COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

إيمان المسيحي وواجباته

هذا الكتاب

يسرنا أن نقدم للقارئ العربي هذا الكتاب الصغير الحجم، الكبير الفائدة، والذي يقدّم عقائد المسيحية الجوهرية، مع الواجبات المسيحية، التي تتفق فيها كل الطوائف المسيحية. راجين أن يدرك القارئ ما يجب أن يؤمن به ويعيشه، فهذان ركنا الدين: الإيمان والأعمال.

ومؤلف هذا الكتاب قسيس اسمه بوتر، جعل عنوانه في طبعته الأولى «الأصول والفروع» وذلك في أواخر القرن التاسع عشر. وقد نُقل الكتاب للعربية في أوائل القرن العشرين وطُبعت منه خمس طبعات في العربية، حتى عام 1934. وهذه الطبعة الجديدة منقَّحة ومزيدة.

منذ أكثر من ألفي سنة قرر أرسطو الفيلسوف الشهير أن الإنسان ميّالٌ إلى حب الاطلاع على العلوم والمعارف، وجَرْياً على هذا المَيْل الشريف أقبل المسيحيون يتبصَّرون في مسائل الدين، حتى أدى بهم شغفهم في ذلك إلى درس الأديان الأخرى والاطّلاع على كتبها المقدسة عند أهلها، وترجموا المشهور منها إلى لغاتهم لتمكين أبناء وطنهم من درسها وفهمها. ومَنْ بلغَت عنايته بالأديان الأخرى إلى هذا الحد، فكم تكون عنايته بدينه وكتابه؟ ولذا ترجَمَ المسيحيون كتابهم إلى أكثر من ألف لغة ونشروه في كل أقسام المعمورة حتى لا يُحرم أحدٌ جني أثماره والاهتداء بأنواره من كل أمة وشعب تحت السماء. وقد أجادوا في ما عملوا وأحسنوا صنعاً، لأنه لا موضوع في العالم أهم من موضوع الدين.

ويميل المرء بالطبع إلى معرفة الدين الحق وتمييز الصحيح من الباطل. لذلك رأينا أن نضع هذا الكتاب مستمدّين القوة من الله، وأن نشرح فيه أصول الإيمان وفروعه لإفادة طالبي الحق. وأردنا أن نرجع في كل قول إلى كتاب اللّه، لأنه هو الأساس المتين لإيماننا. وأشرنا الى مواضع الآيات المقتبسة لتسهيل المراجعة إذا اقتضى الحال.

ومع أنه يوجد بين المسيحيين شِيَعٌ وفرقٌ مختلفة (كما هو الحال عند أهل الأديان الأخرى) إلا أن العقائد الجوهرية والواجبات المسيحية لم تزل متَّفقاً عليها من جميع الفِرَق، وهي ما تجده في هذا الكتاب في قسمين:

الأول - عن أصول الإيمان

الثانى - عن واجبات كل مسيحي

مُصلّيِن أن يبارك الله هذا الكتاب لنا جميعاً، لنحيا كل يوم ما نعتقد به.

الناشرون

القسم الأول: الإيمان المسيحي

مقدمة : الكتاب المقدس أساس الإيمان

كثر البحث في وظيفة العقل البشري إزاء الحقائق الدينية - هل العقل حاكمٌ كفء؟ هل نستطيع الاعتماد عليه والرضوخ إلى أحكامه؟ هل يُحكّم المؤمن عقله تحكيماً مطلقاً؟ كلا! بل يقول: لا بد من وجود قوة مفكرة ومدبّرة فوق الطبيعة أو وراء الطبيعة، لا تُدرَك بالعقل، وهي «الخالق» سبحانه.

ومع ذلك فللعقل مركز لا يُزدرى به، ووظيفة لا ينكرها ذوو الألباب - فما هي وظيفة العقل؟

وظيفة العقل هي إيصالنا إلى معرفة الفرق، والتمييز بين ما هو «أزلي» (وهو ما يختص بالخالق) وما هو «حادث» (وهو صفة من صفات المخلوق). (انظر مزمور 19: 1 ورومية 1: 20) حيث يقول الرسول إنه بواسطة التأمل في «المصنوعات» (الحادثة) نصل إلى معرفة القوة السرمدية التي خَلَقتْها، وهي اللّه الواجب الوجود منذ الأزل.

س: هل يكتفي الإنسان بهذه المعرفة العقلية؟

ج: كلا. فالإنسان محتاج إلى وحي سماوي يعلّمه من هو الله، وما هي صفاته، وكيف يعلن إرادته لبني البشر، وكيف يتعامل الإنسان مع الله وكيف يتعامل الله مع الإنسان، وإظهار فساد الطبيعة البشرية مع إظهار محبة الله للناس الساقطين بالرغم من خطاياهم، وطريق الخلاص لتخليصهم منها. وبناءً على ذلك أعلن الله لنا أسفاره المقدسة أي التوراة والإنجيل أو الكتاب المقدس.

ويؤمن المسيحيون أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد لمعرفة هذه الأمور المذكورة، لأنه لا يوجد في كتاب آخر الخبر السار (البشارة) عن اتّخاذ سيدنا المسيح جسداً وموته لأجل جميعنا. ولهذا السبب نقدم لكم الكتاب المقدس الذي فيه كُتبت أعمال المسيح وأقواله، حتى بقراءتكم إياها تكونون كأنكم قد شاهدتم المسيح نفسه وعاشرتموه. فالكتاب المقدس هو السَّند الأعظم الذي نبني عليه إيماننا.

فهل يوجد دليل على أن هذا الكتاب من الله؟ نعم. لنا أدلة داخلية (أي من آيات الكتاب نفسه) وأدلة خارجية (أي من التاريخ وغيره).

س: ما هي الأدلة الداخلية على صحة الكتاب؟

ج:

  1. يشهد الكتاب المقدس لنفسه على أنه موحَى به من الله، لأننا نرى في أسفار موسى شهادات كثيرة على أن اللّه تكلم معه وأمرَهُ بتأليف كتابه، ونقرأ في أسفار الأنبياء الآخرين: «هكذا يقول رب الجنود» و «كانت كلمة الرب إلى النبي» وأيضاً: «هٰكَذَا تَكَلَّمَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ: ٱكْتُبْ كُلَّ ٱلْكَلامِ ٱلَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْكَ فِي سِفْرٍ»(ارميا 30: 2).

  2. سموّ آداب الكتاب وروحانية تعاليمه وفاعليتها وجلالة عباراته.

  3. غرضه الشريف الذي هو تمجيد الله وإعلان طريق الخلاص التي لم تُعلَن في كتاب سواه. وأما أفضاله ومحامده التي تجل عن التمثيل فكل هذه أدلة قاطعة وحجج دامغة على أنه كلام الله.

  4. إتمام النبوات التي وردت فيه إتماماً مدققاً يقضي بالعجب، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله العليم بكل شيء، فهو وحده علاَّم الغيوب.

س: ما هي الأدلة الخارجية على صحة الكتاب المقدس؟

ج:

  1. ثباته وبقاؤه إلى هذا اليوم رغم الاضطهادات والأهوال العظيمة التي أثارت عليه حرباً عواناً، ولكنه خرج من ساحة الحرب ظافراً منصوراً، فإنه لا كتاب غيره في الوجود تجرَّدت عليه الأقلام والسيوف فلم تزده إلا ثباتاً وامتداداً بين الناس.

  2. عظيم في تأثيره، فإنه الكتاب الوحيد القادر على إصلاح القلوب وترقية الآداب والمدنية الحقة.

    وفوق هذا كله يشهد له الروح القدس لدى ضمائرنا، وكم اختبرنا صحة هذه الشهادة!! وقد قيل: «إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ ٱللّٰهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي» (يوحنا 7: 17).

  3. كثرة الاقتباسات منه في كل عصر وجيل، فالشاعر الانكليزي الذائع الصيت «شكسبير» نقل عن التوراة والإنجيل ما يملأ كتاباً ضخماً، وأما الآباء الأولون فقد اقتبسوا في كتاباتهم كل آيات الكتاب المقدس.

  4. يوجد في المتحف البريطاني بلندرا (لندن) وفي متاحف أخرى نسخ خطّيّة قديمة جداً جداً.

س: ما هو معنى قولك إن كلّ الكتاب هو موحى به من الله؟

ج: معناه إن الله أرشد أذهان كاتبيه على نوعٍ خاص إلى إرادته، وعصمهم من الخطأ في ما كتبوه - فقال الرسول بطرس مشيراً إلى هذه الحقيقة إنه «لَمْ تَأْتِ نُبُّوَةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2بطرس 1: 21) ويقول الرسول بولس: «كُلُّ ٱلْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ ٱللّٰهِ» (2تيموثاوس 3: 16) وفي لوقا 1: 70 «كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ ٱلْقِدِّيسِينَ». والمسيح نفسه صادَقَ على هذا فاستشهد بالتوراة بناءً على أنها قيلت بالروح القدس (قابل مزمور 110 مع متى 22: 43 و44).

وأما من جهة العهد الجديد فنجد أن المسيح وعد تلاميذه بإرسال الروح إليهم ليذكّرهم ويعلّمهم ويرشدهم إلى الحق (يوحنا 14: 26 و16: 13). وشهد الرسل بذلك، وأظهروا أن ما كتبوه وعلَّموا به كان بإرشاد روح الله القدوس - قال بولس الرسول: «وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ ٱلْعَالَمِ، بَلِ ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ، لِنَعْرِفَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللّٰهِ، ٱلَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضاً، لا بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ» (1كورنثوس 2: 12و13) ثم في مواضع أخرى يشكر الله لأنه لما قبل أهل تسالونيكي كلمة الله على يده قبلوها ليس كأنها كلمة إنسان، بل كلمة الله، فقال: «مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ نَحْنُ أَيْضاً نَشْكُرُ ٱللّٰهَ بِلا ٱنْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ ٱللّٰهِ، قَبِلْتُمُوهَا لا كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِٱلْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ ٱللّٰهِ» (1تسالونيكي 2: 13).

س: هل «نزل» الكتاب المقدس دفعة واحدة؟

ج: كلا بل كان إعلان هذا الكتاب يتقدَّم بالتدريج من الوعد الأول، وهو قوله في سفر التكوين (أول الكتاب) ما مضمونه أن «نسل المرأة يسحق رأس الحية» (تكوين3: 15) (أي يسوع المولود من المرأة دون الرجل) إلى ختام ذبيحة الفداء للتكفير عن خطايا العالم التي قدمها المسيح على الصليب حين صرخ قائلاً: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا 19: 30) وأسلم الروح. ومع أن هذا الاعلان كُتب بواسطة رجال مختلفين وفي أزمنة وأماكن مختلفة، إلا أننا نجد أجزاءه متفقة بعضها مع بعض، وكله يرمي إلى غرضٍ واحد ولا يتهيّأ لكَتَبَتِه ذلك إلا إذا اعتبرنا أنهم كتبوا ما كتبوه بإلهام الروح القدس.

في العهد القديم نجد الاستعداد لمجيء المسيح المجيء الأول بالنبوات والرموز الدالة عليه، والتي يمكن تطبيقها على أعماله وأحوال حياته. وفي العهد الجديد نجد المسيح جاء فعلاً وتمَّ فيه جميع ما هو مكتوب في أسفار العهد القديم. ففي البشائر الأربع نجد الخبر عن تجسُّده العجيب ومعجزاته وتعليمه وأعماله. وفي سفر الأعمال نجد أن هذه الحقائق المتعلّقة بشخص المسيح قد كُرز بها في أقسام كثيرة من الأرض، وآمن بها خَلْقٌ لا يُعدُّون. وفي الرسائل نجد إيضاحها وتفسيرها وحضّ المسيحيين على السير بمقتضاها. وكان ذلك على الخصوص بواسطة خدمة الرسل الذين اختارهم المسيح ورشَّحهم بالروح القدس، ليشهدوا له ويكرزوا بين الناس بذات شخصه العجيب وفضائله وأعماله. لذلك نعتبر عملهم كأنه عمل المسيح نفسه من الوجهة التعليمية.

نؤمن أن كلمة الله المتضمَّنة في أسفار العهدين الجديد والقديم، هي الدستور الوحيد الذي رسمه الله لنا لنسير عليه في الإيمان والأعمال، وفيه طريقة الخلاص مشروحة للإنسان وتقديسه وإرشاده إلى كل ما يلزمه في هذه الحياة الدنيا. كتب بولس الرسول إلى تيموثاوس يقول: «وَأَنَّكَ مُنْذُ ٱلطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ ٱلْكُتُبَ ٱلْمُقَدَّسَةَ، ٱلْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاصِ، بِٱلإِيمَانِ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. كُلُّ ٱلْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ ٱللّٰهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَٱلتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَٱلتَّأْدِيبِ ٱلَّذِي فِي ٱلْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ ٱللّٰهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّباً لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (2تيموثاوس 3: 15-17). فالكتاب المقدس كافٍ لكل مطاليب الإنسان الدينية في كل زمان ومكان. فكما أن قدرته الإلهية قد وهبت كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الله، هكذا كتابه أعلن لنا كل ما يلزم لإرشادنا، ولقد أعطانا الروح القدس لينير أذهاننا حتى نفهم المكتوب فيه ونسلك بحسبه، ولم تَبْقَ لنا بعد حاجة إلى مزيد حتى يَظهر سيدنا يسوع المسيح على سحاب السماء ويأخذ اليه كل شعبه المحبوب حسب وعده الصريح (1تسالونيكي 4: 16، 17) لذلك يقول بولس: «وَلٰكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاكٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا» أي هالكاً (غلاطية 1: 8).

وبالرغم من أن في الكتاب المقدس أسراراً كثيرة غامضة، لكن الأمور الضرورية للخلاص واضحة كل الوضوح.

ونؤمن أنه ينبغي للمؤمنين أن يقرأوه ويدرسوه درساً دقيقاً. وليس درسه واجباً فقط على القسوس ورجال الدين بل على الجميع بحسب مقدرتهم وعلى قدر ما تسمح لهم أوقاتهم، ثم يمتحنون بموجبه كل ما يسمعونه في الكنيسة. وعلاوةً على ذلك فعلى كل مسيحي أن يطالع فصلاً من الكتاب على انفراد يومياً، فقد أمر المسيح اليهود أن يفتشوا الكتب لأنها تشهد له (يوحنا 5: 39) وقيل عن أهل بيرية إنهم أشرف من أهل تسالونيكي لأنهم كانوا يفحصون الكتب كل يوم، حتى يروا هل تعليم الرسل بحسبها أم لا (أعمال 17: 11).

1- وحدانية الله وصفاته

منذ خلق الله الإنسان على صورته كشَبَهه (تكوين 1: 26، 27) في الصفات الأدبية، لم يُعدم الإنسان هذه الآداب بالكلية حتى بعد السقوط، فإنك ترى بين الناس بعض الأحيان أخلاقاً حسنة كالمحبة والرحمة والعدل والحق وأمثالها، التي تُنسَب إلى الله، وإنما على مقدارٍ محدود، ومع ذلك لا يقدر الإنسان أن يعرف الله معرفة تامة ويدرك طريق الخلاص إلا بواسطة إعلانٍ منه عن نفسه «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 1: 18) لأنه بهاء مجده ورسم جوهره (عبرانيين 1: 3). والإعلان المذكور موجود في الكتاب المقدس.

نؤمن بإلهٍ واحدٍ حقّ كما جاء في الوصية الأولى حيث يقول: «لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي» (خروج 20: 3) وقيل بصريح العبارة في الشريعة الإلهية إن الله واحد، وعلى ذلك قوله: «إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4) لهذا نؤمن بوحدانية الله.

س: هل يوجد دليل خارجي على وحدانية الله؟

ج: هناك دليل عقلي وهو: أن للمصنوع صانعاً لا صانعان، وللمخلوق خالقاً لا خالقان. فالصانع الخالق واحد وهو الله.

ثم نقرأ في الكتاب المقدس أن الله محبة، وأنه روح، ونور، غير محدود أزلي غير متغيّر، لا تدرك العقول جودته ولا تحيط بكمالاته. حكيم عليم قدوس بار محب منعم طويل الأناة، عادل حقّ كثير الجود والإحسان، لا نهاية لكماله، لا يدركه تغيير ولا فناء.

ومن بين هذه الصفات اثنتان أو ثلاث خُصَّت بالذكر، إحداها صفة القداسة أي طهارة صفاته الأدبية كما قيل: «لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ ٱلرَّبِّ» (1صموئيل 2: 2) فإنه منزَّه تماماً عن كل عيب ودنس، بار في كل طرقه، مستقيم في كل أعماله. والقداسة هي أول ما أعلنه الله لعبده موسى حينما دعاه إلى الرسالة حيث يقول: «لا تَقْتَرِبْ إِلَى هٰهُنَا ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ ٱلْمَوْضِعَ ٱلَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ» (خروج 3: 5). ومن أشهر مقاصد الشريعة الموسوية أن يتعلم بنو إسرائيل قداسة الله، وذلك بأن جعل فارقاً بين الطاهر والنجس من الحيوانات والطيور والملابس والمسكن والناس. ومن طهارة الأشياء المنظورة يرتقون إلى معرفة طهارة الأخلاق ويكونون أمة مقدسة (لاويين 20: 25، 26). وبما أن الله قدوس فلا يمكن لأحدٍ أن يقترب إليه ما لم يتبرر ويتقدس من خطاياه بحسب الطريقة التي رسمها لهذا الغرض.

ومن تعليم الأنبياء بقداسة الله ما كتبه إشعياء النبي عن رؤياه العجيبة حيث يقول: «رأيت السيد جالساً على كرسيٍّ عالٍ ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل، والسرافيم واقفون فوقه، لكل واحد ستة أجنحة، باثنين يغطي وجهه، وباثنين يغطي رجليه، وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض. فاهتزَّت أساسات العَتَب من صوت الصارخ، وامتلأ البيت دخاناً». وعندما رأى إشعياء ذلك أقرَّ معترفاً بعدم أهليته لأن يدنو إلى الله، فقال: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ ٱلشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ ٱلشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا ٱلْمَلِكَ رَبَّ ٱلْجُنُودِ» (إشعياء 6: 5). إن آلهة قدماء اليونان والرومان وكذا الوثنيين في زماننا غير طاهرة، وأما إلهنا فقدوس «وعيناه أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا ٱلشَّرَّ» (حبقوق 1: 13).

والصفة الثانية العدالة فالله قدوس في صفاته عادل في جميع معاملاته للخلائق، يقضي بينهم بالعدل والإنصاف، ويجازي كل إنسان بحسب أعماله (رومية 2: 6) بار في كل طرقه ورحيم في كل أعماله (مزمور 145: 17). العدل والحق قاعدة كرسيّه (مزمور 97: 2) «وَقَالَ لِلْقُضَاةِ: «ٱنْظُرُوا مَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ... وَٱلآنَ لِتَكُنْ هَيْبَةُ ٱلرَّبِّ عَلَيْكُمُ. ٱحْذَرُوا وَٱفْعَلُوا. لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ ٱلرَّبِّ إِلٰهِنَا ظُلْمٌ وَلا مُحَابَاةٌ وَلا ٱرْتِشَاءٌ» (2أخبار 19: 6 و7).

والصفة الثالثة المحبة .قيل في الكتاب المقدس «اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ» (1يوحنا 4: 16) وقد ظهرت محبة الله في طريق الخلاص للعالم، لأن الإنسان من عهد السقوط ابتعد عن الله بخطيته (تكوين3: 15-24) ولكن الله من فرط محبته وكثرة نعمته أراد أن يقرِبّه إليه، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد إلى العالم «لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ»(لوقا 19: 10). فبحسب قداسة طبيعته لا بد له أن يعاقب عن الخطية، وبحسب محبته ورحمته صنع طريقاً للخلاص.

ملاحظة: لا لزوم لأن نفخِّم بعض صفات اللاهوت حتى يقضي الحال بتضحية البعض الآخر كما فعل بعضهم، فإنهم فخَّموا رحمته تعالى حتى نسوا عدله وقداسته، ولذلك فإن الكفارة التي قدمها المسيح عن خطايا العالم (كما يعلّمنا الإنجيل) هي الواسطة الوحيدة للتوفيق بين محبة الله للناس وقداسته، وعدله ورحمته، حتى لقد صار ممكناً خلاص الخطاة إظهاراً لرحمته، مع استيفاء حقوق عدله. فبصليب المسيح يُقال إن «ٱلرَّحْمَةُ وَٱلْحَقُّ ٱلْتَقَيَا. ٱلْبِرُّ (العدل) وَٱلسَّلامُ تَلاثَمَا» (مزمور 85: 10). ودبَّر الله هذه الكفارة حتى إذا غفر لأحدٍ ذنبه يكون باراً، وعلى ذلك قوله: «ليكون باراً ويبرّر مَن هو مِن الإيمان بيسوع». فالله هو الخالق لسائر الكائنات والحافظ لها الوجود بعنايته وينبوع الجود والإحسان والنور والعرفان. هذا هو معبودنا الأوحد. لا إله إلا هو، له الحكم ومنه الفداء، وإليه المرجع والمآب.

2- الثالوث الأقدس

س: قلتم إن الله هو المعبود الأوحد، ولكنكم تقولون «بالثالوث الأقدس» فهل هذه العبارة، أو هذه القولة، تدل على وجود ثلاثة آلهة؟

ج: حاشا أن يُقال ذلك! لسنا من المشركين بالله! أما اعتقادنا فهو أن الله بعدما خلق العالم وتوَّج خليقته بالإنسان لبث حيناً من الدهر لا يعلن للجمهور سوى ما يختص بوحدانيته، كما يتبيَّن ذلك من التوراة. على أن المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات: «كلمة الله» و «حكمة الله» أو «روح الله». ولم يكن يعلم أهل التوراة المعنى السري لهذه الكلمات، لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعيَّن الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل. ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل الشريف يقف على المعنى السري المراد، إذ يجدها تشير إلى الأقانيم الثلاثة الكائنة في اللاهوت.

س: ما معنى كلمة أقنوم؟

ج: «أقنوم» كلمة سريانية استُعيرت إلى العربية للدلالة على المعنى الأصلي بالضبط. وهو يدل على كائن يقول عن نفسه «أنا». فعلى ذلك نجد أن التوراة تذكر «كلمة الله» بأنه كائن يقول عن نفسه «أنا» وكذلك بأن روح الله أيضاً يقول عن نفسه «أنا». أو بعبارة اصطلاحية تُنسَب إلى كلٍ من «الكلمة» و «الروح» الأقنومية. ثم لما جاء المسيح إلى العالم أرانا بواسطة تعاليمه وأعماله المسطورة في الإنجيل أن له نسبةً سرية أزلية إلى الله تفوق الإدراك. ونراه مسمَّى في أسفار العهد الجديد «كلمة الله» وهي ذات العبارة المذكورة في التوراة. ثم لما صعد إلى السماء أرسل روحه ليسكن بين المؤمنين. وقد تبيَّن أن لهذا الروح أيضاً نسبة إلى الله أزلية فائقة كما للابن، ويسمى روح الله أو الروح القدس، وهذه التسمية هي ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا.

س: قلتم إن الله أعلن مبدأ الثالوث (أو التثليث) بالتدريج، فهل لكم أن تعطونا مثالاً طبيعياً لشرح معناكم؟

ج: نستطيع أن نشبِّه نمو التعليم عن الثالوث الأقدس بشجرة وُضعت بذورها في رواية خلق العالم (في أول سفر التكوين)، وظهرت أعشابها بعد نباتها عندما كثر الناس على الأرض، واشتدَّ ساقها باختيار الله لإبراهيم وبنيه المؤمنين، ونمت أغصانها بظهور الشريعة والأنبياء، ونضجت ثمارها بتجسُّد المسيح وتعاليمه لتلاميذه وبإتمامه عمل الفداء. وأدرك المسيحيون حلاوة هذه الأثمار الناضجة بواسطة تعليم الروح القدس الذي حلَّ عليهم بعد صعود المسيح إلى السماء. وإلى يومنا الحاضر لا يزالون يذوقون تلك الأثمار كلما يشتركون في جسد الرب ودمه (بتناولهم العشاء الرباني) وكلما يفعلون ذلك يدركون سر الثالوث الأقدس أكثر فأكثر.

س: إذاً الشيء الذي كان غامضاً في العهد القديم صار جلياً في العهد الجديد. أليس كذلك؟

ج: نعم هو كذلك. فمما تقدم نعلم أن المسمَّى «كلمة الله» والمسمَّى «روح الله» في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس المذكوران في الإنجيل، فما لمَّح إليه كتابُ التوراة صرَّح به كتاب الإنجيل كل التصريح، من أن كلمة الله وروحه هما أقنومان يصلح لكلٍ منهما ضمير «أنا».

س: لكن ألا يوجد تناقض بين الوحدة والتعدد؟

ج: يوجد تناقض بين انتساب الوحدة المجردة (إلى شخص أو إلى أمر) وبين انتساب التعدد المجرد إلى نفس الشخص في نفس الوقت ومن نفس الوجهة. لكن مبدأنا أنه لا يوجد أدنى تناقض بين وحدة الجوهر وتعدد الأقانيم. وبناءً على ذلك نقول إن الآب والابن والروح القدس واحد في الجوهر مع أن الثلاثة متميزون في الأقانيم، أي ممتازون في عمل كل واحدٍ، ومظهر كل واحدٍ، واسم كل واحد.

س: كيف يُعقل أن يكون الآبُ والابنُ والروحُ القدس إلهاً واحداً؟ فهل تجزَّأ الواحد إلى ثلاثة، أم امتزج الثلاثة واحداً؟

ج: هناك ما يختص بالمادة التي تكوَّنت منها عناصر الطبيعة، وما يختص بالروح أي بما وراء الطبيعة. وهذا السؤال خاص بالمادة مرتبط بها وحدها، والجواب عليه هو:

لا توجد مناسبة ما بين المادة والروح. ولماذا ؟ لأن «اَللّٰهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا 4: 24) فالشيء الذي يجوز تركيبه أو تجزئته إنما هو مادة فقط، والمادة كما تعلمون حادثة لا قديمة، وهي التي يجوز عليها من التركيب والتجزئة ما لا يجوز على الله الذي لا يُرى، وذلك لأن الروح - أي الله - لا يمكن أن يتركب أو يتجزأ، ولا يتجمع ولا يتفرَّق، ولأنه سبحانه أرقى من المادة، بل هو خالقها فهو غير محدود أو محصور، وغير معدود أو منظور. وأما أسماء الأقانيم التي هي: الآب والابن والروح القدس - فليست للتركيب ولا للتجزئة، ولا للامتزاج ولا للانحلال، بل هي موضوعة للدلالة على مظاهر الأقانيم اللاهوتية وصفاتهم المتميِّزة وأعمالهم التي عُملت لخير البشر كافة. وهذه التسمية نطق بها سيدنا المسيح للدلالة على أن الاسم مفرد، وأن الأقانيم ثلاثة، فقال تبارك اسمه: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ (ولم يقل: بأسماء) ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى 28: 19) وعلى هذا فالله جل شأنه بريء من كل تركيب أو امتزاج أو تجزئة أو تجمع أو تفرُّق، لأن الله الآب والابن والروح القدس إله واحد لا شريك له.

س: هل يوجد في الكتاب المقدس من الآيات ما يدل على ذكر جمع في ذات وحدة الله؟

ج: نعم توجد آيات كثيرة جداً، منها:

  1. اسم الجلالة في التوراة (بالعبرانية) ورد دائماً بصيغة الجمع فالكلمة المترجمة «الله» هي «إلوهيم» جمع مذكر سالم للمفرد.

  2. «وَقَالَ ٱللّٰهُ: «نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 26).

  3. «وَقَالَ ٱلرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهٰذَا ٱبْتِدَاؤُهُمْ بِٱلْعَمَلِ... هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لا يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ» (تكوين 11: 6، 7).

  4. «رَأَيْتُ ٱلسَّيِّدَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ ٱلْهَيْكَلَ. ٱلسَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ... وَهَذَا نَادَى ذَاكَ: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ ٱلْجُنُودِ... ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ ٱلسَّيِّدِ: «مَنْ أُرْسِلُ، وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» (إشعياء 6: 1-8).

س: هل تذكر بعض الآيات التي فيها أسماء الأقانيم؟

ج: نعم منها:

  1. «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ. وَكَانَتِ ٱلأَرْضُ خَرِبَةً... وَرُوحُ ٱللّٰهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ» (تكوين 1: 1،2).

  2. «إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ ٱلرَّبِّ. قَالَ لِي: «أَنْتَ ٱبْنِي. أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اِسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ ٱلأُمَمَ مِيرَاثاً لَكَ وَأَقَاصِيَ ٱلأَرْضِ مُلْكاً لَكَ» (مزمور 2: 7-8).

  3. «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا» (مزمور 33: 6).

  4. «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَّوَلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ ٱلْقِدَمِ. مُنْذُ ٱلأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ ٱلْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ ٱلأَرْضِ. إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ تَكُنْ يَنَابِيعُ كَثِيرَةُ ٱلْمِيَاهِ. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ ٱلْجِبَالُ، قَبْلَ ٱلتِّلالِ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَنَعَ ٱلأَرْضَ بَعْدُ وَلا ٱلْبَرَارِيَّ وَلا أَّوَلَ أَعْفَارِ ٱلْمَسْكُونَةِ. لَمَّا ثَبَّتَ ٱلسَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ. لَمَّا أَثْبَتَ ٱلسُّحُبَ مِنْ فَوْقُ. لَمَّا تَشَدَّدَتْ يَنَابِيعُ ٱلْغَمْرِ. لَمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ فَلا تَتَعَدَّى ٱلْمِيَاهُ تُخْمَهُ، لَمَّا رَسَمَ أُسُسَ ٱلأَرْضِ، كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ. فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ، وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ» (أمثال 8: 22-31).

  5. «مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ، وَٱلآنَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ» (إشعياء 48: 16). المتكلم هو الكلمة، المسيح. اللذان أرسلاه هما السيد (الرب) وروحه.

  6. «فَلَمَّا ٱعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ ٱلْمَاءِ، وَإِذَا ٱلسَّمَاوَاتُ قَدِ ٱنْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ ٱللّٰهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ، وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ قَائِلاً: « هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى 3: 16، 17).

  7. «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى 28: 19).

  8. «اَللّٰهُ رُوحٌ... لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذٰلِكَ ٱلابْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ» (يوحنا 4: 24، 5: 21).

  9. «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ ٱلآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَّزِياً آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى ٱلأَبَدِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ» (يوحنا 14: 16، 17).

  10. «بِهٰذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. وَأَمَّا ٱلْمُعَّزِي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلآبُ بِٱسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يوحنا 14: 25، 26).

  11. «وَمَتَى جَاءَ ٱلْمُعَّزِي ٱلَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ ٱلآبِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، ٱلَّذِي مِنْ عِنْدِ ٱلآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ ٱلابْتِدَاءِ» (يوحنا 15: 26، 27).

  12. «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللّٰهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ» (2كورنثوس 13: 14).

الله ليس كمثله شيء، لكن من باب التوضيح انظر الجدول الذي يشرح قولنا بعدم وجود أدنى تناقض بين جمع الأقانيم ووحدة الجوهر. فالمثلَّث المرسوم كله شكل هندسي واحد لكن فيه ثلاث زوايا جوهرية، ولا مثلث بدونها كلها. ومنه يظهر أن الخلق بعناية الله، والفداء بكلمة الله، والتقديس بروح الله، والكل من الله وبالله وفي الله.

اسم كل أقنوم الآب الابن الروح القدس
مظهر كل أقنوم عناية الله كلمة الله روح الله
عمل كل أقنوم خَلَق العالم فَدَى العالم قَدَّس المؤمنين

هذا الجدول يشرح مظاهر الأقانيم ومساواتهم وأعمالهم في فداء الإنسان.

إن أقانيم الثالوث الأقدس متساوون في الذات وفي الصفات وفي الأزلية وفي الأبدية وفي السرمدية وفي الجلال والمجد معاً. فلا تقديم لأقنوم على آخر، ولا تأخير لأقنوم عن آخر، لأن المساواة تامة كاملة من كل وجه، فلا تفصيل في الجوهر، ولا تخليط في الأقانيم، ولا تعدد في وحدتهم الجوهرية كما يأتي:

«الآب» هو الأقنوم الأول، ومعنى اسمه يدل على أن المسمَّى به كائن أزلي بلا بداية، أبدي بلا نهاية، وعلى أنه الخالق الذي هو مصدر كل شيء في الوجود، وعلى أنه ذو نسبة سرية كائنة بينه وبين ابنه بروحه القدوس، وعلى أن عمله منذ الأزل كان الخلق (إشعياء 64: 8) وعلى أن المرجع إليه في كل الأمور (تكوين 22: 8 و24: 7) وعلى أنه محبٌ لخَلْقه حباً كاملاً (يوحنا 3: 16 ورومية 8: 32، 39).

«الابن» هو الأقنوم الثاني، ومعنى اسمه يدل على أن مسمَّاه كائن أزلي دائم الوجود، لا بداءة لبنوَّته ولا نهاية لها. ويدل على أنه ذو نسبة سرية أزلية كائنة بينه وبين الآب الأزلي بالروح القدس (أمثال 8: 22-31 ويوحنا 1: 1-4 و5: 19-23) ويدل أيضاً هذا الاسم المجيد على أن مسمَّاه مصدر الفداء على الأرض، والشفاعة في السماء، وعلى أن هذين الأمرين هما غايته من التجسد (يوحنا 1: 14 و16 و18 و1 يوحنا 3: 1، 2).

«الروح القدس» هو الأقنوم الثالث، ومعنى اسمه يدل على أن مسمَّاه كائن أزلي ذو نسبة سرية أزلية كائنة على الدوام بينه وبين الآب والابن معاً. أما نسبته إلى الآب فمذكورة في متى 10: 20 مع تكوين 1: 2 . وأما نسبته إلى الابن فمذكورة في غلاطية 4: 6 . ويدل معنى اسمه أيضاً على أن عمله الولادة الثانية والتقديس والتجديد والإرشاد إلى طريق الفادي المجيد.

وخلاصة الموضوع: أن عمل الآب هو الخلق، ووظيفته إعلان الشريعة. وأن عمل الابن هو الفداء، ووظيفته إعلان الرحمة والمحبة. وأن عمل الروح القدس هو التقديس، ووظيفته إعلان البرارة وإظهار الفضائل المسيحية الحقة في حياة المؤمنين. فأعمال الأقانيم الثلاثة حسب مظاهرهم كلها لخير الإنسان ومساعدته.

3- لاهوت المسيح

س: كيف تثبت لاهوت المسيح من الكتاب المقدس

ج: الأدلة على لاهوت المسيح متنوعة - منها:

(1) مطالب المسيح لنفسه (2) آيات إيجابية من نصوص الكتاب المقدس (3) نبوّات عجيبة ينبغي أن يكون إتمامها في مَنْ هو مزدَوج الطبيعة (4) قبول المسيح لشهادة الآخرين للاهوته وامتداحه لمقدميها (5) تبادل الاشتراك التام في الصفات الإلهية الكاملة. وهاك تفصيلها بالترتيب:

  1. مطالب المسيح لنفسه:

    قال بعضهم: «نحن لا نطلب للكتاب المقدس أكثر مما يطلب الكتاب لنفسه». على هذا القياس لا ننسب إلى المسيح أكثر مما نسب المسيح إلى نفسه. فما هي مطالبه؟

    • قال المسيح عن نفسه إن له السلطان الكامل على مغفرة الخطايا (مرقس 2: 10 ولوقا 7: 48) وفوق هذا قال أيضاً إن له السلطان في إعطاء امتياز إعلان مغفرة الخطايا إلى أتباعه (لدرجة محدودة) (متى 16: 19 ويوحنا 20: 23)

    • قال المسيح إنه القيامة والحياة (يوحنا 11: 25). وقوله هذا من باب المجاز المرسَل، أي من باب ذكر حقيقة الشيء في إحدى معلَّقاته. ومعنى القول هنا أن المسيح هو أصل القيامة، فكأنه قال: «أنا هو الذي أقيم وأنا هو الذي أُحيي». وهل يقول هذا إلا الله القادر على الإحياء والإماتة؟

    • قال المسيح إن له السلطان المطلق على إقامة الأموات (يوحنا 5: 25). فقال عن نفسه بصفته ابن الله «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ ٱلآنَ، حِينَ يَسْمَعُ ٱلأَمْوَاتُ صَوْتَ ٱبْنِ ٱللّٰهِ، وَٱلسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ» (انظر أيضاً يوحنا 5: 28، 29).

    • قال المسيح ما معناه إنه هو الشارح الرسمي لناموس موسى، فأثبت هذه الحقيقة لليهود قائلاً: «قيل للقدماء... وأما أنا فأقول لكم» ومعناه أني أنا لا أنسخ ما قاله موسى، ولكنني شارحٌ رسميٌّ لِما قاله موسى. ولكن من أين جاء ناموس موسى؟ أليس هو ناموس الله؟ ومن الشارح الرسمي لناموس الله؟ أليس هو الله؟

    • «قَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي... أَجَابَهُ ٱلْيَهُودُ... وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلٰهاً» (يوحنا 10: 32-38) «فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى ٱلآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هٰذَا كَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ ٱلسَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ ٱللّٰهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِٱللّٰهِ» (يوحنا 5: 17، 18). ومن كلام المسيح هذا نرى أن الأشرار قاوموه لأنه جعل نفسه إلهاً، معادلاً نفسه بالله. وهذا يؤكد أن المسيح صرح بأنه إله، ولولا هذا التصريح ما قاوموه. ويؤكد أيضاً أنهم فهموا قصده حق الفهم.

    • راجعوا ما قاله يوحنا 17 وعلى الأخص آية 5: «وَٱلآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ». ومن المهم أن نتذكر دائماً أن المرء يصدق في أقواله عند حلول الأجل. وها هو المسيح قد قال لنا في خطابه الوداعيّ إنه كان مع الآب قبل كون العالم. مصرحاً بأزليته.

  2. آيات إيجابية من نصوص الكتاب المقدس:

    شهادة بولس الرسول: «وَتَعَيَّنَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ بِقُّوَةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ ٱلْقَدَاسَةِ، بِٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ: يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رومية 1: 4، 9: 5) «ٱلْمَسِيحُ ... ٱلْكَائِنُ عَلَى ٱلْكُلِّ إِلٰهاً مُبَارَكاً إِلَى ٱلأَبَدِ».

    شهادة لوقا البشير: «وَحِينَ قَالَ هٰذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ»(لوقا 24: 40) ليصدّقوا أنه قام من الأموات بقدرة نفسه.

    شهادة مرقس البشير: «أَخِيراً ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا ٱلَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ» (مرقس 16: 14).

    شهادة متى في إنجيله عن حوادث القيامة (متى 28: 1-10).

    شهادة يوحنا في إنجيله أن توما اعترف بعد الاقتناع أن المسيح ربه وإلهه (يوحنا 20: 19-29).

  3. النبوات العجيبة - ومنها:

    (ميخا 5: 2) «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي ٱلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ٱلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ ٱلأَزَلِ». فهو يقول إن المولود سيُولد في بيت لحم، ولكنه في الوقت نفسه يقول إن مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل. فطبيعة المولود مزدوجة، لأنه بينما هو مولود في بيت لحم نرى في نفس الوقت أنه أزلي بلا بداية.

    (إشعياء 9: 6) «لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ٱبْناً، وَتَكُونُ ٱلرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ ٱلسَّلامِ». فبينما هو ولد ومولود وابن، نرى في ذات الوقت أنه إله قدير وأب أبدي. فمن هو مزدوَج الطبيعة إلى هذه الدرجة البديعة، إلا المسيح ربّ النعمة والشريعة ؟

    (مزمور 72: 5) «يَخْشُونَكَ مَا دَامَتِ ٱلشَّمْسُ وَقُدَّامَ ٱلْقَمَرِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ». فمن هو الملك المذكور في العدد الأول؟ ومن أعطي سلطاناً أن يُهاب ما دامت الشمس، إلا المسيح؟

  4. قبول المسيح شهادة الآخرين وامتداحه لمقدِّميها ومنها:

    (يوحنا 16: 30) «اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ. لِهٰذَا نُؤْمِنُ أَنَّكَ مِنَ ٱللّٰهِ خَرَجْتَ». فهذه هي شهادة التلاميذ أن المسيح عالم بكل شيء حتى خفايا القلوب، وأنه من الله خرج. وهذه الصفات لا تُطلق إلا على الله الحكيم العليم.

    (يوحنا 20: 28) «أَجَابَ تُومَا: رَبِّي وَإِلٰهِي». هل المسيح انتهر توما أو وبَّخه حينما قال له: أنت ربي وإلهي؟ حاشا! بل أقرَّه على هذا الاعتراف بقوله: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ». لاحظوا أيضاً ما قاله الملاك الذي انتهر يوحنا ومنعه من السجود له (رؤيا 22: 9). فالملائكة لم يمكنهم أن يقبلوا السجود لأنفسهم، وكذلك بطرس الرسول لم يقبل سجود كرنيليوس (أعمال 10: 25، 26). ولكن المسيح قَبِل سجود الأعمى الذي شُفي كما هو مذكور في (يوحنا 9: 38). كما قَبِل نسبة الألوهية والربوبية إلى نفسه هنا، لأنه هو الذي أكّد القول «للرب إلهك تسجد».

    (متى 16: 16) «فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَي». وهذا هو جواب بطرس على سؤال المسيح.

  5. تبادل الاشتراك في الصفات الإلهية:

    نُسبت الصفات الإلهية تارة إلى الآب وطوراً إلى الابن، فلا مناص من النتيجة القاطعة أن يسوع هو الله، وهذا يظهر واضحاً من مراجعة إشعياء 6: 5، 9، 10 بالمقابلة مع يوحنا 12: 41 .

    (رؤيا 22: 3، 4) «وَعَرْشُ ٱللّٰهِ وَٱلْحَمَلِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَٱسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ». وجه من هذا؟ وجه الله . ولكن انظر الشهادة الآتية:

    (2كورنثوس 3: 18 مع 4: 6) «وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ - هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللّٰهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» فاذاً وجه الله هو وجه يسوع المسيح، وعلى هذا فيسوع المسيح هو الله.

    (رؤيا 1: 8) «أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».

    (رؤيا 22: 13، 16) «أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَّوَلُ وَٱلآخِرُ... أَنَا يَسُوعُ، أَرْسَلْتُ مَلاكِي لأَشْهَدَ لَكُمْ بِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ عَنِ ٱلْكَنَائِسِ». فيسوع هو الألف والياء. ويسوع هو البداية والنهاية. ويسوع هو الأول والآخِر، وهو يهوه إله إسرائيل كما هو مذكور في إشعياء 44: 6 . فاذا قابلتم إشعياء 43: 25 مع متى 9: 2 يتأكد لديكم أن يسوع المسيح هو يهوه القائل: «أَنَا أَنَا هُوَ ٱلْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لا أَذْكُرُهَا». وأنه هو ذات يسوع المسيح الذي قال للمفلوج في كفرناحوم: «ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». فهو يسوع المسيح، وهو يهوه، وهو الله.

    (إشعياء 62: 5 مع مرقس 2: 18، 19) «لأَنَّهُ كَمَا يَتَزَّوَجُ ٱلشَّابُّ عَذْرَاءَ يَتَزَّوَجُكِ بَنُوكِ. وَكَفَرَحِ ٱلْعَرِيسِ بِٱلْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلَهُكِ - فَجَاءُوا وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا يَصُومُ تَلامِيذُ يُوحَنَّا وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ، وَأَمَّا تَلامِيذُكَ فَلا يَصُومُونَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو ٱلْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا». فمن هو العريس إذاً؟ أليس هو يسوع المسيح دون سواه؟ (انظر يوحنا 3: 29)

    خلاصة ما تقدم - إنه لا يوجد حلٌ للغز شخصية المسيح المزدوجة إلا الحل المعلَن المقبول في جميع الكنائس في كل العالم، وهو أن المسيح إنسان تام وإله تام في آنٍ واحد. وتوجد أدلة غير التي ذكرناها هنا، منها:

    حينما ركب المسيح السفينة على بحر الجليل مع تلاميذه أظهر طبيعتيه الكاملتين (أي ناسوته ولاهوته) وذلك أنه بينما كان نائماً في السفينة هاجت الرياح واضطربت الأمواج، فقام من النوم وأمرها بالسكوت، فسكتت فصار هدوء عظيم (متى 8: 24-27). فهو بنومه أعلن ناسوته، وبتسكينه الأمواج والرياح بأمره أظهر لاهوته.

    ناسوته لاهوته
    تعب ونام... وبَّخ الرياح فأطاعته
    جاع... عمل معجزة الأرغفة (لغيره)
    قتلوه... قام من القبر
    وأقواله أيضاً
    «ابن الإنسان... عن يمين الله»
    «ينتظرون ابن الإنسان... آتياً في سحب السماء»
    «إن لابن الإنسان... سلطاناً على غفران الخطايا»

4 - قصد الله من الخليقة والعناية والفداء

غاية الله من كل أعماله هي مجد ذاته، بأن يُظهِر كمالاته الإلهية للكائنات العاقلة. لذلك خلق الناس وحفظهم بعنايته وافتداهم بموت ابنه، وصنع لهم الخير والإحسان، وأنعم عليهم ببركات لا تُحصى. وهو يعمل لأجل هذه الغاية بحكمة فائقة وأناة ومحبة وقدرة غير محدودة في السماء وعلى الأرض في عناصر الطبيعة وسياسة الخَلْق. قال داود النبي: «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ» (مزمور 19: 1). وكل ما يجري في الكون يمجد الله، حتى أن مرض لعازر الذي أحبه يسوع مجَّد الله (يوحنا 11: 4)، وعمى الرجل الذي قيل عنه إنه وُلد أعمى كان ليُظهر عمل الله فيه (يوحنا 9: 3). وقيل إن الميراث الذي يناله المسيحيون هو «لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ ٱلَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي ٱلْمَحْبُوبِ» (أفسس 1: 6، 12).

وكما أن مجد الله هو غايته كذلك يجب علينا أن نجعله غايتنا نحن أيضاً «فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئاً، فَٱفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ» (1كورنثوس 10: 31).

واقتضت مسرة الله لإظهار مجد قدرته وحكمته وجودته أن يخلق السماء والأرض وسائر الأشياء. وحينما خلقها لم تكن على هذه الحالة السيئة التي صارت إليها في ما بعد، بل كانت حسنة، وكان الإنسان صالحاً «بِٱلإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ ٱلْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَّوَنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ»(عبرانيين 11: 3). ومعنى ذلك أنها خُلِقت من العدم «أُمُورُهُ غَيْرُ ٱلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِٱلْمَصْنُوعَاتِ» (رومية 1: 20).

وعدا عن ذلك يحفظ الله خلائقه ويدير حركات أعمالهم جميعاً من الكبير إلى الصغير والعظيم إلى الحقير، حتى أن عصفوراً واحداً لا يسقط إلى الأرض إلا بإذنه، وإن عنايته الإلهية تحوّل كل الأشياء إلى خير شعبه كما قيل: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللّٰهَ، ٱلَّذِينَ هُمْ مَدْعُّوُونَ حَسَبَ قَصْدِهِ» (رومية 8: 28). ومع أن الله يدير حركات الأعمال جميعاً، يجب الاحتراس من أن ننسب إليه الشرور الواقعة في العالم، لأنه مكتوب: «لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ، لأَنَّ ٱللّٰهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِٱلشُّرُورِ وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَداً (بالشرور)» (يعقوب 1: 13). حتى أن صَلْب المسيح الذي قيل عنه إنه حصل بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، لم يكن إلا بواسطة تلك الأيدي الأثيمة (أعمال 2: 23، 4: 27، 28). وقضت مسرَّة الله لإظهار غنى رحمته أن يصنع بواسطة المسيح خلاصاً لبني البشر ويخلِّص الذين اختارهم من قبل تأسيس العالم. وعلى ذلك قوله: «لِكَيْ يُعَرَّفَ ٱلآنَ عِنْدَ ٱلرُّؤَسَاءِ وَٱلسَّلاطِينِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ ٱلْكَنِيسَةِ بِحِكْمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمُتَنَّوِعَةِ، حَسَبَ قَصْدِ ٱلدُّهُورِ ٱلَّذِي صَنَعَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (أفسس 3: 10، 11).

وعلى هذا فالشرور الواقعة على الناس أصلها من الناس، وإن كان وقوع كل شيء في العالم بسماح من الله لتأخذ العدالة الإلهية مجراها المرسوم، كما هو ظاهر من قول الروح القدس بفم بولس الرسول: «لأَنَّ غَضَبَ ٱللّٰهِ مُعْلَنٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ ٱلنَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، ٱلَّذِينَ يَحْجِزُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ ٱللّٰهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ ٱللّٰهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ ٱلْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ ٱلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِٱلْمَصْنُوعَاتِ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلا عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا ٱللّٰهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلٰهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ ٱلْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي لا يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَفْنَى، وَٱلطُّيُورِ، وَٱلدَّوَابِّ، وَٱلّزَحَّافَاتِ. لِذٰلِكَ أَسْلَمَهُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى ٱلنَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. ٱلَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ ٱللّٰهِ أَنَّ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هٰذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ ٱلْمَوْتَ، لا يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً يُسَرُّونَ بِٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ»(رومية 1: 18-24 و32).

5 - تجسُّد المسيح وإتمام الفداء

شرحنا في كلامنا عن الثالوث الأقدس ما المقصود بلفظ ابن الله، أو الابن، الذي تجسَّد في الزمن المحدّد كما يقول الإنجيل: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً» (يوحنا 1: 14).

س: هل تعرفون آية تثبت أن الله تجسد؟

ج: نعم: «وَبِٱلإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي ٱلرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلائِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ ٱلأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي ٱلْعَالَمِ، رُفِعَ فِي ٱلْمَجْدِ» (1تيموثاوس 3: 16). والاسم البشري الذي سُمي به «الكلمة» بعد التجسد هو «يسوع» ولقبه «المسيح». ولهذا نؤمن أن الإنسان المولود في ملء الزمان المدعو يسوع المسيح هو الله الأزلي، وقد صار إنساناً باتخاذه لنفسه جسداً ذا نفس ناطقة، إذ حُبل به بقوة الروح القدس في مريم العذراء ووُلد منها بدون خطية. وعلى هذه الكيفية صار إنساناً وإلهاً بطبيعتين ممتازتين، ولكنه شخص واحد. ويبقى هكذا إلى الأبد. وهو إله لأنه الكلمة الأزلي، أو الأقنوم الثاني من اللاهوت. وهو أيضاً إنسان لأنه اتخذ لنفسه جسداً كأجسادنا في كل الخواص ما عدا الخطية، وعلى هذا يكون المسيح الإنسان الوحيد الذي عاش في العالم بدون خطية.

«والكلمة صار جسداً» ليس باستحالة الأقنوم الإلهي إلى جسد، بل باتخاذه لنفسه ناسوتاً كاملاً واتحاده به. وإذا سُئلنا لزيادة الإيضاح: ما العلاقة بين الإنسان يسوع المسيح وبين الله؟ نجيب: إن الضمير «أنا» ليسوع المسيح والضمير «أنا» لأقنوم الكلمة هما واحد، والضمير «أنا» حينما يُسنده يسوعُ إلى نفسه هو عين الضمير «أنا» الذي يسنده إلى نفسه أقنوم الكلمة. وهذا ما قصده الكتاب حينما قال: «الكلمة صار جسداً» أي صار الإنسان يسوع المسيح.

س: ماذا كانت غاية الله في إجراء هذا السر الفائق وتنازله التنازل العجيب؟

ج:

  1. ليعلن لنا صفاته وطبيعته إعلاناً إيجابياً كلياً ونهائياً. «الله لم يره أحد قط» ولكن ذلك الابن الوحيد الذي في حضن الآب منذ الأزل، وعرف كل صفاته واختبر طبيعته، أعلن الله لنا لأنه الكلمة. ولما تجسَّد وعاش بين الناس عيشةً كليّة الصلاح حملهم أن يفهموا بطريقة حسِّية صلاح الله وكماله، وكيف يكون الإنسان صالحاً كالله. لهذا نرى مجد الله الحقيقي في وجه يسوع، أي في صفاته وحياته اليومية فإنه «بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ» (عبرانيين 1: 3).

    فالمسيح إذاً هو الإعلان النهائي المعطَى من الله لتعليم البشر عن صفات الله، الذي لا يقدر أحد أن يزيد عليه إلا وينقصه، ولا يصلحه إلا ويتلفه. ذلك لأن «يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ» (عبرانيين 13: 8).

  2. لإظهار محبة الله الفائقة للجنس البشري، لأنه بواسطة تجسّده قدّمه الله ذبيحةً كافية للتكفير عن خطاياهم، لأن يسوع إذ كان كلي القداسة وإلهاً، كما هو إنسان، أصبحت ذبيحته عظيمة القيمة بحيث تكفر عن خطايا الجميع. وهاك بعض الشهادات الكتابية:

    «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا»(إشعياء 53: 5).

    وشهد يوحنا المعمدان: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 1: 29).

    وقال بولس: «فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي ٱلأَّوَلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ ٱلْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ ٱلْكُتُبِ» (1كورنثوس 15: 3).

    وقال يوحنا الرسول: «وَهُوَ (يسوع) كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (1يوحنا 2: 2).

    وقال يسوع نفسه: «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ»(يوحنا 3: 14، 15).

    وعليه تكون ذبيحة المسيح أعظم مظهر لمحبة الله، وعلى ذلك قوله: «هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» وقوله «وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا». ولا ننسى أن الله هو الذي أجرى في المسيح عمل الفداء «ٱللّٰهَ كَانَ فِي ٱلْمَسِيحِ مُصَالِحاً ٱلْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ» (يوحنا 3: 16 ورومية 5: 8 و2كورنثوس 5: 19).

    الله في ملء ثالوثه أبرز للعالم سرَّ محبته الفائقة فدبَّر طريق الخلاص بصفته أقنوم الآب، وأنجزه في الوقت المعين بصفته أقنوم الكلمة، وخصصه لقلوب البشر بصفته أقنوم الروح، كما يدل ذلك قوله عن المؤمنين: «ٱلْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ ٱلسَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (1بطرس 1: 2).

    بذبيحة المسيح وضحت قدرة الله على تبرير الأثيم ورَفْع الخطايا عنه، فإنه قد أعدَّ وسيطاً لبَذْل نفسه بسَفْك دمه لأجل التكفير عن خطايانا، لأنه «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ»(عبرانيين 9: 22). لقد أحبَّنا الله محبة عظيمة ونحن بَعْد خطاة. أحبَّنا فاحتمل الأحزان الناتجة عن خطايا الخاطىء، فأصبحت المصالحة بين الله وبين الناس ممكنة، وأمكن حصولنا على غفران كامل. فيسوع بموته أظهر قداسته (عدله) ووفاها حقها على التمام، كما أنه أظهر محبته (رحمته) وأنفذ مفعولها. فبواسطته اتَّفقت القداسة مع الرحمة وزالت من بينهما أسباب الخلاف، لأنه الله محب لكونه قدوساً، كما أنه قدوسٌ لكونه محباً. فمن المستحيل أن يُظهر إحدى الصفتين بدون أن يُظهر الأخرى أيضاً في آنٍ واحد. اذاً نرى كما قال الكتاب: «وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ (أي المسيح) ٱلْخَلاصُ. لأَنْ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أعمال 4: 12).

6 - الروح القدس وعمله

س: هل يوجد دليل على الأقنوم الثالث؟

ج: أقنومية الروح القدس ظاهرة من كلمة الله:

  1. «وَلَكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَّوَلَ لَهُمْ عَدُّواً، وَهُوَ حَارَبَهُمْ» (إشعياء 63: 10). ويقول الرسول بولس: «وَلا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللّٰهِ ٱلْقُدُّوسَ»(أفسس 4: 30). ومن المعلوم أنه إذا كان روح الله قوة أو صفة أو شيئاً من الأشياء غير العاقلة، لا يمكن أن يحزن أو يفرح. فلا بد إذاً أن يكون أقنوماً. (شخصاً وليس قوة أو تأثيراً).

  2. قال الروح القدس للرسل: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ ٱلَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ» (أعمال 13: 2). والقول والعمل لا يُعزَيان إلى قوة أو تأثير.

س: ما هو الدليل على لاهوت الروح القدس؟

ج: هذا الدليل ظاهر من كلمة الله، فكل ما قيل في العهد القديم عن الله قيل عن روحه، فتارة يُقال فعل الله كذا وتارة يُقال فعله روحه. كما ينوب أحدهما عن الآخر في الكلام. فالذي قاله الله في العهد القديم يُنسب في العهد الجديد للروح القدس. كما ورد فيه أن المؤمنين هياكل الله لأن روح الله ساكن فيهم، وقيل: «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ ٱللّٰهِ، وَرُوحُ ٱللّٰهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟» «ٱلَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيُّونَ مَعاً، مَسْكَناً لِلّٰهِ فِي ٱلرُّوحِ» (1كورنثوس 3: 16 وأفسس 2: 22). وقيل عن حنانيا إنه كذب على الله لأنه كذب على الروح القدس (أعمال 5: 3، 4). وقال المسيح: «كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ» (متى 12: 31). فالخطية الوحيدة التي لا يمكن غفرانها هي التي تُرتكب ضد الروح. فلا يصح هذا لو لم يكن الروح هو الله، فحضور روح الله وحضور الله سيان. وقال داود النبي: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟» (مزمور 139: 7). فالروح إذاً حاضر في كل مكان، فهو الله. وورد أنه يعلم كل شيء حتى سرائر الله الخفية (1كورنثوس 2: 10، 11) فيكون علمه علم الله. وقيل عن أعمال الله إنها أعمال الروح، فالروح هو الذي خلق العالم، وهو الذي يجدد النفوس، والمولود منه مولود من الله، ويحيي أجسادنا المائتة (رومية 8: 11) وهو على كل شيء قدير.

س: ما هو عمل الروح القدس في الفداء؟

ج: الروح هو العامل في تجديد النفوس المختارة وتوبتها كما نرى في قوله: «وَلٰكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللّٰهِ وَإِحْسَانُهُ - لا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغَسْلِ ٱلْمِيلادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (تيطس 3: 4، 5) ثم إن نعمة الإيمان التي يُنعم بها الله على المختارين لأجل الخلاص هي من عمل الروح الذي يعمله داخل قلوبهم، وهو الذي يقدس حياتهم حتى يموتوا بالتدريج عن الخطية ويحيوا للبر، وعلى ذلك قوله: «أَنَّ ٱللّٰهَ ٱخْتَارَكُمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ لِلْخَلاصِ، بِتَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ وَتَصْدِيقِ ٱلْحَقِّ» (2تسالونيكي 2: 13).

والروح هو العامل في تبليغ الحق إلى القلوب وتبكيت العالم على الخطية (يوحنا 16: 8، 9). ويعلن له المسيح (كولوسي 2: 2). ويمدّ المؤمنين بالقوة (أفسس 3: 16). ويشهد لهم بأنهم أولاد الله (رومية 8: 16). ويرشدهم ويقودهم في العمل (رومية 8: 14). وينشىء فيهم الصفات الصالحة كالمحبة والفرح والسلام التي تُدعى ثمر الروح (غلاطية 5: 22). كما لا يمكن أن نفهم كلمة الله فهماً صحيحاً إلا بإرشاد الروح (1كورنثوس 2: 12، 14). وهو يعلمنا كيف نصلي كما ينبغي، ويشجّعنا على الشهادة للمسيح ويجعل لشهادتنا نفوذاً وقوة. والآلة التي يعمل بواسطتها الروح هي كلمة الله.

ودُعي «الروح القدس» لأن القداسة طبيعته، وينشئها في المؤمنين. ولكثرة أنواع أعماله الصالحة التي يُجريها في المؤمنين يجدر بهم أن يتوكلوا عليه في تحصيل الحياة الروحية والاحتفاظ بها بعد نوالها. فمبارك الله الذي أكد لنا أنه مستعد أن يمنحنا الروح القدس حينما نطلبه بالصلاة، كما يدل على ذلك قوله: «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلآبُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يُعْطِي ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ» (لوقا 11: 13).

7 - حالتا الإنسان الأصلية والساقطة

«وَجَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ ٱلأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً» (تكوين 2: 7)، وخلقه على صورته كشَبَهه في السلطان والمعرفة والبر والقداسة (تكوين 1: 26، 27)، وأنعم عليه بحرية العمل، وسلَّطه على سائر المخلوقات. ولما خرج حديثاً من بين يدي خالقه كان صالحاً ومنزَّهاً عن كل شائبة. ولكن يا للأسف! لم يثبت على صلاحه، فإنه لما تُرك لحرية إرادته عصى أمر ربه بغواية إبليس وسقط من طبيعة الصلاح التي خُلق عليها، وأصبح ذا طبيعة أثيمة ورثتها عنه ذريته بالتناسل، ولم يبق أحد من بني آدم طاهراً من الخطية إلا المسيح الذي لم يتناسل منه تناسلاً طبيعياً.

وليست الخطية بالأمر الهيّن، لأنها تعدٍّ على شريعة الله، وفسادٌ في الأخلاق والآداب، سواء كان في القلب أو في السلوك، الأمر الذي يوقع التباين العظيم بين صفات الله وصفات الإنسان الذي خُلق على صورته. والخطية هي أن يعطي الإنسانُ لنفسه المقامَ الذي كان ينبغي أن يُعطى لله، فيكرم المخلوق أكثر من الخالق (رومية 1: 25). الخطية هي تفضيل محبة الذات فوق محبة الله، وتضحية كل الواجبات من أجلها، وهي مقاومة أوامر الله ونواهيه.

ينبغي أن نطيع الله لأن أوامره مقدسة على وفق طبيعته «إِذاً ٱلنَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَٱلْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ» (رومية 7: 12). وعدا ذلك فإن كل وصاياه موضوعة لخير خلائقه وصالحهم الدنيوي والأخروي، حباً وتحنُّناً عليهم. وعلى ذلك قوله: «يَا لَيْتَ قَلْبَهُمْ كَانَ هٰكَذَا فِيهِمْ حَتَّى يَتَّقُونِي وَيَحْفَظُوا جَمِيعَ وَصَايَايَ كُلَّ ٱلأَيَّامِ، لِيَكُونَ لَهُمْ وَلأَوْلادِهِمْ خَيْرٌ إِلَى ٱلأَبَدِ» (تثنية 5: 29). وبالنظر إلى ذلك تكون الخطية تمرّداً من الناس على أعمال الحب والشفقة الإلهية وجحوداً لنعمته، كما أنها تباين عظيم بين طبيعة الإنسان وطبيعة الله المقدسة، فهي لذلك تفرّق بين الإنسان وخالقه وتبعده عن رضاه، وتُوقِعه تحت غضبه المخيف، كما رأينا من نتائج الخطية الأولى حينما اجتهد آدم وحواء أن يتواريا تحت الأشجار عن عين الله الذي لا يزال يدعوهم بمحبته ورحمته.

الخطية هي عصيانٌ على الله غير المحدود في برّه ومحبته، وحيث أن الله قدوس وقادر على كل شيء، فلا بد أن يعاقب عليها عقاباً صارماً، لأنه لا يجوز أن تقع في دائرة سلطانه. لقد صدق الكتاب حيث يقول: «أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ» (رومية 6: 23). موت جسدي وروحي، وهي تشتمل على الجرم والنجاسة معاً. أما الجرم فبالنظر إلى علاقة الخطية بعدالة الله، وأما النجاسة فبالنظر إلى علاقتها بقداسته. فكل من يرتكبها يكون مجرماً ونجساً، ويقع تحت غضب الله لأنه يكره الشر ويمقته.

وفوق ذلك توقع الخطية فاعلها تحت نير عبوديتها كما هو مكتوب: «لأِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ ٱلْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ» وتوقعه تحت نير الشيطان (يوحنا 8: 34). وكل الناس خطاة بالقول والفعل (رومية 3: 10، 23)، وسائرون في طريق الهلاك ما لم يقبلوا الخلاص المقدَّم لهم من رحمة الله، مِنَّةً عليهم ورأفةً بحالهم بواسطة يسوع المسيح.

فهل شعرت أيها القارىء بثقل الخطية على ضميرك ووجدانك؟ هل اشتقت إلى الخلاص من جُرمها ونجاستها؟ أمَا تأوَّهت من ثقل نيرها وشدة بأسها؟ فشكراً لله لأنه يوجد طريق للخلاص، من سار فيه يخلص ولو كان أشقى الناس حالاً.

لما قال المسيح لتلاميذه إنهم يعلمون الطريق إلى نعمة الخلاص، سأله توما: «يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ ٱلطَّرِيقَ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ٱلآبِ إِلَّا بِي. لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. وَمِنَ ٱلآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ» (يوحنا 14: 4-7). وها الطريق أمامك، والمسيح الذي هو الطريق يدعوك بقلب مشتاق، فَلَبِّ دعوته لتفوز برضاه.

حالات الإنسان الثلاث

1 - قبل السقوط: براءة لا عقوبة حياة
2 - بعد السقوط: خطية عقوبة موت
3 - امتياز الخلاص: فداء خلاص حياة

8 - طريق الخلاص

الخلاص في أوله هو منْحُ حياةٍ جديدة للأموات بالذنوب والخطايا (أفسس 2: 1، 5). وضرورة الحصول على هذه الحياة واضحة في ما قاله لنيقوديموس: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ لا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ» (يوحنا 3: 3، 5). وكما أن الميت لا يقدر أن يهب الحياة لنفسه، هكذا لا يمكن للناس أن ينالوا الخلاص بأعمالهم ولكنه يُمنَح لهم بنعمة الله وقدرته الفائقة. فالإنسان ميت في ذنوبه وخطاياه. والميت لا يشعر. وهكذا الخاطىء لا يشعر بحاجته للغفران. لا بد أن الله في محبته ونعمته يبكّت الخاطىء على خطيته، ويقيمه من موتها إلى حياة جديدة. وما أجمل القول: «لأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ ٱللّٰهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا»(رومية 6: 23).

9 - سر المعمودية والعشاء الرباني

المراد بالأسرار فرائض مقدسة وضعها المسيح يُشار فيها بالأشياء المنظورة إلى بركات روحية. مقدَّمة للمؤمنين الذين يستعملون هذه الفرائض باستحقاق. وقد فرضهما المسيح في محبته لنا، وأمر الكنيسة بممارستهما، هما المعمودية والعشاء الرباني (متى 28: 19 ولوقا 22: 19 و1كورنثوس 11: 24).

  1. المعمودية: وهي فريضة مقدسة يُشار فيها بالغسل بالماء باسم الآب والابن والروح القدس إلى تطهير النفس من أدران الخطية بدم يسوع المسيح، وإلى موت المؤمن مع المسيح، إذ يُدفن معه في المعمودية للموت. وهي ختم عهد النعمة كما كان الختان في الشريعة الموسوية.

    والمعمودية تدل على اعتراف الذي يقبلها علناً بإيمانه وطاعته للآب والابن والروح القدس كإلهه ومعبوده الوحيد. وينالها من اعترف بإيمانه جهاراً أمام الله وكنيسته.

  2. العشاء الرباني: وهو فريضة رسمها المسيح في الليلة التي أُسلم فيها، ويُستعمل في هذه الفريضة قليلٌ من الخبز والخمر، فيأخذ كلّ مؤمنٍ لقمةً من الخبز وقليلاً من الخمر على المثال الذي رسمه المسيح تذكاراً لموته. وقال المسيح عن الخبز «هذا هو جسدي» وقال عن الكأس «هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا». فالمؤمنون الذين يشتركون في هذا العشاء يقبلون المسيح بالإيمان كالخبز الذي نزل من السماء، والذي جاء عنه أن كل من يأكل منه لا يجوع. ولكنهم لا يقبلونه طعاماً جسدياً، بل طعاماً روحياً لحياة روحية، لأجل النمو في النعمة والإيمان. وإن كان المشْتَرِك في العشاء الرباني غير حاصل على الحياة الروحية فلا يفيده الاشتراك أقل فائدة، بل يضره ضرراً بليغاً (1كورنثوس 10: 16، 17).

    وجاء في الكتاب المقدس أنه لا يجوز لأحد أن يشترك في عشاء الرب ما لم يمتحن نفسه ويميّز جسد الرب ودمه المسفوك لأجل خطاياه، ويعلم الغرض الذي يشترك لأجله، والفوائد التي تعود إليه من ذلك. وإلا فلا يجوز. وإن اشترك بدون استحقاق يأكل دينونة لنفسه ويكون مجرماً في جسد الرب ودمه (1كورنثوس 11: 27 و29). ويشير العشاء الرباني أيضاً إلى مجيء المسيح ثانية، كما يشير إلى موته، فيكون تذكاراً للماضي وعربوناً للمستقبل (1كورنثوس 11: 26).

10 - خلود النفس وقيامة الجسد

نعتقد أن النفس خالدة، وأن الموت ليس نهاية الإنسان، وإنما يرجع الجسد إلى التراب الذي جُبل منه، وترجع الروح إلى الله الذي منحها (جامعة 12: 7). ويعلّمنا المسيح أن للأشرار والأبرار عقاباً وثواباً أبديين، وذلك يدل على وجود أبدية لا نهاية لها.

ثم نعتقد أن الأموات سيقومون. وأثبت المسيح قيامة الأموات بقيامته هو من الموت في اليوم الثالث، إتماماً لنبوّته عن نفسه. وأُعلنت القيامة لأهل العهد القديم، وعلى ذلك قوله: «وَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ ٱلأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هَؤُلاءِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ وَهَؤُلاءِ إِلَى ٱلْعَارِ لِلازْدِرَاءِ ٱلأَبَدِيِّ» (دانيال 12: 2). وقال المسيح: «فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يوحنا 5: 28، 29). ولو أن الأجساد تُدفن، ولكنها تقوم على شكل جديد، كما أن النبت ينبت على شكل جديد مختلف عن بذره (1كورنثوس 15: 42-44). ومتى قامت الأموات «لا يُزَّوِجُونَ وَلا يَتَزَّوَجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلائِكَةِ ٱللّٰهِ فِي ٱلسَّمَاءِ» (متى 22: 30). ويقول الرسول عن قيامة الجسد: «يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضُعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُّوَةٍ. يُزْرَعُ جِسْماً حَيَوَانِيّاً وَيُقَامُ جِسْماً رُوحَانِيّاً»(1كورنثوس 15: 42-44)، ونعلم أن المسيح متى جاء سيغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة مجده (فيلبي 3: 21).

11 - الدينونة والحكم النهائي

قد «أَقَامَ (الله) يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ ٱلْمَسْكُونَةَ بِٱلْعَدْلِ»بيسوع المسيح «لأَنَّ ٱلآبَ لا يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ»، «وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً، لأَنَّهُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ»، «لأَنَّهُ لا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعاً نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ ٱلْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِٱلْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْراً كَانَ أَمْ شَرّاً» (أعمال 17: 31 ويوحنا 5: 22، 27 و2كورنثوس 5: 10). وهذه الدينونة تكون على الأعمال كما هي على الأقوال، لأنه قيل: «مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ»، «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلامِكَ تُدَانُ» (متى 12: 34 و36، 37). وقيل: «لأَنَّ ٱللّٰهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَلٍ إِلَى ٱلدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْراً أَوْ شَرّاً» (جامعة 12: 14).

فالذين تبعوا سيدهم وخدموه بأمانة يُجْزَون جزاءً حسناً ويمضون إلى حياة أبدية بفرح وسرور مستديم، والذين لم يعرفوا الله ولا أطاعوا إنجيل ابنه يسوع المسيح يُعاقَبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته (2تسالونيكي 1: 8، 9). فذِكْر هذه الدينونة الرهيبة والتحقُّق من صحتها يحذّران الخطاة من الخطية، ويعزّيان الأبرار في كل ضيقاتهم واضطهاداتهم.

أما يوم الدينونة فغير معلوم لأحد. فلنحذر من الإهمال وعدم الاكتراث، ولنكن دائماً على أهبة الاستعداد لملاقاة ربنا وديّاننا في أي وقت يدعونا فيه.

فإذا علمت ذلك فاعلم أن سعادتنا في الدار الأخرى متوقّفة على كيفية تصرّفنا في الحياة الحاضرة. فلنقدِّر الحياة الحاضرة حقَّ قدرها، ولنصرفها في جليل الأعمال والخِدم، راسخين بالإيمان بالمسيح. ولننتظر بغير خوف ولا ارتياب اليوم الذي فيه نظهر أمام كرسي المسيح.

12 - الكنيسة المسيحية والخدام