مجيء المسيح ثانية وسوابقه التاريخية |
- مقدمة
- 1 - ما هو تعليم الكتاب المقدس في مجيء المسيح ثانية؟
- 2 - ماذا يقول الكتاب المقدس بخصوص انتشار الإنجيل في العالم قبل مجيء المسيح ثانية؟
- 3 - ما هي نبوّات الكتاب المقدس بخصوص رجوع اليهود للمسيح قبل مجيء المسيح ثانية؟
- 4 - ما هي التفسيرات الرئيسية لهذه النبوّات؟
- 5 - ما هو الرأي الأصح في هذه التفاسير الثلاثة؟
- 6 - ما هي براهين أصحاب «التفسير الحرفي» للنبوّات عن مستقبل الأمة اليهودية؟
- 7 - ما هو الارتداد العظيم الذي يسبق مجيء المسيح ثانية؟
- 8 - ما المقصود بدخول الكنيسة في عصر سعيد هو الألف السنة؟
- 9 - ما هو المقصود بحل الشيطان مدة وجيزة؟
- 10 - ما هي الحوادث التي تصاحب مجيء المسيح ثانية؟
- 11 - ما هو الاعتقاد الذي تتفق عليه كل الكنائس في مجيء المسيح ثانية؟
- 12 - ما هو رأي من يقولون بمجيء المسيح ثانية قبل الألف السنة؟
- 13 - ما هي الردود على من يقولون بمجيء المسيح ثانية قبل الألف سنة؟
- 14 - كيف نبرهن أنّ المسيح لا يملك على الأرض؟
- 15 - ما هي الأمور التي تناقض من يقولون بمجيء المسيح ثانية قبل الألف السنة؟
- 16 - ما هي أخطاء من يقولون بمجيء المسيح ثانية قبل الألف السنة بخصوص رجوع اليهود إلى فلسطين، وإعادة النظام اليهودي؟
- 17 - يستند أصحاب رأي مجيء المسيح ثانية قبل الألف السنة على آيات من نبوة دانيال. اشرح رأيهم. وما هو الرد عليه؟
- 18 - ما هو التفسير الصحيح لأصحاحي 2 و7 من نبوّة دانيال؟
- 19 - قامت اعتراضات على أنّ الحيوان الرابع يشير إلى مملكة سوريا اليونانية. ما هي أشهرها، وما هو الرد عليها؟
- 20 - ما هي براهين أصحاب رأي أنّ الحيوان الرابع هو مملكة روما الوثنية، وما هي الردود على ذلك؟
- 21 - لماذا نرفض الرأي الروماني في تفسير كلام دانيال عن الحيوان الرابع وعن القرن الصغير؟
- 22 - كيف نبرهن خطأ رأي من يقولون إنّ اليوم مستعار (في بعض النبوات) لسنة؟
- 23 - نرجو المزيد من الإيضاح عن مدّة من الزمان في دانيال 7: 25 و12: 7.
- 24 - ما هو المقصود من قول المسيح في متّى 24: 14 ثم يأتي المنتهى؟
- 25 - ما معنى قول الرسول بطرس في أعمال الرسل 3: 21 أزمنة ردّ كل شيء؟
- 26 - اشرح معنى قول الرسول بولس في 2تسالونيكي 2: 1-8.
- 27 - ما هو التفسير الأصح لما جاء في سفر الرؤيا 20: 4-10؟
- مسابقة الكتاب
مقدمة | ||
المسيح آتٍ ثانية. هذه حقيقة لا جدال فيها. لكن السؤال الكبير هو: كيف؟ وما هي العلامة؟
ونقدّم للقارئ العربي مجموعة أسئلة في هذا الموضوع والإجابة عليها، بحسب عقيدة الكنيسة الإنجيلية، وقد استقيناها من مرجعين أساسيين، هما كتاب «القواعد السنية في تفسير الأسفار الإلهية» للقس جيمس أنِس، الذي طُبع في بيروت سنة 1880 وكتاب «نظام التعليم في علم اللاهوت القويم» للمؤلف نفسه، والصادر في بيروت سنة 1890.
وواضح للقارئ أنّ ما جاء في هذين الكتابين سابق لأحداث سنة 1948 فليس فيه تأثُرٌ بالأحداث السياسية، بل هو دراسة لاهوتية مبنيَّة على نصوص الكتاب المقدس وحده، بعهديه القديم والجديد. وتقدم الفكر المشيخي الذي بدأ في القرن السادس عشر. إنها دراسة كتابية وكفى!
وقد قمنا بتنقيح ما جاء بالكتابين بما يُسمَّى «عَصرَنة» (أي بجعله حديثاً عصرياً). راجين أن يكون هذا الكتيب مصدر تعليم صحيح لعقيدة مجيء المسيح ثانية، التي نؤمن بها جميعاً في شرقنا العربي. كما نرجو أن ينبّه الغافلين عن هذه الحقيقة الأساسية ليستعدوا لهذا المجيء الثاني للمسيح.
1 - ما هو تعليم الكتاب المقدس في مجيء المسيح ثانية؟ | ||
تعلّمنا الأسفار المقدسة أنّ المسيح سيجيء ثانية بالمجد، مجيئاً حقيقياً منظوراً. والحوادث التالية تسبق هذا المجيء:
-
ينتشر الإنجيل في كل العالم، وتصل الدعوة للأمم فينضمّون إلى الكنيسة المسيحية.
-
يرجع اليهود إلى المسيحية وينضمون إلى الكنيسة بعد شتاتهم وابتعادهم مدة طويلة.
-
يحدث ارتداد عظيم في الكنيسة ويظهر «ضد المسيح» أي «إنسان الخطية» ويُباد.
-
تدخل الكنيسة في عصر جديد (عُبّر عن طول مدته بألف سنة) فيه تمتد المسيحية إلى كل العالم وتتسلط على قلوب البشر، ويُقيّد إبليس فيستريح العالم من مكائده.
-
يُحَلّ الشيطان مدة وجيزة عند نهاية الألف السنة، فيحارب الكنيسة، ثم يأتي المسيح.
2 - ماذا يقول الكتاب المقدس بخصوص انتشار الإنجيل في العالم قبل مجيء المسيح ثانية؟ | ||
الآيات في شأن ذلك كثيرة وواضحة، منها:
-
«يَمْلِكُ (المسيح) مِنَ ٱلْبَحْرِ إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَمِنَ ٱلنَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي ٱلأَرْض. وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ ٱلْمُلُوكِ. كُلُّ ٱلأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ» (مزمور 72: 8 و11).
-
«يُبَارِكُنَا ٱللّٰهُ، وَتَخْشَاهُ كُلُّ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ» (مزمور 67: 7).
-
«وَيَكُونُ فِي آخِرِ ٱلأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ ٱلرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتاً فِي رَأْسِ ٱلْجِبَالِ وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ ٱلتِّلاَلِ وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ ٱلأُمَمِ. وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَيَقُولُونَ: هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ ٱلرَّبِّ» (إشعياء 2: 2-3).
-
«جَعَلْتُكَ نُوراً لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى ٱلأَرْضِ» (إشعياء 49: 6).
-
«لأَنَّ ٱلأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱلرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي ٱلْمِيَاهُ ٱلْبَحْرَ» (حبقوق 2: 14).
-
«فِي ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ يُسَمَّوْنَ أُورُشَلِيمَ كُرْسِيَّ ٱلرَّبِّ، وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهَا كُلُّ ٱلأُمَمِ إِلَى ٱسْمِ ٱلرَّبِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَلاَ يَذْهَبُونَ بَعْدُ وَرَاءَ عِنَادِ قَلْبِهِمِ ٱلشِّرِّيرِ» (إرميا 3: 17).
وشبّه المسيح ملكوته بخميرة تمتد وتخمّر العجين كله، وبحبة خردل نمت نمواً عظيماً.
3 - ما هي نبوّات الكتاب المقدس بخصوص رجوع اليهود للمسيح قبل مجيء المسيح ثانية؟ | ||
أشهر النبوّات ما يأتي:
-
نبوّات عن تشتُّتهم ورفضهم، مع بقائهم أمة متميّزة في كل العالم مدّة رفضهم، ومنها: (لاويين 26: 33-39 و26: 44 وتثنية 4: 27 و28: 25-68 وإشعياء 6: 9-13 و65: 11-15 وإرميا 9: 16 و24: 9 و29: 18 و30: 11 و46: 28 وحزقيال 12: 15 ودانيال 9: 27 وهوشع 3: 4 وعاموس 9: 9 ومتّى أصحاح 24 ولوقا 21: 24 ورومية 11: 25-26).
-
نبوّات عن رجوعهم وقبولهم الديانة الحقيقية، ومنها: (تثنية 30: 2-6 وإشعياء 11: 11 و12 و49: 5 و6 و56: 8 وحزقيال 20: 32-44 و36: 24-37 و37: 1-14 وهوشع 3: 5 وعاموس 9: 8 و9 وميخا 2: 12 و13 و7: 15-20 وزكريا 10: 9 و10 و12: 10 ورومية 11: 25-26 و2كورنثوس 3: 12-18).
4 - ما هي التفسيرات الرئيسية لهذه النبوّات؟ | ||
هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية:
-
رأي اليهود وهو أنّ النبوّات عن أمتهم تفيد رجوعهم من شتاتهم إلى بلادهم وامتلاكهم لها، وذلك تحت حكم المسيح، فيجدّدون هيكلهم وديانتهم على صورتها السابقة، ويرتفع شأنها إلى أعلى درجة بين شعوب الأرض.
-
رأي أصحاب التفسير الحرفي لتلك النبوّات، وهو لا يختلف بالجوهر عن رأي اليهود، على أنّهم يقولون إنّ الديانة اليهودية عند تجديدها تكون ديانة الكنيسة كلها، أي أنّ الكنيسة المسيحية تتحول إلى كنيسة يهودية. غير أنّ معظم المفسرين لا يصادقون على هذا التفسير تماماً، بل يقولون إنّه لا ينبغي أن ننتظر انقلاباً تاماً مثل هذا في الديانة المسيحية، وإنّ التفسير الحرفي يصح فقط من جهة رجوع اليهود إلى أرض فلسطين ورفع شأنهم بين المسيحيين على اختلاف أممهم وبلدانهم، وذلك عند اعتناقهم المسيحية. وهذا الرأي قريب من المذهب الروحي (تحت رقم 3). غير أنّه لا يمكن برهنة قولهم إنّ جزءاً من النبوّات عن اليهود يتفسّر حرفياً وجزءاً آخر روحياً. وإذا صحّ التفسير الحرفي لجزء ينبغي طبعاً التسليم به للكل. ولذلك استصوب معظم المفسرين التفسير الروحي للكل، كما سيأتي.
-
رأي أصحاب التفسير الروحي للنبوّات عن اليهود، ويقولون إنّ كل تلك النبوّات تتم بانضمام اليهود إلى الكنيسة واشتراكهم في بركات الإنجيل وخيراته. وبعد رجوعهم إلى الكنيسة إذا اتفق أن بعضهم أو جانباً عظيماً منهم أرادوا أن يرجعوا إلى بلاد فلسطين ويستوطنوها فليس هناك نبوّة تمنع ذلك. وكذلك لا مانع إذا أرادوا أن يستوطنوا أمريكا أو الصين. ولكنهم والحالة هذه يرجعون وهم مسيحيون بحريتهم، لا ليجددوا الديانة اليهودية فيها تحت حماية الله، بل ليمارسوا المسيحية فيقيمون هناك كنائس ويعبدون المسيح بالحق. ولا شك أنّ ذلك يسر قلب كل مسيحي، ويتمجد الله به أكثر جداً من رجوعهم يهوداً لغاية سياسية. فمن اقتصر على فهم تلك النبوات على هذه الصورة فلا حرج عليه، ولكن يضل من يتطرف في تفسيرها حرفياً، بأنها تشير إلى رجوع اليهود إلى فلسطين لبناء أورشليم والهيكل ثانية، وتقسيم الأرض بين أسباط إسرائيل القديمة، وتجديد طقوسهم الدينية، وكل ذلك تحت حكم المسيح، الذي (على زعمهم) يأتي لهذه الغاية ويجلس على كرسيه في أورشليم، ويجمع حوله الأمة اليهودية ويقربها إليه دون سائر المؤمنين، وكل ذلك إتماماً لتلك النبوات. وهذا تفسير مستبعَد، ليس ما يؤيده في العهد الجديد، بل يخالف روحه، وقد نشأ عن سوء التصرف في تفسير مقاصد الله.
5 - ما هو الرأي الأصح في هذه التفاسير الثلاثة؟ | ||
نقول بصحة الرأي الثالث بدليل:
(1) تفسير تلك النبوّات على أنها تشير إلى رجوع اليهود للكنيسة، وهو وافٍ بالمقصود، ويطابق تعليم الكتاب في أماكن أخرى، فإن تجديد الديانة اليهودية ودوامها إلى غير نهاية تعبير عن معناها الجوهري الحقيقي فلا يُراد به ظاهره الحرفي. وهذا ينطبق على تعاليم العهد القديم عن العصر الإنجيلي، وعلى ما جاء في العهد الجديد عن مستقبل الكنيسة والأحوال السماوية. ومن أمثلة ذلك قول المسيح: «طُوبَى لأُولَئِكَ ٱلْعَبِيدِ ٱلَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدِمُهُمْ» (لوقا 12: 37). «أَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتاً» (لوقا 22: 29). «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضاً وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ» (رؤيا يوحنّا 3: 21). فهذه الآيات وما شابهها مجازية، تعبّر عن حقائق روحية سامية باستعارة أمور أرضية زمنية. وتفسيرها حرفياً يفقدها معناها الصحيح، ويؤدّي إلى الضلال في تفسير كلام الله. وإذا صحّ هذا المبدأ على أقوال العهد الجديد النبويّة، فكم بالحري يصحّ على نبوّات العهد القديم، ونحن نعلم أنّ كل ما في العهد القديم من طقوس وفرائض رمزي استعدادي قُصد به تهذيب شعب الله القديم وتدريبهم في إدراك الأمور الروحية، لأنهم كانوا لا يزالون في حالة الطفولة، وفي غاية الاحتياج إلى ما يناسب ذلك الحال.
وتوضح استعارات وتشبيهات وكنايات العهد القديم مستقبل كنيسة الله الديني، وهي موافقة لأحوال الشعب في زمن استعمالها. مثال ذلك في عهد داود وسليمان شُبّه المسيح بملك ذي سلطان عام يمتد ملكه إلى كل أمم الأرض. ولما انقسمت المملكة وانحطت الأمة وساءت أحوال الشعب عُبّر عن المستقبل بذكر الاتحاد بين إسرائيل ويهوذا، وارتفاع مُلك داود، ودعوة الشعوب للتمتع بالراحة والسلام في الملكوت الثابت. وعبّر حزقيال عن أحوال المستقبل باستعارات مبنيّة على بناء أورشليم وإقامة الهيكل ثانية، ورجوع الشعب إلى أرضهم المقدسة، وإرجاع السلطان إليهم، لأنه تنبأ في وسط ظروف مخالفة لذلك تماماً.
ولو أننا فسّرنا تلك النبوّات حرفياً لظهر لنا وكأنّ نبوّات الأنبياء متناقضة، لأنّ أقوالهم أحياناً يُراد بها حرفياً إصلاح ما حدث من الخلل والتشويش في النظام اليهودي، وأحياناً يُراد بها إبادة النظام القديم على الإطلاق (إرميا 31: 31 وإشعياء 65: 17 و66: 1-4 وحجّي 2: 7). ومنها ما يُراد به صعود الأمم إلى أورشليم ليمارسوا الديانة اليهودية (إشعياء 66: 23 وزكريا 14) ومنها ما يُراد به امتداد اليهودية وكل طقوسها في كل الأرض (إشعياء 19: 19-25 وملاخي 1: 11). ومن نبوّات حزقيال ما يؤكد لنا بناء الهيكل والمدينة وسكنى الأرض المقدسة بمجد واحتفال عظيم. مع أن أقوال يوحنّا الرسول في سفر الرؤيا تعلّمنا أنه لا يكون هيكل، ولا احتياج إليه في المستقبل. فبموجب المبدأ الروحي لتفسير النبوّات لا خلاف في كل ذلك، لأن المعنى الجوهري هو واحد في الكل.
إنّ التفسير الحرفي لتلك النبوّات يخالف مبدأً جوهرياً في ديانة الله وتصرفاته في تهذيب البشر وتتميم مقاصده الإلهية. ولا سيما في بنيان ملكوته وإكمال عمل الفداء. وهو التقدم من الأدنى إلى الأعلى ومن الأبسط إلى الأبلغ. ففروض الديانة اليهودية أركان ضعيفة بالنسبة إلى المسيحية وروحها، كما أن فروض المسيحية على ما هي الآن دون ما ستكون في مستقبل الكنيسة المجيد. فالقول بلزوم التفسير الحرفي هو بمثابة الاعتقاد أن الله مقيّد بسَنّ رسوم واحدة خارجية لديانته وشعبه من بدء العالم إلى انقضائه.
(2) الديانة اليهودية ديانة رمزية، وكذلك أمور كثيرة في تاريخ شعب اليهود وخصوصياته، وقد تمّت كلها في نظام العهد الجديد.
أمّا وجود رموز في العهد القديم فمما لا خلاف فيه. وينتهي الرمز بالمرموز إليه، فمتى ظهر المرموز إليه فلا حاجة إلى الرمز. ولقد كان النظام الموسوي الديني رمزاً لنظام الإنجيل، فلما ظهر الإنجيل لم تعد هناك حاجة إلى نظام موسى، الذي مضى وزال. وقد أعلن الإنجيل ذلك بصريح الكلام. ولذلك يقوم التقدم والنمو في الديانة الإلهية بالنظام الإنجيلي لا بالرجوع إلى النظام اليهودي، وإلا فيكون المرموز إليه قد انتهى في الرمز، لا الرمز في المرموز إليه خلافاً لمبادئ النظام الرمزي ولنواميس الله السامية المقررة. كذلك الأمة الإسرائيلية، شعب الله المختار في العهد القديم، المفرز عن بقية شعوب الأرض، كانت حسب الجسد رمزاً للنسل المختار في عصر الإنجيل (الكنيسة) التي اختارها المسيح من العالم وافتداها بدمه ليضمّها إلى ملكه الأبدي، ولذلك لما ظهرت الكنيسة ونظمت على مبادئ الإنجيل زالت الديانة اليهودية وطقوسها، ولم تعُد الأمة اليهودية شعباً خاصاً لله، فانتهى الرمز في المرموز إليه وزال عند ظهوره. ولأجل بيان ذلك سُمي كل المؤمنين في العهد الجديد «نسل إبراهيم» (غلاطية 6: 16 وأفسس 2: 12 و19) «وآتين إلى جبل صهيون» (عبرانيين 12: 22) «وأولاد أورشليم العليا» (غلاطية 4: 26) «وأهل الختان» (فيلبّي 3: 3 وكولوسي 2: 11) وسُمّوا أيضاً في سفر الرؤيا «يهوداً» (رؤيا يوحنّا 2: 9).
وقيل أيضاً عن هذا النسل المقدس إنّـهم «حَسَب الموعد ورثة» (غلاطية 3: 29) وهو الموعد لإبراهيم. ولما كان المؤمنون في كل مكان هم نسل إبراهيم وورثة المواعيد الممنوحة له، كانت تلك المواعيد تشير ليس إلى مجرد امتلاك أرض كنعان بل إلى المرموز إليه بأرض كنعان، أي كنعان السماوية التي هي الميراث الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل. ولا شك أنّ هذا ما قصده الرسل في كل ما علّموه في هذا الشأن، لأنهم في كل كلامهم عن المستقبل لم يشيروا إلى الميراث اليهودي الرمزي، بل أشاروا دائماً إلى أنّ الرمز قد مضى، والمرموز إليه هو الموضوع الوحيد لرجاء الكنيسة. فنتعلّم من أنّ إسرائيل القديم رمز إلى إسرائيل الجديد اختفاء الرمز في المرموز إليه، وأنّ الأمة اليهودية تنضم للكنيسة المسيحية، وأنه ليس لليهود بعد حق بمواعيد الله لكنيسته ما لم ينضموا إليها، لأن مواعيد الله هي لهم ليس لأنهم من نسل إبراهيم الجسدي، بل باعتبارهم شعب الله حسب الاختيار. لذلك لا ينالون المواعيد إلا عندما يصيرون شعب الله بمعنى روحي.
ورُبَّ معترض يقول إنّ اليهود اليوم مثل شعب الله في العهد القديم، هم رمزٌ لأنفسهم، وهم شعب الله تحت نظام الإنجيل، وإنّ امتلاكهم أرض كنعان قديماً يرمز لامتلاكهم إياها مرة أخرى في ظروف أفضل. فنجيب: إنّ ذلك ليس من دأب الرمز بل يخالفه، لأن الرمز دائماً أقل من المرموز إليه في كل شيء، ولذلك لا يصح أن يكون أمرٌ رمزاً إلى نفسه. هل يصح أن نعتبر أكل المن في البرية رمزاً إلى أكله مرة أخرى، أو ذبح خروف الفصح رمزاً إلى نفسه في نظام آخر؟ كلا! وكذلك لا يصح أن يكون امتلاك أرض كنعان في العهد القديم رمزاً لامتلاكها ثانية في عصر الإنجيل، بل إلى امتلاك ما هو أفضل وأسمى منها، يكون مطابقاً لمقاصد الإنجيل.
لقد اعتبر الرسل الديانة اليهودية رمزية، وأنّها تمّت في المسيحية، وأن المسيحيين غير مكلفين بعدُ بحفظها. ووبّخ الرسول بولس كل ما جنح إلى الفرائض اليهودية، وحثّ المسيحيين على تركها لأنها زالت. وما أحسن قول المسيح للسامرية عن عبادة الله: «لاَ فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ، بل بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ»، (يوحنّا 4: 21و23) أي في كل مكان. ويوافق قول المسيح هذا ما حدث عند موته، وهو انشقاق حجاب الهيكل إلى اثنين، دلالة على زوال فرائض النظام الموسوي ونسخها تماماً. ومن هذا القبيل قول الرسول: «لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضاً ٱلْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا» (1كورنثوس 5: 7).
وكل ما تقرر في شأن الديانة اليهودية من هذا القبيل يصحّ أيضاً على الشعب اليهودي، فإسرائيل الأمة اليهودية شعب الله في العهد القديم هم رمزٌ للكنيسة. فما دامت الرمزية قائمة يستمر التمييز بين اليهودي والأممي، ولما انتهت الرمزية بظهور المرموز إليه زال التمييز بين اليهود والأمم، وتألف شعب الله المختار من كل جنس وقبيلة. ولنا على ذلك نصوص إلهية كثيرةفي كلام الرسل الأطهار (انظر رومية 5: 2 وغلاطية 3: 28 وكولوسي 3: 11 وأفسس 2: 14) وما يؤيده تسمية المؤمنين من أي جنس كان «نسل إبراهيم» و «إسرائيليين» (غلاطية 3: 29 و6: 16 وأفسس 2: 12 وعبرانيين 12: 22).
إنّ التفسير الحرفي ينافي روح العهدين القديم والجديد. نعم لليهود مواعيد خاصة بهم تتعلق برجوعهم أخيراً إلى حضن الكنيسة وانضمامهم إلى شعب الله. ولكن لا يوجد وعدٌ ولا برهان على ارتقائهم فوق غيرهم في ملكوت المسيح. غير أنّ رجوعهم يكون بركة للكنيسة لإحيائها وتنشيطها، كما قال الرسول إنّ اقتبالهم يكون حياةً من الأموات! (رومية 11: 15). ويا له من منظر بهيج للغاية عند المؤمنين متى رأوا اليهود راجعين برأي واحد ونفس واحدة إلى الكنيسة، يقبلون الإنجيل ويبشرون بحق المسيح.
وما قلناه عن رمز الديانة اليهودية والشعب اليهودي نقوله عن ميراثهم في أرض كنعان، التي هي رمزٌ أيضاً لميراث الكنيسة التي سترث حسب المواعيد ليس أرض كنعان فقط بل الأرض كلها، كما قيل عن إبراهيم إنه «وارثٌ للعالم» (رومية 4: 13) أي السماء الجديدة والأرض الجديدة، ميراث الكنيسة الأبدي حسب المواعيد (1بطرس 1: 4 و2بطرس 3: 13).
(3) لم يذكر المسيح والرسل رجوع اليهود إلى فلسطين وتجديد ديانتهم فيها، ولكنهم ذكروا رجوعهم إلى الله بقبولهم المسيح وتطعيمهم في الكنيسة بعد دخول ملء الأمم.
وليس في كل العهد الجديد نصّ على رجوع اليهود إلى بلادهم وأحوالهم القديمة وتجديد ديانتهم التي نُسخت، ولا إشارة لذلك ولا ما يؤيده مطلقاً. ولكن ما ورد كثيراً هو إجراء الدينونة عليهم وتدمير مدينتهم وتشتتهم في كل العالم. نعم اقتبس أصحاب الرأي الحرفي في رجوع اليهود وتجديد ديانتهم بعض آيات العهد الجديد على أن فيها إشارة لذلك، ومنها قول المسيح للرسل «أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي فِي ٱلتَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى ٱثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ ٱلٱثْنَيْ عَشَرَ» (متّى 19: 28) وقوله «وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ ٱلأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ ٱلأُمَمِ»(لوقا 21: 24). وسؤال الرسل للمسيح «هَلْ فِي هٰذَا ٱلْوَقْتِ تَرُدُّ ٱلْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» وجواب المسيح لهم: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا ٱلأَزْمِنَةَ وَٱلأَوْقَاتَ» (أعمال الرسل 1: 6و7). غير أنه ليس في كل ذلك ما يؤيد رأيهم. وإذا نظرنا إلى أمثال المسيح التي فيها يبيّن أحوال ملكوته نستفيد منها فوائد كثيرة ومختلفة عن مستقبل ذلك الملكوت، ولكن لا نرى فيها ما يدل على رجوع اليهود إلى فلسطين وتجديد نظامهم الديني ولا ما يشير لذلك، مع أن بعضها يتحدث عن علاقة اليهود بذلك الملكوت (متّى 21: 28-46 و22: 1-14 ولوقا 13: 6-9 و15: 11-32). وموضوع بعض النبوّات ما يطرأ على الكنيسة من الفساد وما يصيبها من الضيق أثناء تقدمها وامتدادها، ثم انتصارها أخيراً (متّى 13: 24-50 وص 25 ولوقا 16و18). ثمّ ليس في كلام بولس عن مستقبل اليهود ما يدل على امتيازهم وارتفاعهم وتجديد ديانتهم في المستقبل (رومية 9-11) بل بالعكس نراه يبيّن أن رجوعهم يكون رجوع المصالحة مع الكنيسة ودخولهم في عضويتها. وكذلك بطرس لم يذكر لا في مواعظه ولا في رسائله أن لإسرائيل حسب الجسد مستقبلاً. ومع أنه كان بين الرسل الذين سألوا المسيح عن ردّ المُلك لإسرائيل، نراه بعد سكب الروح القدس في يوم الخمسين ينادي تكراراً بالمسيح الجالس الآن على عرش داود (أعمال الرسل 2: 30 و4: 24-28). ولما تكلم عن مستقبل ملكوت المسيح (أعمال الرسل 3: 19-21) لم يذكر ردّ المُلك إلى إسرائيل بل ردّ كل شيء إلى حالة المجد والسعادة الأصلية. وإذا نظرنا إلى سفر الرؤيا لا نرى فيه كلاماً في هذا الموضوع. نعم قيل إنّ ختم الاثني عشر ألفاً من كل سبط (رؤيا 7) هو دليل على رجوع اليهود، لكن ذلك لا يشير إلى اليهود بل إلى مختاري الكنيسة، فقد أشار سفر الرؤيا للكنيسة باستعارات وتشبيهات يهودية. ويؤيد ذلك أن عدد المختومين (144 ألفاً) أشار (رؤيا يوحنّا 14) ليس إلى اليهود بل إلى مختاري الكنيسة دون تمييز. ولا يصحّ مطلقاً تفسير البعض أن المرأة المذكورة في رؤيا يوحنّا 12 هي الكنيسة اليهودية، وأن نسلها هم اليهود في حالة التشتت في البرية، لأنه بعيد وغير موافق لروح السفر ولا لمقصده. فينتج أن سكوت المسيح ورسله عن هذا الموضوع (حين يُنتظر أنهم يعلنونه له كان صحيحاً) هو دليل على عدم صحة رجوع اليهود وإعادة ديانتهم وامتيازهم.
(4) نسخ روح العهد الجديد وتعليمه الديانة اليهودية إلى الأبد، ورفض العهد الجديد اليهود أن يكونوا بعد شعب الله الخاص، وذلك كله يقتضي التفسير الروحي للنبوّات عن مستقبل الأمة اليهودية. أمّا نسخ الديانة اليهودية إلى الأبد فمن أوضح تعاليم العهد الجديد. وقد ذُكر فيه كثيراً (انظر أفسس 2: 14 و15 وكولوسي 2: 14 و3 : 1-3 وغلاطية 4: 9-11 و5: 2-4).
وأمّا روح العهد الجديد فيناقض الديانة اليهودية، وقد نادى الرسل بنسخها وزوالها، وإنشاء ديانة على صورة أخرى تختلف عنها، هي المسيحية التي لا يمكن جمعها مع الديانة اليهودية في نظام واحد. وأمّا رفض اليهود أن يكونوا شعب الله الخاص فمعروف. ولا شك أن الله قد قصد خلاصهم أخيراً بدعوتهم إلى المسيح وانضمامهم إلى كنيسته.
(5) تفسير العهد الجديد لبعض النبوّات المشابهة تماماً في ألفاطها وروحها التي نحن في صددها الآن يرجّح التفسير الروحي لها.
ومن أمثلة ذلك تفسير الرسول بولس أن نسل إبراهيم يشمل المؤمنين من اليهود و الأمم أيضاً، أي نسله الروحي لا الجسدي (رومية 4: 11-16). وتفسيره قول يوئيل: «وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَنْجُو» (يوئيل 2: 23). وأنه إعلان لخلاص الأمم بالمسيح (انظر غلاطية 3: 6-18 ورومية 10 : 13) مع أنّ يوئيل وجّه كلامه حسب الظاهر إلى اليهود، إذ قال لهم «بنوكم وبناتكم وشيوخكم» وقد فسّر العهد الجديد هذه النبوّة وأعلن المقصود منها. وهناك تفسير يعقوب الرسول لنبوّة عاموس عن بناء خيمة داود الساقطة أنّها تشير إلى رجوع الأمم وبنيان الكنيسة المسيحية (أعمال الرسل 15: 13-18).
(6) يستلزم التفسير الحرفي نتائج صعبة القبول ومستحيلة الحدوث عند كل مسيحي ذي عقل سليم. وذلك مما يثبت التفسير الروحي.
فإن صحّ التفسير الحرفي للنبوّات عن الأمة اليهودية يلزم فهم ما قيل عن الأمم القديمة المعاصرة لليهود حرفياً أيضاً. ومما قيل عنها إنّها تكون موجودة عند رجوع اليهود الذين يغلبونها ويبيدونها، وذلك بعيد التصديق. وكذلك إن صح التفسير الحرفي لما جاء في زكريا 12 مثلاً يلزم وجود الأسباط والعشائر والعائلات قائمة متميّزة بعضها عن بعض، حتى أن بيت داود يتميّز عن غيره. قال: «وَتَنُوحُ ٱلأَرْضُ عَشَائِرَ عَشَائِرَ عَلَى حِدَتِهَا: عَشِيرَةُ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى حِدَتِهَا وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ. عَشِيرَةُ بَيْتِ نَاثَانَ عَلَى حِدَتِهَا وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ. عَشِيرَةُ بَيْتِ لاَوِي عَلَى حِدَتِهَا وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ. كُلُّ ٱلْعَشَائِرِ ٱلْبَاقِيَةِ عَشِيرَةٌ عَشِيرَةٌ عَلَى حِدَتِهَا وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنّ» (زكريا 12: 12-14). وفي نبوّات أخرى ميّز الكهنة عن اللاويين وأولاد صادوق عن عائلات أخرى من الكهنة، كل سبط في رتبته (إشعياء 66: 21 وملاخي 3: 3 وحزقيال 44: 15 وص 48). وكل ذلك بعيد التصديق لأن تلك المميزات العائلية الخاصة قد زالت عند اليهود. ولولا ذلك لأبقاها الله بعنايته كما حفظ معرفة بيت داود وعشيرته إلى أن أتى المسيح. ثم نهى الرسل عن حفظ أنساب لا حدّ لها (1تيموثاوس 1: 4).
وإذا صحّ التفسير الحرفي يلزم الاعتقاد أن كل الأمم يصعدون كل سنة إلى أورشليم ليعبدوا الرب ويعيّدوا الأعياد المفروضة (زكريا 14: 16 وإشعياء 66: 23) وذلك بعيد أيضاً. وكذلك إن صحّ التفسير الحرفي يتعذر علينا تفسير كلام حزقيال في بناء الهيكل والمدينة وتقسيم الأرض بين الأسباط (حزقيال 40 : 48) لأنّ إتمامه حرفياً مستحيل. ولكن إذا فسرناه روحياً، بمعنى أنه يشير إلى نجاح الكنيسة وامتدادها وتسلطها، وجدناه يوافق روح الإنجيل.
6 - ما هي براهين أصحاب «التفسير الحرفي» للنبوّات عن مستقبل الأمة اليهودية؟ | ||
تشير النبوّات بموجب هذا التفسير إلى قيام الأمة اليهودية (أي نسل إبراهيم الجسدي) وامتلاكهم أرض الموعد ثانية باعتبارها ميراثاً خاصاً من الله لهم، وتجديد ديانتهم وارتقائهم في ملكوت المسيح فوق سائر المسيحيين. وتقترن هذه الأمور عند أصحاب هذا التفسير بمجيء المسيح في الجسد لإقامة ملكوت أرضي عاصمته أورشليم، أي أن عرش ملكه يكون في تلك المدينة، وشعب اليهود يكون أهل بلاطه والرؤساء والمشيرين في ملكوته.
ولا يخفى أنّ في العهد القديم نبوّات كثيرة عن رجوع اليهود من سبي بابل، الأمر الذي قد تمّ حرفياً وانتهى، كما أن فيه نبوّات أخرى عن حالتهم السيئة في عصر الإنجيل، ثم عن نجاتهم من تلك الحال المعبّر عنها غالباً برجوعهم إلى أرضهم ومدينتهم وبناء هيكلهم وممارسة فرائضهم الدينية بسلام ونجاح، وذلك ليس بالمعنى الحرفي بل بالمعنى الروحي أي رجوعهم إلى الكنيسة. ومن النبوّات ما يشير إلى الكنيسة باستخدام تشبيهات وكنايات مأخوذة من عادات اليهود الدينية وأحوالهم الشعبية.
وقد استخفّ أصحاب الرأي الحرفي في «تفسير النبوّات عن اليهود» بالرأي الروحي، وقالوا إنّ إتمامها روحياً غير حقيقي، وإنه لا بد من إتمامها حرفياً، وإلا فلا صحة للنبوات ولا لما تتضمنه من مواعيد الله! وزعموا أن كل نبوات الكتاب تقريباً عن أحوال الكنيسة وامتدادها وآخرتها المجيدة بتشبيهات وكنايات يهودية لا تختص بالكنيسة المسيحية، بل تختص باليهود نسل إبراهيم الجسدي. وفاتهم أنّ موضوع النبوات عن العصر الإنجيلي هو كنيسة المسيح لا أمة اليهود، وأنّ النبوات كما أنبأت عن المسيح بأسماء وألقاب مختلفة كنسل المرأة و «شيلون» و «نسل داود» و «داود» و «الغصن» و «عبد الرب» و «عمانوئيل» و «الراعي» و «الرجل رفقة يهوه» و «الرب بِرّنا» و «ملاك العهد» و «عبدي البار» و «رجل الأوجاع» و «راعي يهوه» و «أصل يسّى» و «نور الأمم» و «حجر الزاوية» و «الأساس المؤسس» و «الكوكب من يعقوب» و «القضيب من إسرائيل». كذلك أنبأت عن شعب المسيح بأسماء وألقاب مختلفة أكثرها يهودي مثل «بيت إسرائيل» و «بيت يهوذا» (قارن إرميا 31: 31 مع عبرانيين 8: 8 و10: 14-17) و «نسل يعقوب» و «نسل إسرائيل» (قارن مزمور 22: 22 و23 مع عبرانيين 2: 11 و12) و «خيمة داود» (قارن عاموس 9: 11 و12 مع أعمال الرسل 15: 14-17) و «صهيون» (قارن مزمور 2: 6 و7 مع أعمال الرسل 13: 33 و34).
ولمسألة التفسير الحقيقي للنبوات عن مستقبل اليهود علاقة بمسألة أخرى، وهي أن النبوات تتضمن كلاماً مجازياً واستعارات وتشبيهات وكنايات، نفسرها تفسيراً روحياً بغير معناها الحرفي المطلق، وهذا يبطل أهم براهين أصحاب التفسير الحرفي، لأنهم يزعمون أن النبوات لا بد أن تتم حرفياً. وقد أنكر بعضهم وجود المجاز والكناية في الكتاب، وفسروا كل عبارة فيه على معناها الحرفي.
ولا يقصد أصحاب التفسير الحرفي أن يقتصروا على إثبات لزوم الإتمام الحقيقي لكل نبوّة (الأمر الذي لا خلاف فيه) بل يقصدون أن يثبتوا لزوم إتمام كل نبوة على معناها الحرفي. وعندنا أن كل نبوّة لا بد أن تتم، وإتمامها إمّا أن يكون حرفياً أو روحياً، وذلك حسب قصد الله بها.
ولا يدل التفسير الروحي لمستقبل اليهود على أدنى بغضة لهم أو ازدراء بهم، ولا يسلب شيئاً من حقهم في المواعيد الإلهية. ولكنه يدل على بركات لهم أعظم مما يدل عليه التفسير الحرفي. فما هي وراثة أرض فلسطين بالنسبة إلى وراثة بركات الإنجيل. وما هي امتيازاتهم القديمة وطقوسهم بالنسبة إلى حرية الإنجيل وفوائده. إنّ اقترابهم إلى أورشليم السماوية أسمى من حلولهم في أورشليم الأرضية، وسجودهم في الكنيسة أفضل من سجودهم في هيكلهم القديم.
ويظهر ضلال أصحاب التفسير الحرفي بأمرين: (أ) ينكرون استخدام الأنبياء للمجاز في نبواتهم للتعبير عن أمور روحية، و(ب) يزعمون أن الإتمام الحقيقي للنبوات عن الأمة اليهودية يكون حرفياً، فنشأ عن الأول أنهم حسبوا اليهود (حسب الجسد) موضوع نبوات كثيرة، مع أن موضوعها الصحيح هو الكنيسة. ونشأ عن الثاني الزعم أن صدق الله وأمانته في إتمام نبواته يتوقفان على تحقيقها حرفياً. فنادوا أولاً بصدق الله وأمانته وضرورة تحقيق النبوات، ثم اجتهدوا في إيضاح أن التحقيق الحرفي هو فقط التحقيق الحقيقي. ثم أتوا بالنبوات التي تتكلم حسب الظاهر عن عظمة إسرائيل وديانة اليهود ورجوعهم إلى بلادهم وبناء أورشليم والهيكل، ثم استنتجوا صدق كل ما أدّعوا به من جهة تلك الأمة بموجب معنى تلك النبوات الحرفي.
أمّا المفسرون الروحيون فيسلّمون بأن الله صادق، ولا بد من إتمام نبواته، ولكنهم ينكرون تحقيق النبوات حرفياً فقط. وبهذا يفسرون تلك النبوات ولا يخشون الضلال في تفسيرهم، لأن التفسير الحرفي هو يهودي في روحه وغايته، وبعيد عن روح الإنجيل ومقاصده، ولم يثبت من التاريخ واختبار الكنيسة، ويخالف تعليم الرسل. وتمسكنا به الآن يقودنا لأن نستخف بالإنجيل، ويُرجعنا إلى الأركان الضعيفة التي زالت إلى الأبد عند مجيء المسيح. وقولهم إنه ليس للنبوات سوى الإتمام الحرفي يخالف ما نراه من جملة وجوه:
(1) يخالف ما نراه في النظام الرمزي في العهد القديم، والرموز فيه كثيرة، وقد تمت في العهد الجديد. ولكن هل تمت حرفياً؟ لا! فإن الرمز بحَمَل الفصح لم يتم في حمل حقيقي، ولا الذبائح الحيوانية تمت في أمثالها، ولا ملكوت داود تمّ في ملكوت مثله من كل وجه. ولا جلس المسيح على عرش داود بالمعنى الحرفي، ولا دخل الهيكل ليشفع في المؤمنين على صورة دخول رئيس الكهنة قديماً إلى قدس الأقداس. وإذا صحّ أن الله عبّر بالرموز عن حقائق إنجيلية، وأن تلك الرموز قد تمت في أمور روحية على صورة توافق النظام الإنجيلي فلا يُحتمل أن النبوات التي تشير إلى أمور إنجيلية لا تتم على صورة موافقة لما يُنتظر طبعاً.
(2) ورأي أصحاب التفسير الحرفي يناقض نفسه، فممّا يستندون عليه «العظام اليابسة» التي رآها حزقيال (حزقيال 37: 1-14). فقالوا إنّ هذه النبوة تفيد رجوع اليهود إلى أرض فلسطين، واستخدموا كل مبادئهم وقواهم لإيضاح ذلك ولكن في ما يوافق غرضهم فقط، وأمّا ما لا يوافق غرضهم فسكتوا عن تفسيره حرفياً. مثال ذلك قوله: «هَئَنَذَا أَفْتَحُ قُبُورَكُمْ وأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ» (حزقيال 37: 12). فسروا الإتيان بهم إلى أرض إسرائيل حرفياً، أما فتح قبورهم وإطلاقهم منها فلم يفيدونا: هل معناها حرفي أم مجازي؟ وعندنا أن رؤيا العظام اليابسة تشير إلى الرجوع من السبي، أو بالحري الرجوع إلى الكنيسة.
وفي تفسير ما جاء حرفياً في زكريا 14 صعوبات تبيّن فساد مبدأ الحَرْفيّين الذي بموجبه يفسرّون كل هذا الأصحاح على أنه إعادة الأمة اليهودية إلى مركزها في أورشليم. وذلك يستلزم حدوث محاربة عنيفة (حرفياً) من الأمم ضد أورشليم، فيها تؤخذ المدينة وتُنهب البيوت وتُفضح النساء. ثم يخرج الرب ويحارب تلك الأمم (حرفياً) كما في يوم حربه يوم القتال. وتقف قدماه (حرفياً) في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي يواجه أورشليم من الشرق، فينشق جبل الزيتون من وسطه (حرفيا) نحو الشرق ونحو الغرب وادياً عظيماً، وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب. وتهربون في جواء جبالي لأن جواء الجبال يصل إلى «آصل» (حرفياً) وتهربون كما هربتهم من الزلزلة في أيام عزيا ملك يهوذا، ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك (حرفياً). ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور. الدراري تنقبض. ويكون في يوم واحد معروف للرب. لا نهار ولا ليل (حرفياً) بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور. ويكون في ذلك اليوم أن مياهاً حية تخرج من أورشليم نصفها إلى البحر الشرقي ونصفها إلى البحر الغربي (حرفياً) في الصيف وفي الخريف تكون. وقيل أيضاً: وتتحول الأرض كلها كالعربة من جبع إلى رمون جنوب أورشليم. وترتفع وتُعمر في مكانها من باب بنيامين إلى مكان الباب الأول إلى باب الزوايا، ومن برج حننئيل إلى معاصر الملك (حرفياً). فيسكنون فيها ولا يكون بعد لعن، فتُعمر أورشليم بالأمن. وقيل أيضاً: وهذه تكون الضربة التي يضرب بها الرب كل الشعوب الذين تجندوا على أورشليم: لحمهم يذوب وهم واقفون على أقدامهم، وعيونهم تذوب في أوقابها (الوقبة هي النقرة، نقرها)، ولسانهم يذوب في فمهم (حرفياً). وقيل أيضاً إن كل الباقي من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيّدوا عيد المظال (حرفياً). ويكون أن كل من لا يصعد من قبائل الأرض إلى أورشليم ليسجد للملك رب الجنود لا يكون عليهم مطر (حرفياً). وأن لا تصعد ولا تأت قبيلة مصر، ولا مطر عليها. تكن عليها الضربة التي يضرب بها الرب الأمم الذين لا يصعدون ليعيّدوا عيد المظال. وقيل أيضاً: في ذلك اليوم يكون على أجراس الخيل «قدس للرب» والقدور في بيت الرب تكون كالمناضح أمام المذبح (حرفياً). وكل قدر في أورشليم وفي يهوذا تكون قدساً لرب الجنود، وكل الذابحين يأتون ويأخذون منها ويطبخون فيها (حرفياً). وفي ذلك اليوم لا يكون بعد كنعاني في بيت رب الجنود.
وزكريا 14 هو من أهم وأشهر النبوات عند أصحاب التفسير الحرفي! ألا يتضح لكل عاقل أن مبدأهم في تفسيره باطل، لأنه يستلزم شق جبل الزيتون، وهروب الشعب في جوف الوادي بين الشطرين، وحدوث يوم يختلف عن كل الأيام بأنه ليس نهاراً ولا ليلاً، إذ في مسائه يكون نور، خلافاً للنظام الطبيعي، وأيضاً يخرج نهران من أورشليم نحو الغرب والشرق، أحدهما يجري إلى البحر المتوسط والثاني إلى بحر لوط. وأيضاً تنخفض كل الجبال ما عدا الجبل الذي عليه أورشليم والهيكل، وتصير سهلاً واحداً فسيحاً. وتصعد كل الأمم بدون استنثاء سنوياً إلى أورشليم ليعيّدوا عيد المظال ويقدموا الذبائح الدموية اليهودية، ومن لا يحضر منهم يعاقبه الله بالقحط. وأيضاً تتزين بأجراس مكتوب عليها «قدس للرب». كما تكتب العبارة نفسها على جميع قدور الهيكل وقدور أورشليم ويهوذا التي يستعملونها لطبخ طعامهم. ولا يكون كنعاني بعد في بيت الرب. فما أغرب كل تلك الأمور.
ومن شاء أن يبحث عن تناقض التفسير الحرفي مع المقصود بأقوال الأنبياء، وتناقضه مع نفسه فليراجع نبوة حزقيال 40: 48 حيث يرى أن تفسير تلك الأصحاحات على المبدأ الحرفي يؤدّي إلى بحر من الصعوبات. وكذلك نبوة يوئيل 3 فإنّ تفسيرها حرفياً يستلزم أن الله يجمع كل الأمم ويُنزلهم إلى وادي يهوشافاط ويحاكمهم هناك، وأن الشمس والقمر يظلمان، والنجوم تحجز لمعانها، والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطي صوته، فترجف السماء والأرض. وأيضاً الجبال تقطر عصيراً والتلال تفيض لبناً، ومن بيت الرب يخرج ينبوع يسقي وادي السنط، ويهوذا وأورشليم تُسكنان إلى الأبد. ومن هذا القبيل ما جاء في ميخا: «وَيَكُونُ فِي آخِرِ ٱلأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ ٱلرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتاً فِي رَأْسِ ٱلْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ ٱلتِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ شُعُوبٌ» (ميخا 4: 1). وفي سفر ملاخي: «فَهُوَذَا يَأْتِي ٱلْيَوْمُ ٱلْمُتَّقِدُ كَٱلتَّنُّورِ، وَكُلُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي ٱلشَّرِّ يَكُونُونَ قَشّاً، وَيُحْرِقُهُمُ ٱلْيَوْمُ ٱلآتِي قَالَ رَبُّ ٱلْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعاً. وَلَكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُتَّقُونَ ٱسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ ٱلْبِرِّ وَٱلشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا، فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأُونَ كَعُجُولِ ٱلصِّيرَةِ» (ملاخي 4: 1 و2).
(3) يخالف قول أصحاب التفسير الحرفي ما نراه في إتمام نبوات كثيرة في الكتاب، مثلاً: كيف تمت النبوات عن المسيح؟ هل مَلك على عرش داود حرفياً وجلس في أورشليم ملكاً منظوراً، وكان ملكاً لليهود فقط. هل مارس المسيح وظيفة رئيس الكهنة على صورتها القديمة الحرفية؟ وكيف جاء إيليا في شخص يوحنّا المعمدان؟ وبأي معنى تمّت النبوّات عن إقامة خيمة داود الساقطة؟ وعن نسل إبراهيم، وعمّن قيل في العهد الجديد إنهم ورثة بحسب الموعد؟ (غلاطية 3: 29). قال هوشع عن رفض إسرائيل: «لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ شَعْبِي وَأَنَا لاَ أَكُونُ لَكُمْ. لٰكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ ٱلْبَحْرِ ٱلَّذِي لاَ يُكَالُ وَلاَ يُعَدُّ، وَيَكُونُ عِوَضاً عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي يُقَالُ لَهُمْ: أَبْنَاءُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ. وَيُجْمَعُ بَنُو يَهُوذَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مَعاً وَيَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَأْساً وَاحِداً، وَيَصْعَدُونَ مِنَ ٱلأَرْضِ، لأَنَّ يَوْمَ يَزْرَعِيلَ عَظِيمٌ» (هوشع 1: 9-11). فنسأل أصحاب مذهب التفسير الحرفي عن هذه النبوة: على أي صورة تمّت أم ستتم؟ وإذا نظرنا إلى ما جاء عن هذه النبوة في رومية 9: 24-26 نرى أن إتمامها هو في تكثير عدد المؤمنين بالمسيح، من اليهود ومن الأمم، وهذا كاف لدحض التفسير الحرفي. وهكذا نقول في ما جاء عن صهيون وأورشليم، وبناء الهيكل، ورجوع اليهود إلى بلادهم: أن الأَوْلى هو تفسيره بمعناه الروحي لا الحرفي.
(4) كل من خاض في هذا البحث يرى أن جانباً عظيماً من النبوات قد تمّ روحياً. ألا ترى أن أرض كنعان لم تفض لبناً وعسلاً وأن نسل إبراهيم لم يكن كرمل البحر، وأن عدد الأمم الذين يجتمعون أخيراً لمحاربة أورشليم لا يكون مثل رمل البحر بمعنى حرفي (رؤيا 20: 8)؟ قيل عن داود إنه يكون ملكاً إلى الأبد، فهل تمّ ذلك حرفياً؟ ألم تنقسم المملكة في عهد حفيده رحبعام، ثم سقطت مملكة يهوذا؟ فهل تحتمل تلك النبوة غير المعنى الروحي؟ كذلك قيل عن المسيح إن اسمه يدوم كالشمس، ولكن الشمس تغيب وستزول! إذاً ليس المقصود بذلك المعنى الحرفي. وجاءت نبوة عن شق البحر الأحمر ثانية (إشعياء 11: 15) والتيهان أيضاً في البرية (حزقيال 20: 34-38) وعن إخراج الماء من الصخرة (إشعياء 48: 21) وعن ظهور عمود السحاب والنار (إشعياء 4: 5) وعن إمطار النار والكبريت على سدوم (حزقيال 38: 22) وعن رجوع الحالة الأصلية في الفردوس (إشعياء 11: 6-8 و65: 25). فهل تم أو سيتم كل ذلك حرفياً؟ قال يوحنّا في الرؤيا عن أورشليم الجديدة إن علوها يكون 12 ألف غلوة، وكذلك طولها وعرضها (رؤيا يوحنّا 21: 16). فهل المقصود بهذا المعنى الحرفي؟
وقال حزقيال إن شعب الله سيشتغلون سبعة أشهر في دفن موت أعدائهم أهل جوج ليطهّروا الأرض، ثم قال «وَأَنْتَ يَا ٱبْنَ آدَمَ، فَهٰكَذَا قَالَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ: قُلْ لِطَائِرِ كُلِّ جَنَاحٍ، وَلِكُلِّ وُحُوشِ ٱلْبَرِّ: ٱجْتَمِعُوا، وَتَعَالَوْا ٱحْتَشِدُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، إِلَى ذَبِيحَتِي ٱلَّتِي أَنَا ذَابِحُهَا لَكُمْ، ذَبِيحَةً عَظِيمَةً عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ لِتَأْكُلُوا لَحْماً وَتَشْرَبُوا دَماً. تَأْكُلُونَ لَحْمَ ٱلْجَبَابِرَةِ وَتَشْرَبُونَ دَمَ رُؤَسَاءِ ٱلأَرْضِ، كِبَاشٌ وَحُمْلاَنٌ وَأَعْتِدَةٌ وَثِيرَانٌ كُلُّهَا مِنْ مُسَمَّنَاتِ بَاشَانَ. وَتَأْكُلُونَ ٱلشَّحْمَ إِلَى ٱلشَّبَعِ، وَتَشْرَبُونَ ٱلدَّمَ إِلَى ٱلسُّكْرِ مِنْ ذَبِيحَتِي ٱلَّتِي ذَبَحْتُهَا لَكُمْ. فَتَشْبَعُونَ عَلَى مَائِدَتِي مِنَ ٱلْخَيْلِ وَٱلْمَرْكَبَاتِ وَٱلْجَبَابِرَةِ وَكُلِّ رِجَالِ ٱلْحَرْبِ، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ» (حزقيال 39: 12 و17-20). فهل المقصود هو المعنى الحرفي؟ هل يقيم الله وليمة للطيور ووحوش البر، ويدعوها دعوة خصوصية لتأكل وتشرب على جبال إسرائيل لحم الجبابرة ودم رؤساء الأرض حتى تشبع من اللحم وتسكر من الدم، وأن تلك الوليمة تشتمل على لحم البشر ودمهم، وأيضاً على لحم ودم كباش وحملان وأعتدة وثيران، جميعها من مسمنات باشان. وليس في ذلك فقط بل أيضاً على الخيل والمركبات. وما قولهم في ما جاء في سفر الرؤيا عن دعوة الطيور لعشاء الإله العظيم (رؤيا 19: 17 و18). هل يقف ملاك حرفياً في الشمس ويصرخ لجميع الطيور لتجتمع إلى عشاء الإله العظيم لتأكل لحوم ملوك وقواد وأقوياء وخيل، ولحوم الكل حراً وعبداً صغيرا وكبيراً؟ ألا ترى أن هذه النبوة مثل نبوة حزقيال لا تتفسر حرفياً على الإطلاق! فمن يقدر أن يتصور الجبال تقطر عصيراً والتلال تفيض لبناً! إن هذه النبوات وأمثالها لا تفسير معقول لها إلا التفسير الروحي!
وفي أقوال المسيح نبوات لا تُفهم إلا بمعناها الروحي، ومنها قوله لليهود «ٱنْقُضُوا هٰذَا ٱلْهَيْكَلَ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ» (يوحنّا 2: 19) أراد بذلك هيكل جسده. وقوله لتلاميذه حين أكل الفصح معهم « لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ ٱلْكَرْمَةِ هٰذَا إِلَى ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي» (متّى 26: 29) فهل المعنى حرفي يُقصد به أن يسوع يشرب من ذلك النوع من الخمر في السماء! وقوله «خُذُوا كُلُوا، هٰذَا هُوَ جَسَدِي. اشربوا هٰذَا هُوَ دَمِي» (مرقس 14: 22-23). فهل تحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه حرفياً؟ وقوله لبطرس: «وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ» (متّى 16: 19) فهل أعطاه المفاتيح بمعنى حرفي؟ وقوله لنيقوديموس: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ» (يوحنّا 3: 3). أليس المقصود بها الولادة الروحية؟ وقول بولس إن القديسين سيدينون الملائكة. وأيضاً سيدينون العالم، ألا يضاد معناه الحرفي أن المسيح هو الديان الوحيد؟ وجاء في الكتاب المقدس ذكر كتاب اسمه «سفر الحياة» وذكر دانيال وملاخي وسفر الرؤيا أسفاراً أخرى. فمن يعتقد أن تلك الأسفار مجلدات ذات صفحات مادية كُتبت أسماؤنا عليها؟ إن معناها روحي مجازي لا حرفي. ومن يظن أن كلام المسيح عن وجوب المغفرة للأخ المذنب إلينا سبعين مرة سبع مرات مقصود به هذا العدد فقط. وما هو التفسير المرجّح لما جاء في الكلام عن تقييد الشيطان ألف سنة، فهل للهاوية مفتاح؟ وهل يأخذ الملاك سلسلة مادية في يده ليقيد بها الشيطان ثم يطرحه في الهاوية ويغلق بابها ثم يختم عليه؟ (رؤيا يوحنّا 20: 3). وبالاختصار، ألا يوجد صهيون إلا صهيون الأرضية، ولا أورشليم إلا المدينة المعروفة بهذا الاسم في فلسطين، ولا نسل لإبراهيم سوى اليهود، ولا ختان إلا الختان الذي في الظاهر في اللحم، ولا عبودية إلا عبودية مصر، ولا برية إلا برية سيناء، ولا خبز إلا ما نتج عن الحقول، ولا ماء إلا ماء الينابيع الأرضية، ولا كنعان إلا أرض فلسطين!
(5) ورُبّ معترض يحامي عن التفسير الحرفي للنبوات عن اليهود بقوله إن كل نبوات الويل والتهديدات على تلك الأمة قد تم حرفياً. نجيب:
(أ) لا شك في تحقيق صحيح كامل لكل مواعيد الله، ولا بد أن يُظهر الله لطفه ورحمته ورضاه لإسرائيل الجسدي إتماماً لمواعيده. غير أن كيفية تحقيق هذا تكون حسب استحسانه ومقاصده في بنيان ملكوته وإكمال عمل الفداء. فالأمر الجوهري في النبوات عن اليهود هو رجوعهم إلى رضا الله، وانضمامهم إلى عضوية ملكوته، واشتراكهم في فوائد الكنيسة وبركاتها، وذلك يمكن إتمامه بدون الرجوع إلى الديانة اليهودية وتجديدها، فيتم ذلك بكيفية مسيحية لا يهودية.
(ب) يميّز العهد القديم بين شعب الله الحقيقي أي نسل إبراهيم المقدس من اليهود المؤمنين الحقيقيين وبين الأمة اليهودية، أي نسل إبراهيم الجسدي. وتشمل الأمة اليهودية الروحية الحقيقية نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب المعروفين بإسرائيل، ومن بينهم مؤمنون من غير أبناء إبراهيم بالجسد، ولكنهم من الختان وقد سلكوا في خطوات أبيهم إبراهيم في إيمانه لما كان في الغرلة (رومية 4: 12) وهم جماعة المؤمنين الحقيقيين أي الكنيسة الإلهية غير المنظورة المعروفة أيضاً باسم «إسرائيل». وقد بيّن الرسول بولس الفرق بين شعب اليهود والكنيسة الإلهية (رومية 9-11) وقال فيه «أَلَعَلَّ ٱللّٰهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضاً إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. لَمْ يَرْفُضِ ٱللّٰهُ شَعْبَهُ ٱلَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ». ثم ذكر كلام إيليا ضد إسرائيل وجواب الله له «أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُلٍ لَمْ يُحْنَوْا رُكْبَةً لِبَعْلٍ». ثم قال «فَكَذٰلِكَ فِي ٱلزَّمَانِ ٱلْحَاضِرِ أَيْضاً قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ ٱخْتِيَارِ ٱلنِّعْمَةِ» (رومية 11: 1-5). ويظهر من العهد القديم أن جانباً عظيماً من اليهود ارتدوا عن الإيمان ورفضوا الله وديانته، فرفضهم الله. غير أن البعض حسب اختيار النعمة ندموا على ذلك فميّزهم الله بسمة على جباههم (حزقيال 9: 4). وقد حاقت بهم كل الويلات والبلايا التي هددهم الله بها، كما تحقق كلام التعزية والإنعاش والمواعيد الكثيرة لإسرائيل الحقيقي، أي الكنيسة المؤمنة بين اليهود. فوعدهم الله في النبوة بالرجوع من بابل وأعلن لهم مجيء المسيح وصفاته وعمله المجيد ليخلّص الشعب المختار، وكشف لهم أيضاً مجد مستقبل الكنيسة في عصر الإنجيل وارتفاعها وامتدادها وازديادها ثم نصرتها الأخيرة. واستخدم الله في ذلك تشبيهات وكنايات سامية جداً، بُني معظمها على ما يختص بديانة اليهود وأحوالهم الجسدية (انظر إشعياء 40-66 والجزء الأخير من حزقيال ونبوة زكريا). وقد أعطاهم الله عربوناً على إتمام كل تلك المواعيد هو إرجاع شعبه من بابل في الوقت المعين.
فما هي النبوّات التي تمّت حرفياً؟ أليست هي النبوات التي تحتوي على تهديد المرتدين من اليهود التي يُنتظر إتمامها حرفياً؟ وما هي النبوات التي تمّت روحياً، أو ستتم بالتدريج؟ أليست هي النبوات الموجهة ليس إلى الأمة اليهودية حسب الجسد، بل إلى الكنيسة الحقيقية التي ستتألف من المؤمنين الأمناء بين اليهود، والتي توسعت عند مجيء المسيح وانضمت إليها الأمم، فأخذت تتقدم وتتسع، ولا تزال كذلك إلى أن تعم أخيراً كل قبائل الأرض؟ نعم إن تلك الكنيسة الإلهية (سواء في العهد القديم أم الجديد) هي وارثة المواعيد الإلهية، والتي تنال البركات الخاصة لشعب الله الخاص، أي المؤمنين بالمسيح في كل زمان ومكان. نعم إن توجيه النبوات عن تقدم الديانة وارتفاع الكنيسة إلى اليهود فقط ضلال مبين، وإن دلت ألفاظها حسب الظاهر على نجاح الديانة اليهودية ورفع شأن تلك الأمة.
قسم الأنبياءُ اليهودَ إلى قسمين: أحدهما كلّموه بالتوبيخ والتهديد والإنذار والوعيد، وقد تمّ كل ما أعلنوه عليهم من ويل. والآخر أنبأوه بالبركات والمواعيد الروحية والزمنية، وتلك قد تمّت أيضاً.
فعند تفسير أقوال الأنبياء يجب الانتباه إلى هذا التمييز، فلا ننسب التوبيخ والإنذار بالويل للأتقياء، ولا نوجّه المواعيد بالبركات للعصاة والمرتدين. ولأن النوعين على الغالب واردان معاً، وكلام التهديد والإنذار بالويل يسبق كلام الوعد والتعزية، يجب تدقيق النظر في ذلك. إن مواعيد الله ليست لليهود دون المسيحيين، ولا للمسيحيين دون اليهود، بل هي للكنيسة كلها، مكوّنة من اليهود والوثنيين الذين قبلوا المسيح. وكنيسة الله هي واحدة، وهي وارثة المواعيد سواء كانت مؤلفة من اليهود أم من الأمم. والسؤال المهم هو: ما هي الكنيسة؟ قال اليهود إنها الأمة اليهودية لأنها نسل إبراهيم حسب الجسد، غير أن الكتاب بيّن لنا أن علاقة الأمة اليهودية بالكنيسة انتهت عند مجيء المسيح، وصارت الكنيسة الحقيقية هي صاحبة المواعيد والمكوّنة من ورثة إيمان إبراهيم، لا ورثة دمه الجسدي.
(6) وإذا سُئلنا: هل للأمة اليهودية نصيب في مواعيد الكتاب؟ نجيب: نعم لها نصيب. (أ) في النبوات عن مجد الكنيسة تحت نظام الإنجيل، وذلك متى انضمت إلى الكنيسة المسيحية، فتشترك في ذلك المجد العظيم الخاص بكنيسة المسيح. و(ب) في النبوات التي تعد برجوع اليهود إلى الله واجتماع شتاتهم وقبولهم بعد رفضهم، وذلك سيتم متى رُفع البرقع أخيراً عن عيون إسرائيل وقبلوا المسيح. حينئذ يشتركون في ميراث الكنيسة.
وإذا قيل إنّ الوعد لإبراهيم بإعطاء أرض كنعان له ولنسله هو إلى الأبد (تكوين 13: 15 و17: 8 و26: 3 و28: 13) ولم يتم كما ينبغي فيُنتظر إتمامه في المستقبل حرفياً، نجيب: إن الإتمام الحرفي الصحيح يستلزم قيام إبراهيم من الأموات ليرث الأرض مع نسله، وإن الآباء أنفسهم لم ينتظروا إتمام ذلك الوعد حرفياً. قال الرسول عن إبراهيم: «بِٱلإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ ٱلْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِناً فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ٱلْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهٰذَا ٱلْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللّٰهُ» (عبرانيين 11: 9 و10). فنرى أنّ الآباء سلموا وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على هذه الأرض. ولكن الوعود تحققت لهم، فورثوا الأرض بعد التيه في البرية، وامتدّ سلطانهم فيها حسب وعد الله لإبراهيم. فقيل عن سليمان: «وَكَانَ مُتَسَلِّطاً عَلَى جَمِيعِ ٱلْمُلُوكِ مِنَ ٱلنَّهْرِ إِلَى أَرْضِ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ وَإِلَى تُخُومِ مِصْرَ» (2أخبار الأيام 9: 26). وجاء في نحميا «أَنْتَ هُوَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتَ أَبْرَامَ وَأَخْرَجْتَهُ مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ وَجَعَلْتَ ٱسْمَهُ إِبْرَاهِيمَ. وَوَجَدْتَ قَلْبَهُ أَمِيناً أَمَامَكَ، وَقَطَعْتَ مَعَهُ ٱلْعَهْدَ أَنْ تُعْطِيَهُ أَرْضَ ٱلْكَنْعَانِيِّينَ... وَتُعْطِيَهَا لِنَسْلِهِ. وَقَدْ أَنْجَزْتَ وَعْدَكَ لأَنَّكَ صَادِقٌ» (نحميا 9: 7 و8). فبشهادة الوحي أخذت أمة اليهود (حسب الجسد) نصيبها حرفياً في الوعد لإبراهيم.
(7) وإذا لم يسلّم المعترض بما قلناه، وقال إن الوعد هو لإبراهيم ولنسله إلى الأبد، أي أن نسله يكون كنجوم السماء وكرمل البحر، وأن كل أرض كنعان تكون له ولهم ملكاً أبدياً، وأن جميع قبائل الأرض تتبارك فيه وفيهم، وذلك لم يتم تماماً بامتلاك الإسرائيليين أرض كنعان قبل مجيء المسيح. فنجيب: إن الإشارة في كلمة «نسل» في ذلك الوعد غير محصورة في نسل إبراهيم الجسدي، بل تشمل المسيح وكل المؤمنين به في عصر الإنجيل. فلا بد أن أرض كنعان تشير إلى ميراث أوسع وأفضل للكنيسة «فَإِنَّهُ لَيْسَ بِٱلنَّامُوسِ كَانَ ٱلْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثاً لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ ٱلإِيمَانِ» (رومية 4: 13) وهذا يعني أن العالم أجمع هو الميراث الحقيقي لإبراهيم ونسله. ثم نقول إن أرض كنعان هي من جملة الأمور الرمزية في العهد القديم، وإنها كانت رمزاً إلى ما هو أسمى وأفضل وأوسع وأمجد في نظام الإنجيل، وإن تميُّز اليهود كشعب الله الخاص وبين الأمم قد زال، وإن الديانة اليهودية وكل ما يختص بها قد تمّت في ظهور المرموز إليه بها وزالت. أفلا يلزم عن ذلك أن الأرض المقدسة قد زالت مع جملة رموز العهد القديم باعتبارها ميراثاً خاصاً باليهود؟ وكما توسع نسل إبراهيم توسع أيضاً ميراثهم، وصارت الكنيسة تتوقع ليس كنعان الأرضية بل الأرض كلها، لأن المسيح سيتسلط على جميع الأمم والشعوب. وإذ ذاك ترث الكل لا الجزء، وتتمتع بالمرموز إليه لا بالرمز الذي قد زال ولا يتم تقدمها نحو الكمال برجوعها إلى الجزئيات بل بسعيها نحو الكليات، وليس باجتماعها في بلاد واحدة وهيكل واحد ومركز واحد للعبادة وتقديم ذبائح مادية وممارسة فرائض زمنية، بل برجوع كل البشر إلى الله وتكريس الأرض كلها لعبادته الروحية وخدمته القلبية الطاهرة.
(8) وإذا قال أحدٌ إن الأمة اليهودية لا تزال متميّزة عن سائر الشعوب في كل العالم، وإن ذلك دليل على أن الله سيردّهم أخيراً إلى أرض فلسطين ويعيد ديانتهم هناك. فنجيب: كلا، بل إن بقاء اليهود على هذا الحال هو إتمام للنبوات التي قالت إنهم سيكونون كذلك، ولا يوجد ما يدل على رجوعهم حرفياً إلى أرض فلسطين. بل يصح أن نحسب حال اليهود هذا دليلاً على أن النبوات عنهم تتم برجوعهم كأمة إلى الكنيسة المسيحية ليقبلوا ديانة الإنجيل.
(9) وربما اعترض آخر بأن النبوات تذكر رجوع اليهود إلى أرض فلسطين بصريح اللفظ، فلماذا لا نفهمها عنهم وعن رجوعهم حرفياً؟ فنجيب: أنبأ الله في العهد الجديد عن أزمنة الإنجيل وأحوال الكنيسة باستخدام ألفاظ وعبارات وكنايات وتشبيهات ومجازات واستعارات مألوفة عند اليهود في زمن العهد القديم، ومبنية غالباً على عاداتهم الدينية وبلادهم وما فيها من الحيوان والنبات والمعادن وما جرى فيها من حوادث، ليجعل تلك النبوات مفهومة عندهم. ومن أمثلة ذلك دعوة إبراهيم والخروج من مصر والتيهان في البرية ومدينة أورشليم وجبل صهيون وهيكل سليمان واحتشاد الشعب للأعياد وتقديمهم الذبائح والقرابين وإيقادهم البخور وتبويقهم بالأبواق وترنيمهم ترنيمات الفرح واحتفالهم بالأعياد ورجوعهم من السبي وبناؤهم المدينة والهيكل ثانية وامتلاكهم أرض كنعان، إلى غير ذلك مما استُخدم للتعبير عن أحوال الكنيسة وكل ما يختص بها من الأمور الروحية في عصر الإنجيل. ولذلك يجب على المستنيرين بنور الإنجيل أن يفسّروا تلك العبارات المجازية وأمثالها بالنظر إلى معناها الجوهري الإنجيلي، لا الخارجي الحرفي اليهودي، وأن يتوقّعوا انضمام اليهود إلى الكنيسة واشتراكهم في بركات شعب الله، وإفرازهم أمة ممتازة في كنيسة المسيح، ويجب أن نبشرهم بالإنجيل ونطلب من الله أن يتمم مواعيده فيهم، ويتوقّعوا برجاء وشوق رجوعهم إلى حضن الكنيسة وانضمامهم إلى شعب الله تحت رياسة المسيح، حسبما وُعدوا منذ القديم.
7 - ما هو الارتداد العظيم الذي يسبق مجيء المسيح ثانية؟ | ||
يحدث ارتداد عظيم في الكنيسة ويظهر «ضد المسيح» أي «إنسان الخطية» وإبادته: والكلام النبوي في هذا الموضوع واضح، ومنه كلام بولس في الارتداد عن الإيمان وظهور إنسان الخطية قبل مجيء الرب، وإبادته (2تسالونيكي 2: 1-10). وفي سفر الرؤيا عبارات كثيرة تدل على هذه الحادثة المريعة باستعمال تشبيهات وكنايات واستعارات متنوعة.
وجاءت نبوات الرسل عن أعداء الكنيسة في صورتين: (أ) صورة تصف عداوتهم ومقاومتهم لها دينياً بواسطة تعاليم فاسدة وأنظمة بشرية وعجائب كذابة وخرافات وأباطيل، بالإشارة إليهم بأسماء مختلفة منها: «الارتداد» و «إنسان الخطية» و «ابن الهلاك» و «ضد المسيح» و «وحش طالع من الأرض له قرنان شبه خروف» (رؤيا يوحنّا 13: 11) و «النبي الكذاب» و «الزانية» و «بابل». و(ب) صورة تصف عداوتهم للكنيسة على صورة المقاومة السياسية والطمع والافتخار العالمي، باستخدام كلمة تصف الممالك السياسية المضادة لملكوت المسيح وهي «وحش» موصوف أنه طالع من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون جلست عليه الزانية، وكانت قرونه واسطة إبادتها أخيراً (رؤيا يوحنّا 13: 1-10 و17: 16).
وقد اختلف المفسرون في مدلول «ضد المسيح» فقال بعضهم إنه يشير إلى قوة دينية تقاوم المسيح، وقال آخرون إنه يشير إلى قوة سياسية عالمية تقاومه، وقال غيرهم إنه يشير إلى شخص أثيم. واختار الأول جمهور المدققين، وعلى ذلك يراد به ارتداد ديني، ويرادفه «إنسان الخطية» و «ابن الهلاك» و «الزانية» و «بابل» و «النبي الكذاب» وكلها تشير إلى أمر واحد هو الارتداد عن الحق أو الزنا الروحي أو مقاومة المسيح بواسطة تعاليم كاذبة وأضاليل مهلكة. ومما يؤيد ذلك استعمال «ضد المسيح» في رسائل يوحنّا للتعبير عن معلّمين كذبة ومضلّين.
وليس في غير رؤيا يوحنّا من أسفار الرسل إلا نبوات قليلة، غير أنها ثمينة وسامية وأكثرها تتحدث عن ارتداد عظيم في الكنيسة وظهور مقاومة شديدة للإنجيل من أعداء أقوياء عبّروا عنهم بأسماء مختلفة أشهرها «ضد المسيح» و «إنسان الخطية» و «ابن الهلاك» و «سر الإثم» و «التنين» و «الوحش» الأول والثاني (رؤيا يوحنّا 13) و «النبي الكذاب» و «الزانية» و «بابل». وبعضها تشير إلى مقاومة دينية وغيرها إلى مقاومة عالمية والتنين كناية عن إبليس رئيس الجميع.
ومن الأمور التي ستصاحب ذلك الارتداد ومن خصائصه المتنوعة إفساد الحق، واغتصاب حقوق الله والمسيح، وإصدار قوانين دينية وفرائض مختلفة تخالف روح الإنجيل، والادعاء بسلطان سامٍ على عالم الأرواح، والنجاح باستعمال العجائب الكاذبة وكل خداع. وينشأ ذلك الارتداد من داخل الكنيسة لا من خارجها، ولا بد أن يهلك كل المرتدين ما عدا التائبين منهم.
وفي رسائل بولس نبوّتان تستحقان الذكر، إحداهما عن إنسان الخطية، والأخرى عن الارتداد في الأزمنة الأخيرة، أولهما وردت في 2تسالونيكي، والثانية في 1تيموثاوس. وبما أنّ النبوة عن إنسان الخطية جاءت أولاً نبدأ الكلام بها، فنبحث أولاً عن معنى الآية التي وردت فيها.
افتتح الرسول كلامه في هذا الموضوع بقوله: «ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ وَٱجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعاً عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ ٱلْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ» (2تسالونيكي 2: 1 و2). ويمكن فهم «مجيء المسيح» و «يوم المسيح» إمّا مجازاً، أي مجيئه في دينونته لليهود، أو حرفياً أي مجيئه في المجد ليدين العالم. نعم إنها جاءت أحياناً بالمعنى الأول، ولكنها وردت غالباً في العهد الجديد بالمعنى الثاني، وهو المعنى الموافق لها في هذا المكان، كما يتضح من القرينة.
والتعبيران «مجيء المسيح» و «يوم المسيح» لا يشيران في هذا المكان إلى خراب أورشليم، بل إلى مجيئه أخيراً ليدين العالم، وهو الأرجح والمقبول. وجاءت دائماً بهذا المعنى في 1تسالونيكي 2: 19 «لأَنْ مَنْ هُوَ رَجَاؤُنَا وَفَرَحُنَا وَإِكْلِيلُ ٱفْتِخَارِنَا؟ أَمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ». وطلب لهم أن «تثبت قُلُوبَهُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ، أَمَامَ ٱللّٰهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ» (1تسالونيكي 3: 13). وصلى أنّ: «إِلٰهُ ٱلسَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسهمْ بِٱلتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحهُمْ وَنَفْسهُمْ وَجَسَدهُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (1تسالونيكي 5: 23).
كل هذه الأقوال تشير إلى الدينونة العامة. وإذا كانت هذه الألفاظ قد جاءت دائماً في هذا المعنى في تسالونيكي الأولى، فلماذا لا تُفسر بهذا المعنى في تسالونيكي الثانية؟ إن مجيء المسيح المقصود هنا هو مجيئه الثاني في المجد ليدين العالم. وقد تكلم الرسول عن هذا المجيء نفسه في الرسالة الثانية (انظر 2تسالونيكي 1: 6-10).
كان مهماً جداً ألا يضل التسالونيكيون في هذا الأمر، بعد أن عرفوا أن مجيء المسيح قريب، وآمنوا بذلك. فإن لم يأتِ حسب انتظارهم، يتزعزع إيمانهم في عقيدة المجيء الثاني، وبعد ذلك يتزعزع إيمانهم في باقي العقائد المسيحية! ولذلك حذرهم الرسول من السقوط، وأكد لهم أنه لا بد من حدوث أمور مهمة قبل المجيء الثاني، فقال «لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي (يوم المسيح) إِنْ لَمْ يَأْتِ ٱلٱرْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ ٱلْخَطِيَّةِ، ٱبْنُ ٱلْهَلاَكِ، ٱلْمُقَاوِمُ وَٱلْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلٰهاً أَوْ مَعْبُوداً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ ٱللّٰهِ كَإِلٰهٍ مُظْهِراً نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلٰهٌ» (2تسالونيكي 2: 3و4). وليس هذا الارتداد سياسياً كثورة ضد حكومة، بل هو ديني، وأي سقوط من الديانة والعبادة الصحيحة، كما قال الرسول: «ارتداد عن الإيمان» (1تيموثاوس 4: 1) و «ارتداد عن الله الحي» (عبرانيين 3: 12). قال إيراسموس إن أداة التعريف في الارتداد هنا هي للعهد، فهو ارتداد شهير جاءت عنه نبوة سابقاً. وذلك قوله «إنسان الخطية» هو إشارة إلى ما هو معلوم عندهم من كلامه سابقاً.
لقد ذكر الرسول هذه الأمور لأهل تسالونيكي ليحذّر حديثي الإيمان منهم من الارتداد العظيم الذي سيطرأ على الكنيسة، فقال لهم «أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هٰذَا؟ وَٱلآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ. لأَنَّ سِرَّ ٱلإِثْمِ ٱلآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ ٱلْوَسَطِ ٱلَّذِي يَحْجِزُ ٱلآنَ» (2تسالونيكي 2: 5-7). وهذا يعني أن «إنسان الخطية» لم يكن قد استُعلن بعد حينئذ، لأن زمن ظهوره لم يكن قد أتى بعد. غير أن سر الإثم كان يعمل حينئذ، لأن يوجد «سر للإثم» كما يوجد «سر للتقوى» (1تيموثاوس 3: 16) والواحد ضد الآخر. فزرع الفساد كان قد زُرع، ولكنه لم يبلغ أشده بعد، والخميرة كانت متحركة في بعض الأجزاء ولكن كان لا بد من مرور وقت قبل أن تخمّر كل العجين، وإنسان الخطية كان قد حُبل به في الرحم ولو أن ذلك كان في بدايته، ولا بد من مرور وقت قبل أن يولد - فقد كان هناك ما يمنع ظهوره، غير أن الرسول لم يصرّح به: هل هو شخص أو شيء آخر؟ ولكنه يبقى غير واضح إلى أن يُرفع ما يحجزه من الوسط. وليس في طاقتنا الآن تعيينه باليقين، غير أن المفسرين الأولين أجمعوا على أنه هو المملكة الرومانية. والأرجح أن الرسول احترس من التصريح به كتابة لأنه يختص بالسياسة العليا للدولة، ولذلك قال «وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ ٱلأَثِيمُ، ٱلَّذِي ٱلرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ» (2تسالونيكي 2: 8). ولا بد أن الرسول أخبر أهل تسالونيكي به شفاهاً، وإن لم يكتب إليهم عنه في الرسالة إلا تلك العبارات المبهمة.
فالأمر واضح جداً أنّ الاثيم المذكور هنا وإنسان الخطية هما شخص واحد، وهو الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه. فإذا كانت هاتان العبارتان تشيران إلى حادثتين متميزتين، يكون المعنى أن الرب يسوع يبيده بالتدريج بالتبشير ونشر كلمته، ويبطله عند مجيئه الثاني بمجد أبيه مع ملائكته القديسين. وإذا كانتا تشيران إلى حادثة واحدة فذلك إطناب ورد مثله كثير في الأسفار الإلهية، المقصود منه أن الرب يسوع يبطله بغاية السهولة بنفخة فمه وبظهور مجيئه.
ولما رغب الرسول في أن ينبئ عن إبادة إنسان الخطية، أدرج ذلك في الخبر عنه، ثم عاد وذكر الأحوال الأخرى التي بواسطتها يتقدم هذا الشرير ويثبت نفسه في العالم. وهي أنه ينال الثقة والسلطان بالحيل الشيطانية، ويدّعي أنه يمتلك قوات فائقة، ويفتخر بالإعلانات والرؤى والمعجزات الكاذبة التي يستخدمها لينشر تعاليمه، فقال «ٱلَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ» (2تسالونيكي 2: 9). وهو يستعمل كل الحيل الشريرة وأنواع الخداع والأهواء والتصرفات الرديئة مع بني البشر، ولكنه ينجح فقط مع أصحاب القلوب الفارغة من الحق الذي لو قبلوه لنالوا الخلاص الأبدي، ولذلك قال الرسول «وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ ٱلإِثْمِ، فِي ٱلْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ ٱلْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا» (2تسالونيكي 2: 10). ولما كان من العدل أن الله يسلّم الذين يسرون بالبطل والكذب للأباطيل والأكاذيب في هذا العالم، للدينونة في العالم الآتي، قال الرسول «وَلأَجْلِ هٰذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ ٱللّٰهُ عَمَلَ ٱلضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا ٱلْكَذِبَ، لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا ٱلْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِٱلإِثْمِ» (2تسالونيكي 2: 11و12).
لقد ارتعب التسالونيكيون من بعض العبارات في الرسالة الأولى، إذ ظنوا أن نهاية العالم قد اقتربت والمسيح آتٍ للدينونة. وأراد الرسول أن يصلح أخطاءهم ويطمئن قلوبهم فأكد لهم أن مجيء المسيح لا يزال بعيداً، وأنه مسبوقٌ بارتداد عظيم أو سقوط بعض المسيحيين من الإيمان الحقيقي والعبادة الصحيحة.
8 - ما المقصود بدخول الكنيسة في عصر سعيد هو الألف السنة؟ | ||
المقصود به دخول الكنيسة في عصر جديد، كُني عن طول مدته بألف سنة، فيه تمتد المسيحية إلى كل العالم وتتسلط على قلوب البشر، ويُقيّد إبليس فيستريح العالم من مكايده. وكل هذه أمور مقررة في النبوات الإلهية، وفيها تلميحات كثيرة تدل على أن المسيحية تكون حينئذ ذات تأثير كلي في البشر، والديانة الوحيدة في العالم، وأن الحجر المقطوع من جبلٍ بغير يدين يصير حينئذ جبلاً عظيماً ويملأ الأرض (دانيال 2: 34و45). وتبطل عداوة ومقاومة السياسيين ورجال الديانة الكاذبة للإنجيل. ويحدث تقدم عظيم ومجيد في الأمور الزمنية والمدنية والاجتماعية والعلوم والفنون والصناعة والاختراعات ووسائل المعيشة، لأن العالم يستريح نوعاً من الخطية والحروب والخصومات الناتجة عنها.
وقد توهّم البعض أن مجد الألف سنة لا يكون بارتفاع شأن المسيحية وبلوغها أسمى درجة في فعلها في قلوب البشر، بل تكون بتجديد الديانة اليهودية، ورجوع الكنيسة إلى الأركان اليهودية القديمة، وإقامة ملكوت المسيح بصورة زمنية أرضية (إذ يأتي هو في الجسد) ويُعاد بناء أورشليم وتصير عاصمة ذلك الملكوت، ويتم تعيين وزراء ورؤساء له من اليهود نسل إبراهيم الجسدي.
ويجب الانتباه لصفات الأتقياء وأحوال القلب البشري أثناء الألف السنة لئلا ننتظر الكمال التام على هذه الأرض. نعم يقول الكتاب إن الشيطان يُقيّد، وإن المسيحية تمتد، وإن اعداءها يبيدون، وإن السلام التام يسود بين كل الأمم. لكنه لا يبشرنا بأن كل مسيحي يبلغ الكمال الروحي، فإن العيوب الشخصية لا تزول بالتمام من قلوب البشر ولا من تصرفاتهم، لذلك ربما يحتاجون إلى علاج إلهي مرّ كالحزن والضيق والتأديب. لكن المنتظر أن التقوى تزيد جداً في العالم في تلك المدة، حتى تصير أرضنا مكان راحة وسعادة روحية وجسدية لا نظير لها إلا في العالم السماوي وحول العرش الإلهي.
أمّا كيفية دخول مدّة الألف سنة في العالم، والوسائل التي تسهّل مجيئها فتتم بتبشير كل الأمم بالإنجيل، ويحوّل الله جميع الأمور العالمية وسائل ليتمم هذه الغاية، ويسكب الروح القدس في كل مكان وبين جميع القبائل والشعوب. وفي الكتاب مواعيد وأوامر كثيرة في هذا الشأن، منها أمر المسيح لكنيسته أن تبشر بالإنجيل وتتلمذ الشعوب، ووعده أن يرافقها، ويرسل لها الروح القدس. والمسيح الآن ملك مطلق في الكون يعتني بكنيسته، ويوجّه أعمال عنايته وكل ما يحدث في العالم من اضطراب وانقلاب في الأمور السياسية والحروب والاختراعات ليبني هذا الملكوت ويتمم هذه الغاية السامية. ومن وسائل إتيان عصر السلام والراحة إبادة أعداء الله المعاندين الذين لا رجاء في إصلاحهم. ومن النصوص على ذلك كلام الرسول عن إبادة إنسان الخطية وابن الهلاك (2تسالونيكي 2: 8) وقول الملاك في سفر الرؤيا لجميع الطيور: هَلُمَّ ٱجْتَمِعِي إِلَى عَشَاءِ ٱلإِلٰهِ ٱلْعَظِيمِ، لِكَيْ تَأْكُلِي لُحُومَ الأشرار ومقاومي المقاصد الإلهية (رؤيا يوحنّا 19: 17-18). ولا بد أن الأرض تمتلئ في ذلك اليوم من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر، وكذلك لا يسيؤون ولا يُفسدون في كل جبل قدس الرب. ولا شك أننا قد اقتربنا جداً من ذلك اليوم المبارك، لأن الكنيسة تجتهد الآن في أن تتمم وصية ربها في تبشير جميع الشعوب بالإنجيل بغيرة شديدة، ويتكلل اجتهادها بالنجاح في كل مكان، وتزيد آمالها يومياً بإتمام ذلك العمل ببركة الله عليها، وبإرسال الروح القدس لها بقوة، وبالوسائل التي ذكرناها وبأعمال العناية الإلهية. ولا بد من الصبر والأمانة والاجتهاد في العمل والصلاة.
9 - ما هو المقصود بحل الشيطان مدة وجيزة؟ | ||
يُحَل الشيطان مدة وجيزة عند نهاية الألف سنة ويحارب الكنيسة، ثم يأتي المسيح. ولعل القارئ ينذهل من حدوث ارتداد كهذا بعد أن تنتشر المسيحية وتسود في العالم طول تلك المدة.
وحلّ الشيطان ومحاربته للبشر في هياج شديد لمعرفة أن وقته قصير، يفسر لنا إمكانية حدوث ذلك الارتداد المخيف. وربما كان بقاء الكنيسة مدة طويلة بدون تجربة، ودوام راحتها في العالم تؤدي أخيراً إلى الغفلة وإهمال الأمور الروحية، مما يجعل كثيرين من البشر عُرضة لمكائد إبليس. وسواء أدركنا أسباب حل الشيطان وفهمنا المقاصد الإلهية فيها أم لا، فلا بد من حدوثها، لأن ما جاء في سفر الرؤيا في هذا الشأن صريح جداً (رؤيا يوحنّا 20: 7-9). غير أن ما يريحنا هو تأكيد الله لنا أن النهاية تكون في يده، وأنه هو يحفظ شعبه ويحدد مدة وجود تلك الحوادث بموجب حكمته السامية (رؤيا يوحنّا 20: 10).
10 - ما هي الحوادث التي تصاحب مجيء المسيح ثانية؟ | ||
الحوادث التي تصاحب مجيء المسيح ثانية هي: (1) القيامة (2) الدينونة الأخيرة (3) نهاية العالم (4) ظهور ملكوت المسيح في كماله، أي دخول الكنيسة في أمجادها السماوية.
والآن

