هل السبتيون على حق؟ |
-
هل السبتيون على حق؟
- مقدمة
- 1- نشأة الأدفنتست
- 2- مراحل نمو الأدفنتست
- 3 - تنظيم الكنيسة الأدفنتسية
- 4 - معتقدات الأدفنتست
- 5 - المسيح والسبت
- 6 - الوصايا العشر والسبت
- 7 - أسباب حفظ الأحد
- 8 - السبت والتواتر
- 9 - إجماع المسيحيين على يوم الأحد
- 10 - العطاء والأطعمة
- 11 - مخالفات الأدفنتست
- 12 - رأي الأدفنتست في الموت
- 13 - نفي الخلود
- 14 - الدينونة الأخيرة
- 15 - خطأ تحديد موعد مجيء المسيح
- 16 - مصير الأموات
- 17 - القصاص الأبدي
- 18 - أضرار خلود النفس
- خلاصة عامة
- مسابقة كتاب «هل السبتيون على حق؟»
هل السبتيون على حق؟ | ||
مقدمة | ||
حين نبحث في الحركات المذهبية المستحدثة في كل جيل، نرى أن كلاً منها سجلت نجاحات سريعة في البداية، ولكن ما أن يمضي بعض الوقت، حتى يخف الحماس لها شيئاً فشيئاً، ولا تلبث أن تتقلص. هذا ما حصل في تاريخ جماعة الإدفنتست، حفظة ناموس السبت.
وُلدت هذه الحركة في زمن متأخر، وفي حال متواضعة، تحيط بها المصاعب من كل جهة. ولكنها في الفترة ما بين عام 1948 والعام 1958 ، نشطت كثيراً وتضاعف عدد أعضائها، حتى بلغوا مليوناً ونيف.
ومما ساعدها في انطلاقتها، هذا العدد الضخم من منشوراتها الحسنة الطباعة الأنيقة الإخراج، والمفعمة بالأبحاث الجذابة في المجلات الأدبية والدينية والطبية. وهذا بالفعل ما أتاح لها أن تنمو، وتثبت أقدامها في أماكن متعددة.
ولكن خدام الرب المخلصين، الذين لم يخْلُ عصر من وجودهم، كانوا وما زالوا ينبّهون أفكار المؤمنين إلى خطر الانجراف في تيار التعاليم التي تحد من الحرية التي في المسيح، وفي مقدمتها حفظ نير السبت الذي يُحسَب ردَّة إلى أركان الناموس اليهودي الضعيفة. وكان من ثمار هذا التصدي في أيامنا الأخيرة، أن الحركة السبتية خفّ تأثيرها على المسيحيين.
ولعل الحركة السبتية إذ لاحظت الانخفاض في عدد المريدين، وجدت مؤخراً أنه لا بد لها من مد اليد إلى الكنائس الأخرى، كمحاولة للتهادن معها والتخلص من مقاوماتها. ولكن هذا الأسلوب لم ينجح، لأن الكنائس المسيحيّة تمسَّكت بالتعليم المسيحي الذي جردها من الشعائر اليهودية، ولم تؤخذ بهذه البادرة حرصاً منها على حفظ أعضائها ضمن الإيمان المسلم مرة للقديسين، وإبقاءً على إصرارها على رفض كل مطاوعة ليست من المسيح الذي دعاها.
وكأحد خدام المسيح الذين أخذوا على عاتقهم توضيح الأمور، ونزولاً عند رغبة الكثيرين من الأصدقاء، أقدم هذا الكتاب، الذي استقيت مواد أبحاثه من منشورات السبتيين ومن مصادر أخرى كتبت في لغات الغرب.
إسكندر جديد
1- نشأة الأدفنتست | ||
منذ ثلاثماية سنة ونيف والمحاولات تبذل، لإخضاع كنيسة المسيح لناموس حفظ السبت. ففي العام 1664 ظهرت جماعة من المجتهدين في تفسير الأسفار المقدسة، سموا أنفسهم بالسبتيين، نظراً لمناداتهم بوجوب تقديس يوم السبت. ولكنهم بعد فترة من الزمن، أطلقوا على أنفسهم اسم الأدفنتست ليظهروا أن لجماعتهم جذوراً في الاعتبارات النبوية.
ولكن هذا الاسم الذي حرص المدَّعون به على أن يكون لهم صفة شرعية، لم يستطع أن يغير شيئاً من حقيقة كون السبتية رجوعاً إلى أركان اليهودية الضعيفة.
الواقع أن السبتية بتشبثها بحرفية السبت، تسلب معتنقها، ليس فقط الحرية التي اشتراها له المسيح بدمه، بل أيضاً تطلب إليه بطريقة غير مباشرة التنازل عن اعتقاده بأن ذبيحة المسيح كافية للخلاص، حتى لو لم يحفظ يوم السبت.
في اعتقادي أن حفظ ناموس السبت ليس إلا محاولة ضمنية لإبطال ذبيحة المسيح وتراجعاً عن ناموس روح الحياة الجديدة في المسيح يسوع، الذي أعتقنا من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 2).
الحرف يقتل، قال الرسول بولس. وقد عبر عنه برسول الموت ورسول الدينونة، لأن لا دم كفارة فيه قادراً أن يكمل الذي يخدم (عبرانيين 9: 9) إنه يدين المخالف، ولا يغفر له. ولكن شكراً لله لأجل رسالة الروح! فإن الروح يحيي. وقد قال المسيح: «اَلْكَلامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (الإنجيل بحسب يوحنا 6: 63) فكلام المسيح يهبنا حياة أبدية على أعلى مستوى، هنا في الدنيا، وحياة أبدية هناك في الآخرة.
لقد أنار لنا يسوع الحياة الأرضية، بإنجيل الفداء. وأنار لنا الحياة والخلود، بقيامته من الأموات. وأعلن لنا عمله الخلاصي، هو غاية الناموس لكل الذين يؤمنون. وبإرساله الروح القدس، أعطى حياة نصرة وحرية وحق وقداسة. وهذا العهد هو ناموس روح الحياة الذي حرر كل من قبل خلاص الله في يسوع المسيح من سلطة الخطية والموت. وتبعاً لذلك صار القول الرسولي: «لأَنَّهُ مَا كَانَ ٱلنَّامُوسُ عَاجِزاً عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفاً بِٱلْجَسَدِ، فَٱللّٰهُ إِذْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ ٱلْخَطِيَّةِ، دَانَ ٱلْخَطِيَّةَ فِي ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ ٱلنَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ» (رومية 8: 3-4).
2- مراحل نمو الأدفنتست | ||
لقد مرت جماعة الأدفنتست في مراحل متعددة. قبل أن تأخذ الوضع الذي صارت إليه في أيامنا هذه. ولعل أبرز ما يستوقفنا من رجالاتها هو وليم مِلَر المعمداني المعتقد في الأصل. وهو أميركي مولود عام 1782. فهذا المعلم المتخصص في دراسة النبوات توصل إلى استنتاج يثير الفضول.،وهو أن المسيح سيأتي ثانية سنة 1843. وقد بنى استنتاجه على النص القائل في دانيال: «فَسَمِعْتُ قُدُّوساً وَاحِداً يَتَكَلَّمُ. فَقَالَ قُدُّوسٌ وَاحِدٌ لِفُلانٍ ٱلْمُتَكَلِّمِ: «إِلَى مَتَى ٱلرُّؤْيَا مِنْ جِهَةِ ٱلْمُحْرَقَةِ ٱلدَّائِمَةِ وَمَعْصِيَةِ ٱلْخَرَابِ، لِبَذْلِ ٱلْقُدْسِ وَٱلْجُنْدِ مَدُوسَيْنِ؟» فَقَالَ لِي: «إِلَى أَلْفَيْنِ وَثَلاثِ مِئَةِ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، فَيَتَبَرَّأُ ٱلْقُدْسُ» (دانيال 8: 13-14).
فمِلَر افترض أن تتم تبرئة القدس المذكورة هنا برجوع المسيح إلى الأرض وإقامة النظام عليها وأن ال 2300 صباحاً ومساءً تعني 2300 سنة، وأن هذا الزمن يبدأ في نفس الوقت الذي بدأت فيه السبعون أسبوعاً المذكورة في دانيال 9: 24-25 ، أي في العام 457 قبل الميلاد. العام الذي فيه سمح ارتحششتا الملك بإعادة بناء أورشليم، استجابة لتوسلات عزرا الكاتب. وقد أجرى مِلَر حسابه هكذا: 2300 ناقص 457 تساوي 1843. وقد وصل مِلَر إلى استنتاجه سنة 1822 ، إلا أنه لم يعلنه إلا في سنة 1831 قولاً وكتابة.
في تلك الفترة من الزمن دعاه الواعظ الشهير فني إلى مكتبه، وحاول أن يرجعه عن هذا الخطأ الذي ارتكبه. ولكن المحاولة لم تنجح بسبب عناد ملَّر (مذكرات فني ف 27 ص 371).
ومع أن مِلَر لم ينل إلا نجاحاً يسيراً في البداية، إلا أن أتباعه أخذوا يتكاثرون مع اقتراب الوقت الذي حدده لمجيء المسيح. وتبعاً لذلك فتحت عدة كنائس أبوابها لتقبل أفكار مِلَر، وكانت جموع غفيرة تقبل على المحاضرات التي كان يلقيها مِلَر في القاعات الكبرى أو في الخيم، وكان أتباعه يشرفون على تنظيم تلك الاجتماعات. ونجم عن ذلك انضمام الكثيرين إلى حركته، بالرغم من المعارضة التي تصدت لنشاطاته التي سبت هؤلاء بعنوانها الجذاب «حركة منتظري المسيح» والتي أدت في الأخير إلى طرد جميع الذين شايعوه من كنائسهم الأساسية.
في تلك البرهة عينها أعاد مِلَر النظر في أرقام التاريخ الذي حدده لمجيء المسيح، وبعد البحث طلع بحساب جديد مفاده أن المجيء سيتم في السنة العبرية وفقاً لروزنامة الكتاب المقدس. أي بين ربيع 1843 وربيع 1844 ، مستخلصاً أرقامه الجديدة بالاستناد على ما جاء في خروج 12: 2 ولاويين 23: 5 ، وذلك ليدعم نظريته الجديدة بأن المجيء يجب أن يتم في أول شهر من السنة العبرية.
وبعد هذا التعديل في التاريخ أصدر أحد المشايعين، وهو السيد صموئيل سنوو، بياناً قال فيه أن ال 23 صباحاً ومساء يجب أن تنتهي في الخريف، في يوم الكفارة العظيم. وعلى هذه الصورة تتم تبرئة القدس، التي أشار اليها دانيال في الأصحاح 8: 14. لأن في هذا اليوم العظيم يحتفل الإسرائيليون بعيد التطهير المنصوص عنه في لاويين 16، أي 22 تشرين الأول (أكتوبر) 1844. وقد أصدر السيد سنوو بيانه بعد أن لاحظ أن الإسرائيليين قد عدلوا تقويمهم، بحيث جعلوا سنتهم تبدأ في الخريف بدلاً من الربيع.
واستناداً على هذا البيان اقتنع جميع الأدفنتست بأنهم سيُخطَفون في ذلك اليوم في السحب لملاقاة الرب في الهواء. ولكن شد ما كانت خيبتهم مريرة حين دقت ساعة منتصف الليل المنتظر دقاتها الإثنتي عشرة دون أن يحدث شيء مما توقعوه.
بعد هذا الفشل المريع اعترف مِلَر بكل بساطة بأنه أخطأ في حساباته، وأعطى أمراً بوجوب انتظار عودة المسيح دون تحديد وقت معين. ولكن الأمر لم ينته بهذه السهولة، لأن هذا الفشل أحدث بلبلة في صفوف المريدين الذين سبق أن هجروا كنائسهم الأصلية بملء إرادتهم، أو أجبروا على ذلك. فتجمع هؤلاء في تنظيم جديد، أطلقوا عليه اسم «الأدفنتست الإنجيليين» وهم يختلفون عن الفرق الإنجيلية الأخرى بتمسكهم الشديد بالنبوات. وأكبر مجموعة منهم توجد في الولايات المتحدة الإميركية.
في العام 1856 حدث انشقاق في الصفوف، فانفصل عنهم جماعة لقبوا أنفسهم «بالأدفنتست المسيحيين»، هؤلاء يعتقدون برقاد أنفس الأموات، وبالخلود المشروط. وهاتان العقيدتان أدخلتا في أندية الأدفنتست بواسطة المدعو جورج ستورز (1796-1879) وقد قوبل ادخالهما بمعارضة شديدة من مِلَر، الذي كان يؤمن بوجود العذاب الأبدي بالنسبة للأشرار. بيد أن الأدفنتست المسيحيين لم يستطيعوا إحداث حركة واسعة، كما أنهم لم يقدروا أن ينشروا دعوتهم خارج الولايات المتحدة الأميركية.
قد تراءى للجميع يومئذ أن الحركة الأدفنتستية على وجه العموم قد بدأت تضعف بعد نشاطها الكبير في الفترة من سنة 1840 إلى سنة 1844. ولكن على عكس ما فكر كثيرون ففي تلك الفترة من الزمن كانت الجماعة تستعد لوثبة جديدة.
ففي صباح 23 تشرين أول 1844 كتب أحد أقطاب دعاة الأدفنتست وهو حيرام أدسون بياناً هذا نصه: علمت في رؤيا أن خروج كاهننا العظيم من قدس الأقداس، لكي يأتي إلى الأرض، لا زال بعيداً جداً. إلا أنه في نهاية ال 2300 صباحاً ومساء، دخل للمرة الأولى القسم الأول من القدس لكي يكمل أحد الأعمال، قبل مجيئه إلى الأرض. وكانت هذه الشهادة بمثابة نجدة للأدفنتست، لكي يدعموا حساباتهم السابقة، ويبرهنوا للعالم أنهم لم يفشلوا في تنبؤات مِلَر.
وكذلك في بدء العام 1844 اتصل بعض معلمي الأدفنتست بالسيدة راشيل واكس (1892) التي تنتمي إلى جماعة صغيرة من المعمدانيين أطلقوا على أنفسهم اسم «معمدانيي اليوم السابع» ويعود ظهورهم إلى القرن السابع عشر. وكانت نتيجة الإتصال أن اقتنع الأدفنتست بأن يوم الراحة يجب أن يكون يوم السبت. وكان أشدهم حماساً للموضوع الكابتن جوزيف باتز (1792 - 1872). وقد صيّره حماسه بطل هذه العقيدة لدى إخوته.
وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) 1844 أعلنت فتاة في السابعة عشرة، إسمها إلين هرمون (1827 - 1915) أنها تمتعت برؤياها الأولى، وخلالها رأت الآلام التي سيتجرعها الإدفنتست وهم في الطريق إلى المدينة السماوية.
هذه الحادثة لم تكن بالأمر الجديد على الجماعة، فقد أعلن بعض منهم، أنهم حصلوا على رؤى مماثلة. بيد أن هذا الأمر أثار خواطر الرؤساء، وخصوصاً مِلَر. إلا أنه لم يستطع أن يفعل شيئاً، لأن عدداً من أقطاب الحركة تحمسوا للموضوع، وقالوا إن هذا النوع من الرؤى يدل على تجدد مواهب الروح، واعتقدوا أن إلين هرمون نبية مرسلة من الله.
في سنة 1846 تزوجت إلين هرمون من السيد جايمس هوايت، الذي كان أحد معاوني ملَّر خلال شهور طويلة. وقد اختارته زوجاً لها بعد أن رأت فيه مواهب تخوله التقدم والوصول إلى زعامة الحركة.
لقد تبنت السيدة إلين هوايت آراء أدسون في ما يختص بتبرئة القدس. كما تبنت أيضاً اعتقاد معمدانيي اليوم السابع في كل ما يتعلق بتقديس السبت، ثم وافقت على كل أفكار ستورز في موضوع رقاد أنفس الأموات وملاشاة الأشرار عديمي الصبر، وأدخلت كل هذه المبادئ في صلب عقيدة جماعة الإدفنتست.
في البداية كان عدد مقدِّسي السبت ضئيلاً، لأنهم كانوا أقلية بين أتباع مِلَر، ولم يفكروا جدياً في تنظيم أنفسهم بسبب إقتناعهم بأن النهاية أصبحت قريبة. ولكن في الفترة من 1861-1863 أعلنوا نظامهم الرسمي بعد إصدار عدد عديد من النشرات، وإقامة سلسلة من المحاضرات. وفي احتفال رسمي كبير أطلقوا على أنفسهم اسم أدفنتست اليوم السابع. وتبعاً لذلك سموا أيضاً سبتيين.
حين بدأوا نشاطهم في أوروبا كانت حركتهم متواضعة جداً. وقد كان الرائد الأول كاهناً بولونيا، اسمه كريستوفيرسكي سنة 1876 ، وكان قد هاجر إلى أميركا. وهناك اعتنق المذهب البروتستانتي، ثم صار بعد ذلك سبتياً. فهذا الرجل عاد إلى أوروبا، ومع أنه لم يكلف بالقيام بأي عمل، إلا أنه بذل نشاطاً حثيثاً في بث الدعوة السبتية. وفي فترة قصيرة من الزمن استطاع أن يجمع حوله بعض الناس في كل من قرى فلورية، ولاشودي فوند، وتراميلاند من سويسرا. وفي قرية تراميلاند أنشئت أول كنيسة سبتية في أوروبا سنة 1876.
بعد هذا النجاح أرسل أدفنتستيو أميركا أحد رؤسائهم اندروير (1829-1883) إلى أوروبا، فأسس مركزاً في مدينة بال. وهذا المركز صار في ما بعد نقطة انطلاق إلى مدن سويسرا وفرنسا وألمانيا. وفي سنة 1876 أصدر مجلة بعنوان «علامات الأزمنة».
أما بالنسبة للعمل المرسلي في البلاد الوثنية، فلم يبدأ إلا في سنة 1894 وذلك في إفريقيا الجنوبية.
3 - تنظيم الكنيسة الأدفنتسية | ||
تساس كنيسة الإدفنتست وفقاً لمجموعة قواعد ومخططات متلاحمة، فالكنائس المحلية ترسل مندوبين عنها إلى مؤتمرات يطلق عليها اسم المؤتمرات المحلية، والتي يصح أن تدعى المؤتمرات الإقليمية، وهي تعقد مرة كل سنتين، وفي أثنائها يعين الوعاظ. وعلاوة على هذه تنظم المؤتمرات الاتحادية التي تعقد كل أربع سنين. مثال على ذلك الإتحاد الفرنسي البلجيكي، الذي يشمل كل كنائس فرنسا وبلجيكا.
وكذلك يقام مؤتمر عام كل أربع سنين، يدعى إليه مندوبون من جميع أقطار العالم، له صلاحية المجلس التنفيذي، ويعقد عادة في واشنطن.
وفي هذا المؤتمر تقدّم تقارير عن نشاطات المنظمات المختلفة، التي لكل منها لجنة، تدرس أوضاعها، وتتخذ التوصيات بشأنها. ومن أبرز هذه المنظمات:
-
جمعية المطبوعات التي ما زالت تصدر المجلة التي أسسها جايمس هوايت سنة 1850 ، والتي هي أعظم منشورات الأدفنتست.
وتدل الإحصائيات على أنه في عام 1957 كان للأدفنتست 43 داراً للنشر، تصدر الكتب في 214 لغة. وهذه الكتب يتم توزيعها بواسطة جيشٍ من الموزعين.
-
مدارس السبت، التي تشبه مدارس الأحد في بعض وجوهها. إلا أنها تضم في صفوفها ليس الصغار فقط بل أيضاً الكبار. والأموال التي تجمع من هذه المدارس مخصصة لتغذية صندوق الإرساليات.
-
قسم الحرية الدينية، الذي يبذل المحاولات والجهود لصرف نظر الناس عن حفظ يوم الأحد. وهذا القسم هو في حالة استنفار للتدخل كلما تعثرت الدعوة من أجل السبت.
-
قسم التربية، الذي يشرف على مدارس إعداد القسوس والوعاظ. وينظم المدارس الثانوية والعليا التي تشرف عليها الطائفة. وتظهر التقارير أنه في العام 1946 كان لدى الأدفنتست في الولايات المتحدة وكندا ما يربو على 1175 معهداً، كما أن لديهم عدداً كبيراً من المدارس في البلاد الأخرى التي لهم فيها عمل مرسلي.
ومن معاهدهم الهامة المدرسية الإكليريكية في كولونج سوسالف بفرنسا، والتي تأسست سنة 1931 ، وفيها تعد العناصر، التي يناط بها إعداد الدروس بالمراسلة.
-
القسم الطبي، الذي في العام 1947 ، كان يشرف على 177 مستشفى أو مستوصف في العالم. ولعل أهم هذه المؤسسات الطبية هو مصح ليمان في سويسرا.
-
قسم الشبيبة، الذي يهتم أيضاً بشؤون المرسلين، والأمر اليومي في هذا القسم هو التشديد على التعليم الخاص باقتراب مجيء المسيح إلى العالم، ونشر هذا التعليم بين الجيل الصاعد.
الإنضمام إلى الكنيسة: اُشترط في طالب الانضمام أن يكون قد مارس المعمودية بالتغطيس، بعد التوبة والتأكد من خلاص نفسه. ويوصي الذين مارسوا هذه المعمودية في الكنائس الأخرى أن يعتمدوا مرة أخرى.
الاجتماع التعبدي: يقام هذا الاجتماع في السبت صباحاً دون أية طقوس. ولكن يفرض أن يكون برنامج الخدمة قد نظم مسبقاً. وهذا البرنامح يحتوي على مقدمة موسيقية، وحمدلة، ودعاء، وقراءة الكتاب المقدس، وترنيم وصلاة وتقدمة، ويتبع هذه ترنيمة من الجوق، ثم وعظ، وترنيمة أخيرة، فالصلاة الختامية، وأخيراً فترة للتأمل (كتاب اعتراف الإيمان صفحة 134-145).
برنامج مدرسة الأحد: يبدأ بافتتاحية، فتلاوة محضر الإجتماع السابق، فاستعراض أخبار العمل المرسلي، ومراجعة الدرس السابق وتسجيل الحضور. ثم يلي ذلك التقدمات، فشرح الدرس الجديد، وأخيراً خدمة ختامية.
العشاء الرباني: يمارس العشاء الرباني بخبز خال من الخميرة ونبيذ غير متخمر. وبعد الصلاة يتفرق الأعضاء إلى مجموعات لممارسة غسل الأرجل، الذي يطلقون عليه خدمة الإتضاع. ثم يعودون إلى الإجتماع فيكسر الوعاظ الخبز، ويوزعه الشمامسة. وبعد أن يعطي الحضور المجد لله لأجل دم المسيح يوزع الشمامسة الخمر. وتنتهي الخدمة بترنيمة.
4 - معتقدات الأدفنتست | ||
في عرض معتقدات الأدفنتست، لا موجب لاهتمامنا بالمبادئ التي يشاركون فيها بقية الطوائف المسيحية. بل يجب التركيز على المعتقدات التي يتفردون بها، والتي تغاير نصوص الكتاب المقدس.
1 - كلام الوحي: مع أنهم يقولون إن الكتاب المقدس هو دستور إيمانهم ومصدر تعاليمهم، ومع أن الكتاب بعهديه القديم والجديد هو موحى به من الله، ويحتوي كل إعلانات إرادته المقدسة، وإن أسفاره تشكل معاً القاعدة المعصومة للإيمان والسلوك، إلا أنهم يضعون كتابات السيدة إلين هوايت في مستوى الكتاب المقدس من الاعتبار.
لقد ذكرت آنفاً أنهم يعتبرون السيدة هوايت كنبيَّة مملوءة بالروح، ويؤمنون أن كتاباتها موحى بها من الله، ويرون في رسالتها إتمام الوعود التي وردت في سفر الرؤيا عن شهادة يسوع التي هي روح النبوة (رؤيا 19: 10). ويطبقون على أنفسهم النبوة القائلة: «فَغَضِبَ ٱلتِّنِّينُ عَلَى ٱلْمَرْأَةِ، وَذَهَبَ لِيَصْنَعَ حَرْباً مَعَ بَاقِي نَسْلِهَا ٱلَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا ٱللّٰهِ، وَعِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رؤيا 12: 17).
ويقال إن السيدة ألين هوايت، لم تطالب بأن توصف بكلمة «نبيّة». ولكنها على أي حال لم ترفض، بل قدمت نفسها كرسولة الرب (كتاب مسائل 9 صفحة 92). وكذلك في النصائح التي كانت توزعها على الجماعة، يوجد الكثير من هذه العبارات: لقد أعطاني الرب أن أقول... إلى غير ذلك من الأقوال المشابهة.
ونقرأ في كتابها «مأساة العصور»: «بفضل إنارة الروح، تمكنت أنا كاتبة هذه السطور أن أرى مشاهد الاقتتال بين الخير والشر، خلال الأجيال المتعاقبة» (مأساة العصور صفحة 12).
وفوق هذا، فبين الأسئلة الثمانية عشر، التي تطرح على طالبي العماد يوجد هذا السؤال: «هل تؤمن بعقائد الكتاب المقدس، وبالمواهب الروحية المعطاة للكنيسة؟ وهل تقبل الروح النبوية كما هي ظاهرة في حضن الكنيسة، بواسطة رسولية وكتابات السيدة إلين هوايت؟» (كتاب مختصر عقائد الكنيسة، صفحة 80).
هذا ما يزعج المؤمنين الغيارى، أن يعطى لكلام بشري هذا النوع من القداسة، حتى لوضعه في مستوى كلام الله العزيز.
صحيح أن الروح القدس يرشد المؤمنين إلى جميع الحق، ولكن كلامهم أياً كان جماله وتوافقه مع كلام الله، لا يجوز اعتباره على قدم المساواة مع الكتابات المقدسة الموحى بها من الله.
2 - الإيمان بالمسيح: مع أن الأدفنتست يؤمنون بالثالوث الأقدس وبأزلية المسيح ولاهوته وتجسده، ويؤمنون بلاهوت الروح القدس وعمله، إلا أن السيدة إلين هوايت تسلّم بأن المسيح، كان يمكن أن يسقط في التجربة. فقد كتبت ما يلي: «يقول البعض إن المسيح ما كان ممكناً أن تغلبه التجربة. فلو صح هذا، لكان المعنى عدم استطاعته أن يشغل مركز آدم وينال النصرة، في حين أن آدم قد سقط. والحق أن يسوع قد لبس إنسانيتنا في كل أخطارها، وبذلك كان عرضة للانهزام أمام التجربة» (يسوع وانتظار الإنسانية صفحة 54).
وقال بعض كتاب الأدفنتست، في معرض الكلام عن الطريقة التي حمل بها يسوع خطايانا، كلمات معناها أن المسيح لبس طبيعة بشرية خاطئة ككل أبناء آدم (الكتاب يتكلم صفحة 197) ولكن هذا الادعاء تفنده الكتابة المقدسة نفسها إذ تقول: «مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلا خَطِيَّةٍ» (عبرانيين 4: 15) فالمسيح تعرض للتجارب، ولكنه لم يخضع لها. وصحيح أنه كان على يسوع تجارب متنوعة، فإنه كان طفلاً وفتى، ورجلاً، وخادماً، وصديقاً، ومعلماً. وكان أيضاً فقيراً، لم يعتد به أحد. وكان محبوباً من البعض، ومكروهاً من البعض الآخر. جربه أعداؤه، وجربه أصدقاؤه، واختلط بالمرضى والخطاة، واهتم بهم. ومع ذلك لم يسقط في التجربة.
3 - التبرير: يلام الأدفنتست بسبب عقيدتهم من جهة التبرير، فقد ظهر خطأ تفكيرهم في هذا الأمر، وتأكدت مغايرتهم للموقف الواجب أن يتخذه المسيحي أمام الشريعة. فهم يجارون اليهود في الاعتقاد بأن الإنسان يخلص بالأعمال، وبذلك يخالفون التعليم عن الخلاص بالنعمة.
لقد عرف بالاختبار أن ناموس الوصايا لا يستطيع أن يخلص الخاطئ من مغبة خطاياه، ولا أن يحفظه من الوقوع في الشر مرة ومرات. كما أن وظيفة الناموس تقتصر على تحذير الخاطي عن ارتكاب الذنب، وإحاطته علماً بأجرة الخطية... فالمؤمن لا يتبرر بإطاعته للناموس، بل يتبرر بالنعمة المجانية التي في يسوع المسيح، تجاوباً مع الإيمان بالمخلص الرب، الذي يصالحه مع الله، ويطهره بدمه من خطاياه السالفة، ويخلصه من سلطة الخطية، وفقاً للقول الرسولي: «فَإِنَّ ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ» (رسالة رومية 6: 14).
أجل إن الخلاص عطية مجانية من الله، يُنال بالإيمان. وهكذا قال الرسول: «مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِٱلْفِدَاءِ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً بِٱلإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ ٱلصَّفْحِ عَنِ ٱلْخَطَايَا ٱلسَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ ٱللّٰهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي ٱلزَّمَانِ ٱلْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلإِيمَانِ بِيَسُوعَ» (رسالة رومية 3: 24-26).
ونفهم من كتابات السيدة إلين هوايت أن المسيحي المولود ثانية من الله يمكن أن يسقط من النعمة ويصير إلى الهلاك الأبدي، وأن حياة كل الذين آمنوا بالمسيح ستمتحن في يوم الدينونة أمام الله، وسيُفتح الملف الذي سُجلت فيه كل الخطايا التي لم يعترفوا بها، وكل الخطايا التي لم يصفحوا عنها (مأساة العصور ف 28 صفحة 523). لكأن السيدة هوايت تتناسى الامتياز العظيم الذي أعطته النعمة المجانية للمولودين من الله، والذي أشار إليه الرسول بولس بالقول: «إِذاً لا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ. لأَنَّهُ مَا كَانَ ٱلنَّامُوسُ عَاجِزاً عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفاً بِٱلْجَسَدِ، فَٱللّٰهُ إِذْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ ٱلْخَطِيَّةِ، دَانَ ٱلْخَطِيَّةَ فِي ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ ٱلنَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ» (رسالة رومية 8: 1-4).
قد يُؤدَّب المؤمنون من الرب، ولكن لا يدانون مع العالم (كورنثوس الأولى 11: 32) وهذا ناشئ من أنهم في المسيح يسوع. أي بفضل اتحادهم به وبالإيمان بدمه ينجون من الدينونة. إنهم في المسيح يسوع يصبحون في مدينة الملجأ، ولذلك فإنهم محفوظون من ولي الدم. المسيح شفيعهم ومحاميهم، الذي يبرئهم. إذاً لا شيء من الدينونة عليهم لأنهم قبلوا الفداء الذي أكمله يسوع بموته ليوفي مطاليب الناموس. والحق أن عهد النعمة الذي قطع معنا في المسيح هو كنز من المحبة الغافرة الذنب، ومنه ننال البر في المسيح يسوع والطبيعة الجديدة التي أعتقها الله من حكم الدينونة.
إن ما يؤسف له في أمر الأدفنتست، هو هذا الظل، الذي يحاولون إلقاءه على تعليم العهد الجديد الخاص بالحرية المسيحيّة. فمع أنهم يوافقون على أن ناموس الفرائض قد أُبطل بذبيحة المسيح، وأن عدداً من شرائع اليهود لم يوضع لأجل شعب المسيح، فإنهم يقررون أن المسيحي ملزم بالناموس. فرداً على تمسك المسيحيين بالنص الكتابي القائل إن المسيح بذبيحة نفسه قد أكمل إلى الأبد كل المقدسين (الرسالة إلى العبرانيين 10: 14)، قال أحد قادتهم إن موت المسيح ما كان له من هدف آخر غير إعطاء الخاطئ إمكانية الطاعة لناموس الله، الطاعة التي بدونها لا يمكن الحصول على شيء (كتاب مصير العالم صفحة 195).
هنا نجد جهلاً تاماً بتعليم الكتاب المقدس عن الحرية المسيحيّة، لأنه حين فدانا المسيح تبنانا لله. «إِذاً لَسْتَ بَعْدُ عَبْداً بَلِ ٱبْناً» (رسالة غلاطية 4: 7). والمسيح نفسه قال: «لا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً، لأَنَّ ٱلْعَبْدَ لا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لٰكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (الإنجيل بحسب يوحنا 15: 15).
من المؤكد أننا كأبناء ننفذ إرادة الآب بأكثر دقة من العبيد حين ينفذون إرادة سادتهم. ونستطيع تنفيذ إرادة أبينا السماوي بأكثر سهولة في جدة الروح منها في عتق الحرف (رسالة رومية 7: 6) ونستطيع هذا دون أن يكون لدينا جدول بالفرائض المطلوبة. هكذا علمنا الرسول: «وَلٰكِنْ إِذَا ٱنْقَدْتُمْ بِٱلرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ» (رسالة غلاطية 5: 18).
ويقيناً أن جميع الذين يحاولون إدراك البر بواسطة الأعمال الذاتية يعتبرهم الكتاب المقدس ساقطين من النعمة، وفقاً للقول الرسولي: «قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ ٱلْمَسِيحِ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِٱلنَّامُوسِ. سَقَطْتُمْ مِنَ ٱلنِّعْمَةِ» (غلاطية 5: 4).
صحيح أننا نحتاج دائماً إلى الناموس لكي نراقب دوافعنا، إن كانت حقاً من الروح. ولكن يجب أن نبعد عنا فكرة استعمال الناموس كوسيلة للخلاص، أو نجعل من مظاهره الخارجية قانوناً للتمشي في ظله.
لا يمكننا أن نكون تحت الناموس وتحت النعمة في آن واحد، لأن الناموس( بما فيه الوصايا) كان مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع (غلاطية 3: 24-26).
وحين يرتقي الإنسان من حراسة الناموس إلى حرية المسيح يصبح عضواً من ملكوت المسيح، لأنه تبرر بالإيمان وغُفرت خطاياه السالفة وحُسب باراً عند الله. بمعنى أن الناموس يقودنا إلى المسيح، لأنه يأمرنا بطاعة لا نستطيعها، وينذرنا بالعقاب على عصياننا وبذلك يحملنا على الالتجاء إلى المسيح، الذي قام بكل ما يجب علينا، واحتمل القصاص نيابة عنا، ووهب لنا مجاناً البر والحياة الأبدية اللذين طلبناهما من الناموس عبثاً. إذاً بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، لأن الناموس إعدادي، فهو وقتي. ومتى اتحد المؤمن بالمسيح بالإيمان، تبرر وتحرر من دينونة الناموس وشكواه، وصار يعمل باختياره ما كان يجبره عليه الناموس، ولا يستطيع هو أن يقوم به.
حين تأثر الغلاطيون بتعليم بعض المعلمين من أصل يهودي، ومارسوا بعض الفرائض الناموسية، اعتبر الرسول بولس تصرفهم نوعاً من الإرتداد فكتب إليهم: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هٰكَذَا سَرِيعاً عَنِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ ٱلْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيلٍ آخَرَ. لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ ٱلْمَسِيحِ. وَلٰكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاكٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا» (غلاطية 1: 6-8) «... أَهٰكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ٱبْتَدَأْتُمْ بِٱلرُّوحِ تُكَمَّلُونَ ٱلآنَ بِٱلْجَسَدِ؟» (غلاطية 3: 3) «وَأَمَّا ٱلآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ ٱللّٰهَ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ ٱللّٰهِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضاً إِلَى ٱلأَرْكَانِ ٱلضَّعِيفَةِ ٱلْفَقِيرَةِ ٱلَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟ أَتَحْفَظُونَ أَيَّاماً وَشُهُوراً وَأَوْقَاتاً وَسِنِينَ؟ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثاً!» (غلاطية 4: 9-11).
كان الرسول الكريم قد دعا الغلاطيين إلى رحاب نعمة المسيح، التي أظهرها الفادي ببذل نفسه وتسليمها للإهانة والموت من أجل الخطاة. وذلك بدافع محبته الفائقة، والتي هي قوام الإنجيل الحق. ولكن الغلاطيين تأثروا بتعاليم أخرى وصفها الرسول بكلمة «إنجيل آخر» لأنها تنفي نعمة المسيح وتنادي بطريق خلاص، غير طريق الاتكال على استحقاق المسيح. وتجعل حفظ الرسوم الموسوية ضرورياً للخلاص. وهذا ما يحاول جماعة الأدفنتست (السبتيين) أن يفعلوه في أيامنا، بفرض حفظ السبت، الذي هو أحد الرسوم الموسوية التي تسبب إزعاجاً للمسيحيين. وقد وصفها الرسول المغبوط بالأركان الضعيفة، لأنها لم تكن قادرة على إعطاء الإنسان الخلاص. ونعتها بالفقيرة، بالنسبة إلى إنجيل النعمة الغني جداً بالبركات الروحية. وقد تساءل الرسول متعجباً، كيف إن أولئك المخلصين والمحررين بالنعمة يتبعون تعاليم أخرى تضعهم في قبضة الناموس، الذي يفرض عليهم أن يحفظوا الرسوم اليهودية، من أهلّة وأعياد وسبوت ورأس شهورٍ؟!
4 - حفظ السبت: يتشبث جماعة الأدفنتست بقانون حفظ السبت. ويسند دعاة السبتية عقيدتهم الخاصة بالسبت بالوصية الرابعة، التي تفرض حفظ اليوم السابع من الأسبوع. وتبعاً لذلك يطلب إلى كل معتنق المبادئ الأدفنتستية أن يتعهد بتقديس يوم السبت من غروب شمس الجمعة إلى غروب شمس السبت (كتاب مختصر قانون الكنيسة ص 79).
ويزعم الأدفنتست أن وصية السبت كانت قائمة في الكنيسة المسيحية إلى أن أبطلتها الكنيسة البابوية، بمساعدة الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع المسيحي.
ويقولون إن تغيير يوم الراحة من السبت إلى الأحد ليس سوى علامة الكنيسة الكاثوليكية، التي هي علامة الوحش (مأساة العصور صفحة 490).
ولعل الأدفنتست يظنون أنهم بالاستناد على التفاسير التي عقبوا بها على الوصية الرابعة، جعلوا من التشبث بالسبت قلعة يتحصنون بها، ومنها يشنون الهجوم على الطوائف المسيحية، التي لا ترى رأيهم في أمر السبت. ولكن لا تفسيراتهم ولا تهجماتهم تستطيع التغلب على المدافعين عن الحق، الواقفين على الصعيد الصالح، أعني به التاريخ المسيحي، ابتداءً من أسفار العهد الجديد، الذي فيه كلمة الحق إنجيل خلاصنا، والذي يحتوي على التعليم الصحيح عن السبت.
وكلمة سبت تعني في اللغة العبرية راحة أو توقُّف، أو عدم متابعة. وهذه الكلمة ذكرت في الكتاب المقدس للمرة الأولى في سفر الخروج 16 ، ثم في سفر العدد 23. وقد قالها موسى ليذكر الشعب أن اليوم يوم عطلة، أمر بها الرب تذكاراً لحادث سابق لإعطاء الشريعة لموسى. وكل متأمل في العبارة، يرى أن الأمر يتعلق بيوم راحة، وليس له صورة الفريضة الشرعية. وفي تعبير آخر أن السبت ذكر في الكتاب المقدس كإعلان، أكثر مما وصية. إذ نقرأ في سفر التكوين 2: 3 «وَبَارَكَ ٱللّٰهُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ ٱسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ ٱللّٰهُ خَالِقاً» .
ويقينا أن كل من يتأمل في نصوص الكتاب المقدس بعمق يلاحظ أن كلمة سبت كانت تقترن فقط بتاريخ وعادات شعب إسرائيل، إذ نقرأ في سفر الخروج: وكلم الرب موسى قائلاً «وَأَنْتَ تُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: سُبُوتِي تَحْفَظُونَهَا، لأَنَّهُ عَلامَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي أَجْيَالِكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي يُقَدِّسُكُمْ، فَتَحْفَظُونَ ٱلسَّبْتَ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكُمْ. مَنْ دَنَّسَهُ يُقْتَلُ قَتْلاً. إِنَّ كُلَّ مَنْ صَنَعَ فِيهِ عَمَلاً تُقْطَعُ تِلْكَ ٱلنَّفْسُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهَا. سِتَّةَ أَيَّامٍ يُصْنَعُ عَمَلٌ. وَأَمَّا ٱلْيَوْمُ ٱلسَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتُ عُطْلَةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ. كُلُّ مَنْ صَنَعَ عَمَلاً فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ يُقْتَلُ قَتْلاً. فَيَحْفَظُ بَنُو إِسْرَائِيلَ ٱلسَّبْتَ لِيَصْنَعُوا ٱلسَّبْتَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْداً أَبَدِيّاً. هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلامَةٌ إِلَى ٱلأَبَدِ» (خروج 31: 13-17).
ونقرأ في سفر اللاويين: «وَقَالَ ٱلرَّبُّ لِمُوسَى: «قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: مَوَاسِمُ ٱلرَّبِّ ٱلَّتِي فِيهَا تُنَادُونَ مَحَافِلَ مُقَدَّسَةً. هٰذِهِ هِيَ مَوَاسِمِي: سِتَّةَ أَيَّامٍ يُعْمَلُ عَمَلٌ، وَأَمَّا ٱلْيَوْمُ ٱلسَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتُ عُطْلَةٍ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ» (لاويين 23: 1-3).
فالمتأمل في هذه الآيات، يلاحظ بوضوح:
-
إن حفظ السبت علامة بين شعب إسرائيل وإلههم، ولا علاقة للمسيحيين به إلا من ناحية كونه يرمز إلى الراحة العظمى التي أعدها الله بالمسيح يسوع.
وإذا عدنا إلى أقدم العهود، التي دونت أحداثها في الكتاب المقدس، نلاحظ أن الله قبل أن يعطي الشريعة لموسى بأجيال بعيدة، أي بعد انتهائه من عمل الخليقة، أفرز لنفسه يوم راحة، هو اليوم السابع لبدء الخليقة (تكوين 2: 2) ولكن وجود يوم راحة في كل سبعة أيام شيء، وسبت اليهود شيء آخر. فيوم الراحة حاجة جسدية ومعنوية بالنسبة للإنسان. وهو هبة من الخالق للمخلوق.
-
إن حافظ السبت ملزم بكل أحكام الناموس الموسوي فقد كتب الرسول يعقوب: «لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ ٱلنَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِماً فِي ٱلْكُلِّ» (رسالة يعقوب 2: 10) بمعنى أن حافظ السبت يصبح متعدياً إن لم يختتن ويمارس الذبائح والمحرقات والمحافل والأعياد، وكل ما يتخللها من نوافل، كانت تقام بأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة وفرائض جسدية، والتي إقامتها تستلزم قيام الكهنوت اللاوي. وهذا يعني ضمناً العزوف عن اعتبار ذبيحة المسيح قد أكملت إلى الأبد المقدسين.
-
إن حفظ السبت لا يقرب الإنسان من الله، لأنه جزء من ناموس الفرائض، التي قال الكتاب إنها لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم، وإنما كانت موضوعة لوقت الإصلاح. وإلى هذا الوقت، كانت وظيفة الناموس أن يظهر قداسة الله وعجز الإنسان التام أمام كل ما يطلبه الله منه لتكميل كل بر، وأن يبين حاجته إلى وسيط صلح. هذه الحاجة كشفت لرجل الله أيوب في القديم فقال: «لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَاناً مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ فَنَأْتِي جَمِيعاً إِلَى ٱلْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلا يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ» (أيوب 9: 32-34).
-
أعمال الناموس لا تبرر، فقد جاء في الكتاب المقدس: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ ٱلنَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ ٱلْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ ٱللّٰهِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ ٱلنَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لا يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِٱلنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ ٱلْخَطِيَّةِ. وَأَمَّا ٱلآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ ٱللّٰهِ بِدُونِ ٱلنَّامُوسِ، مَشْهُوداً لَهُ مِنَ ٱلنَّامُوسِ وَٱلأَنْبِيَاءِ، بِرُّ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ» (رومية 3: 19-22).
هذا القول الرسولي الموحى به من الله، يظهر أن أعمال الناموس بما فيها حفظ السبت لا تبرر الإنسان لدى الله، فالتبرير يُمنح للإنسان هبة من الله، يتلقاها كل من وُلد من الله بالإيمان بيسوع المسيح، الذي أُريق دمه على الجلجثة ليبرر الفاجر.
يقول الرسول بولس إن الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة.. أما الإنسان فهو جسدي مبيع تحت الخطية (رومية 7: 12-14) وقد كشفه الناموس، وأظهر له عجزه التام عن إدراك البر الذي في الناموس، لكي يطرق باب النعمة المخلصة في المسيح يسوع. وهذا ما أعلنه الرسول الكريم صراحة حين قال: «لَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ» (رسالة فيلبي 3: 9).
وتؤكد كلمة الله، عدم جدوى المحاولة لنوال البر بممارسة الفرائض وتحسبها ضرباً من الغباوة (غلاطية 3: 1) وطاعة لم يدع الرب إليها (غلاطية 5: 8) واستهانة بموت المسيح (غلاطية 1: 21) وإبطال نعمة (غلاطية 5: 4) وتحولاً عن إنجيل المسيح (غلاطية 1: 7) ومحاولة لطمس بر الله الذي ظهر بدون الناموس (رومية 3: 21) وإقراراً ضمنياً بعدم كفاية المسيح لإكمال الفداء (الرسالة إلى العبرانيين 10: 14) ووسيطاً لرتق الحجاب الذي شُقَّ من أعلى إلى أسفل (الإنجيل بحسب متى 27: 51) ووقوعاً تحت تحت اللعنة (غلاطية 1: 9).
5 - المسيح والسبت | ||
من المسلم به لدى المسيحيين أن المسيح هو مصدر الوحي والإلهام لكتبة العهد القديم والعهد الجديد (رسالة بطرس الأولى 1: 10-12) وهو غاية الناموس للبر لكل من يؤمن (رومية 10: 4) وهو فوق الناموس وأعظم من موسى، الذي به صار الناموس (الرسالة إلى العبرانيين 3: 1-6).
يقول الكتاب العزيز: «اَللّٰهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ بِٱلأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ - ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ» (الرسالة إلى العبرانيين 1: 1-2). فهذا الإله المتجسد، تصدى لناموس الفرائض بما فيها حفظ السبت في ممارساته:
(1) اختار يوم السبت للعمل، مما أثار اليهود ضده، لأنه حسب مفهوم اليهود نقض السبت مرات عديدة، وذلك بقيامه بأعمال شفاء، سجلها اليهود عليه كمناقضة لأحكام الناموس، وأدرجوها في لائحة الإتهام حين قدموه للمحاكمة. وهذه الأعمال هي:
-
شفاء الذي كان فيه الروح النجس ببلدة كفرناحوم (الإنجيل بحسب لوقا 4: 31-37).
-
شفاء الرجل الذي كانت يده اليمنى يابسة، في المجمع (الإنجيل بحسب لوقا 6: 6-11)
-
شفاء الإمرأة المنحنية منذ ثماني عشرة سنة (الإنجيل بحسب لوقا 13: 10-17).
-
شفاء الرجل المستسقي في بيت أحد الرؤساء الفريسيين (الإنجيل بحسب لوقا 14: 1-6)
-
شفاء المقعد منذ ثمان وثلاثين سنة في رواق بيت حسدا (الإنجيل بحسب يوحنا 5: 6-16)
-
شفاء إنسان أعمى منذ ولادته، وكان معروفاً لدى الجيران (الإنجيل بحسب يوحنا 9: 1-41).
-
السماح لتلاميذه بقطف السنابل وفركها في يوم السبت (الإنجيل بحسب مرقس 2: 23-27).
(2) لم ينكر المسيح أنه أزال نير السبت، فقد قال لغلاة اليهود الذين احتجوا عليه لكسره السبت: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل... وقد سجل يوحنا الإنجيلي ملاحظة مهمة بهذا الخصوص، إذ قال: «فَمِنْ أَجْلِ هٰذَا كَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ ٱلسَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ ٱللّٰهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِٱللّٰهِ» (الإنجيل بحسب يوحنا 5: 16-18).
في هذه الآيات ما يكفي لدحض حجة الأدفنتست في أمر السبت:
-
فمع أن الله ارتاح في اليوم السابع من عمل الخليقة (تكوين 2: 2) إلا أنه داوم على عمل العناية، الذي به يقوم بحاجات مخلوقاته كلها في السبت وغير السبت. ومن أعماله كل يوم تسيير الكواكب في أفلاكها ونزول الأمطار وهبوب الرياح وغير ذلك. ولو لم يفعل ذلك نهاراً وليلاً، صيفاً وشتاء، آحاداً وسبوتاً، لعم الهلاك الخليقة كلها.
-
قد يتذرع السبتيون بكون المسيح في حواره مع اليهود بيَّن لهم أنه يجوز فعل الخير في السبت. ولكن ما قولهم في أمر المسيح لمقعد بيت حسدا الذي شفاه: قم احمل سريرك وامش؟ هل يسمح الناموس الخاص بالسبت لأحد أن يحمل سريره ويمشي في السبت؟ كلا! بدليل قول الفريسيين للمُقعَد الذي شُفي: إنه سبت ولا يحل لك أن تحمل سريرك. (وقد بنوا اعتراضهم على ما جاء في خروج 20: 10 ، وإرميا 17: 21).
-
حين احتج الفريسيون على يسوع لأنه سمح لتلاميذه بأن يقطفوا السنابل ويفركوها يوم السبت رفض احتجاجهم قائلاً: «ٱلسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ ٱلإِنْسَانِ، لا ٱلإِنْسَانُ لأَجْلِ ٱلسَّبْتِ. إِذاً ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضاً» (الإنجيل بحسب مرقس 2: 27-28).
فمعنى هذا أنه لم يفرض على الإنسان أن يخدم السبت. على العكس فإن السبت جُعل لأجل راحة الإنسان. أي أنه وُضع لكي يخدم الإنسان. وفي تعبير آخر أن الله خلق الإنسان أولاً ثم عيَّن السبت لخيره، فلا يجوز إذن تفسير الوصية بما يضع نيراً على الإنسان، كما فعل اليهود حين جعلوا تقديس السبت عين الغاية لا الوسيلة إليها. وبذلك أوجبوا على الإنسان أن يدوس خيره.
-
يخبرنا الكتاب المقدس أنه مع كون الأعمال قد أكملت منذ تأسيس العالم، وأن الله دخل في راحته في اليوم السابع، إلا أن الناموس بما فيه حفظ السبت، لم يستطع أن يوجد الراحة للبشر. وذلك بسبب العصيان. لذلك يعين الله يوماً آخر للراحة، أي زماناً لراحته غير زمن راحته في اليوم السابع، وغير راحة الإسرائيليين في أرض كنعان. وانطلاقاً من هذه الحقيقة قال الرسول: «لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذٰلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ» (الرسالة إلى العبرانيين 4: 4-8).
6 - الوصايا العشر والسبت | ||
حين نبحث عن رسم الوصايا العشر في العهد الجديد، نجد أن في نصوصه ترديداً للوصايا الأدبية وفي قالب أقوى. مثلاً على ذلك، قول المسيح:
-
«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لا تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ» (الإنجيل بحسب متى 5: 21-33).
-
«أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لا تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لا تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ» (الإنجيل بحسب متى 5: 33-34).
-
«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لا تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ» (الإنجيل بحسب متى 5: 27-28). ألخ...
أما تعليمه في ما يختص بالسبت، فقد قال له المجد: السبت إنما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وقال رسوله المغبوط بولس: «فَلا يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلالٍ أَوْ سَبْتٍ، ٱلَّتِي هِيَ ظِلُّ ٱلأُمُورِ ٱلْعَتِيدَةِ» (رسالة كولوسي 2: 16-17).
فهذا النص قاطع وبغنى عن كل اجتهاد من أي وجه فُسِّر، لأن كلمة سبت واضحة صريحة لا غموض فيها. فإن فسرناها التفسير الصحيح السليم وقلنا إن الرسول هنا كان يقاوم جميع النزعات والرسوم والنظم اليهودية التي حاول الغنوسيون إدخالها إلى المسيحية، بما فيها المحافظة على السبت والتمسّك به كما يتمسّك اليهود، لكان التفسير واضحاً صريحاً شاملاً.
والواقع أنه كانت محاولة أن يجعل أولئك المعلمون المبدعون من المسيحيّة نوعاً من القوانين والتنظيمات، فربطوا الدين بالطقوس وممارسات السبوت، فكان تحذير الرسول إذاً واضحاً ومنطقياً.
والبيّن في قوله إننا غير مكلفين بحفظ أعياد اليهود ومناسكهم ومن ضمنها السب،. لأنها كانت ترمز إلى أمور روحية متوقعة. فبعد أن أتى المشار إليه بها، زال ظلها، إذ لم يبق لها من نفع، بل تكون ضارة إذا اتكل الإنسان عليها.
ولا مراء في أن الرسول الكريم أهاب بالمؤمنين أن لا يدعوا أحداً يسبيهم بكلام ملق حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح (كولوسي 2: 8) أو أن يفرض عليهم مطاوعات ليست من الذي دعاهم وخصوصاً نوافل اليهود، التي يحاول المبدعون منذ أيام الرسل إلى يومنا، أن يفرضوها على مختاري الله.
وإننا لنرى في نبوة إشعياء إشارة إلى إبطال المناسك الخاصة بالسبت. إذ نقرأ: «لا تَعُودُوا تَأْتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ. ٱلْبَخُورُ هُوَ مَكْرُهَةٌ لِي. رَأْسُ ٱلشَّهْرِ وَٱلسَّبْتُ وَنِدَاءُ ٱلْمَحْفَلِ... رؤُوسُ شُهُورِكُمْ وَأَعْيَادُكُمْ بَغَضَتْهَا نَفْسِي. صَارَتْ عَلَيَّ ثِقْلاً. مَلِلْتُ حِمْلَهَا» (إشعياء 1: 13-14).
7 - أسباب حفظ الأحد | ||
إن البحث في هذا الموضوع يفرض علينا الجواب على هذا السؤال: كيف حل الأحد عند المسيحيين محل السبت؟ ولماذا لم يثر بين المسيحيين أي خلاف حول هذا الموضوع شرقاً وغرباً، حتى ظهرت جماعة السبتيين، لتزعم في منتصف القرن التاسع عشر بشيء يخالف الإجماع المسيحي الدائم؟
في الواقع أن لدى المسيحيين أسباباً متعددة قاطعة توجب حلول الأحد محل السبت، كيوم مكرس للرب، منها:
-
قيامة المسيح وظهوره يوم الأحد - فمن الأمور المسلم بها أن أعمال الله تجري وفقاً لمخطط مُعَد منذ الأزل، بحيث لا يمكن أن يُقال إنها حدثت صدفة. وهذا ينطبق على قيامة المسيح. بمعنى أن الله قدَّس يوم الأحد بأن أجرى خلاله حدثاً عظيماً يُعد حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، بدليل قول الرسول: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ٱلْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ» (كورنثوس الأولى 15: 17).
-
حلول الروح القدس يوم الأحد - من الثابت أن عصر الروح القدس بدأ في أحد العنصرة، اليوم الذي فيه دُشنت كنيسة المسيح. ولو أن للسبت هذه المكانة العجيبة الفائقة في التاريخ كما يدّعي السبتيون، لتمّ هذا الحدث العظيم في السبت. ويقيناً أنه لرائع جداً أن تولد الكنيسة في يوم أحد، وينضم إليها ثلاثة آلاف نفس دفعة واحدة (أعمال الرسل 2: 41).
-
إقامة العبادة الجمهورية يوم الأحد - منذ ولادتها بدأت الكنيسة تمارس عبادتها الجمهورية وسر العشاء الرباني يوم الأحد. ولنا دليل على ذلك في ما كتبه لوقا الإنجيلي عن الإخوة في ترواس إذ يقول: «وَفِي أَّوَلِ ٱلأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ ٱلتَّلامِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزاً، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي ٱلْغَدِ» (أعمال الرسل 20: 7) فلنا أن نتساءل: لماذا حرص الترواسيون على ممارسة سر العشاء الرباني في يوم الأحد (أول الأسبوع وليس في يوم السبت، مع العلم أن الرسول كان معهم كل أيام الأسبوع؟)
-
جمع العطايا في يوم الأحد - يخبرنا الكتاب المقدس أن ظاهرة العطاء، كانت تمارس من بدء التاريخ المسيحي في يوم الأحد: وقد ذكّر الرسول المؤمنين بذلك حين قال: «وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ ٱلْجَمْعِ لأَجْلِ ٱلْقِدِّيسِينَ فَكَمَا أَوْصَيْتُ كَنَائِسَ غَلاطِيَّةَ هٰكَذَا ٱفْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً. فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ، خَازِناً مَا تَيَسَّرَ» (كورنثوس الأولى 16: 1-2) فمتى علمنا أن العطاء بالنسبة للمؤمنين منذ أقدم العصور هو قسم من العبادة، يتأكد لنا أن الكنيسة الرسولية كانت تحفظ يوم الأحد.
-
تسمية الأحد بيوم الرب - فحين ظهر الرب يسوع ليوحنا في جزيرة بطمس، وأعطاه الرؤيا العظيمة وحمّله الرسائل إلى الكنائس السبع، كان ذلك في يوم الأحد وقد قال الرائي الملهم: «كُنْتُ فِي ٱلرُّوحِ فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ» (رؤيا 1: 10). وتعبير يوحنا هذا يكشف لنا عن أن الكنيسة الأولى كانت تطلق على يوم الأحد اسم يوم الرب لأنه اليوم الذي قام فيه الرب، وفيه أيضاً أسّس كنيسته، التي أبواب الجحيم لا تقوى عليها. فاعتاد الرسل والتلاميذ على أن يجتمعوا فيه للعبادة وكسر الخبز.
وأول ذكر لهذا التغيير جاء في كتاب الديداكي وهو تعليم الرسل الإثني عشر. وفيه نقرأ: أما يوم الأحد فهو يوم الرب خاصة، يجتمعون فيه لكسر الخبز والشكر، بعدما تعترفون بخطاياكم، ليكون قربانكم نقياً. وليكف عن الاجتماع بكم كل من يخاصم أخاه حتى يصالحه، كي لا تتدنس تقدمتكم (فصل 14: 22).
ثم أن أغناطيوس الأنطاكي، سنة 110 ميلادية كتب إلى المغنيسيين قائلاً: إن المسيحيين قد كفوا عن أن يكونوا سبتيين وأصبحوا أحديين.
وأيضاً كتب ميليتو السادرسي رسالة عنوانها «ما يختص بيوم الرب»: نعلم منها أنه في القسم الأخير من القرن الأول الميلادي، كان المسيحيون قد هجروا السبت واستعاضوا عنه بالأحد.
والواقع، إن وجد حكم في هذه المسألة التاريخية المتعلقة باليوم الذي يقدسه المسيحيون، فالحكم فيه هو الكنيسة الأولى التي كانت على مقربة من ذلك التاريخ، وليس لمجرد جماعة كالأدفنتست السبتيين.
8 - السبت والتواتر | ||
في التاريخ المسيحي سلسلة من شهادات الآباء المتواترة عن تقديس يوم الأحد منذ ولادة الكنيسة منها:
شهادة أغناطيوس، أسقف أنطاكية وتلميذ يوحنا الإنجيلي. وشهادته تقول: كل من يحب الرب يسوع فليقدس يوم الرب ملك الأيام، ويوم القيامة المرتفع على كل الأيام.
شهادة يوستين الشهيد، عام 150 ميلادية. فقبيل استشهاده كتب دفاعه المشهور عن المسيحيين، الذي قال فيه: في يوم الأحد يكون اجتماعنا أنه اليوم العظيم الذي فيه أزال الله الظلمة والتشويش وخلق العالم، ولأن مخلصنا يسوع المسيح قام فيه من الأموات.
شهادة ديونيسيوس، أسقف كورنثوس سنة 170 ميلادية، الذي قال: إننا نصرف يوم الرب المقدس في قراءة الكتاب المقدس.
شهادة أكليمندس، أسقف الإسكندرية سنة 194 ميلادية. فهذا الأسقف أفرد فصلاً كاملاً في كتابه السابع، لشرح القوانين الخاصة بحفظ يوم الأحد.
شهادة جستين، الذي قيل إنه وُلد قبل وفاة يوحنا الإنجيلي. فهذا المسيحي المشهور قال في كتاباته إن يوم الأحد هو اليوم الذي فيه يعقد اجتماع الشركة، لأنه اليوم الذي قام فيه ربنا ومخلصنا يسوع من الأموات.
شهادة إيرونيموس، (جيروم)، سنة 178 ميلادية فقد كتب هذا العالم والمؤرخ: إن المسيحيين كانوا يتركون أعمالهم اليومية في يوم الأحد مخصصين ساعاته للعبادة.
شهادة ترتليان، فقد قال: لقد اتضح أن حفظ يوم السبت كان وقتياً، لذلك نحن نقدس يوم الأحد.
شهادة ميليتو، أسقف ساردس في أول القرن الثاني. فهو يقول في أحد مؤلفاته: إن هذه الشهادات، التي جاءتنا من فجر المسيحية، تؤكد لنا أن المسيحيين منذ أيام الرسل، عرفوا الأحد وتمسكوا به بكيفية ترتفع عن كل محاولة ونزاع.
شهادة ترتليانس الإفريقي، فقد جاء في الفصل السادس من محاماته: نحن نحتفل باليوم الذي يلي السبت، خلافاً لأولئك الذين يدعون أن يوم الرب هو السبت.
شهادة الأسقف فيكتوريوس، سنة 200 ميلادية. فقد جاء في أحد كتبه: إننا في يوم الرب نذهب لخبزنا الروحي، بتقديم شكرنا... ونظهر أننا غير محافظين على اعتبار أي يوم سبت لليهود.. ذلك السبت الذي أبطله الرب في جسده.
شهادة أناتول، أسقف لاودكية، فقد قال في كتابه «القانون العاشر»: أن الاحتفال الخشوعي، يمارس في يوم الرب، يوم القيامة.
شهادة أوسابيوس المؤرخ، سنة 324 ميلادية فقد جاء في كتابه تاريخ الكنيسة: إن البطاركة السابقين لم يعتبروا فريضة الختان، ولم يحفظوا يوم السبت، وهكذا نحن ايضاً.
9 - إجماع المسيحيين على يوم الأحد | ||
لقد أجمع المسيحيون على يوم الأحد، فقدسوه من بدء تاريخهم. ولما تسلم قسطنطين عرش الإمبراطورية اتخذ قراراً بجعل يوم الأحد عطلة رسمية لجميع شعوب الإمبراطورية.
وقد بقي هذا الإجماع سائداً في الأوساط المسيحية خلال الأجيال المتعاقبة في الشرق والغرب، إلى أن ظهرت السيدة إلين هوايت التي أذاعت نبأ مفاده أنها رأت الوصية الخاصة بالسبت محاطة بهالة من نور. وعندئذ نشأ هذا الحماس الغريب عند الأدفنتست ليوم السبت، الذي أقل ما يقال في حفظه إنه ردة إلى أركان اليهودية الضعيفة، التي حررنا المسيح منها.
وفوق هذا فإن الوثائق التي وصلت إلينا حققت تماماً أنه قبل أن يبدأ القرن الثاني الميلادي كفَّ المسيحيون عن حفظ اليوم السابع (رسالة أغناطيوس إلى أهل فيزيا 9: 1) وأنه منذ العصر الرسولي كان المسيحيون يقيمون اجتماعاتهم التعبدية في اليوم الأول من الأسبوع، تكريماً لذكرى قيامة يسوع من الأموات (أعمال الرسل 20: 7).
الحق أن الانقطاع عن العمل يوم الأحد أمر بغاية المناسبة لأجل إقامة الصلوات، دون التقيد بأحكام ناموس السبت.
ولعلنا نفهم أن يوم الراحة المسيحي الحقيقي، الذي كان السبت ظلاً له، هو يوم راحة الإيمان الذي فيه ندخل الراحة الحقة بالمسيح، وفقاً للقول الرسولي «لأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ ٱلرَّاحَةَ» (الرسالة إلى العبرانيين 4: 3).
كان لليهودي ستة أيام لكي يعمل، ويرتاح في السابع. أما أنا فحين لا أحيا أنا، بل المسيح يحيا فيّ، فمهما عملت فلست أعمله أنا، بل المسيح يعمله فيّ. وأنا أرتاح في السبت والأحد وكل يوم في الأسبوع.
وبهذا الاعتبار، لم تبق مسألة تمييز بعض الأيام عن بعض آخر، بل يجب اعتبارها جميعاً... هكذا قال الرسول: «وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْماً دُونَ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ - فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ: ٱلَّذِي يَهْتَمُّ بِٱلْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ، وَٱلَّذِي لا يَهْتَمُّ بِٱلْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ لا يَهْتَمُّ» (رومية 14: 5-6).
فهنا يتحدث الرسول عن حفظ الأيام كأمر عديم الأهمية طالما هو رأي وعادة بعض أشخاص معينين، ولذلك لهم بعض العذر إن لم يستطيعوا التخلص منها بسهولة. أما في الرسالة إلى الغلاطيين، فالرسول تحدث عن المعلمين المتهودين الذين ضغطوا على المؤمنين من أصل أممي، ليس فقط لمراعاة مثل هذا التمييز وممارسته فقط، بل أيضاً شددوا عليه كأمر ضروري للخلاص. وكأنهم بذلك أبطلوا قصد الإنجيل فسقطوا من النعمة (غلاطية 5: 4).
في الواقع أنه الرجوع إلى بدائيات العالم أن نحفظ الأيام (سبت) الأشهر (هلة الأقمار) الأوقات (الأعياد السنوية) والسنين (سني السبوت واليوبيلات) قال الرسول: «وَأَمَّا ٱلآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ ٱللّٰهَ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ ٱللّٰهِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضاً إِلَى ٱلأَرْكَانِ ٱلضَّعِيفَةِ ٱلْفَقِيرَةِ ٱلَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟ أَتَحْفَظُونَ أَيَّاماً وَشُهُوراً وَأَوْقَاتاً وَسِنِينَ؟ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثاً» (غلاطية 4: 9-11)... «فَلا يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلالٍ أَوْ سَبْتٍ، ٱلَّتِي هِيَ ظِلُّ ٱلأُمُورِ ٱلْعَتِيدَةِ» (كولوسي 2: 16-17).
10 - العطاء والأطعمة | ||
بعد التركيز على وصية السبت، يضع الأدفنتست أهمية كبرى على الناحيتين التاليتين:
1 - إلزام أعضاء طائفتهم بدفع عشور مداخيلهم لأجل عمل الكنيسة: ولكن إن عدنا إلى تاريخ السبتية، نرى أن هذا الإجراء لم يعمل به إلا في سنة 1879. ولكن ما قلته عن السبت يمكن تطبيقه على العُشر، فكل أموالنا بحسب العهد الجديد هي لله، ولسنا سوى وكلاء عليها. وأيضاً تقدمات العهد الجديد لا تحسب وفقاً لمعدل مئوي. وكل ما يشترط فيها أن تؤدَّى تطوعاً وبسرور.
يضاف إلى ذلك أنه من غير الجائز أن تكدر الحرية التي نتمتع بها في العبادة بالعطاء. لأنه إن كان العشر الذي يفرض هو المقابل لعمل الله من أجلنا، فإن العشر ليصبح هزيلاً جداً، بحيث لا يعتد به. وعلى أي وجه فإن تحديد العطاء على الصورة المعمول بها في الكنيسة السبتية يمكن أن لا يقابله العضو بالرضى. وهنا يحصل تجاوز على رأي الرسول القائل: «كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ ٱضْطِرَارٍ. لأَنَّ ٱلْمُعْطِيَ ٱلْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ ٱللّٰهُ. وَٱللّٰهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ ٱكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (كورنثوس الثانية 9: 7-8).
2 - الإمتناع عن بعض الأطعمة والأشربة: من المعروف أن أحد المؤسسين وهو جوزيف باثر قد تخلى عن قناعة عن التبغ والمشروبات الكحولية قبل انتسابه إلى جماعة الأدفنتست، وأن جيمس وإلين هوايت وقفا ضد الشاي والقهوة والتبغ سنة 1848. ولكن ليس إلا في سنة 1863 أحاطت السيدة هوايت الجماعة علماً بالرؤيا الخاصة بنظام الإصلاح الصحي الذي عُلِّم به في ما بعد. وبموجبه صار على المتقدم للعماد أن يتعهد بالامتناع عن المشروبات، التي أضيفت إليها خميرة ما، والتبغ ولحم الخنزير وكل اللحوم غير الطاهرة (قاعدة الكنيسة صفحة 80).
أما العيش على النباتات كاملاً فكان محبذا لا مفروضاً. بيد أنه بالنسبة لإلين هوايت، فكل اللحوم اعتُبرت غذاء وخيماً. (الشهادة لأجل الكنيسة صفحة 293).
ويعتقد السبتيون بإمكانية الشفاء المعجزي، جواباً للصلاة. إلا أنهم يشترطون في الصلاة لأجل الشفاء أن لا ترفع قبل التفكير الجدي الناضج. ويؤكدون على طالبي الشفاء بواسطة الصلاة أن لا يهملوا تناول الأدوية طالما هي في متناول اليد، وأن يراعوا جانب الأطعمة (شعاع الصحة صفحة 128).
وهكذا بالنسبة للأطعمة نلاحظ مرة أخرى أن جماعة السبتيين يفرضون حواجز على الحرية المسيحيّة، لأنه لا يوجد في الكتاب المقدس نص يجيز لأحد القول بأن اللحم في حد ذاته يضر بالصحة. وأقل من هذا أن يجزم أحد بأن العيش على النبات أفضل من تناول الأطعمة الأخرى. وأنه لتطرُّف بأن يصرح أحد برَفْض أطعمة أعطاها الله للإنسان لكي يتقوَّت بها، والتي يضعها المسيح في صف الأشياء التي يستطيع أب أن يقدمها لابنه (الإنجيل بحسب لوقا 11: 11-12).
إن نظام الناموس الطقسي الذي يقسم الأطعمة إلى طاهرة ونجسة قد زال وتلاشى بمجيء العهد الجديد الذي أشار إلى من سماهم بالمرتدين عن الإيمان. وقال إنهم في رياء أقوال كاذبة موسومة ضمائرهم... آمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتُتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق. لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يُرفض شيء إذا أخذ مع الشكر، لأنه يقدَّس بكلمة الله والصلاة (تيموثاوس الأولى 4: 1-5 إقرأ أيضاً رومية 14: 14).
هذا ما كان الرسول متأكداً منه، ليس فقط من مجرد روح الإنجيل بصفة عامة، بل أيضاً بصفة خاصة من الرؤيا التي ظهرت لبطرس، رسول يسوع المسيح وقول الله له ثلاثاً: ما طهره الله لا تدنسه أنت (أعمال 10: 15) فهذا أمر للمسيحي واضح، وبمقتضاه يتصرف فيأكل ما يُقدَّم له غير فاحص عن شيء من أجل الضمير (كورنثوس الأولى 10: 27).
يخبرنا الكتاب العزيز أن عهد الإنجيل دُعي بصفة خاصة ملكوت الله تمييزاً له عن الناموس الطقسي (الإنجيل بحسب متى 3: 2 ، 4: 17) وقد قال الرسول: «فَلا يُفْتَرَ عَلَى صَلاحِكُمْ، لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ أَكْلاً وَشُرْباً، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلامٌ وَفَرَحٌ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (رومية 14: 16-17).
بمعنى أن المسيحيّة في جوهرها لا تقوم في تناول أطعمة وأشربة معينة، هذا نظام اليهودية، ولا علاقة للمسيحيّة به (الرسالة إلى العبرانيين 9: 10).
إن الذي يزكينا لدى الله ليس تحريم بعض الأطعمة والأشربة، وليس حفظ أيام معينة. وإن الله سوف لا يسأل في اليوم العظيم: من هم الذين أكلوا لحماً؟ ومن هم الذين شربوا شاياً أو قهوة؟ ومن هم الذين أكلوا بقولاً فقط؟ ومن هم الذين حفظوا السبت، ومن هم الذين لم يحفظوه؟ بل سوف يسأل: من هم الذين قبلوا خلاص الله بالمسيح يسوع؟ ويقيناً أنه لا شيء يتجنى على المسيحيّة أكثر من الحرص على التشبث بمجرد الشكليات، التي تلاشي الجوهر.
11 - مخالفات الأدفنتست | ||
قبل الكلام عن مخالفات الأدفنتست، أرى لزاماً علي أن أذكر أن الأدفنتست منتشرون في بقاع الأرض، ولهم نشاطات واسعة في نشر دعوتهم. لذلك ينبغي أن تكون كنائسنا ملمة بنشاطاتهم المبذولة، فلا يمر قادة الكنائس بمنشوراتهم التعليمة دون الإنتباه إلى ما فيها من مخالفات للعقائد الصحيحة.
وأني لأهيب بأعضاء الكنائس أن يرفضوا كل تعليم ليس مبنياً على كلمة الله التي هي سراج لأرجلنا ونور لسبيلنا، وأن يثبتوا في الحرية التي حررنا المسيح بها، وأن لا يرتبكوا أيضاً بنير عبودية (غلاطية 5: 1) وأن يتمسكوا بالإيمان المسلم مرة للقديسين، بأن يسوع هو إله حق من إله حق.
في اتصالاتي المباشرة ببعض المبشرين السبتيين ومطالعتي تعاليمهم، لمست انحرافاً مأسوفاً له، حول عدد من الأمور المهمة بالنسبة للبساطة التي في الإنجيل. فهل يجب أن أحيي إخوة لم يوفقوا في أبحاثهم؟ أو يجب أن أدعو للكفاح ضدهم كمعلمين مضلين؟!... إنه لمن المؤكد أن بينهم إخوة مؤمنين مفعمين بحب المسيح. وهم في هذا الوضع خلائق جديدة. ولكنني أخاف من كون كثيرين منهم قد انجذبوا إلى ضلالات عميقة، بسبب بعض التعاليم الرسمية، التي تفرض بعض الممارسات الناموسية كشرط لا بد منه لخلاص النفس البشرية. وإنني لأخشى من أن يقعوا تحت طائلة اللعنة، التي رمى يها الرسول بولس أولئك الذين ارتبطوا بإنجيل آخر، الذي ليس هو إنجيل (غلاطية 1: 6-9) ولكن لا ننسى أن الرب يعرف الذين هم له.
إنه لمن واجب المخلصين، أن يشهّروا بالغلط حيثما وجد. وعملاً بهذا الواجب كان لا بد لي من الإشارة إلى ما وجدته في تعاليم الأدفنتست من خلط بين ما هو حق وما هو باطل. ومهما كان تقديري للمخلصين بينهم الذين عرفتهم، فليس لي أن أساير الأفكار الخاطئة.
1 - تطهير القدس:
لعل هذا الأمر أخطر موضوع في عقيدة السبتيين. فمع أنهم لا يؤمنون بأن يسوع قد جاء فعلاً في العام 1844 ومع أنهم يرفضون تعيين أي تاريخ آخر لمجيئه الثاني، فإن العام 1844 يضع أمام عيونهم علامة لا غنى عنها في التاريخ الخلاصي. لأنه وإن كانت الكتابات المقدسة لا تحتوي أي إشارة إلى زمن نبوي يصل إلى مجيء المسيح الثاني، فإنهم لم يستطيعوا التخلص من الجاذب الذي أطل عليهم من الألفين والثلاثماية يوماً، التي ذكرت في دانيال 8: 14 ، والتي بحسب حساباتهم انتهت في سنة 1844 ، وفيها إشارة إلى حدث سماوي دُعي «بتطهير القدس» (كتاب اعترافات الإيمان فقرة 13).
فمن معتقدات الأدفنتست أنه في ظل العهد القديم وخلال كل سنة، كانت خطايا الإسرائيليين ترفع بواسطة تقديم الذبائح في قدس خيمة الإجتماع، الذي كان يجب أن يطهر خلال عيد الكفارة السنوي. وانطلاقاً من هذه النظرية قالوا إن المسيح كان خلال الثمانية عشر قرناً يمارس رسالته في المكان الأول من القدس... ونتيجة لذلك توضع خطايا كل الذين يتوبون على المخلص بالإيمان، وذلك في القدس السماوي. لذلك يجب تطهير القدس السماوي تطهيراً حقيقياً، بإبعاد الخطايا المسجلة فيه (مأساة العصور صفحة 413). وينجم عن ذلك أنه في نهاية الألفين وثلاثماية يوماً المذكورة في نبوة دانيال، يدخل رئيس كهنتنا قدس الأقداس. وينجز القسم الأخير من مهمته المقدسة، أي تطهير القدس (صفحة 364).
صحيح أن الكتابات المقدسة، تشير إلى وجود هيكل لله في السماء، وإن هذا الهيكل وجب أن يطهر بذبيحة المسيح. ولكن أن يكون هذا التطهير قد حدث في سنة 1844 ، فهذا أمر لم يرد في الكتاب المقدس. ونقرأ في رسالة العبرانيين 9: 24-25 هذه العبارات : «لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقة، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا. ولا ليقدم نفسه مراراً كثيرة، كما يدخل رئيس الكهنة إلى الأقداس كل سنة بدم آخر». فصعود الابن هنا، قد وضع للمقارنة، ولكن ليس مع الاحتفالات الدينية اليومية في الخيمة اللاوية، بل مع الاحتفال السنوي بالكفارة (لاويين 16: 2 و29) فالمسيح إذن، دخل إلى قدس السماء منذ يوم صعوده.
وواضح أن الأسس التي اضطر الأدفنتست أن يرتكزوا عليها للوصول إلى هذا التاريخ 1844 غير ثابتة للأسباب التالية:
أ - لأن المتفق عليه لدى مفسري النبوات، هو أن اليوم النبوي بالنسبة لأسابيع دانيال يعادل سنة. ولكن هذا الإصطلاح لا يمكن اتخاذه كقاعدة قانونية، ففي بعض النبوات تصبح هذه القاعدة غير صالحة، وخصوصاً في ما يختص بقيامة المسيح.
ب - كان على الأدفنتست أن يقرروا أن الألفين والثلاثماية مساء وصباحٍ المذكورة في دانيال 8: 14 ، بدأت في وقت واحد مع السبعين أسبوعاً المذكورة في دانيال 9. ولكن هذا الحساب. يتعارض مع القرينة. صحيح أن القرينة تتيح لنا اكتشاف نقطة الإنطلاق، أو البرهة التي فيها أُعطيت الرؤيا لدانيال في عهد بلشاصر الملك.. ولكن هذا لا يتوافق مع الأحداث، خصوصاً بداية الشروع بمضادة الذبيحة الأبدية.
ويجب أن لا ننسى أن آخرين غير الأدفنتست وقبلهم، أجروا الحسابات عينها، مستندين على دانيال 8: 14. ولكن ليس في محاولاتهم أي برهان على صحة هذه الحسابات.
أما بالنسبة لنا، فمهما كانت المحاولات لتأويل هذه الآيات الواردة في (دانيال 8: 14)، بالأيام الأخيرة، فإنه ظاهر لنا أن أفضل شرح لها، هو ما قاله كالفن، عن أنها تشير إلى الإضطهادات التي وقعت على اليهود في زمن أنطيوخس أبيفانوس، القرن الصغير الذي قام على انقاض الإمبراطورية المقدونية، والوعد بإقامة عبادتهم في زمن المكابيين عام 165 قبل الميلاد (عظات كالفن جزء 41 صفحة 108 و 499).
على أي حال إن كان الكتاب المقدس قد تنبأ عن هذا التاريخ 1844 ، وحدده لإتمام حدث ما، وجب بالضرورة أن يعقب عودة السيد في هذا العام. فإن المؤمنين الذين عاشوا قبل هذا التاريخ يكونون قد ارتكبوا خطأ في انتظار هذا الرجوع. وكيف إذن نفهم أمر الرب لتلاميذه بوجوب السهر (الإنجيل بحسب مرقس 13: 34-37، لوقا 12: 23-39، متى 24: 42-44، متى 25: 13).
فالمسيح لم يكن ليجهل اليوم والساعة المتعلقين بمجيئه الثاني (إقرأ الإنجيل بحسب مرقس 3: 32) وايضاً لم يكن جاهلاً بما كتبه دانيال. بل كان يفهمه أكثر من وليم مِلَر وإلين هوايت. كان ينبغي أن يفكر في أن نهاية التسعة وستين أسبوعاً المذكورة في دانيال 9: 24-27) وشيكة الحدوث. وإن كانت الألفان والثلاثماية مساء وصباحٍ مضافة إلى التسعة والستين أسبوعاً بحسب تعليم الأدفنتست. وطالما هو عليم بكل شيء فكيف أوعز لتلاميذه بوجوب الإستعداد حالاً لمجيئه، إن كان هذا لن يحدث إلا بعد سنة 1844؟!
وهناك حقيقة مهمة يجب أخذها بعين الإعتبار وهي أنه بالنظر لعدم احتواء العهد الجديد على أي نص يحدد مجيء المسيح، فكل نظرية تحاول استخراج تاريخ هذا المجيء يجب اعتبارها نوعاً من الرجم بالغيب، لأن كل كلام عن طول أو قصر زمن النعمة هو في جملته وتفصيله لغو، لا يجوز الأخذ به.
لو أن أدفنتستيي اليوم السابع اقتدوا فقط بحكمة مِلَر، الذي بعد أن خاب في آماله، اعترف ببساطة شريفة بأن حساباته كانت خاطئة. لو فعلوا ذلك، لأراحوا أنفسهم وأراحونا أيضاً.
2 - تيس عزازيل:
إن شروحات البارزين بين جماعة الأدفنتست عن الكيفية التي يتم بها تطهير القدس تضعهم أمام صعوبات أخرى أشد.
يقولون: في الواقع إن هناك «تحقيقاً» حدد من هم من بين ملايين البشر الراقدين في القبور - الذين لهم حق بالقيامة الأولى - ومن هم بين جماهير الأحياء - الذين لهم حق بالاختطاف مع الكنيسة الأمينة (اعتراف الإيمان فقرة 16). إن الحالات الوحيدة الواجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، هي فقط حالة أولاد الله، الذين تنزهوا عن ارتكاب الخطية. هؤلاء سيخلصون. أما الذين بعد تجديدهم اقترفوا ذنوباً ولم يعترفوا بها، ولم يحصلوا على الصفح، فإن أسماءهم ستحذف من سفر الحياة (مأساة العصور صفحة 521 و 523).
لا حاجة بنا للرجوع إلى القول بأن الأدفنتست يعتقدون بأن المؤمن المتجدد حقيقة يمكن أن يخسر خلاصه. أما الذي يكدر بصورة خاصة فهو أن السيدة إلين هوايت، بعد شرح لا مبرر له للطقس الخاص بتيس عزازيل، عادت فأكدت أن يسوع سيرفع خطايا المفديين ويضعها على الشيطان، إذ تقول: حين يرفع رئيس الكهنة بقوة دم الذبيحة الخطايا عن القدس، كان يضعها على التيس المرسل. هكذا يسوع، باستحقاق دمه، سيبعد خطايا شعبه من القدس السماوي في نهاية خدمته وسيضعها على الشيطان، الذي سيحمل القصاص الأخير (مأساة العصور صفحة 713).
فعلى أساس أقوال كهذه، يتهم الأدفنتست أحياناً بأنهم يعلمون هذه الضلالة، التي مفادها أن الشيطان في النهاية سيصبح ذبيحة كفارية عن خطايانا.
في الحقيقة أنه لا يوجد تجديف أفظع من هذا، لذلك يجب على جميع المخلصين أن يقاوموا هذا التعليم الفاسد بقوة وسلطان وأن يدعوا المسيحيين جميعاً، لوضع ذواتهم في خط الإنجيل بدون تحفظ وأن يصرخوا في آذان الأدفنتست السبتيين: إن موت المسيح فقط يرفع خطايانا. وإنه الوسيلة الوحيدة لخلاصنا، كما هو مكتوب: «مات عن خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا» (رومية 4: 25) «إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (يوحنا الأولى 2: 1-2) «كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَٱلرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» (إشعياء 53: 6).
ومع ذلك فإن الأدفنتست المعاصرين ينفون هذا الفكر في أن ديانة اللاويين تقول إن التيس المرسل هو المعيّن لأجل التكفير عن الخطايا. ثم يذهبون إلى القول بأن الشيطان لا يكفر عن خطايانا، وإنما يجب في النهاية أن يتكبد العذاب لأنه علة خطايا كل البشر، الصالحين منهم والأشرار (مأساة العصور صفحة 49).
هذا قول رائع! ولكن القارئ لا بد أن يلاحظ تناقضاً صارخاً بين هذه التصاريح وأقوال السيدة إلين هوايت، التي ذكرت أعلاه.
وفوق هذا فبحسب ما نقرأ في سفر اللاويين وخلافاً لتفسيرات الأدفنتست المزعجة، فإن التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل كان هنا للتكفير، فقد وُضعت عليه خطايا الشعب ليحملها إلى البرية (لاويين 16: 5 ، 10 ، 21 ، 22).
ولا بد للمتأمل في تفاسير الأدفنتست أن يصل إلى برهان مزدوج: فإما أن يكون التيس ممثلاً للشيطان، فيعتبر الشيطان والحالة هذه حاملاً لخطايانا، الأمر الذي يحسب تجديفاً فظيعاً لا أظن الأدفنتست يقبلون به. وإما أن لا يعتبر التيس ممثلاً للشيطان، وحينئذ يسقط كل التعليم الذي نادت به السيدة إلين هوايت عن القدس.
ولو سلمنا جدلاً أن التيس يمثل الشيطان، وهذا أقل الأمور صحة، فإنه لن ينتج عن ذلك أي تأييد للفكرة الأدفنتستية القائلة بأن التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزرائيل يجب اعتباره عدو النفوس. العكس هو الصحيح. فإن التيسين اللذين قدمتهما الجماعة - لاويين 16: 6 - يرسمان صورة عظيمة من عمل المسيح. فالخطية يجب أن تنال أجرتها التي هي موت. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب طردها بعيداً جداً. وهناك حقيقة يجب ذكرها بالمناسبة، وهي أنه ما كان في وسع الجماعة أن تكتفي بتيس واحد لأجل هذه الخدمة المزدوجة. أما مخلصنا يسوع الذي كان يمثل السماء والأرض، فبذبيحة نفسه على الصليب حقق الأمرين معاً إلى التمام والكمال. ولا يوجد لدينا أي نص يمنع اعتبار كلاً من الحيوانين رمزاً ليسوع المسيح. وعلى أي حال فإن الأدفنتست أبعد من أن ينفوا ذلك، لأن المسيح هو في ذات الوقت الكاهن والذبيحة، خلافاً للترتيب اللاوي، الذي فيه يميز بين الكاهن والذبيحة.
حين نتأمل شروح الأدفنتست نرى أنهم لم يعطوا التيس المرسل إلى البرية (لاويين 16: 21) أهمية بالنسبة التي قدرها منتقدوهم. وبالفعل فإنه لمؤسف أن يكتفي الأدفنتست بمحو بعض المظاهر التي تصدم عقيدتهم في هذا الموضوع، بدلاً من أن يعطوا هذه الحقيقة ما تستحقه من اعتبار.
إن الحقيقة التي نسعى إليها جميعاً تحملني على أن أذكر صعوبتين خطيرتين، لا بد لهذه العقيدة أن تواجههما:
-
يتحتم على المتمسكين بهذا التعليم العقائدي أن يفترضوا بأن خيمة الإجتماع الإسرائيلية، كان يجب أن تطهر بسبب الذبائح، التي تقدم فيها كل سنة. ولكن هذا يتناقض مع النص الوارد في لاويين 16: 16 ، والذي يقول إن القدس مدنس بسبب وجوده في وسط النجاسات، التي كان بنو إسرائيل يمارسونها.
وقد لاحظ أحد المفكرين «الدربيين» من القرن الماضي أن هذا الرأي كما أورده الأدفنتست - يخشى أن يؤدي إلى فكرة فظيعة جداً، مفادها أن دم يسوع أدخل تدنيساً إلى القدس السماوي. وهذا يخالف التعليم الوارد في (رسالة العبرانيين 9: 23)
هذا الاعتراض رد عليه ج.ن. اندريو بالقول: «من السهل أن يقول أحدهم بلزوم تطهير القدس السماوي بعد أن دخلته الخطية أمام الله نتيجة لوساطة رئيس الكهنة. ولكن لا يقدر أحد أن يعطي تعليلاً لوجوب تطهيره، قبل أن تبدأ مهمة ربنا يسوع» (مجيء المسيح وطبيعته صفحة 32).
في الواقع أن القدس السماوي كان ممكناً أن يلزمه التطهير، سواء بسبب الملائكة الذين سقطوا من أمجادهم، أم بسبب صدى الخطية العالمي (أفسس 6: 12 ، كولوسي 1: 20).
-
لكي يعزز الأدفنتست نظريتهم الخاصة بتطهير القدس، فإن بعض مؤلفيهم القدماء، ذهبوا في كتاباتهم إلى القول بأن الكفارة أو المصالحة لم تتم كاملاً على الصليب. ويؤكدون أن موت المسيح والكفارة ليسا هما شيئاً واحداً. بمعنى أن المسيح لم ينجز عمل الكفارة كاملاً حين أراق دمه على الصليب - هذا القول لأريان سميث في كتابه القدس صفحة 181.
ولعل هؤلاء المؤلفين لم يقدّروا خطورة تصريحاتهم التجديفية، التي ربما لم يكن في نيتهم أن يقصدوا من ورائها التقليل من شأن ذبيحة الصليب. وإنما أرادوا التركيز على مهمة يسوع، ووجوب تطبيق ثمر تضحية على الجميع. ولكن هذا لا ينفي خطورة هذه التصريحات، لأنها تنشر الضلال بين الذين يقرأونها.
3 - الأدفنتست والرؤى:
في وجه عام يمكن القول إن الإدفنتست في تعليقاتهم على سفري دانيال والرؤيا يرتبطون بمدرسة تاريخية، هي المدرسة المسماة بالكهنوتية. وهي ترى في نبوات هذين السفرين فقط أحداثا معاصرة وخاصة بالزمن الذي كتب السفران فيه. بينما التأمل في نبوات هذين السفرين يتيح لنا التأكد من أنها نبوات خاصة بالمستقبل.
وبإيجاز يمكن القول إن الأدفنتست يرون في رؤى هذين السفرين إعلاناً عن الأحداث التي تعاقبت في تاريخ الكنيسة، والتي لها علاقة بالأحوال المادية والاجتماعية والصناعية والسياسية والدينية التي مر بها العالم، كدليل على أن مجيء المسيح صار قريباً على الأبواب (اعترافات الإيمان المادة 20).
ولعل أغرب ما في الأمر هو إصرار إلين هوايت على أن ترى في البابوية ما يدعى في الكتاب المقدس «ضد المسيح». هذا الرأي يجب أن نقابله بالتحفظ الشديد.
ويدعو جماعة الأدفنتست إلى النظر في الرسائل الإنجيلية الثلاث في رؤيا 14: 6-12 ، كنبوة عن قيام حركتهم، حتى أن بعضهم اعتقدوا أن إعلان الدينونة والدعوة إلى مخافة الله وإعطائه المجد، تتفق مع نشاطات وليم مِلَر ومعاونيه (مأساة العصور صفحة 409).
أما رسالة الملاك الثاني فيقولون إنها إعلان عن خراب بابل التي هي في تقديرهم الكنيسة الرومانية أم الفجار، والتي ستكون لها بنات مشابهات، وهي بيد الكنائس البروتستانتية (مأساة العصور ص 422). بيد أن السيدة إلين هوايت تقر بأن كفرهن لم يصل بعد ذروته، وأن تتمة النبوة في رؤيا 14: 8 ما زالت برسم المستقبل (مأساة العصور 430).
وأخيراً يقولون إن أدفنتستيي اليوم السابع، الذين يحفظون وصايا الله وخصوصاً وصية السبت، والذين لهم شهادة يسوع، أي أنهم يقبلون النبوة المعلنة في كتابات السيدة إلين هوايت، مكلفون بصورة خاصة بقبول رسالة الملاك الثالث وإبلاغها للعالم (مأساة العصور 439) ويجب أن يفعلوا ذلك بسلطان يجب إدراجه في اعتراف الإيمان هكذا: «أن الله يعلن للعالم اقتراب مجيء ابنه ثانية» - وهذه الإنذارات الواردة في رؤيا 14 على لسان الملائكة الثلاثة، بحسب تفسيرهم، تحتوي على عمل إصلاح، هدفه أن يجمع شعباً معداً لقبول ابن الله حالما يظهر (اعتراف الإيمان مادة 15).
وقد تنبأت السيدة إلين هوايت عن وقوع خصام بقيادة روما (مأساة العصور صفحة 626) وأن الولايات المتحدة ستلعب دوراً هاماً في هذا الخصام. والسيدة إلين هوايت تحسب الولايات المتحدة بمثابة القرنين للوحش

