراء والمشيرين في شؤون الأسرة والزواج وتربية الأطفال. والبعض ممن يكتبون هذه الكتب مخلصون، لكن الكثيرين يستغلون الموقف لمنفعتهم المادية.

ويخيَّل للمرء أنه مع توفر مثل هذه النصائح الكثيرة، للوالدين الكثيرين، بثمن زهيد جداً، كان يجب أن تكون عائلاتنا أسعد حالاً، والزواج أكثر استقراراً، وأبناؤنا أفضل وضعاً. لكن هذا لم يحدث. والواقع أنه مع توفر هيئات أكثر اليوم، ومعلمين أخصّاء وكتب متنوعة، ونظريات مخصصة للبحث عن سعادة الأسرة، فربما توجد تعاسة أكثر في الزيجات، وخطايا أسوأ، وأحزان أعمق في الأسرة، وحالات عهارة ونجاسة أكثر بين الوالدين، وضلالات مستشرية بين الجدران الأربعة لما نسميه أسرة أكثر من أي عصر في التاريخ.

ولعله قد حان الوقت لكي نقف ونسأل أنفسنا: إن كان الله هو الذي كوَّن الأسرة، أفلا يكون هو الخبير الحقيقي الوحيد؟ إن كان الله هو أول من جمع بين الرجل المرأة، فمن يكون أفضل منه لكي يحفظهما معاً؟ إن كان الله هو الذي أوجد الحياة العائلية، أفلا يكون هو المسؤول عن حفظها متماسكة؟ أيمكن أن يوجد طبيب نفسي لعلاج الأطفال نفسياً أفضل من خالق الأطفال؟ إن كان الله يريد أن يكون البيت مكاناً جميلاً مقدساً على الأرض أفليست نصيحته هي أفضل نصيحة؟ هل نحن في حاجة إلى نصائح جديدة بطرق ملتوية جديدة؟ أم لا تزال النصيحة القديمة هي الأفضل عند ممارستها؟

رغم وجود عشرات الألوف من الكتب والنصائح عن سر البيت السعيد فإننا نعتقد أن أفضل نصيحة هي التي دُوِّنت منذ مئات السنين على صفحات الكتاب المقدس: «إِنْ لَمْ يَبْنِ ٱلرَّبُّ ٱلْبَيْتَ فَبَاطِلاً يَتْعَبُ ٱلْبَنَّاؤُونَ» (مز 127: 1). إذاً فهنا نجد السر، وهو أن البيت يجب أن يبنيه الرب. إن الكتاب المقدس هو كتاب العائلات، وقد كُتب عن العائلات من أجل العائلات. فيه يحقق الله كل إعواز البيت والأسرة - بيتك أنت بالذات. فيه تجد الحل الذي يقدمه الله لكل مشاكل الأسرة - أسرتك أنت بالذات.

لن يوجد مشير للأسرة أفضل من الله نفسه.، ولن توجد نصيحة أفضل من نصيحته، ولن يوجد مثل أعلى في كل العالم يمكن أن يقدم لك سعادة عائلية أفضل من المثل الأعلى الذي وضعه الله للأسرة.

لن يوجد كتاب أكثر سلطة ونفوذاً يقدر أن يشخِّص أعراض مرض البيت المريض، ويصف له الدواء المناسب، أفضل من كتاب الله، الكتاب المقدس.

لن توجد هيئة يمكنها أن تساعدك لجعل بيتك أقدس مكان على الأرض أفضل من كنيسة يسوع المسيح.

أيها الآباء والأمهات، لا يوجد شيء أعظم تفعلونه لبيوتكم ولبنيكم ولأنفسكم سوى أن تسلموا أنفسكم بدون تحفظ - ليسوع المسيح كمخلص نفوسكم، ورب حياتكم، ورجاء أسرتكم.

نعم أيها الآباء والأمهات، إن المكان الذي تعيشون فيه أنتم وعائلاتكم، يمكن أن يكون أفضل من منزل. إنه يمكن أن يكون بيتاً، والأفضل من هذا أن يكون بيتاً مسيحياً ُيكرم فيه الله، ويتشرَّف بحلول الرب يسوع فيه، وتحل فيه البركات التي لا يمكن أن يمنحها غيره. يمكن أن يكون بيتاً يُقرأ فيه الكتاب المقدس، وتُرفع فيه الصلوات العائلية، ويحل فيه السلام والوئام، ويعيش فيه الوالدون لبنيهم، والبنون لوالديهم، والكل لله.

لكن قد يقول قائل: أليس مثل هذا البيت مثلاً أعلى يستحيل تحقيقه؟ نعم إنه مثل أعلى. هو مثل أعلى لبيتك. هو مثل أعلى يستحيل بناؤه إلا إذا بناه الله. لأنه «إِنْ لَمْ يَبْنِ ٱلرَّبُّ ٱلْبَيْتَ فَبَاطِلاً يَتْعَبُ ٱلْبَنَّاؤُونَ» (مز127: 1). وعندما يبني هو البيت فإنه يحقق المثل الأعلى.

في كلمة الله، أي في الكتاب المقدس، نجد النموذج للبيوت التي يبنيها. وقد كُتب المُؤَلَّف الذي بين يديك الآن لشرح التفاصيل الرئيسية لهذا النموذج بالإيجاز. وإننا ندعوكم أيها الآباء والأمهات، والشبان والشابات، لتتبعوا بدقة وتتأملوا ملياً فيما جاء به.

الفصل الثالث: البيت المسيحي

هل خطر ببالك يوماً أن تسأل: ما هو البيت المسيحي؟ ما هو الفرق بين البيت المسيحي وأي بيت آخر، وما الذي يجعل البيت مسيحياً؟ واضح أن الإجابة هي: المسيح. فبدون المسيح لا توجد كلمة مسيحي. إذاً فبدون المسيح لا يمكن أن يُسمى أي شيء مسيحياً - سواء كان فرداً، أو كنيسة، أو بيتاً.

بديهي إنه لا يمكن صنع شراب الليمون بدون ليمون، ومع ذلك فما أكثر الوالدين المخلصين سليمي النية الذين يحاولون أن يبنوا بيوتاً مسيحية بدون المسيح. لقد أحضروا إلى بيوتهم كتباً مسيحية، وصوراً مسيحية، لكنهم نسوا أن هذه ليست هي المسيح. وما لم نأت بشخص المسيح إلى البيت، فلا يمكن أن نبني بيوتاً مسيحية.

إن الثقافة المسيحية، والأحاديث النقية، والسلوك المستقيم - هذه كلها ثمار الحياة المسيحية، «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» (مت 7: 16). لكن مهما كانت هذه الفضائل جوهرية فهي ليست إلا الثمار، وليست الشجرة نفسها. هي نتيجة الحياة المسيحية لا علتها. وإن قال أحد إن له صورة التقوى ومظاهرها فهذا يعني أنه لم يختبر قوتها.

إذن فما هو الفرق الجوهري بين أي بيت وبين البيت المسيحي؟ ما الذي يجعل البيت بيتاً مسيحياً؟ هنالك عوامل كثيرة، لكنها كلها من عمل الرب يسوع المسيح. هو وحده الذي يجعل البيت بيتاً مسيحياً.

قد يكون الأب خبيراً ماهراً في الشؤون الزوجية وذلك بكثرة الدرس. وربما تكون الزوجة قد حصلت على درجة عالية في الاقتصاد المنزلي. وقد يكون الاثنان معاً مثقَّفين في العلوم النفسية للطفل. وقد يكون في بيتهما أحدث المخترعات لتوفير الرفاهية. ومع كل هذا، فينبغي القول بأنهما إن أرادا بناء بيت مسيحي بدون المسيح فإنهما يضيعان وقتهما سدى، لأن المسيح وحده هو الذي يجعل البيت مسيحياً. المنزل الجميل والأثاث الفاخر، ومستلزمات المطبخ الحديثة - حسن أن تتوفر هذه كلها، ومع ذلك فليس شيء منها جوهرياً لإيجاد بيت مسيحي. لكن الرب يسوع وحده هو الذي يستطيع. فالبيت المسيحي يمكنه أن يستغني عن أشياء كثيرة لكنه لن يستغني عن المسيح.

ولماذا نقول كل هذا؟ نقوله لأن البيت المسيحي يبدأ هنا. فإن كنت أنت مسيحياً حقاً استطعت أن تفعل أشياء كثيرة لتجعل بيتك أكثر مسيحية. وفي الفصول التالية سوف نرى بعضاً من هذه الأشياء الكثيرة. أما إن لم تكن مسيحياً حقاً فأمامك شيء واحد، هو أن تصبح مسيحياً بالروح والحق. قبل أن يصير بيتك بيتاً مسيحياً يجب أن تكون أنت مسيحياً. قبل أن يعرف بيتك البركات التي لا يمنحها أحد سوى المسيح يجب أن تعرف أنت المسيح مانح هذه البركات. قبل أن يحل المسيح في بيتك يجب أن يحل في قلبك. قبل أن تصالح بيتك مع الله يجب أن تصطلح أنت معه.

ألا يمكن أن يكون المخلِّص الآن واقفاً على باب الأب والأم كليهما قائلاً: «هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي» (رؤ 3: 20)؟

إذن فلماذا لا تبدأ من البداية؟ افتح الآن باب قلبك وباب بيتك، ودع المسيح يدخل.

الفصل الرابع: رب البيت

من هو رأس البيت؟ هذا السؤال البريء في ظاهره طالما سأله الزوجان، سيما بعد زواجهما مباشرة. وهو سؤال يوجَّه عادة بلا ترو، ويقابل بلا ترو، وتُعطى عنه الإجابة بلا ترو.

قال مرة زوج شاب شارد الفكر: زوجتي تهيء الطرق، وأنا أهيء الوسائل. وقال زوج بحدة لزوجته: أنا هنا الرئيس، أليس كذلك؟ فقالت الزوجة: إن كان الرجل هو رأس البيت فالمرأة هي العنق التي تدير الرأس. ولعل هنالك بعض الحكمة في هذه الكلمة الأخيرة، فيقيناً إن وراء كل رجل فاضل امرأة أفضل.

إن السؤال جوهري، ونتائجه خطيرة. لأنه كما يسير الرأس يسير البيت. . إذا نام الراعي، أو أهمل، ضلت الخراف. إن كان أعمى يقود أعمى سقط الاثنان في حفرة. يتعذر على الكنيسة أن تتفوَّق على راعيها، ويتعذر على البيت أن يتفوق على رئيسه. فمن هو رأس بيتكم؟

لقد أوضح استفتاء أُجري بين ألف حالة زواج أن البيوت التي ترأسها الزوجة توفرت السعادة في 47٪ منها، والبيوت التي يرأسها الرجل توفرت السعادة في 61٪ منها، والبيوت التي اشترك الزوجان في قيادتها توفرت السعادة في 87٪ منها.

لعل هذه الأرقام تعطينا الإجابة. لكننا نود أن نقرر أن هنالك طريقة أفضل لم يتجه إليها الاستفتاء: هي البيوت التي يكون فيها المسيح هو الرأس. هذه لن تفشل أبداً. إن أقل عدد يتكوَّن منه البيت المسيحي ليس اثنين بل ثلاثة، وهم الرب يسوع المسيح والزوج والزوجة. والمثل الأعلى للبيت المسيحي هو هذا: «أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ ٱلْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ ٱلْمَرْأَةِ فَهُوَ ٱلرَّجُلُ» (1كو 11: 3). وهكذا ترون أن الأمر الجوهري ليس هو أن تكون المرأة خاضعة للرجل، ولا أن يكون الرجل خاضعاً للمرأة، بل أن يكون الاثنان خاضعين للمسيح. قبل أن يرتبطا بالزواج يجب أن يكونا مرتبطين بالمسيح، فإن الزوجة لا يمكنها الخضوع للزوج خضوعاً صحيحاً إلا إذ عرفت أن تخضع للمسيح أولاً. والزوج لا يمكنه أن يوجّه زوجته إلا إذا عرف كيف يوجّهه المسيح. إن نظام الله للبيت يجب أن يكون مؤسساً على طاعة الرجل للمسيح.

كثيراً ما شُبِّه البيت بسفينة تسير في بحر الحياة. في بعض الأحيان يكون البحر هادئاً، لكنه كثيراً ما تجتاحه العواصف. والعادة أننا نستطيع أن نواجه أعنف العواصف بهذه الطريقة أو غيرها. لكن العواصف في بعض الأحيان قد تكون عنيفة جداً تهدد السفينة بالغرق. والمشكلة هي: كيف نحفظ السفينة من الغرق؟

أتذكرون الوقت الذي كان التلاميذ فيه في البحر؟ لقد هبَّت عاصفة عاتية، وكانت الأمواج تخبط السفينة حتى كادت تغرق. وكان الليل مظلماً جداً. فماذا فعلوا؟ هل حاولوا أن يصدوا العاصفة بأيديهم؟ كلا؟ إنهم وإن لم يكونوا حكماء في معظم المناسبات، لكنهم كانوا في هذه المناسبة حكماء. فقد لجأوا إلى المسيح وألقوا عليه همهم. ولما فعلوا هذا صار هدوء عظيم (مر 4: 38 و39).

أيها الوالدان، ماذا تفعل سفينتكما الصغيرة في عواصف الحياة؟ هل ليلكما مظلم؟ هل الأمواج عالية؟ هل تجاهدان لإنقاذ السفينة؟ كُفا عن كل جهاد. سلِّما القيادة للمسيح. دعوه يستلم الزمام، ثم انتظرا الهدوء. تستطيعان الإستغناء عن أفضل الأثات، وعن وسائل الراحة الحديثة، وعن أفضل سيارة، لكنكما لن تستطيعا الاستغناء عن المسيح. اجعلاه قائد سفينتكما وأنتما تعبران بحر هذه الحياة. اجعلاه رئيس بيتكما. صليا هكذا: يا يسوع يا مخلّصنا، استلم دفة حياتنا وسط البحر الهائج، فالأمواج تخبط السفينة، والصخور مختفية، لكن الإرشاد كله منك.

الفصل الخامس: الزواج والمذبح العائلي

كان يقال قديماً إن أعذب الأصوات هي أصوات أجراس الكنائس التي تُقرع عند إتمام خدمة مراسيم الزواج، معلنة حلول يوم عظيم. فأخيراً حل اليوم الذي ينتظره كل فتى وتنتظره كل فتاة ودقت أجراس الكنيسة. ويا له من يوم سعيد مبارك!

وبدأت خدمة عقد القران المهيبة الجميلة، وهي التي يتطلع إليها كل شاب وشابة، وبها يبدأ تكوين بيت جديد. وبعد انقضاء ألوف السنين على المدنية كان يُخيل للمرء أن يكون الزواج أكثر سعادة. لكن هذا الاستنتاج خاطئ مع الأسف الشديد والحزن المرير. فالرباط المقدس الذي تم في الكنيسة أمام مذبح الله صار في البيت غير مقدس. والاتحاد أصبح انقساماً والواحد صار كثيرين. وأصبح أمراً لا يؤبه له أبداً أن يفرق الإنسان ما جمعه الله، وانتشرت حالات الطلاق. وماذا تقول آخر الإحصائيات؟ هل تنتهي بالطلاق حالة أو اثنتان من كل ست زيجات؟ أم زادت النسبة كثيراً جداً؟

والمشكلة لا تنتهي بالطلاق، لكنها تبدأ به. فالطلاق لن يحل المشكلة قط، بل يترك وراءه قلوباً محطمة وبيوتاً مهدمة، ومهما مر الزمن فقد يستحيل الشفاء. وأين بدأ كل هذا؟ بدأ في البيت. فالكلمات الحلوة تحولت إلى مرة، والمحبة تحولت إلى نزاع، والوحدة تحولت إلى فُرقة، وسفينة الحياة الزوجية إذ غادرت ميناء المحبة تحطمت على صخور الخطية، وما بدأ في الكنيسة وصل إلى المحكمة، والزوجان اللذان بدأت محبتهما بجنون انتهت أخيراً بجنون، وصار كل منهما يطلب الإنصاف من الآخر.

كان الزواج قديماً مصدراً للسعادة. وكان الواحد إذا سأل: كيف أكون سعيداً؟ أتته الإجابة: تزوج. ونحن اليوم لا نحتاج إلى إجابة جديدة فقط، بل إلى سؤال جديد: كيف أكون سعيداً ولو كنت متزوجاً.

يجب ألا يتسرب اليأس لنفوسنا، لأن باب الرجاء لا يزال مفتوحاً للإجابة المطلوبة. وهي ليست جديدة، ولا معقدة. بل هي قديمة، وسهلة جداً. وهي آتية من الله، ومضمونة. ويمكن علاج المشاكل الزوجية، بما يتبعها من مآسي، هو في كلمات بسيطة: الصلاة العائلية.

نعم، هو نفس الحل القديم الذي سبق أن أشرنا إليه: الصلاة العائلية أو المذبح العائلي. هو الدواء الوحيد الذي لا غنى عنه للبيت المريض. الأدوية الأخرى تأتي وتذهب، تُجرب فترة قصيرة ثم تُهجر. أما مذبح العائلة فإنه قديم وأمين، ولن يصبح مبتذلاً قط. لكنه دواماً يقوم بمهمته خير قيام. وهذا - بعكس كل دواء آخر في البيت - لا يستخدم للعلاج فقط، بل للوقاية أيضاً. وهذا هو ما نحتاج إليه. لأن المشكلة الكبيرة ليست هي شفاء البيوت المتهدمة، بل وقايتها من أن تتهدم. فالزواج لا يبدأ بالطلاق، والطلاق لا يأتيهما فجأة، لكنه قد يبدأ بإساءة تافهة جداً، ثم يتطور الخلاف إلى أن ينتهي بالطلاق.

وأولى علامات الطلاق تظهر بفتور المحبة. وبعد ذلك تنشأ بين الزوجين المنازعات. وتدريجياً يتنافر القلبان اللذان كانا قلباً واحداً ارتبطا معاً بربط المحبة.

لكن هذه هي مجرد أعراض المرض المرعب - أي الطلاق. ونحن لا نبحث اليوم عن أعراض المرض، بل عن سبب هذه الأعراض. ما هو السبب الرئيسي للطلاق؟ ليس هو سراً غامضاً إنَّ السبب في كل حالة قد يُعزى لنقص الغذاء في البيت، فقد أهملت بعض العناصر الضرورية للحياة اليومية. لم يكن هنالك جوع إلى اللبن العقلي العديم الغش الذي هو كلمة الله (1 بط 2: 2)، ولا لعسل الصخرة (مز 81: 16)، ولا لخبز الحياة (يو 6: 35). ولأنه لم يتوفر الجوع لهذه الأطعمة الرئيسية فإنهم لم يأكلوها. كان ممكناً للمرضى أن يغذوا أجسادهم جيداً، لكنهم ماتوا جوعاً وأصبحوا بدون إله، لأن المذبح العائلي انعدم في بيوتهم. وهذا هو سبب أعراض مرض الطلاق الذي انتهى بانفصال القلبين اللذين ماتا جوعاً.

وما هو العلاج إذن؟ لا يوجد إلا علاج واحد. إن الطبيب الأعظم يدعو لاستعماله حالاً - وهو المذبح العائلي. إن كان لا يزال هنالك بصيص من المحبة فيجب أن يلجأ الزوجان للصلاة مراراً كثيرة كل يوم إن إرادا لبيتهما البقاء. يجب أن يبدأ كلاهما في الحال بتناول طعام كلمة الله؟ والعودة إلى الله لكي يرتبط قلباهما مرة أخرى برباط المحبة، ويصيرا قلباً واحداً.

هذا هو العلاج بصفة عامة. لكن هنالك علاج خاص يستخدم إذا ظهرت أعراض المرض مرة أخرى. حينما تظهر أية علامات للانتقاد، أو حينما تنشأ مشاجرات خفيفة فليكرس الزوجان وقتاً أطول للصلاة، وليرجعا إلى كتاب تشخيص المرض ليقرأا معاً ما ورد في أف 4: 32 : «وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً فِي ٱلْمَسِيحِ». هذه الوصفة، كما ترون، مزيج من اللطف والشفقة والتسامح. ليقرأها الزوج للزوجة، ولتقرأها الزوجة للزوج. وبعد ذلك يجب أن يجثو كل منهما حيث يطلبان من الطبيب الأعظم لتكون للدواء فاعليته.

«أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ» لشفاء البيت المريض؟ (إر 8: 22). نعم يوجد ليس فقط في بيوت جلعاد، بل في كل البيوت، حيث يعترف الزوجان بحاجتهما إلى رعاية الطبيب الأعظم الذي وحده يقدر أن يشفي القلوب المحطمة. وبَلَسانه لشفاء كل مرض في البيت هو الالتجاء كل يوم بانتظام إلى المذبح العائلي. هذا هو دواء الله لكل داء، لكل القلوب المحطمة التي كثيراً ما تنتهي بالطلاق. هذا الدواء هو وحده الذي يضمن توفر الصحة في البيت، فلا يكون فيه نقص المحبة، ولا مشاجرات مستمرة، ولا انتقادات قاسية ولا خصام ولا طلاق. إن الخطية وحدها هي علة المرض في البيت، والله وحده هو الذي يستطيع أن يحفظه من كل مرض.

وإن كان يوجد بَلَسَان كهذا لشفاء البيت المريض، فلماذا توجد بيوت كثيرة لا زالت سقيمة؟ يبدو أن الإجابة الوحيدة هي: لأن الزوجين في هذه البيوت لا يريدان استخدام الدواء.

أيها الزوجان، لا تنتظرا حتى يصبح المرض في البيت مزمناً. ليبدأ المذبح العائلي في البيت اليوم، ولتبدأ الآن التغذية بكلمة الله. أفسحا المجال لله في حياتكما العائلية. وزواجكما لن يدوم إلا إذا كانت العائلة مثلثة الأركان: الله والزوج، والزوجة. والمذبح العائلي ينبغي أن يكون في رأس المثلث حيث تجتمعان معاً. وكما هو الحال في كل مثلث: فبقدر ما يزداد الزوج والزوجة اقتراباً من الله يزدادان اقتراباً بعضهما لبعض. جربا هذا لتعرفا النتيجة.

الفصل السادس: العائلة والكنيسة

مع أننا نتكلم عن الكنيسة القائمة في هذا المكان أو ذاك، إلا أن الكنيسة ليست هي مجرد البناء، بل هي الشعب. إنها لا تُبنى من الحجارة ، بل من اللحم والدم. لا تبنى بوضع حجر فوق حجر، بل بضم شخص إلى شخص، على أن يتطلع كل واحد إلى الرب يسوع المسيح كمخلِّص شخصي له.

لهذا فإن قيمة الكنيسة وكيانها وفاعليتها لا تتوقف على جمال البناء الذي يجتمع فيه الشعب للعبادة، بل على الحياة الروحية للشعب الذي يعبد في البناء. والكنيسة لن تسمو فوق شعبها لسبب واحد، هو إن الكنيسة هي شعبها. أو بتعبير آخر قوي: كما يكون الشعب تكون كنيسته.

فالكنيسة إذاً هي شعبها، وشعبها هم عائلاتها، وعائلاتها هي بيوتها. وكل عضو في الكنيسة هو عضو في أسرة، ويعيش في بيت. ولذلك فإن لم تسم الكنيسة فوق أعضائها فصحيح أيضاً أن الأعضاء يندر أن يسموا فوق البيوت التي أتوا منها.

إن حالة بيوت أعضاء الكنيسة تحدد حالة الكنيسة، فالمسيحيون العالميون الذين أتوا من عائلات عالمية، والذين يعيشون في بيوت عالمية، يكونون كنيسة عالمية مهما كان بناء هذه الكنيسة فخماً، لأنك إن أضفت صفراً إلى صفر فالمجموع صفر. إن كان شخص لا يفعل شيئاً للمسيح في بيته فإنه عادة لا يفعل شيئاً للمسيح في الكنيسة. إن كان لا يصلي في بيته فإنه لا يصلي في الكنيسة. إن كان لا يبالي بالهالكين في أسرته فإنه قلما يبالي بالهالكين في الأقطار النائية.

وبالعكس، فإنَّ المسيحيين الروحيين، الذين أتوا من عائلات روحية، ويعيشون في بيوت روحية، يكوّنون دائماً كنيسة روحية، حتى وإن كان بناؤها متواضعاً جداً. إن المؤمن المكرس للمسيح والعضو في أسرة تخدم المسيح، ويعيش في بيت مكرس للمسيح، يساعد على أن تكون الكنيسة ممجدة للمسيح.

إن تأثير ونفوذ وفاعلية أية كنيسة لا تتوقف على عدد أعضائها، بل على عدد البيوت التي يتوفر فيها المذبح العائلي. وإن القدر الذي به تعضد أية كنيسة الإرساليات في الأقطار الخارجية يتوقف على ما يقوم به الآباء والأمهات في بيوتهم روحياً. إن الآباء والأمهات الذين يربحون نفوس أبنائهم للمسيح يكونون دواماً أعضاء أحياء في الكنيسة. والأعضاء الأحياء في الكنيسة يكونون دواماً كنيسة رابحة للنفوس.

إن كل مشكلة في الكنيسة ناشئة عملياً من مشاكل البيت. فإذا خلت بعض المقاعد في مدرسة الأحد فهذا يدل على أن الآباء والأمهات لا يكترثون بالمسيح في البيت. وذهاب الزوجات وحدهن إلى الكنيسة ينم عن انقسام أعضاء البيت بصدد موقفهم إزاء المسيح. وتذمر بعض أعضاء الكنيسة هو في معظم الأحيان نتيجة وجود تذمر في البيت. وإذا كفَّ عضو الكنيسة عن الصلاة في الكنيسة فهذا يدل على أنه هو وزوجته قد كفا عن الصلاة معاً في البيت.

إذا ارتكب أحد الشباب خطية، فهذا يسبب دهشة للجميع، باستثناء أهل البيت الذين يعرفون مصدر هذه الخطية. والأولاد المتمردون في الكنيسة يكونون دواماً متمردين في البيت. وإن كانت اجتماعات الصلاة في الكنيسة لا تلقى تعضيداً فإن هذا يعني دواماً أن البيوت خلت من المذبح العائلي، لأن الأسرة التي تنشغل عن المذبح العائلي لا تجد وقتاً لاجتماع الصلاة في الكنيسة وسط الأسبوع. وانعدام الشركة والاتحاد في الكنيسة كثيراً ما كان ناشئاً من انعدام المحبة في البيت. وإن كانت العطاءات والتبرعات في الكنيسة زهيدة فهذا معناه دواماً أن المسيح ليس له نصيب في ميزانية البيت.

أيها الآباء والأمهات، إن مشاكل الكنيسة ناشئة من مشاكل البيت، وليس خادم الكنيسة هو مصدرها على الدوام وفي بعض الأحيان يُلام الآباء والأمهات إن كانت لكنيستكم مشاكلها - وأية كنيسة ليست لها مشاكل؟ - فقد لا تعزى كل هذه المشاكل لعظات الخادم، بل لبيتكم. فالقذى هو دواماً جزء من الخشبة التي في عين الكنيسة.

وما هو الحل؟ إن أردتم معالجة مشاكل الكنيسة فليبدأ العلاج أولاً بحل مشاكل بيوتكم. إن أردتم حقاً مساعدة الكنيسة فابدأوا من بيوتكم. اخدموا المسيح بأمانة في بيوتكم، وعندئذ تجدون الطرق التي بها تخدمونه في الكنيسة المحلية التي أنتم أعضاء فيها.

واظبوا على العبادة في المذبح العائلي في بيوتكم، وعندئذ لا تجدون صعوبة في المواظبة على اجتماع الصلاة في الكنيسة. واظبوا على دراسة الكتاب المقدس في البيت، وعندئذ تواظبون على حضور الكنيسة. اشهدوا للمسيح في الخفاء في بيتكم وعندئذ لا تجدون صعوبة في الشهادة له علانية في الكنيسة. شجعوا أولادكم على حضور اجتماعات الكنيسة وعندئذ لا تجدون صعوبة في دعوة أي إنسان لحضورها.

اطلبوا من الله أن يبعث فيكم العطف على النفوس الهالكة في بيتكم، وعندئذ تقدمون رسالة الحياة للذين في الأقطار الخارجية. اقتصدوا في الكماليات في بيوتكم، وإن أمكن في الضروريات، وعندئذ يفيض الكثير جداً لتقدموه للمسيح ولكنيسته.

أيها الأزواج، إن كنتم حقاً تحبون زوجاتكم، كما أحب المسيح كنيسته، فإنكم عندئذ تقدرون أن تحبوا أيضاً أعضاء الكنيسة الآخرين. إن كان كل أب رأساً للبيت فإنه يكون خادماً نافعاً في كنيسته.

أيتها الزوجات، كُنَّ خاضعات لرجالكن في البيت، وعندئذ لا تحتجن لإدارة كل البيت. أيها الأولاد أطيعوا والديكم في البيت وعندئذ تستقيم سيرتكم في الكنيسة فلا يعنفكم آباؤكم. اذكروا أنكم إن أخرجتم القذى من عين بيتكم ساعدتم كثيراً على إخراج الخشبة الكبيرة من عين كنيستكم. وتكريس بيتكم للمسيح يساعد كثيراً على تكريس كنيستكم.

إن رأيتم كنيستكم فاترة فأوقدوا النار في البيت أولاً، وعندئذ ترون الحرارة وقد دبَّت في كنيستكم لمجد الله. اذكروا أنه كما تكون بيوتكم تكون كنيستكم.

الفصل السابع: الزواج المسيحي

قال الحكيم: «ثَلاثَةٌ عَجِيبَةٌ فَوْقِي وَأَرْبَعَةٌ لا أَعْرِفُهَا: طَرِيقَ نَسْرٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، وَطَرِيقَ حَيَّةٍ عَلَى صَخْرٍ، وَطَرِيقَ سَفِينَةٍ فِي قَلْبِ ٱلْبَحْرِ، وَطَرِيقَ رَجُلٍ بِفَتَاة» (أم 30: 18 و19). وسواء كان قد أحب ثم فقد حبيبته، أو تودد إلى فتاة ثم كسب محبتها، فقد كان هو نفسه أيضاً واثقاً من هذا أن «مَنْ يَجِدُ زَوْجَةً يَجِدُ خَيْراً» (أم 18: 22).

يقول حكيم معاصر: «هنالك أربعة أحداث ضرورية جداً في حياة كل إنسان: الولادة، والموت، وتجديد الحياة، والزواج». والزواج يبدأ بلقاء، ويتوَّج في الكنيسة، ويستمر في بيت الزوجية، ويُختم في القبر.

وإذ يبدأ الزواج بلقاء فإن اللقاء يعقبه تودد الفتى بالفتاة، والفتاة بالفتى. وهذان إن لم يكن المسيح في قلبيهما وقت التودد فلا يمكن أن يبقى التودد في بيتهما بعد الزواج.

وفترة الخطوبة لازمة كمقدمة للزواج. ومتى كانت هذه الفترة طاهرة كانت الحياة الزوجية طاهرة ومضمونة البقاء. وإذا عرف الفتى والفتاة أن يصليا معاً في هذه الفترة أمكن أن يعيشا معاً بعد الزواج بلا تفرقة إلى نهاية الحياة.

إن الزواج مقدس. والرب يسوع المسيح وحده هو الذي يقدسه. إن فخامة مبنى الكنيسة، وجمال تنظيم حفلة مراسيم الزواج وروعة الزهور والموسيقى - هذه كلها لا تجعل الزواج مسيحياً بدون المسيح. وإن لم يتحد الزوجان في المسيح فإن زواجهما لا يمكن أن يُدعى زواجاً مسيحياً. وإن لم تتوفر المحبة بينهما فلا يمكن أن يتمتعا بحياة زوجية سعيدة. لكي تتوفر المحبة بينهما ينبغي أن تتوفر المحبة للمسيح في قلب كل منهما.

عندما يحب الزوجان أحدهما الآخر محبة مسيحية خالصة فإن محبتهما للمسيح تكون هي الرابطة التي تربط قلبيهما. عندما يحب الزوجان المسيح فإن تفكير الواحد الخفي نحو الآخر، وتعبيراتهما العملية من الواحد للآخر، وتصرفاتهما المتبادلة، تنبعث من الرب يسوع المسيح الذي يحبانه، ويريدان أن يرضياه.

إن كان كل من الزوجين قد سلم نفسه للمسيح فإن محبتهما المشتركة للمسيح تصبح ناموس محبة الواحد للآخر. ليس الطريق للحياة الزوجية السعيدة هو غض النظر عن الناموس، ولا هو فقط طاعة الناموس، لكنه هو فقط تسليم الحياة كلها للمسيح. ومعنى الاشتراك مع المسيح في صليبه هو الموت عن الخطية.

إن كان المسيح في قلبك يكون في بيتك. والحياة العائلية يمكن أن تستغني عن أشياء كثيرة، لكنها لن تستغني أبداً عن المسيح.

ويجب أن يبدأ الزواج بالمحبة. وقليلون هم الذين لا يؤمنون بأن «لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَقْتٌ» بما في ذلك وقت للمحبة (جا 3: 1). لكن سيء الأخلاق وحده هو الذي يدنس معنى المحبة التي قصدها الله أن تكون مقدسة.

يعتقد الكثيرون من الشبان أن الكتاب المقدس صادق حينما يقول: «مَنْ يَجِدُ زَوْجَةً يَجِدُ خَيْراً» (أم 18: 22). ولكنهم كثيراً ما يرفضون القول: «ٱلزَّوْجَةُ ٱلْمُتَعَقِّلَةُ فَمِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ» (أم 19: 14). هل هذه الكلمات التي قيلت في القرن العاشر قبل الميلاد تبدو غريبة في آذان من يعيشون في القرن العشرين بعد الميلاد ؟ هل نؤمن بأن: «كُلَّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلَّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي ٱلأَنْوَارِ» (يع 1: 17)؟ وهل نقف ونرنم قائلين: سبحوا الله الذي منه تتدفق كل البركات؟. إذن، ولماذا لا تأتي منه بركة الزوجة؟

كان سليمان وشمشون عظيمين في القوة والاقتدار، لكنهما كانا تعيسين في الزواج. كان سليمان يعطى المشورة الصالحة، لكنه لم يتبعها. وشمشون قهر الآلاف بالايمان، لكنه تزوج بالعيان (2 كو 5: 7). لقد نظر كل منهما إلى جمال الوجه، وأُعجب بالفتاة التي رآها. لكنهما لم يباليا إن كانت الفتاتان ترضيان الله. وبعد ذلك أدرك كل منهما أنه أخطأ الاختيار، وتمنى لو لم يكن قد تزوج بالفتاة التي أعجب بها.

خير للشاب أن يبقى بدون زواج إلى أن يجد الزوجة الفاضلة. لكن ليس المهم أن يجدها بل كيف وأين يجدها. أو ليس الكثيرون من الشبان الأبطال في الإيمان يستشيرون الله في كل شيء ما عدا فتاته التي يريد الاقتران بها؟ ولا شك في أن عند الله امرأة فاضلة لكل شاب فاضل، إن لم يتباعد عن الله.

صحيح إن ثمنها يفوق اللآلئ كثيراً جداً جداً. لكنكم أيها الشبان لستم مطالبين بدفع ثمنها. صحيح إن إجراءات الزواج تكلف، لكن الفتاة نفسها لا تكلف. فهي تأتي من الله مثل كل عطية صالحة وكل موهبة تامة. لقد أخذ آدم زوجته من الرب، ولم يتطلب الأمر أن يتجول هنا وهناك للبحث عنها، لكن الرب أحضرها إلى آدم (تك 2: 19). فلماذا لا تحصل على زوجتك من نفس المصدر؟

لا يمكن قط أن تنشأ المحبة المسيحية من النظرة الأولى. لكنها تأتي بعد صلوات كثيرة. والشاب المكرس لله يترك اختيار الزوجة لله. وطوبى للشاب الذي يدرك أن اختياره هو الاختيار الصحيح، لأنه ترك الاختيار لله.

أيها الشاب، عندما تبدأ تتعرف بالشابة فإنك لن تعرف إلى أين ينتهي بك المطاف. لكن تأكد أن الطريقة الوحيدة لكي تكون النهاية طيبة هي أن تكون البداية طيبة. فالأساس يجب أن يوضع قبل تشييد البيت. ثم اعلم أن أساس الله الراسخ هو الوحيد الذي يثبت (2 تي 2: 19)، سواء كان ذلك في الزواج أو في أي أمر آخر. إن أردت أن يكون لك بيت مسيحي فيما بعد فيجب أن تتخذ المسيح في رفقتك الآن وقت الخطبة. وبيتك العتيد يمكن أن يكون مؤسساً على المسيح إن كانت فرصة خطبتك الآن مؤسسة على المسيح. يجب أن تضع مُثلك العليا الآن.

أيها الشاب، قبل أن تتساءل عما إذا كانت فتاتك جميلة أم لا أسأل أولاً: هل هي ابنة الله؟ إن كانت الفتاة غير مسيحية الآن صار بيتك فيما بعد يعرج بين المسيح والعالم، ولا يمكن أن يتمجد المسيح فيه. وإن كانت أمينة للمسيح صارت أمينة لك فيما بعد. إن كانت تحب الرب من كل قلبها الآن فثق بأنها سوف تحبك من كل قلبها. إن كانت تحتفظ بالولاء للمسيح الآن فسوف تحتفظ بالولاء لك ولأولادك . إن كانت تعنى بكنيستها الآن فسوف تعنى ببيتها. إن كنت تقدر أن تصلي معها الآن فإنك تقدر أن تبني المذبح العائلي فيما بعد. وأنت تفعل خيراً إن تذكرت أيضاً أن الفتاة في بعض الأحيان يمكن أن تكون جذابة بسبب صفاتها الخفية كما بسبب صفاتها الظاهرة، بسبب ما تفعله كما بسبب ما لا تفعله، بسبب المكان الذي تذهب إليه كما بسبب المكان الذي تمتنع عن الذهاب إليه.

وبالإيجاز أيها الشاب، دع الله يختار لك الفتاة. انتظره أكثر مما تنتظر الفتاة ، وعندئذ ثق بأنك سوف تجدها في انتظارك. لا تكن عنيفاً في مناقشاتك معها، وإلا خسرت موقفك في معترك الحياة. دع المسيح يكن رفيقاً لك في مناقشاتك ومشاوراتك. كرس له فترة الخطوبة اليوم، وعندئذ لا تندم في زواجك غداً. هو وحده الذي يجعل طريق الرجل مع الفتاة أميناً ومقدساً. لقد خلقت المرأة لمجد الرجل، لكن الرجل - كما يقول البعض - يعيش من أجل مجد المرأة.

والواقع إن الله من البدء خلقهما ذكراً وأنثى (تك 1: 27 ، مت 19: 4). ومنذ ذلك الوقت تمر فترة في حياة الشاب أو الشابة حيث يقضي كل منهما وقتاً طويلاً في البحث عن شريكة أو شريك الحياة. أما الشبان المسيحيون والشابات المسيحيات فإن الأمر معهم يختلف كثيراً. لقد اتخذوا المسيح رباً ومخلّصاً، واعتمدوا عليه في كل شؤون حياتهم، وأصبح طريقهم هو طريقه، وإرادته أصبحت إرادتهم. ولذلك فإن الفترة التي قبل الزواج لا تُقضى في المداعبة أو المغازلة، بل في الصلاة. وأصبح خيال الشبان والشابات الذين يبحثون عن شريك الحياة منحصراً بالبحث عن إرادة الله وإرشاده بهذا الأمر.

فالفتاة المسيحية لا تبحث عن مجرد شاب، بل عن شاب مرسل من الله، عرف المخلّص وصار مستعداً أن يتبعه ويتَّخذه له رباً. لأنها لا تقدر أن تكون لها شركة مع شاب ليست له شركة مع ربها. وهي أيضاً لا تريد أن تخضع لشاب ليس خاضعاً للمسيح. هي تحبه، وهو يحبها، والاثنان يحبان المسيح.

والفتاة المسيحية لا تتطلع إلى المظهر الخارجي، بل إلى القلب لأنها تدرك «أَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هٰكَذَا هُوَ» (أم 23: 7). مهما بدا في نظرها جميلاً فهي تريد أن تعرف نظرة الله إليه. هي لا تريد أن تنظر إلى صورة التقوى التي يبدو فيها، بل إلى قوة التقوى في داخله. لا يكفيها أن تراه يقول: يا رب! يا رب! بل أن يعرفه معرفة عملية. هي تريد أن يكون مسيحياً حقاً في أخلاقه وسلوكه لأن قلبه مسلَّم للمسيح. هي تحب الشاب الذي يحب زوجته «كَمَا أَحَبَّ ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً ٱلْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا» (أف 5: 25) هي تريده أن تكون محبته عملية نحو من يحبهم.

وتدرك الفتاة المسيحية أن بيتها العتيد لا يمكن أن يكرم الله إلا إذا كان زوجها في صلة كاملة مع الله؟ وهكذا يقدر أن يصلي، ويحب بيت الله. وهي تدرك أيضاً أن سعادة الحياة العائلية لا تأتي مصادفة بل بتكريس حياة الزوج والزوجة للرب يسوع المسيح تكريساً كاملاً. وهكذا يصبح طريقهما من البداية هو طريق الله، ويبدآن بناء بيتهما بالقرب من السماء بتوجيهه منذ البداية نحو بيت الله.

الفصل الثامن: النير غير المتجانس

«لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (2 كو 6: 14). هذه كلمات صادقة. ومع أنها تتضمن علاقات بشرية كثيرة، فإنه يقيناً يدخل ضمنها علاقة الزواج. وهل هناك التزام أقوى من العهد الذي يقطعه كل من الزوج والزوجة على نفسيهما بأن يقبل كل منهما الآخر شريكاً له في الحياة، في السراء والضراء، ويحبه، ويكرمه، ويلاطفه، ويطيعه، إلى آخر نسمة؟ وإن لم يتوافق الزوجان في كل شيء اعتُبِر هذا نيراً غير متجانس.

ومهما بدت هذه الكلمات قاسية فإنها مقتبسة من الكتاب المقدس (2 كو 6: 14). لم تضعها أية كنيسة بطريقة تعسفية، أو أي خادم من خدام الله، وليست هي من خيال أي متعصب، بل هي من صميم الكتاب المقدس الذي هو كلمة الله. ولذلك فهي تحمل نفس السلطان الذي يحمله الكتاب المقدس. فإن كنت مسيحياً تؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله فيجب أن تحترم هذه الوصية. لأن الله الذي قال: آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص، يقول أيضاً: لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين. ونفس الكتاب المقدس الذي يتحدث عن الله، والمسيح، والخلاص، والسماء، وجهنم، والكنيسة، هو الذي يرفض زواج المؤمن بغير مؤمنة، أو العكس.

ويجب أن يكون الكلام عن هذا الموضوع واضحاً وصريحاً أكثر من أي موضوع آخر. فالكتاب عامر بالآيات التي توصي المؤمن بأن لا يتزوج بغير مؤمنة، أو العكس، تحت أي ظرف.

ولعل فكرة النير غير المتجانس تكون غامضة لدى البعض. قد يحدد المؤمن موعداً مع غير مؤمنة أو العكس أو أكثر من موعد لكي يشهد لها عن المسيح، لكن المؤمن يجب أن لا يفكر في الزواج بغير المؤمنة لكي يشهد لها. ومع أن النتيجة لا يمكن تحديدها بسهولة فيما يتعلق بالعلاقات الأخرى الاجتماعية أو المدنية أو غيرها، فمما لا شك فيه أنه عندما يسير المؤمن مع غير المؤمنة ويتناقشان في إمكانية الزواج، ثم يخططان ويضعان الترتيبات اللازمة، فإن كلا منهما يرتبط بالآخر، ويصير كل منهما تحت نير غير متجانس، ويكون المؤمن قد نقض الوصية القائلة: لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين. والخطية لا ترتكب في الزواج فقط، بل في كل الترتيبات التي تؤدي إليه. ليست الجريمة في طعنة الخنجر، بل في نية القلب للقتل، وفي انحراف الإرادة لتخطئ. (راجع ما قاله الكتاب المقدس في مت 5: 28 و 15: 19، إلخ). ولذلك فإن خطية النير غير المتكافئ لا تُرتكب عند إتمام مراسيم الزواج، لكنها تؤيد وقتئذ. لقد بدأت فعلاً في أيام التودد، عندما فكر المؤمن في بداية الأمر في التزوج بغير المؤمنة.

إذاً يمكن القول بكل تأكيد - بناء على تعاليم الكتاب المقدس الكثيرة جداً - إن التزوج غير المتجانس، أو التودد غير المتجانس، ينشئ نيراً غير متجانس، وهو خاطئ بصفة دائمة، بالنسبة للشاب المسيحي الذي يرتضيه ويقبله أو الشابة التي ترتضيه وتقبل به أيضاً، وكذلك بالنسبة للوالدين اللذين يرتضيانه وبالنسبة لخادم الله الذي يشجعه أو يتممه.

اذكروا بأن النير غير المتجانس ليس خاطئاً فقط للأسباب غير الجوهرية التي تردد من وقت لآخر: لأنه يتطلب بعض التوافق الضروري في العادات، والتفكير، أو الجمع بين المتناقضات، أو الانضمام إلى كنيستين مختلفتين، أو التجنس بجنسيتين مختلفتين، أو الجمع بين مستويين مختلفين إلخ إلخ. هذه الافتراضات صادقة بطبيعة الحال، لكنها ثانوية بالنسبة لوجهة نظر الكتاب المقدس.

إن النير غير المتجانس خاطئ لأنه يجمع شخصين لا يتفقان في أي شيء. فالواحد ابن لله والآخر ليس كذلك. الواحد آمن بابن الله ونال الخلاص والآخر لم يؤمن ولذلك فهو هالك. الواحد يشتاق إلى أن يعيش للمسيح والآخر لا يقدر لأنه لا يعرف المسيح. الواحد سوف يقضي الأبدية في السماء والآخر سوف يقضيها في جهنم. الواحد يحب أن يكون بيته للمسيح والآخر لا يريد لأنه ببساطة ليس مسيحياً.

أنتم ترون أن السبب ليس فقط لأن الواحد ينتمي للكنيسة والآخر لا ينتمي. لكن الاختلاف الحقيقي والرئيسي هو أن الواحد وُلد في أسرة الله بخلاف الآخر.

والكتاب المقدس لا يخفف من حدة الكلام في هذا الموضوع، لكنه يعلن صراحة بأن المؤمن ليست له شركة - روحياً - مع غير المؤمن، كما أنه ليست هنالك خلطة للبر والإثم، وليست هنالك شركة للنور مع الظلمة، وليس هنالك أي إتفاق للمسيح مع بليعال أي الشيطان ( 2 كو 6: 14 و 15).

ومع أن المؤمن وغير المؤمن يتفقان في أن لهما نفس الجسد، وربما نفس العواطف، لكنهما يختلفان اختلافاً شديداً، فكل منهما مواطن في مملكة تختلف عن مملكة الآخر، ويعبد بكيفية تختلف عن عبادة الآخر، ويسير نحو مصير أبدي يختلف عن مصير الآخر. وكما يقول المسيح: «اَلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلرُّوحِ هُوَ رُوحٌ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ» (يو3: 3 و 6).

أخيراً نقول إن النير غير المتجانس ليس خاطئاً فقط لأنه ليس عملياً، لكنه خاطئ حتى وإن كان عملياً. فهو خاطئ لأن الله نهى عنه. والواقع بطبيعة الحال أن النير غير المتجانس غير عملي مطلقاً. وعواقبه وخيمة في كل الأحوال. فالزواج غير المتجانس تنشأ عنه عائلات غير متجانسة. وكل خادم يستطيع أن يُخرج من جعبته أسماء عائلات محطمة لأن الزوج والزوجة اختلفت آراؤهما عن المسيح.

إن النير غير المتجانس هو اتحاد غير مقدس لا يمكن أبداً أن يكرم الله، ولا يمكن أبداً أن ينشئ بيتاً مسيحياً، لأن البيت المسيحي ينشئه زوجان مسيحيان. ويندر أن يصير غير المؤمن مؤمناً. أما المؤمن فإنه في كل الحالات تقريباً تفتر حياته وتضعف صلته بالمسيح. وكل خادم للمسيح يستطيع أن يذكر حالات كثيرة حدث هذا فيها. والأكيد هو أن مستوى البيت لا يرتفع لمستوى الكتاب المقدس، بل ينحط إلى مستوى العالم. ولقد سبَّب عصيان كلمة الله في هذه الناحية الخطرة تحطيم ألوف البيوت .وطبيعي أن الهدف من كل هذا ليس هو تعنيف الذين ارتكبوا الخطأ، بل هو إرشاد الشبان والشابات الذين لم يرتبطوا بعد بزواج لا يباركه الله. أيها الشبان والشابات، إن أفضل طريقة لتجنب أخطار النير غير المتجانس هي: لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين.

إن البداية إن لم تكن خاطئة فالنهاية لا يمكن أن تكون خاطئة. إن كنتم قد ذقتم خيرات الله، ووثقتم في الرب يسوع المسيح ليخلصكم من الخطية، وإن كنتم قد اختبرتم عملياً راحة النفس التي لا يأتي بها سواه، فلا تنبذوها بوضع أنفسكم تحت نير التزوج بغير المؤمن أو غير المؤمنة. إن أياماً قليلة تُقضى في التودد الآن، أو سنوات قليلة في الزواج لا توازي شيئاً بجانب الافتراق إلى الأبد. لهذا يجب - تحت أي ظرف من الظروف - أن لا يتزوج أحد إلا في الرب فقط.

الفصل التاسع: الزواج المسيحي الناجح

ذكر جمال الدين القفطي في تاريخ الحكماء أن أبا جعفر المنصور قال لجورجيس بن بختيشوع الطبيب الشهير: من يخدمك هنا؟ أجاب: تلامذتي فقال المنصور: سمعت أنه ليس لك إمرأة. فقال: لي زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من مكانها. ولما انصرف جورجيس أمر الخليفة المنصور خادمه أن يختار من الجواري الروميات الحسان ثلاثاً ويحملهن إلى جورجيس مع ثلاثة آلاف دينار. ففعل ذلك. فلما وصل جورجيس إلى منزله عرَّفه تلميذه بما جرى وأراه الجواري. فانكر أمرهن وقال لخادمه: يا تلميذ الشيطان، لماذا أدخلت هؤلاء إلى منزلي؟ أأردت أن تنجِّسني؟ امض وردَّهن إلى صاحبهن. ثم ركب جورجيس ومعه تلميذه مع الجواري إلى دار الخليفة. وردهن إلى الخادم. فلما وصل الخبر إلى المنصور أحضره وسأله: لماذا رددت الجواري؟ أجاب جورجيس: لا يجوز أن يكون مثل هؤلاء في منزلي، لأننا نحن معشر النصارى لا نتزوج بأكثر من امرأة واحدة. وما دامت المرأة حية فلا نأخذ غيرها. نعطيها قلبنا وولاءنا وحبنا ولن نرضى عنها بديلاً. فأعجب الخليفة بهذه الروح الطيبة وازداد له إكراماً. ولما مرض أمر المنصور بحمله إلى دار الضيافة، وخرج إليه ماشياً ليسأل عن حاله، فطلب منه الطبيب أن يرجع إلى بلده ليُدفن مع آبائه، فأمر بتجهيزه ووصله بعشرة آلاف دينار!!

الزواج محبة وخضوع

إن واجب الزوجة الدائم هو الخضوع للرجل، لأن الرجل رأس المرأة، والرأس لا يتسلط بل يقود ويوجّه. وهذا الخضوع ينبغي أن يكون شاملاً في كل شيء، تمثُّلاً بخضوع الكنيسة للمسيح. ويتم هذا الخضوع عملياً بالاحترام والإجلال. أما المرأة فلتهب رجلها، وسر الأخطار والأضرار التي تصيب المجتمع تأتي من بُعد المرأة عن هذا الولاء والتقدير، وإلى تسلط الرجل.

أما الرجل فمن واجبه المحبة. على أن المحبة في ذاتها لا تحتاج إلى وصية، لكن الرسول بولس لا يقف عند مجرد المحبة، بل يرتقي بها إلى محبة المسيح الباذلة العجيبة. وعندما توجد المحبة يوجد معها كل شيء.

تتعهد الزوجة المسيحية في رابطة الزواج أن تطيع زوجها. والرجل في الزواج المسيحي هو الرأس. وهنا يثير بعضهم أو على الأصح بعضهن سؤالين:

  1. لماذا لا تكون مساواة؟

  2. : ولماذا يكون الرجل هو الرأس..؟ والجواب هو

إنَّ الحاجة إلى رأس ناشئة عن الفكرة بأن الزواج علاقة مستديمة ثابتة. وما دام الوفاق قائماً بين الزوج والزوجة فلا مجال للتحدث التفكير فيمن هو الرأس. وهذا هو الوضع الطبيعي الذي نرجوه في كل زواج مسيحي. ولكن إذا وقع شقاق، فما الذي يحدث؟ الشيء الطبيعي هو بذل الجهد لإزالته بالعتاب الودي والكلام العاقل. ولكن إذا فُرض أنهما فعلا كل هذا ولم يصلا إلى اتفاق، فما الذي يفعلانه بعد ذلك؟ لا يمكن تسوية النزاع بأغلبية الأصوات، لأن مجلساً مؤلفاً من اثنين فقط لا أغلبية فيه. لا شك أن الذي يحدث هو أحد أمرين:

  • فإما أن ينفصلا ويذهب كل منهما لحال سبيله، وإما أن يكون لأحدهما القول الفصل. وما دام الزواج رابطة مستديمة، فلا بد أن يكون لأحد الطرفين في آخر الأمر حق تقرير سياسة الأسرة. ولن تعيش أية هيئة مستديمة بدون دستور يحكمها وسلطة ما تشرف عليها.

  • وإن كانت هناك ضرورة للرأس فلماذا يكون الرجل؟ أعتقد أن المرأة ذاتها لن تسيطر على رجلها إذا كانت تحبه، فإن سلطة الزوجات على الأزواج شيء غير طبيعي. والمرأة العاقلة الحكيمة لا ترضاها، بل المرأة بصفة عامة تخجل من هذا الموقف، وتحتقر الرجل الذي تكون هي رأساً له.

ويقول القس بلي جراهام: إن كان الزوج والزوجة على قدم المساواة في كل الأمور، إلا أنه في أمور الترتيب والإدارة في العائلة يكون الرجل رأس المرأة. والكتاب صريح في هذه النقطة في كل أجزائه من التكوين للرؤيا.. ولكن كم من نساء في العائلات المسيحية يقلبن الأوضاع، إذ يقمن بدور الرجال. ما أكثر النساء اللواتي يخفن من موضوع سيادة الرجل، لأنهن يعتقدن أن السيادة استبداد أو طغيان وديكتاتورية، ولذلك يحاربن ويقاومن السلطة بكل قوتهن. ولكن في موقفهن هذا خطأ مزدوج.

أولاً: مفهومهن للسيادة خطأ، وثانياً: محاربتهن للسيادة خطأ، لأن من يقاوم ترتيب الله يقاوم الله نفسه. فالسيادة هي من الله وغرض السيادة هو القيادة لا الاستبداد والظلم. إذا استغل الرجل سلطته وتصرف بما يخالف منطوق الكتاب المقدس فهو على خطأ مبين. أما إذا قرن السيادة بالمحبة واللطف والحكمة فعندئذ تكون السيادة مصدراً للسعادة.

قلنا إن واجب المرأة هو الاعتراف بالسلطان. فما هو مضمون هذا القول؟ وما هي مسؤولية المرأة إزاء زوجها؟

أولاً: تقول كلمة الله: «أما المرأة فلتهب رجلها» أي يجب أن تخافه، لا خوف الرعب بل خوف الاحترام. يجب عليها أن تحترمه وتحترم كلامه وتحافظ على كرامته في وسط البيت وبين الناس، ولا تحاول أن تتصرف كما لو أنها هي القائدة.

ثانياً: تطلب كلمة الله من النساء أن يخضعن لرجالهن - ليس في بعض الأشياء بل في كل شيء، وأن يخضعن لهم كما للرب، وكما تخضع الكنيسة للمسيح. هذه مسؤولية كبيرة جداً ومفرحة جداً عند المرأة الراغبة في إرضاء الله وإرضاء زوجها. فما هو المقصود بالخضوع؟

إن الخضوع والطاعة مرتبطان، ولكنهما ليسا شيئاً واحداً. فالخضوع هو موقف قلبي داخلي. أما الطاعة فهي تعبير خارجي لذلك الموقف. الخضوع هو قبول المرأة بفرح أن تربط مصيرها بمصير رجلها وأمرها بأمره وإرادتها بإرادته. أما الطاعة فهي عمل تقوم به بدافع من خضوعها له. ولهذا يجب لفت النظر هنا إلى أن الخضوع من دون الطاعة مستحيل. أما الطاعة من دون الخضوع فممكنة. فما أكثر النساء اللواتي يطعن رجالهن - لا عن محبة وخضوع - بل دفعاً للشر. ولا شك أن هذه طاعة ناقصة خالية من البهجة والفرح. إذاً واجب المرأة هو الاعتراف بالسلطان.

وليست مسؤولية الرجل أقل من مسؤولية المرأة، ومن بعض النواحي هي أعظم من مسؤولية المرأة. فإن كان واجب المرأة الإعتراف بالسلطان، فإن واجب الرجل هو توفير الاطمئنان. ولهذا تقول كلمة الرب: «أيها الرجال أحبوا نساءكم». فالمحبة وحدها هي التي تطمئن المرأة وتريح قلبها وإلا عاشت خائفة مرتعبة من زوجها طيلة حياتها. أنا شخصياً - كخادم للمسيح - شاهدت نساء كثيرات يرتجفن خوفاً من رجالهن. وهذا محزن جداً. فليس من مصلحة الرجل أن يتصرف كما لو أنه شبح مخيف، وكما لو أن زوجته خادمة أو وسيلة لغاية. بل يجب أن يتصرف بمحبة ولطف معها كشريكة لحياته. ويجب على الرجل أن يحب أمرأته كنفسه، وإلا فهو لا يقوم بواجبه الأهم نحو شريكة حياته. يقول الرسول بولس: «يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم. من يحب امرأته يحب نفسه». وبالنسبة لمقدار المحبة التي يجب أن يوفرها للزوجة والحد الذي يجب أن يبلغه في محبته لها فالرسول يقول: «أيها الرجال، أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». فمن واجب الرجل أن يحب امرأته إلى حد التضحية بالذات كما ضحى المسيح بنفسه في سبيل كنيسته. إذاً مسؤولية الزوج هي أن يحب امرأته كنفسه. وهذا وحده يوفر الأمان والاطمئنان للزوجة، فضلاً عن أنه يجعل المرأة تخضع وتطيع بفرح وتقف بجانبه مهما كانت الظروف.

الواجب الثالث هو واجب مشترك بين الزوج والزوجة. ويمكن أن نسميه وحدة الكيان. فبعد الاعتراف بالسلطان وتوفير الاطمئنان تأتي وحدة الكيان، لأن كلمة الله تقول: «ويكون الاثنان جسداً واحداً». وهذا طبعاً يشير إلى الاتحاد التام بين الزوجين جسدياً وروحياً وفكرياً ونفسياً. ومعنى هذا أن كلا منهما في نظر الآخر هو أهم من في الدنيا بعد الله. فالمرأة بالنسبة للرجل هي قبل الوالدين والأقرباء والأصدقاء، حتى وقبل الأولاد. والشيء نفسه يصح على الرجل في نظر المرأة. ولماذا نقول هذا؟ لأن الكتاب المقدس يقول إن الزوج والزوجة يصيران جسداً واحداً.

الفصل العاشر: الأساس الذي يبنى عليه الزواج

قال أحدهم: ليس الزواج أن تجد الشخص المناسب، بل أن تصير أنت الشخص المناسب. فالزواج ليس مجرد البحث عن زوجة تناسبني، بل التكيّف مع الزوجة لأصبح الزوج المناسب.

الزواج الناجح ليس مجرد تكيّف إجتماعي بين طرفين، إنه قائم على أسس ومقومات هامة يجب توافرها ففي سفر الأمثال، 24: 3،4 نقرأ هذه الكلمات:

«بِٱلْحِكْمَةِ يُبْنَى ٱلْبَيْتُ

وَبِالْفَهْمِ يُثَبَّتُ،

وَبِالْمَعْرِفَةِ تَمْتَلِئُ ٱلْمَخَادِعُ

مِنْ كُلِّ ثَرْوَةٍ كَرِيمَةٍ وَنَفِيسَةٍ»

وليس المقصود بالثروة الماديات: كالسيارة - وغرفة النوم - والمطبخ... إلخ. بل الثروة الحقيقية التي في ذواتنا. لاحظ الأفعال التي وردت في هذه الآيات:

يبنى: أي يكون بطريقة غير آلية، كما بنى الله ضلع آدم ليصنع منه حواء.

يثبت: يُجعل في وضع رأسي سليم لا يهتز ولا يميل.

يمتلئ: أي يفيض شبعاً.

فإذا أعدنا كتابة هذه الآيات مرة أخرى مع شيء من التفسير تصبح هكذا:

بالحكمة، أي القدرة على التمييز نصل إلى نظرة واسعة ودقيقة لأمور الحياة، ونبني البيت، ونحافظ على من فيه، حتى تستقيم أنفسهم، وتتفجر طاقاتهم. وبالفهم، أي التبصر نصل إلى إدراك كلي للمواقف، مما يؤدي إلى تصرف سليم، بدلاً من الاستجابات المتعجلة السطحية.

وبالمعرفة، أي الرغبة في التعلم بالإدراك، نتعرف على الحقائق ونصل إلى معانيها، حتى نطرد الجهل ونداوم البحث عن الحق.

وهكذا، تمتلئ الحياة بل تفيض بثروة لا يمكن أن تتلف أو أن تنفد أبداً، هي ثروة من الذكريات الطيبة، والاتجاهات الإيجابية، والاحترام المتبادل. هذه الثروة تعمق الشخصية. قد تتساءل: وكيف أحصل على هذه المؤهلات؟ ومن يعطيني الحكمة والفهم والمعرفة؟. إنه الله وحده الذي قال في رسالة يعقوب 1: 5 «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ».

هذه هي هبات الله التي لا يمكن أن تصل إليها بمجهوداتك. فالله الذي رسم لنا نظام الزواج، هو الذي يعطينا الحكمة والفهم والمعرفة، لنبني البيت ونثبته ونملأه من الثروة الحقيقية. كل ثروة أخرى قد تضيع أو تحترق أو تسرق، لكن هذه الثروة تبقى ذخراً في البيت.

فلكي يثبت الزواج في وجه عواصف الحياة، يجب أن يعرف الزوجان أنه ارتباط دائم مستمر، لا يمكن أن يفصم. لذلك يترك الرجل... ويلتصق بامرأته....

والكلمة يلتصق في العبرية تشير إلى الغراء الذي يلصق جزءين معاً. فموسى يكتب عن الأمراض التي تلصق بالجسم، وأيوب يقول: التصق لحمى بعظامي، وكلا التعبيرين لهما نفس أصل الكلمة في الآية المعنية.

إن مشكلة الكثيرين هذه الأيام هي أنهم يبدأون حياتهم الزوجية على اعتبار أنها حياة يمكن إنهاؤها، أما الكلمات التي تعهدوا أن يعملوا بموجبها عند الزواج بأن لا شيء يفصلهما إلا الموت، أصبحت كلمات جوفاء لا معنى لها في حياتهم. وأوجد هؤلاء مبادئ بديلة مثل:

لن يفصلنا إلا الخلافات - لن يفصلنا إلا الاهتمامات المختلفة. لكن قصد الله هوالالتصاق مدى الحياة.

ويكونان جسداً واحداً. إنها عملية طويلة وليست مجرد تغيير لحظي. فلو تصورنا زوجاً وزوجة من عائلتين وبيئتين مختلفتين ولهما عادات ومشاعر مختلفة، وثقافات ومواهب مختلفة، فإنه لا يمكن أن يرجع هذان الشخصان من حفل الزواج وهما جسد واحد. الوحدة تبدأ من هذا الحفل وتستمر طول الحياة .وهذه العملية تستلزم حكمة وفهماً ومعرفة.

ليس الزواج سجناً أو أسراً، بل حياة شركة. فأنت تتزوج لا لتحصل على شيء بل لتعطي، «لا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضا» (فيلبي 2: 4). فمن يحيا حياة الحرية - كما يسميها البعض - إنما يحيا حياة الأخذ والبحث عن شيء يحصل عليه. أما من يتزوج فهو يبحث عن شخص يعطيه ومستقبل. عن أطفال يهبهم حياته. فلا يمكن أن يعيش الإنسان سعيداً إن كان يعيش لذاته، لأن السعادة الحقيقية هي في العطاء للآخرين ومشاركتهم في كافة مشاعرهم.

ولعل الشباب يعرف أنه لا توجد حرية مطلقة، فمن يظن أنه حر فهو عبد للحياة التي اختارها، كما لا يوجد في الزواج أسر بل هو تضحية للآخرين، وهذا ما يسعد الحياة.

إن الزواج المسيحي ليس مقامرة نسبة النجاح فيها 50٪ بل إن من يتزوج بحسب الشروط الكتابية، ومن يسلم حياته وبيته للرب لا بد أن يسعد. إنْ فشل فلان في زواجه وفي اختياره زوجته، فالسبب أنه عاش حياة الأنانية يبحث عن لذاته وعما يأخذه دون أن يفكر في العطاء.

إن الحياة المسيحية والأسرة المسيحية مضمونتان في يد الرب. وإن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون.

الفصل الحادي عشر: السعادة الزوجية

الزواج اختبار غني بثماره، مُشبع للذين يحبون أن يضحوا بأفكارهم الشخصية وأساليب تصرفاتهم الخاصة لكي يعملوا في تعاون لإرضاء المسيح ولإرضاء شريك الحياة في الزواج. ولتحقيق التوافق الخلاق بين حياتين لا بُدّ من المرور بمراحل مختلفة من التجارب والدموع والألم والجهاد. الزواج المسيحي مليء بالسعادة، ولكنها السعادة التي يهبها الرب يسوع المسيح فقط للذين يرغبون بدفع الثمن الذي هو إنكار الذات.

الذي ملأ المحاكم بطالبي الطلاق هو الاستهانة برابطة الزواج والنظر إليه بسطحية على أنه مليء بالمسرات. إن الأولاد والبنات الذين يسمعون أقاصيص الزواج من الجانب المرح المشجع يظنون أنهم يستطيعون أن يدخلوا رابطة الزواج بقوالب من حلوى. وهذا خطأ وإساءة إلى مفهوم الزواج. فما يردده الناس من أن الزواج قصة يمكن سن قوانين وضعية لإنهائها حين يريد الناس، إنما هو أكبر غباوة وأخطر أكذوبة تفرض على الجنس البشري.

إنني أخاطب الأشخاص الذين توفرت لديهم الشجاعة والجرأة ليعيشوا الحياة الزوجية كما قُصد لها أن تكون، أخاطب الأشخاص الذين يصممون على أن يحتفظوا برباط الزوجية مدى الحياة، الذين يرضون بأن يضحوا بأسلوبهم الخاص في الحياة - وأن يتنازلوا عن مشاعرهم إزاء أمور الحياة التافهة والخوف الذي لا أساس له، ليخضعوا لإرادة الله وينحنوا متقبلين منه هذا السر العظيم.

ما هي فرص الزواج السعيد أمامك؟ الواقع أننا لا نجد زواجاً سعيداً ما لم يكن الإنسان راغباً في الوصول فعلاً إلى السعادة الزوجية كهدف في الحياة يسعى لتحقيقه ويحامي عنه ضد كل المفشلات. أما إذا حسبت الزواج عملاً قد ينجح أو يفشل، ولا بأس من إنهائه في أي وقت تشاء فهذا لا يعد أبداً زواجاً سعيداً.

إن السعادة والسرور اللذين يريد الشباب أن يتمتعوا بهما فقط في الزواج ويعيشوا في ظلهما كل أيام العمر إنما هما نسبيّان وفي أحيان كثيرة هما وهم باطل وخطأ يجعل من الإنسان متسولاً كسولاً على بابي السعادة والسرور. هل يمكن أن يكون الناس سعداء سعادة مطلقة هنا على الأرض؟ إن الله خلق الناس ليكونوا سعداء على الأرض ولكنه حكم عليهم بالخدمة بسبب السقوط في الخطية، والعمل والخدمة يعنيان استمرار التعب والعناء.

هل أنا أقلل من قيمة الزواج؟ كلا. بل أجله وأرفع من قدره، وأتسامى به عن السفاسف التي لصقت به من مثل مشاهد الحب الكاذب التي تعرض في دور السينما أو من الخيال الذي لا وجود له في واقع الحياة.

هل تسأل إن كنت أنصحك بالزواج؟ نعم أنا أفعل ذلك، شرط أن تكون مستعداً لبذل الجهد في سبيل تحقيق ما يطلبه منك الزواج. أما إذا كنت تريد لعبة تلهو بها، فإني أهيب بك أن تشتري لنفسك لعبة أخرى تتسلى بها.

أما إذا كنت فعلاً تريد الزواج وتحمّل كافة المسؤولية فعليك أن تستجمع كل ما عندك من حكمة وشجاعة ولطف وإخلاص وإيمان حي، فحينئذ وحينئذ فقط يحق لك أن تضع يدك في يد الله وتقول: أنا أيضاً سأعمل معك.

الفصل الثاني عشر: عاملان معاً: الزوج والزوجة

«كَٱلْوَارِثَاتِ أَيْضاً مَعَكُمْ نِعْمَةَ ٱلْحَيَاةِ» (1 بط 3: 7). إن سعادة وسلام البيت مؤسسان على العلاقة القائمة بين الزوج والزوجة.

يعود بنا الفكر إلى أيام الخطوبة. إن شخصاً ما قد أحاطك وحدك باهتمامه، لقد كان هناك معجبون آخرون، ولكنك في هذه المرة تقابلت مع الشخص الذي يحبك حقاً، ولقد استجاب له قلبك بحب متساوٍ مع حبه. كم كانت الأيام مليئة بالسعادة! كان يبدو لكما أنه لا يوجد اثنان في كل العالم غيركما، وأحياناً كنتما تتحدثان عن المستقبل، وفي مرات أُخر كان الصمت بينكما أبلغ من أي كلام.

ثم حان يوم الزفاف فعشتما بالعهود والوعود، وأصبح الواحد ملكاً للآخر إلى الأبد إذا ارتبطما في المسيح. ولا شك أن هذه المحبة وهذا البيت الجديد كان من ترتيب الله، ولذا وجب أن يكون البيت أسعد مكان في العالم للزوج والزوجة. إنه المرفأ للراحة والسلام والحصن في وجه الطمع والأنانية. إنه مكان تجديد القوة الجسدية لا بل هو أحسن مكان للراحة النفسية والسعادة الحقة.

أيها الأزواج، أحبوا زوجاتكم ولا تكونوا قساة عليهن. لا تسمحوا لهذه القساوة أن تزحف إلى البيت السعيد في وسط المشغوليات الكثيرة. صلوا كي يحميكم الرب من هذا الشر. تتعب الزوجة في عمل البيت طيلة اليوم ويحزّ في قلبها أن يقابلها زوجها في المساء بجبين مقطب ووجه عابس. إنه يحبها ولا شك في ذلك، ولكنه يبدو قاسياً دون أن يقصد.

تمر السنوات سريعة، وينعم الله على الأسرة بالأطفال الصغار الأصحاء أو الأعلاء الذين هم عطية الله لنا.

أما العلاقة بين الزوج والزوجة فينبغي أن تكون مؤسسة على المحبة والاحترام المتبادل. على الزوجة أن توقر زوجها وتحترمه. أن تثق في أحكامه، وأن تظهره أمام أطفاله وأمام المجتمع كشخص جدير بالإحترام. هناك من تسخر من زوجها أمام أطفاله، لا بل تستخف بنصائحه وتهزأ بمشروعاته!

إن الزوجة هي الشريك الصامت في نجاح مشروعات زوجها. فنجاح الرجل يرجع إلى ثقة زوجته فيه. وهناك من الرجال من يُرجعون الفضل في نجاحهم إلى زوجاتهم، ويعترفون فعلاً بحكمتهن في الحكم على الأمور. يقول الكتاب المقدس: «زَوْجُهَا مَعْرُوفٌ فِي ٱلأَبْوَابِ حِينَ يَجْلِسُ بَيْنَ مَشَايِخِ ٱلأَرْضِ» (أم 31: 23). لقد أخذ مكان الكرامة في المجتمع، وكان لزوجته النصيب الأكبر في الفوز بهذا المكان.

أيتها الزوجة: تذكري مرة أخرى تلك الأيام الأولى من الزواج، حاولي أن تجددي على الدوام محبتك واحترامك لزوجك. إن اعتمادك عليه وثقتك به سوف يدفعه إلى الأمام وهو مزود بثقة الانتصار.

لقد رتب الرب أن يكون الرجل رأس المرأة في البيت، كثير من النساء لا يعجبهن هذا الوضع ويعترضن على هذا الحق للرجل، ولكن الواقع يؤكّد أن هذا الوضع الإلهي هو أحسن الأمور لراحة المرأة. فلماذا تأخذين على كاهلك حمل مسؤولية البيت؟ اتركيه لصاحبه. ضعي هذه المسؤولية على زوجك. إن هذه الثقة فيه والاعتماد عليه هما مصدر الراحة المستمرة لك، كما أنهما سيزيدانك اقتناعاً بأنك قد أحسنت الاختيار حينما تزوجت مثل هذا الرجل الكفء.

إن الأطفال لا بد وأن يلمسوا هذه التصرفات من الأم، وحينئذ يحبون ويحترمون والدهم. وإحساسهم المرهف هذا سوف ينعكس أيضاً في إيمانهم وثقتهم في «بابا». إن احترامك لزوجك هو المحبة العملية له.

اجعلي من بيتك الحصن المنيع في وجه زوابع الحياة. وخذي لنفسك عبرة من بعض النساء اللواتي يجعلن منه مركزاً للزوابع بدلاً من التصدّي لها.

إن معارضة الواحد للآخر أمام الأطفال يربكهم ويزعزع ثقتهم ويجعلهم لا يعرفون من يطيعون.

أما المشاحنات الكلامية بين الزوجين فأمر يُؤسف له. إن كان هناك اختلاف في الرأي، فيجب مناقشته وتسويته على انفرادٍ. إن النزاع يقسم البيت ويؤثر على مشاعر الأطفال وأمنهم. عيشا حياة مسيحية حقيقية معاً. اشكرا الرب على توجيهاته لكما لحياة زوجية سعيدة. إن اتفاقكما يساعد على نجاح البيت، واختلافكما المستمر في وجهات النظر معناه الفشل. لتكن لكما فرصة اللقاء مع الرب في المذبح العائلي. وليكن شعاركما دائماً هذا القول المأثور:

المسيح هو رأس هذا البيت،

والضيف غير المنظور على المائدة،

والمستمع الصامت لكل حديث.

الفصل الثالث عشر: قداسة الارتباط العائلي

لمّا كانت القداسة تعني استئصال طبيعتنا الخاطئة، فإنّ كلمة الله تتحدث أيضاً عن قداسة الارتباط العائلي بين المؤمنين وأفراد عائلاتهم والتي في أحيان كثيرة تقود غير المقدسين منهم إلى القداسة. وإذ كنّا قد وضحنا الوجهتين العمليتين للقداسة، يصح الآن أن نتأمل فيما يقوله الله عن هذه القداسة الخارجية أو قداسة القرابة.

ذكرنا فيما سبق في فصل القداسة بالدم أنه قد يتقدس شخص بمعنى معيّن، بسبب ارتباطه مع آخر، ومع ذلك يظل غير متجدد ويهلك. ولكن قد يقال أيضا عن أناس أنهم تقدسوا عن طريق ارتباطهم بمؤمنين وكانوا موضوع صلواتهم القلبية الحارة، فصاروا بعدها مخلصين حقاً بعد إيمانهم.

إن الأصحاح السابع من كورنثوس الأولى يحوي أكمل تعليم خاص بالزواج. جاء في كلمة الله، وبدءاً من ع 10... «وَأَمَّا ٱلْمُتَزَوِّجُونَ فَأُوصِيهِمْ، لا أَنَا بَلِ ٱلرَّبُّ، أَنْ لا تُفَارِقَ ٱلْمَرْأَةُ رَجُلَهَا. وَإِنْ فَارَقَتْهُ فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلا يَتْرُكِ ٱلرَّجُلُ ٱمْرَأَتَهُ» وقد سبق الرب أن أعطى تعليماً واضحاً بهذا الأمر (مت 19: 1 - 12). وبسبب إنتشار الإنجيل بين الوثنيين من الأمم فقد نشأت حالات في كثير من الأماكن كانت في حاجة إلى توضيح. فمثلاً لنفرض أن زوجة وثنية وجدت الخلاص في الرب، ولكن زوجها بقي نجساً عابد وثن، فهل يبقى الشريك المسيحي في علاقة الزواج مع الشخص غير المتجدد، دون أن يتدنس؟ في أيام عزرا ونحميا كان بعض الراجعين قد اتخذوا لأنفسهم زوجات من الأمم الذين حولهم، والنتيجة كانت التشويش. «وَنِصْفُ كَلامِ بَنِيهِمْ بِٱللِّسَانِ ٱلأَشْدُودِيِّ، وَلَمْ يَكُونُوا يُحْسِنُونَ ٱلتَّكَلُّمَ بِٱللِّسَانِ ٱلْيَهُودِيِّ، بَلْ بِلِسَانِ شَعْبٍ وَشَعْبٍ» (نح 13: 24) وهذه الحالة كانت مزعجة للقادة الأتقياء الذين لم يستريحوا حتى فصلوا الزوجات الغريبات ومعهن أولادهن الذين اعتبروا نجسين وجب عزلهم من شعب الرب. لقد سطرت الأعداد التي تلي ذلك بوحي إله كل نعمة لعلاج هذه الحالة الشاقة يكتب الرسول بولس «وَأَمَّا ٱلْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لا ٱلرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ ٱمْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ ،فَلا يَتْرُكْهَا. وَٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلا تَتْرُكْهُ. لأَنَّ ٱلرَّجُلَ غَيْرَ ٱلْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي ٱلْمَرْأَةِ، وَٱلْمَرْأَةُ غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي ٱلرَّجُلِ - وَإِلا فَأَوْلادُكُمْ نَجِسُونَ. وَأَمَّا ٱلآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ. وَلٰكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِ فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ ٱلأَخُ أَوِ ٱلأُخْتُ مُسْتَعْبَداً فِي مِثْلِ هٰذِهِ ٱلأَحْوَالِ. وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ قَدْ دَعَانَا فِي ٱلسَّلامِ. لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا ٱلْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ ٱلرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا ٱلرَّجُلُ، هَلْ تُخَلِّصُ ٱلْمَرْأَةَ» (1 كو 7: 12 - 16).

يا له من تعليم تتجلى فيه قوة النعمة الفائقة. تحت الناموس فالشريك النجس ينجس الشريك المقدس. أما تحت النعمة فالشخص الذي خلصه الله يقدس النجس. إن الأسرة نظام إلهي قديم جداً، وفي كل أجزاء الكتاب المقدس يتضح أن الله يريد أن يخلص شعبه كعائلات. هو لا يريد استخدام العنف في الروابط الطبيعية التي أوجدها، فإذا خلص الرب رأس عائلة فهو يعلن بذلك أنه يختزن البركة لكل العائلة. وهذا طبعاً لا يمس المسؤولية الشخصية. الخلاص ليس بصلة دم القرابة ولكن بوجه عام نقول إن فكر الله أن يخلص عائلات شعبه مع أرباب هذه العائلات. ولذلك يعلن أن خلاص شريك يقدس الشريك الآخر كما يقدس الأولاد أيضاً. وهل معنى ذلك أنه قد حدث أي تغيير في هؤلاء الأشخاص. كلا على الإطلاق. قد يبقون كما هم بدون ولادة جديدة، محبين لطرقهم الشريرة. محتقرين النعمة، وغير خائفين من دينونة الله، ورغم كل ذلك فهم مقدسون في القريب المؤمن. كيف يتفق هذا مع فكرة الكماليين عن القداسة؟ لأنه من الواضح أن الكلمة هنا لا تعني أي تطهير وهكذا تنهار فكرتهم انهياراً تاماً. والسبب في ذلك هو أنهم ألصقوا بكلمة القداسة معنى غير صحيح لغوياً، وباطل كتابياً ولا ينسجم مع الواقع العملي. واضح أن القداسة في الحالة التي أمامنا مختصة بعلاقة القرابة إذ يتغير مركز بقية العائلة بتجديد أحد الأبوين. فلا يكون البيت في نظر الله بيتاً وثنياً بعد بل بيتاً مسيحياً.

الكل ظلمة في البيت الوثني، لا يوجد نور يضيء أبداً، ولكن دع أحد الوالدين في العائلة يتجدد، فماذا يحدث إذاً؟ تظهر منارة في ذلك البيت تنير على الآخرين سواء أرادوا أو لم يريدوا. لقد وُضعوا في مكان الإمتياز والمسؤولية اللذين كانوا بعيدين عنهما كل البعد. كل هذا دون أن يعمل الله بعد في نفوسهم ر