ثمر الروح القدس |
- هذا الكتاب
- القسم الأول: الحياة المسيحية حياة جديدة
- القسم الثاني: الحياة المسيحية تحت سيادة الروح القدس
- القسم الثالث: ثمر الروح القدس
هذا الكتاب | ||
المسيحية هي حياة نحياها في المسيح، فنقول: «لِيَ ٱلْحَيَاةُ هِيَ ٱلْمَسِيحُ» (فيلبي 1: 21) وشعار المسيحي هو: «فَأَحْيَا لا أَنَا بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ»(غلاطية 2: 20). ولما كان المسيح حياً، فإنه يحيا في المؤمن به، الذي يثبت فيه ثبوت الغصن في الكرمة فيأتي بثمرٍ كثير، كما قال المسيح: «أَنَا ٱلْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ ٱلأَغْصَانُ. ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هٰذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً» (يوحنا 15: 5).
ودُعيت المسيحية أول الأمر «الطريق» (أعمال 9: 2) لأنها أسلوب حياة، مركزه المسيح. فليست هي مجرد مجموعة عقائد وشرائع وممارسات، بل حياةٌ شريعتها المحبة. وقد لخَّص المسيح شريعته كلها في قوله: «ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ»(مرقس 12: 29-30).
وعندما نتساءل: كيف ننفِّذ الشريعة كلها، يجيئنا الجواب في قول المسيح: «أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10: 10). فالحياة الفُضلى هي هدف مجيء المسيح إلى أرضنا يوم دخلها مولوداً من العذراء القديسة مريم. وهو يحقق هذا الهدف لكل من يفتح قلبه له ليدخل إليه ويحيا فيه بالروح القدس، فيثمر ثمراً كثيراً ودائماً.
ويشرح هذا الكتاب للقارئ كيف يغيِّر المسيح الإنسان بعمل الروح القدس في قلبه، ثم كيف يمتلكه ويسود على حياته، فيجعله يثمر محبةً وفرحاً وسلاماً في علاقته بالله، وطول أناةٍ ولطفاً وصلاحاً في علاقته بالبشر، وإيماناً ووداعة وتعففاً في حياته الشخصية.
ويرجو الكاتب للقارئ أن يختبر في حياته الشخصية كل ثمر الروح القدس.
القسم الأول: الحياة المسيحية حياة جديدة | ||
الفصل الأول: حالة الوثنيين | ||
|
«فَأَقُولُ هٰذَا وَأَشْهَدُ فِي ٱلرَّبِّ، أَنْ لا تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ ٱلأُمَمِ أَيْضاً بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو ٱلْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ ٱللّٰهِ لِسَبَبِ ٱلْجَهْلِ ٱلَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا ٱلْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي ٱلطَّمَعِ» (أفسس 4: 17-19). |
جاء كثيرون من المؤمنين بالمسيح من خلفية وثنية جاهلية، وحملوا معهم صفات الأمم الوثنية وعاداتها الجاهلية. فطلب منهم الرسول بولس أن لا يسلكوا كما سبق أن سلكوا، ولا كما يسلك بقية الوثنيين، وقال لهم: «أَشْهَدُ فِي ٱلرَّبِّ، أَنْ لا تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ ٱلأُمَمِ أَيْضاً بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ» (آية 17).
كان الرسول بولس يعرف فكر الرب، لأنه أعلنه له، فشهد للرب، وفي الرب الذي طلب منه أن يكون شاهداً له. فهو يتكلم باسم الرب وبسلطان المسيح، وعلى السامع والقارئ أن يطيع الأمر: «أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ نَسْأَلُكُمْ وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ فِي ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، أَنَّكُمْ كَمَا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَسْلُكُوا وَتُرْضُوا ٱللّٰهَ، تَزْدَادُونَ أَكْثَرَ»(1تسالونيكي 4: 1).
أما طلب الرسول فهو: «أَنْ لا تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ ٱلأُمَمِ أَيْضاً بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ»(آية 17). كان أهل أفسس في ضلال وجاهلية، فكلَّف الله الرسول بولس بتوصيل رسالة الخلاص والنور لهم، وقال له: «لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ ٱلشَّيْطَانِ إِلَى ٱللّٰهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِٱلإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا وَنَصِيباً مَعَ ٱلْمُقَدَّسِينَ»(أعمال 26: 18). فلما انفتحت عيونهم كان عليهم أن يعتزلوا الفساد القديم، وأن لا يمسّوا نجساً (2كورنثوس 17: 6). فالسلوك الجديد هو طريقٌ جديد للحياة يختلف عن الطريق القديم الذي كانوا يسلكونه، وهو العمل الظاهر والخفي، وهو السيرة.
ولا يتحدث الرسول بولس عن الوثنيين باحتقار، كما احتقر الفريسي العشار وقال عنه: «ذلك العشار» (لوقا 18: 9-14) فإن الفكر الوثني الباطل هو من عمل الشيطان، والسلوك الطاهر هو من عمل الروح القدس في القلب. ولم يحدث التغيير في حياة المؤمنين نتيجة مجهودهم، بل نتيجة قبولهم لخلاص المسيح المجاني، فتغيَّرت حياتهم. ويقول الكاتب الروماني بلني الصغير في رسالةٍ كتبها إلى الإمبراطور تراجان، في القرن الثاني المسيحي: «يعيش المسيحيون حياة الطهارة وسط الفساد الكثير». وما أعظم الفرق بين ما كان، وما صار، بفضل نعمة المسيح المجدِّدة.
بُطل ذهن الوثنيين
كان الوثنيون يسلكون بحسب «بُطل ذهنهم». والذهن هو القلب والعقل والضمير، وهذه الثلاثة هي التي تحمل معرفة الله، وتقود إلى الحكمة الصحيحة. لكن «ذهن» الوثنيين باطل، بمعنى أنه بدون هدف، وعديم القيمة، وفارغ من كل ما هو حق وجليل وعادل وطاهر. وكان باطلاً، لأنهم لم يستعملوا قوة العقل التي أعطاها الله لهم للخير، بل للشر، فوجب عليهم أن يسمعوا قول النبي إشعياء: «لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟»(إشعياء 55: 2).
وقد ظهر بُطل ذهن الوثنيين في أنهم «لَمَّا عَرَفُوا ٱللّٰهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلٰهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ ٱلْغَبِيُّ». فكان أن: «أَسْلَمَهُمُ ٱللّٰهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لا يَلِيقُ» «لأنهم كانوا يحجزون الحق بالإثم»(رومية 1: 21 و28). وهذا ما لا يفعله المؤمنون الذين رجعوا من الأباطيل إلى الله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها (أعمال 14: 15). فكيف يقدرون بعد ذلك أن يسلكوا كما يسلك الوثنيون ببُطل ذهنهم؟ لقد تغيَّروا عن شكلهم بتجديد أذهانهم!
سبع صفات للوثنيين
وفي آيتي 18 و19 قدَّم الرسول بولس سبع صفات للوثنيين، هي تمام البُطل والفساد، فيقول: «إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنّبون عن حياة الله، لسبب الجهل الذي فيهم، بسبب غلاظة قلوبهم. الذين إذ هم قد فقدوا الحِس، أسلموا نفوسهم للدعارة، ليعملوا كل نجاسة في الطمع». فلنتأمل هذه الصفات السبع:
-
«مظلمو الفكر»:
أظلم فكر الوثنيين بفعل الخطية، لأن الانغماس في ارتكابها يُظلِم العقل ويدمر الجسد. واستمر تأثير الظلام في قلوبهم. كانوا بعقولهم يعرفون الفلسفة (وهي حُب الحكمة)، ولكنها لم تحكّم سلوكهم. سأل الوالي بيلاطس السيد المسيح: «ما هو الحق؟» (يوحنا 18: 38). ولكنه لم ينتظر حتى يسمع الإجابة، لأن فكره المظلم بجاهلية الوثنية لم يكن مستعداً لقبول الحق.
زعم الوثنيون أنهم حكماء ولكنهم كانوا جهلاء. كان نور العلم الذي عندهم ظلاماً! ومنهم أهل أثينا الذين «لا يَتَفَرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ إِلا لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئاً حَديثاً» (أعمال 17: 21).
ويشرح الرسول بولس سبب ظلام فكرهم فيقول: «لأَنَّ ٱلإِنْسَانَ ٱلطَّبِيعِيَّ لا يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ ٱللّٰهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلا يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيّاً» (1كورنثوس 2: 14). والإنسان الطبيعي العادي، الذي لم يجدِّده الروح القدس لا يقبل الأمور الروحية، لأنه لا يعرف قيمة الحقائق التي أعلنها الروح القدس في كتاب الله، ولا يصدِّقها ولا يخضع لها، لأنه يظنها جهالةً لا فائدة فيها. والإنسان الطبيعي العادي لا يقدر أن يعرف الأمور الروحية، ولا قيمتها، لأن الذين يحبون الظلمة لا يعرفون قيمة النور. ولا يقدر أحدٌ أن يحكم في إعلانات الله الروحية إلا الإنسان الروحي الذي أناره الروح القدس وغيَّر قلبه. أما الإنجيل فهو مكتوم في الهالكين (2 كورنثوس 4: 3).
صحيح أن فكر الوثنيين العقلي قد يكون مستنيراً بالفلسفة والعلم. لكن فكرهم الروحي مظلم بالخطية والشر. وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر معرفة المسيح، فخسر نفسه؟!
-
«متجنِّبون عن حياة الله» :
أبعد الوثنيون أنفسهم بإرادتهم عن الحياة التي يعطيها الله، وهي الحياة التقية ذات المعنى! صحيحٌ أنهم كانوا «أجنبيّين عن رعوية إسرائيل» لأن الله لم يخلقهم وسط الشعب الذي أعطاه الشريعة. ولو أن هذا ليس ذنبهم. لكن الذنب أنهم جنَّبوا أنفسهم باختيارهم عن حياة التقوى التي تُرضي الله، فلم يفتحوا قلوبهم لله، وأبعدوا أنفسهم عن معرفته، وحرموا أنفسهم من الأُنس به، فضاعت منهم «حياة الله».
لقد نفخ الله في آدم نسمة حياة، لكن الخطاة أبعدوا أنفسهم عنها! ولا معنى للحياة بالجسد بدون حياة الروح. ويريد الله لنا حياة الروح، وقد كلَّف الرسول بولس أن يكرز للوثنيين ليفتح عيونهم، كي يرجعوا من ظلماتٍ إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا غفران الخطايا ونصيباً مع المقدَّسين (أعمال 18: 26).
-
«الجهل الذي فيهم» :
والجهل هنا هو الجهل الروحي، الذي قال عنه المسيح: «تَضِلُّونَ، إِذْ لا تَعْرِفُونَ ٱلْكُتُبَ وَلا قُوَّةَ ٱللّٰهِ» (مرقس 12: 24). وقال أيضاً: «فَتِّشُوا ٱلْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلا تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ» (يوحنا 5: 39 و40). كان السامعون يعرفون الكتب بعقولهم، لكن قلوبهم لم تدركها، فكان جهلهم الجهل الروحي، الذي ينبع من الظروف الشريرة المحيطة بالإنسان، أو الذي ينتج عن شر الإنسان نفسه.
قال الرسول بطرس للخطاة الذين رفضوا المسيح وصلبوه: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ» (أعمال 3: 17). ويقول الرسول بولس: «ٱللّٰهُ ٱلآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ ٱلْجَهْلِ» (أعمال 17: 30). لقد أظهر الله قدرته للبشر في خليقته ومصنوعاته، لكن قلبهم الغبي أظلم!
-
«غلاظة قلوبهم» :
القلب الغليظ هو القلب الحجري. وكلمة «غلاظة» تصف عدة أشياء: فهي اسم نوعٍ من الحجر القوي، الأكثر صلابةً من الرخام. وهي تصف الجزء الذي يصيبه مرض التكلُّس «الكالو» في الجسم، فلا يشعر ولا يحس، لكنه يُتعِب ويؤذي. كما تصف ترسُّب الكالسيوم في مفاصل الجسم فيمنع حركتها.
والمقصود أن قلب هؤلاء الأمم كان قاسياً كالحجر، ميتاً مؤذياً مثل الكالو، ملآناً بالحجر الذي يمنع الحركة نحو الخير والحق!
وقد تجيء غلاظة القلب بفعل الشيطان، الذي يُعمي الذهن، فإن «إِلٰهَ هٰذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلا تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ» (2كورنثوس 4: 4).
وقد تجيء غلاظة القلب من الإنسان نفسه، كما أغلظ فرعون قلبه، فتركه الله لغلاظة قلبه (خروج 8: 15 و32).
وقد تكون غلاظة القلب عقاباً للإنسان الذي يصرُّ على عصيان الله، كما يقول الإنجيل: «وَمَعَ أَنَّهُ (المسيح) كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هٰذَا عَدَدُهَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ ٱسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ ٱلرَّبِّ؟» لِهٰذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضاً: «قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ» (يوحنا 12: 37-40).
-
«فقدوا الحِسّ» :
لم يعُد قلبهم الغليظ يأسف على ما يرتكبونه من شر، ولم يعُد ضميرهم يؤنبهم، ولم يعودوا يخجلون من الخطية، وفشلوا في القيام بأي إصلاح من عند أنفسهم.
بدأت الخطية عندهم بالتدريج. عادة يخاف الإنسان أول الأمر من الخطية، وإذا وقع فيها يحزن. ولكن بعد تكرار ارتكابها يتعوَّد على شناعتها، ويموت ضميره، مثل السكير الذي يسكر في الخفاء، ثم لا يهمُّه إن رآه الناس يترنح في الشارع بعد ذلك.
-
«أسلموا نفوسهم للدعارة» :
والدعارة هي الخروج عن الاتِّزان، والتمرُّد على القانون، وعدم ضبط النفس، وارتكاب الخطايا المنافية للعفَّة بدون خوفٍ من الله ولا خجلٍ من الناس. والإنسان الذي أسلم نفسه للدعارة لا يهتم بما يضايق الناس ما دام هذا يعطيه السرور! إنهم مثل يهوذا الإسخريوطي الذي فقد اتِّزانه، وتمرَّد على نعمة الله فأسلم نفسه لحب المال، وباع سيده بثلاثين من الفضة.
-
«ليعملوا كل نجاسةٍ في الطمع» :
بمعنى أن النجاسة صارت حرفة حياتهم ووظيفتهم. صارت تجارتهم وزراعتهم وشغل حياتهم! وكأنه لم يكفهِم أن يعملوا النجاسة، فكانوا طمّاعين فيها. ويصفهم الرسول بولس بقوله: «مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِناً وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَداً وَقَتْلاً وَخِصَاماً وَمَكْراً وَسُوءاً» (رومية 1: 29).
والكلمة «طمع» معناها: طلب شيء يزيد عن الحق، فهو الرغبة الشرهة في الاستيلاء على ما يخصّ الآخرين، حتى يدوس الإنسان زميله ليحصل على ما يريد!
ويمكن أن نلخِّص جاهلية حالة الأمم في ثلاثة أمور:
-
كان قلبهم مثل الحجر الصلب، فلم يشعروا بالخطأ الذي يعملونه.
-
كانوا غارقين في الخطية حتى ضاع منهم الحياء والخجل منها.
-
كانوا تحت نير الشهوة الطماعة، فلم يهتموا بأذى الناس إن كان هذا يعطيهم شهوتهم!
الفصل الثاني: حالة المؤمنين | ||
|
«وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا ٱلْمَسِيحَ هٰكَذَا - إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ، أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ ٱلتَّصَرُّفِ ٱلسَّابِقِ ٱلإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ ٱلْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ ٱلْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا ٱلإِنْسَانَ ٱلْجَدِيدَ ٱلْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ ٱللّٰهِ فِي ٱلْبِرِّ وَقَدَاسَةِ ٱلْحَقِّ» (أفسس 4: 20-24). |
بعد أن تحدث الرسول بولس عن تمام فساد حالة الوثنيين وجاهليتهم، أظهر الفرق بينهم وبين المؤمنين. وبدأ هذه الفكرة بقوله: «وأما أنتم فلم تتعلموا المسيح هكذا». وكلمة «أما» تبيِّن الفرق. الأمم في نجاسة، أما المؤمنون ففي قداسة الحق. تعلَّم الوثنيون الشر، أما المؤمنون فلم يتعلموا المسيح هكذا! لقد سمعوا من المسيح تعاليم جديدة غير مسبوقة، ورأوا منه معجزات محبة تلمس كل ناحية من نواحي الحياة. وأكثر من ذلك، أنهم تعلَّموه بالاختبار، فعرفوا قوته المغيِّرة التي منعتهم عن السلوك الشرير السابق.
ولا يقول الرسول بولس إنهم لم يتعلَّموا عن المسيح، لكنه يقول: «لم يتعلموا المسيح». فلا يكفي أن نعرف عن المسيح، بل يجب أن نعرفه هو. من المهم أن نعرف تعليمه، لكن الأهمّ أن نقبله مخلِّصاً شخصياً وفادياً، ونختبر مع الرسول قوله: «لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلامِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ» (فيلبي 3: 10).
-
المؤمنون يتعلَّمون:
«إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ»(آية 21).
وليس المقصود بالقول «إن كنتم» الشك في أن الخبر وصلهم، لكن المقصود تأكيد وتحقيق وصول الخبر إليهم. لقد سمعوا المسيح يكلِّمهم بواسطة رسله الذين علَّموهم، وسمعوه بعد أن سكن في قلوبهم، يرشدهم إلى كل ما هو حق.. إذاً سمعوا الحق وتعلَّموه. والحق هو الدين الصحيح. وما داموا قد عرفوا المسيح فيجب أن يتركوا الخطية، لأن الله حقٌّ وقدوس. لقد سمعوا وتعلموا «في يسوع» فصاروا الآن خليقةً جديدة، ينطبق عليهم قول المسيح: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي» (يوحنا 10: 27).
-
المؤمنون يخلعون الإنسان العتيق:
«أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ ٱلتَّصَرُّفِ ٱلسَّابِقِ ٱلإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ ٱلْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ ٱلْغُرُورِ» (آية 22).
تعلَّم المؤمنون الحق، فيجب أن يخلعوا كل ما كانوا يمارسونه «مِنْ جِهَةِ ٱلتَّصَرُّفِ ٱلسَّابِقِ» أي من جهة المبادئ التي كانوا يسلكون بحسبها، فيخلعونها كما يخلع الإنسان ثوباً قذراً بالياً. إن ترقيع القديم لا يصلح، فيجب أن نخلعه ونلبس الجديد (لوقا 5: 36-38).
و «الإنسان العتيق» هو الطبيعة الفاسدة التي لم تتجدَّد بعد بعمل الروح القدس. يسمِّيها «الإنسان» لأن الطبيعة الإنسانية فاسدة، لا ينفع معها الإصلاح، بل تحتاج إلى تغيير وتجديد كاملين. ويسمِّيها «العتيق» لأنها قديمة بالية متهرِّئة لا تستر!
ومحاولتنا إصلاح نفوسنا هي الترقيع. لكن الحق هو أننا «في يسوع» نخلع العتيق البالي الذي هو «الإنسان العتيق» أي الطبيعة الفاسدة، الذي يقول عنه الرسول: «أَرَى نَامُوساً آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ ٱلْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي» (رومية 7: 23). ويشرح عمله في قوله: «لأَنَّ ٱلْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ ٱلرُّوحِ وَٱلرُّوحُ ضِدَّ ٱلْجَسَدِ، وَهٰذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا ٱلآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لا تُرِيدُونَ» (غلاطية 5: 17).
هذه الطبيعة الفاسدة التي فينا تجذبنا إلى أسفل، وتزيد من فسادٍ إلى فسادٍ، وتنتهي بهلاك صاحبها، فيجب أن نخلعها. وهي «بحسب شهوات الغرور» لأنها فاسدة تميل إلى الشهوات، كما أنها تخدعنا وتقتلنا، كما قيل: «ٱلْخَطِيَّة... خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي» (رومية 7: 11).
هناك شهوة المكسب الحرام، وشهوة العظمة والسلطان الباطلَيْن، وشهوة اللذَّة الجسدية. وكل هذه غرور، وباطل الأباطيل، ولا منفعة منها كلها.
خدعت شهوات الغرور آدم وحواء فظنّا أن السعادة هي في الأكل من الشجرة المنهيّ عنها (تكوين 3: 6)! وخدعت الغني الغبي فظن أنه يحيا طويلاً ليهدم مخازنه القديمة ويبني مخازن جديدة أكبر، فمات من ليلته (لوقا 12: 20)! وخدعت الابن الضال فظن أنه يجد السعادة في البلاد البعيدة مغترباً عن أبيه (لوقا 15: 14)!
وعلى المؤمن أن يخلع الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، مع كل «أَعْمَالِ ٱلظُّلْمَةِ» (رومية 13: 12).
-
المؤمنون يتجدَّدون:
«أن تَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ» (آية 23)
لا يكفي أن نخلع الخطية، بل يجب أن نلبس القداسة. وهذا لا يكون إلا بالتجديد والتغيير اللذين يجريهما الروح القدس في قلوبنا. يعزم بعض الناس أن يعيشوا الحياة الصالحة، معتمدين على جهدهم وعزمهم وبرِّهم الذاتي، ولكن هذا لا يجدي ولا يستمر. نعم قد يُصلح الإنسان بجهده أحد أخطائه، ولكنه في الوقت نفسه يجد أنه وقع في خطإٍ آخر. الحاجة إذاً هي إلى التجديد بعمل الروح القدس، فإن الله «بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغَسْلِ ٱلْمِيلادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (تيطس 3: 5). وبهذا التجديد تعود النفس إلى صورة الله. وفي الجديد قوة وجمال، فنقول: «لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (أفسس 2: 10).
هذا التجديد يكون «بروح ذهنكم». ويقول القديس يوحنا فم الذهب إن هذا يعني «تجديد عقولكم وأفكاركم بعمل الروح القدس». فالتجديد يُجري في المؤمن تغييراً في قلبه وعقله، ويغيّر نظرته للحياة، ويغيّر المبادئ التي كان يسير عليها، ويغيِّر ردود أفعاله، ويغيّر تقييمه للأمور. كما قال الرسول بولس: «تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ» (رومية 12: 2).
وليس هذا التغيير في العادات والمظاهر الخارجية فقط، لكنه تغيير في مبادئ الحياة الداخلية بتجديد القلب، ويظهر تأثيره في التصرفات الخارجية، وصَلْب الجسد مع الأهواء والشهوات، والاجتهاد بتقوية الجانب الروحي بالصلاة ودراسة كلمة الله، وتمليك المسيح على الحياة بجملتها.
وفي كلمة «تتجددوا» معنى الاستمرار، فالإنسان يتجدد يوماً فيوماً. كل يوم يجعله أكثر قرباً من الله، وأفضل حالاً من اليوم السابق.
-
المؤمنون يلبسون الإنسان الجديد:
«أن َتَلْبَسُوا ٱلإِنْسَانَ ٱلْجَدِيدَ ٱلْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ ٱللّٰهِ فِي ٱلْبِرِّ وَقَدَاسَةِ ٱلْحَقِ»(آية 24).
بعد أن يتوب المؤمنون ويخلعوا العتيق، يتجددون ويلبسون الإنسان الجديد. و «الإنسان الجديد» هو الطبيعة الجديدة التي يعطيها الله، «لأنه إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (2كورنثوس 5: 17).
هذا الإنسان الجديد «مخلوق» لأن الله يخلقه فينا. وهو «مخلوق بحسب الله» بمعنى أنه على صورة الله (وفي الترجمة المنقَّحة «على مثال الله»). فالإنسان الذي يجدده الروح القدس هو الإنسان الذي على صورة الرحمان.
خلق الله آدم الأول «عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللّٰهِ خَلَقَهُ» (تكوين 1: 27) ولكنه ضل وضاعت منه الصورة الأصلية. فيعود الله يخلقه من جديد (في المسيح) على الصورة الأصلية التي كان فيها. ولذلك يقول الرسول: «وَلَبِسْتُمُ ٱلْجَدِيدَ ٱلَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ» (كولوسي 3: 10). ويقول الرسول بطرس: «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ» (1بطرس 1: 15).
والمؤمن الجديد مخلوق على صورة الله ومثاله «في البر وقداسة الحق». والبر هو التصرف العادل السليم من جهة جميع الناس، والبار هو العادل الذي يعطي كل صاحب حقٍ حقَّه، فيعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. إنه «ٱلسَّالِكُ بِٱلْكَمَالِ، وَٱلْعَامِلُ ٱلْحَقَّ، وَٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ» (مزمور 15: 2). ويبرهن لنا الروح القدس دائماً أن بر المسيح من نوعٍ فريد، فكل البشر أخطأوا، أما المسيح فهو الكامل وحده، الذي قال لأعدائه: «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» (يوحنا 8: 46) فلم يجرؤ أحدٌ أن يردّ عليه!
أما «قداسة الحق» فهي القداسة التي تنتج عن معرفة الحق، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل. فالحق يحرِّرنا من الخطية وهذا يمنحنا الفرح والقداسة. والمسيح هو الطريق والحق والحياة، وبه وحده نجد الطريق إلى الآب وإلى القداسة.
لقد أعاد الله خلق المؤمنين، لذلك يقول زكريا الكاهن: «نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا» (لوقا 1: 75). ويقول الرسول بولس: «بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلا لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (1تسالونيكي 2: 10).
ومن هذه الآيات نرى أن المؤمنين:
-
يخلعون العتيق، ويلبسون الجديد،
-
يخلعون الفاسد، ويلبسون المخلوق بحسب الله،
-
يخلعون الذي بحسب شهوات الغرور، ويلبسون الذي بحسب الله في البر وقداسة الحق.
الفصل الثالث: فضائل المؤمنين | ||
|
«لِذٰلِكَ ٱطْرَحُوا عَنْكُمُ ٱلْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِٱلصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ ٱلْبَعْضِ. اِغْضَبُوا وَلا تُخْطِئُوا. لا تَغْرُبِ ٱلشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ وَلا تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَاناً. لا يَسْرِقِ ٱلسَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً ٱلصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ ٱحْتِيَاجٌ. لا تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحاً لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ ٱلْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. وَلا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللّٰهِ ٱلْقُدُّوسَ ٱلَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ ٱلْفِدَاءِ. لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً فِي ٱلْمَسِيحِ» (أفسس 4: 25-32). |
شرح الرسول بولس حالة الوثنيين الفاسدة التي عاشها المؤمنون قبل الإيمان، ثم أوضح حالة المؤمنين الذين خلعوا هذا الفاسد، وتجدَّدوا، ولبسوا الجديد. ثم يبيِّن الرسول فضائل المؤمنين، فيذكر ما يجب أن يرفضوه، وما يجب أن يعيشوه، ويذكر الدافع الذي يدفعهم لرفض الشر وممارسة الخير.
-
رفض الكذب وعيشة الحق:
«ٱطْرَحُوا عَنْكُمُ ٱلْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِٱلصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ ٱلْبَعْضِ» (آية 25).
وقال الرسول بولس: «لا تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ ٱلإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ ٱلْجَدِيدَ ٱلَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ» (كولوسي 3: 9 و10).
يجب أن نخلع الكذب لأنه من صفات إبليس الذي هو الكذّاب وأبو الكذّاب (يوحنا 8: 44). ويقول النبي زكريا: «لِيُكَلِّمْ كُلُّ إِنْسَانٍ قَرِيبَهُ بِٱلْحَقِّ. ٱقْضُوا بِٱلْحَقِّ وَقَضَاءِ ٱلسَّلامِ فِي أَبْوَابِكُمْ» (زكريا 8: 16).
كان المجتمع اليوناني يسمح بالكذب إن كان فيه فائدة.
وعندنا من يقول إن الكذب جائز في ثلاث حالات: في الحرب، وفي إصلاح المتخاصمين، وفي كلام الزوج مع زوجته وفي كلام الزوجة مع زوجها! ولكن الكتاب يعلّمنا أن نطرح الكذب ونتكلم بالصدق باستمرار.
يكذب الناس ليهربوا من مشكلة، أو ليتفادوا اللوم، أو ليُظهِروا أنهم صالحون. وقد يكذبون كذباً صريحاً بغير خجل، وقد يسمُّونه أبيض، وقد يكون الكذب بالسكوت على الخطأ وعدم إعلان الحق. لكن المؤمن الذي خلع القديم يجب أن يطرح كل كذب «وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ ٱلْحَقِّ» (1يوحنا 2: 21).
أما الدافع على طرح الكذب وقول الصدق فهو أننا «بعضنا أعضاء البعض». يقول القديس يوحنا فم الذهب: «هل تخدع العين اليد؟» وقال رجل حكيم: «لو قالت الأعصاب للمخ إن الشيء الساخن بارد، ويمكن أن يلمسه الجسم بدون ضرر.. ألا تكون النتيجة أن الجسم يحترق؟!»
الكذب يضر «الجسد» كله. والجسد هو المجتمع، وهو الكنيسة، وهو العائلة، لأننا أعضاء في هذه الهيئات كلها. فكيف نضر الجسد الذي ننتمي إليه؟
-
رفض الخطية وممارسة الغضب المشروع حتى لا نعطي إبليس مكاناً:
«اِغْضَبُوا وَلا تُخْطِئُوا. لا تَغْرُبِ ٱلشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ وَلا تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَاناً»(آيتا 26 و27).
وهذه الآية قد تعني: لا تخطئوا بأن تغضبوا، أو: اغضبوا بشرط أن لا تخطئوا. والأغلب أن المعنى الثاني هو المقصود.
هناك غضب خاطئ، وهناك غضب مشروع. الغضب المشروع هو الغضب الموجَّه ضد الخطية، والغضب الخاطئ هو الموجَّه ضد الخاطئ، وهو الغضب الذي لا مبرر له، الناتج عن الحقد، وهو الذي يسبِّب الضرر.
غضب المسيح غضباً مشروعاً لما رأى رجال الدين في عصره يستخدمون بيت الله بيت تجارة، فطهَّر الهيكل وصنع سوطاً من حبال وطرد الباعة والصيارفة (يوحنا 2: 13-16). وغضب على القادة الدينيين في عصره لأنهم كانوا يعطلون عمل الخير، فوبَّخهم، ونظر إليهم بغضب حزيناً على غلاظة قلوبهم (مرقس 3: 5). ولذلك يأمرنا الرسول بولس: «أَعْطُوا مَكَاناً لِلْغَضَبِ» (رومية 12: 19). بمعنى أعطِ مكاناً للغضب المشروع وأعطِ الغضب فرصة ليمضي ويزول.
«اغضبوا ولا تخطئوا». فما أسرع ما نغضب مخطئين. لنحترس من أن نغضب بسبب مصالحنا الشخصية، أو بسبب إساءة شخصية صدرت ضدنا، فإن هذا هو الغضب الخاطئ.
«ولا تغرب الشمس على غيظكم» - لا تربّوا الغضب في نفوسكم، فإن «ٱلْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ ٱلْجُهَّالِ» (جامعة 7: 9). يجب أن يكون يوم الغضب هو يوم المصالحة. أوصى معلمٌ يهودي تلاميذه أن لا يناموا حتى يصفّوا كل ما في نفوسهم من سلبياتٍ نحو الآخرين، لأنهم إن لم يُصلحوا الخصام بسرعة فقد لا يتصالحون أبداً. وطلب الفيلسوف اليوناني فيثاغورس من تلاميذه أن يسلّموا على من يغضبون عليه قبل الغروب.
ونلاحظ أن غروب الشمس هو بداية اليوم عند اليهود. ويطلب الرسول بولس منّا ألاّ نبدأ يوماً جديداً وفي نفوسنا غضب خاطئ!
أما الدافع على طرح الغضب الخاطئ فهو «لا تعطوا إبليس مكاناً». لأن «إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِساً مَنْ يَبْتَلِعُهُ» (1بطرس 5: 8). فإذا أعطيناه، بغضبنا، فرصةً فإنه يبتلعنا. إنه يبدأ بالقليل. ثم يزيد ويزيد حتى يأخذ المكان كله. لذلك لا يجب أن نعطيه مكاناً من البدء.
إذا غضبنا وأخطأنا نجد أننا دخلنا في سلسلة من الخطايا التي لا آخر لها، ونعطي إبليس مكاناً! كم من عائلة انقسمت، وصداقة ضاعت، وكنيسة ضعفت بسبب غضب خاطئ استغله الشيطان!
يقول المرنم: «اِرْتَعِدُوا وَلا تُخْطِئُوا» (مزمور 4: 4). وترجمتها الترجمة السبعينية: «اغضبوا ولا تخطئوا». وقد قالها داود لأتباعه بعد الثورة الفاشلة التي قام بها ضده ابنه أبشالوم. لكنهم غضبوا وأخطأوا وقتلوا، وأخذ إبليس مكاناً كبيراً بينهم. وهذا ما حدث مع موسى الذي غضب وأخطأ وفرط بشفتيه، وضاعت منه فرصة دخول أرض الموعد (مزمور 106: 33).
لا تعطِ إبليس مكاناً ليشتكي عليك حين تخطئ. إن كان قد اشتكى على أيوب البار وهو لم يخطئ، فكم تكون شكواه عليك وأنت تغضب وتخطئ؟ ولا تعط إبليس فرصةً ليوقعك في غضب أكثر وخطإٍ أكبر. احترس من الغلطة الأولى لأنها تجرُّ وراءها الثانية والثالثة. ولا تصدق شكوى الشيطان على إخوتك حتى تكرههم وتغضب عليهم وتتكلم عنهم ردياً.
الذي لا يحب أخاه يعطي إبليس مكاناً (1يوحنا 2: 11)
الذي يغضب لا يستفيد ولا يصنع بر الله (يعقوب 1: 20).
لذلك يقول الرسول بولس: «وَٱلَّذِي تُسَامِحُونَهُ بِشَيْءٍ فَأَنَا أَيْضاً. لأَنِّي أَنَا مَا سَامَحْتُ بِهِ - إِنْ كُنْتُ قَدْ سَامَحْتُ بِشَيْءٍ - فَمِنْ أَجْلِكُمْ بِحَضْرَةِ ٱلْمَسِيحِ، لِئَلا يَطْمَعَ فِينَا ٱلشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لا نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ» (2كورنثوس 2: 10 و11).
-
رفض السرقة وممارسة العمل الصالح:
«لا يَسْرِقِ ٱلسَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً ٱلصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ ٱحْتِيَاجٌ»(آية 28).
كانت السرقة شائعة بين الأمم، خصوصاً في مكانين: في الموانئ حيث ترسو السفن، وفي الحمامات الشعبية حيث كان أصحاب الملابس القديمة يتركونها ويلبسون الجديد من ملابس الآخرين. وكانوا يقولون إن السرقة جائزة لمساعدة المساكين.
ويقول الرسول بولس إن الذي كان في حياته الماضية سارقاً، ثم عرف المسيح المخلِّص، لا يعود يسرق فيما بعد، لأنه خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد.
وهناك أنواع مختلفة من السرقة في المجتمع:
صاحب العمل الذي لا يدفع للعامل أجراً كافياً يظلم العامل ويسرق تعبه. كما أن العامل الذي لا يؤدي واجبه كما يجب يسرق صاحب العمل.
الذي يلوك سيرة الناس يسرق صيتهم الحسن وسمعتهم الطيبة.
الذي يقترض مالاً ولا يردُّه يسرق الذي أعطاه السُّلفة.
الذي يلعب القمار ويربح يسرق مال اللاعبين معه.
الذي يدَّعي أنه فقير ويطلب المساعدة، مع أنه يقدر أن يساعد نفسه، يسرق مال الإحسان والخير.
الذي لا يدفع العشور يسلب حقَّ الله في ماله، ويقول الله له: «سَلَبْتُمُونِي... فِي ٱلْعُشُورِ وَٱلتَّقْدِمَةِ» (ملاخي 3: 8).
«لا يسرق. . بل يتعب عاملاً الصالح بيديه». فالمسيحية تقدِّس العمل، لأن العمل واجب وشرف. و «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلا يَأْكُلْ أَيْضاً» (2تسالونيكي 3: 10). ويقدم لنا الرسول بولس مثالاً صالحاً في قوله: «حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ ٱلَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ ٱلْيَدَانِ» (أعمال 20: 34) وأوصى: «وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ ٱلْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ» (1تسالونيكي 4: 11).
أما الدافع على ترك السرقة وعمل الصالح فهو «ليكون له أن يعطي من له احتياج». كل من يقدر أن يشتغل يجب أن يعمل، لكن العاجز عن العمل يجب أن يجد المساعدة من القادرين على مساعدته. يجب أن يعمل القوي ليساعد العاجز، فليس أحد منّا يعيش لنفسه: «وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ ٱلْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجاً، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِيهِ؟» (1يوحنا 3: 17). «فَإِذاً حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ ٱلْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلا سِيَّمَا لأَهْلِ ٱلإِيمَان» (غلاطية 6: 10).
-
رفض الكلام الرديء والتكلُّم بالصالح:
«لا تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحاً لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ ٱلْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. وَلا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللّٰهِ ٱلْقُدُّوسَ ٱلَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ ٱلْفِدَاءِ»(آيتا 29 و30).
الكلام الرديء يخرج من القلب الشرير، وكل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين (متى 12: 35 و36). وهو الكلام المرّ الذي يضايق من يسمعه (مزمور 64: 3) والذي يجيء من التواء الفم وانحراف الشفتين (أمثال 4: 24).
والكلمة «رديء» في الأصل اليوناني معناها «عطن، وبالٍ، وغير صالح للاستعمال، ولا يستحق». لذلك يصلي المرنم: «ٱجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِساً لِفَمِي. ٱحْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ» (مزمور 141: 3).
والمطلوب أن يكون كلامنا «صالحاً للبنيان». كان كلام أيوب صالحاً للبنيان، فقال له صديقه أليفاز التيماني: «قَدْ أَقَامَ كَلامُكَ ٱلْعَاثِرَ وَثَبَّتَّ ٱلرُّكَبَ ٱلْمُرْتَعِشَة» (أيوب 4: 4). فليكن كلامنا صالحاً حتى يبني شخصية الذي يسمعه، وينعش الروح والعقل والجسد، فيصير السامع أفضل حالاً بعد أن يسمعه.
ويجب أن يكون كلامنا «حسب الحاجة» يناسب الظرف والحال، يتم فيه القول: «تُفَّاحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي مَصُوغٍ مِنْ فِضَّةٍ كَلِمَةٌ مَقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا» (أمثال 25: 11).
ويجب أن «يعطي نعمة للسامعين». والنعمة هي الجمال. فليكن كلامنا صالحاً يبهج السامعين ويجمِّل حياتهم، عندما تنسكب النعمة على شفتي المتكلِّم (مزمور 45: 2) فيقدر أن يطيع الوصية الرسولية: «لِيَكُنْ كَلامُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحاً بِمِلْحٍ، لِتَعْلَمُوا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ» (كولوسي 4: 6).
هل يجد السامعون نعمةً في كلامنا معهم وفي استماعنا إليهم؟ وهل يجدون في ما نقوله التشجيع والتعزية؟
أما الدافع على ترك الكلام الرديء وقول الكلام الصالح، فهو لكي «لا تحزِنوا روح الله القدوس». ويعلِّمنا الكتاب المقدس أن لا نقاوم الروح (أعمال 7: 51). وأن لا نطفئه (1تسالونيكي 5: 19) وهنا يطلب منا أن لا نحزنه، وفي هذا تحذير حتى لا نتمرَّد ونُحزن روح قدسه (إشعياء 63: 10) كما أحزنه بنو إسرائيل في البرية بعصيانهم وعدم إيمانهم (مزمور 78: 20). يجب ألاّ نحزنه بكلامٍ رديء، بل نقدم له السجود والإكرام بالكلام الصالح البنَّاء الذي يعطي نعمة للسامعين.
«أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ ٱللّٰهِ، وَرُوحُ ٱللّٰهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ ٱللّٰهِ فَسَيُفْسِدُهُ ٱللّٰهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ ٱللّٰهِ مُقَدَّسٌ ٱلَّذِي أَنْتُمْ هُوَ» (1كورنثوس 3: 16 و17).
-
رفض الانفعالات الردية وممارسة المشاعر الطيبة:
«لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً فِي ٱلْمَسِيحِ» (آيتا 31 و32).
وقال أيضاً: «فَٱلْبَسُوا كَمُخْتَارِي ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفاً، وَتَوَاضُعاً، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً» (كولوسي 3: 12 و13).
في هاتين الآيتين يطلب الرسول منا أن نخلع الانفعالات الرديئة، ونلبس الشعور الطيب. أما الدافع على ذلك فهو أن المسيح سبق أن سامحنا.
يجب أن نخلع كل «مرارة». والمرارة هي إحساس الإنسان بالضيق حين يذكر إساءات الناس وظلم الحياة، فيكون سريع الغضب بطيء الرضا. وهي عكس الحلاوة. والمرارة سامة مثل الحربة المسنونة، تتلف حياتنا، ويمكن أن تدمرها. وقد نجا الملك حزقيا من المرارة فقال: «هُوَذَا لِلسَّلامَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِيَ ٱلْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ ٱلْهَلاكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ» (إشعياء 38: 17).
ونخلع كل «سخط». والسخط هو الغضب السريع الذي يشبه نار القش، يحرق العقل ويوقفه عن التفكير السليم.
ونخلع كل «غضب». والغضب هو ردُّ الفعل السريع على إساءات الناس، واختزانه في ذاكرتنا وقلوبنا حتى يصير كراهية وحقداً.
ونخلع كل «صياح». والصياح هو ارتفاع صوتنا في المناقشة والجدل. قال رجلٌ حكيم: «حين يرتفع صوتك في المناقشة فيجب أن تتوقَّف عن الكلام». وقال الكتاب عن المسيح: «لا يُخَاصِمُ وَلا يَصِيحُ، وَلا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي ٱلشَّوَارِعِ صَوْتَهُ» (متى 12: 19).
ونخلع كل «تجديف». والتجديف هو الكلام الرديء على الله وعلى الناس. إنه اللعنة والنميمة. ويقول الرسول يعقوب: «لا يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ. ٱلَّذِي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ ٱلنَّامُوسَ وَيَدِينُ ٱلنَّامُوسَ» (يعقوب 4: 11)
ونخلع كل «خبث». والخبث هو فساد القلب الذي منه تصدر كل الشرور. قال القديس يوحنا فم الذهب إن الخبث هو النار التي تشعل الوقود في الداخل دون أن يراها الناس، لكنهم يلمسون تأثيرها الهدام.
وإذ نخلع هذه الانفعالات الشريرة يجب أن نلبس الشعور الحسن..
«كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض». واللطف هو نفع الآخرين ومساعدتهم، وهو من ثمر الروح. والكلمة «لطيف» هي نفسها كلمة «خفيف» التي وصف بها المسيح حِمله، حين قال: «حملي خفيف» (متى 11: 30).
«كونوا شفوقين». والشفقة هي الحنو ومعاملة الناس كإخوة، وأن نكون «ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ» (1بطرس 3: 8). والشَّفوق هو الذي يحنو على الناس في ضعفهم، ولا يسبِّب لهم الألم بدون فائدة.
«متسامحين». بمعنى أن نغفر للناس ذنوبهم كما نطلب من الله أن يغفر لنا، ثم ننسى الإساءة، كما غفر الله لنا وطرح خطايانا وراء ظهره لينساها ولا يعود يذكرها في ما بعد!
أما الدافع على التخلُّص من الانفعالات الردية، ولبس الشعور الطيب فهو قوله: «كما سامحكم الله أيضاً في المسيح». سامحنا المسيح ونحن أعداء أشرار، ليس فينا خير. سامحنا ولم ينتظر منا أجراً. فعلى مثاله نسامح ونغفر، ونخلع الغضب والصياح والخبث!
كتب القديس أكليمندس رسالة يقول فيها: «إن كنا ننتقم من الذين يسيئون إلينا فهذا عمل إنساني. وإن كنا لا ننتقم من المسيئين إلينا فهذا عمل فلسفي. لكن إن كنا نعمل الخير مع الذين يسيئون إلينا فهذا عمل إلهي».
«قَدْ تَنَاهَى ٱللَّيْلُ وَتَقَارَبَ ٱلنَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ ٱلظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ ٱلنُّورِ» (رومية 13: 12).
فلنخلع العتيق الفاسد.. ولنتجدد كل يوم.. ولنلبس الجديد على مثال الله في البر وقداسة الحق.
القسم الثاني: الحياة المسيحية تحت سيادة الروح القدس | ||
الفصل الأول: من هو الروح القدس؟ | ||
من المهم جداً أن نعرف من هو الروح القدس.
هل هو مجرد تأثير إلهي، أو قوة روحية عظيمة؟
أم هو روح الله، الأقنوم الثالث في اللاهوت؟
يقول إقرار الإيمان: «نؤمن بالروح القدس، الرب الحي، المحيي، المنبثق من الآب». فإن كان الروح القدس مجرد تأثير أو قوة إلهية، يحقُّ لنا أن نحصل عليها لنستخدمها في حياتنا الإيمانية، وخدماتنا الكنسيَّة، وعملنا الروحي. لكن إن كان الروح القدس هو روح الله الذي يحيي موتى الذنوب، فيجب أن نُسلِّم له نفوسنا، ليستخدمنا كما يشاء هو. وما أكبر الفرق بين استخدام الروح لنا، واستخدامنا له.
ومن المهم أن نعرف إن كان هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، فنقدم له التعبُّد، ونؤمن به، ونُخلِص له، ونحبه.. أو إن كان مجرد قوة تساعدنا في حياتنا الروحية!
وكل قارئ للكتاب المقدس يرى بوضوح أن الروح القدس شخص، ذو صفات إلهية، ويقوم بأعمال لا يقوم بها إلا الله، وقد وهب بركاتٍ عظيمة لكل المؤمنين الذين عرفوه وسلَّموا نفوسهم له باعتباره الأقنوم الثالث في اللاهوت. ويُنسَب إليه كشخص: العقل والمعرفة، ومشاعر المحبة والحزن. ويقف الناس منه المواقف التي يقفونها من الأشخاص، فيثورون ويكذبون ويجدّفون عليه، ويزدرون به، ويُحزنونه. فليس الروح القدس تأثيراً ولا انفعالاً ولا مجرد قوة، بل هو شخص الله ذاته. إنه روح الله، وأحد الأقانيم الثلاثة «فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاثَةٌ: ٱلآبُ، وَٱلْكَلِمَةُ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ. وَهٰؤُلاءِ ٱلثَّلاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ» (1يوحنا 5: 7). (كلمة «أقنوم» كلمة سريانية تدل على من يتميَّز عن سواه، بغير انفصال عنه).
ويُسمَّى الروح القدس تسميات كثيرة في الكتاب، نذكر منها «روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب» (إشعياء 11: 2)، و «روح النعمة» (زكريا 12: 10)، و «المعزي» (يوحنا 14: 26)، و «روح الحق» (يوحنا 14: 17 و15: 26)، و «روح القداسة» (رومية 1: 14)، و «روح الحياة» (رومية 8: 2)، و «روح المسيح» (رومية 8: 9)، و «روح التبنّي» (رومية 8: 15)، و «روح الابن» (غلاطية 4: 6)، و «روح الموعد القدوس» (أفسس 1: 13)، و «روح الحكمة والإعلان» (أفسس 1: 17)، و «روح يسوع المسيح» (فيلبي 1: 19)، و «روح المجد» (1بطرس 4: 14).
وتسمية الروح الإلهي بالروح القدس يشير إلى عمله غير المنظور، وهو إنارة أرواحنا وتجديدها وتقديسها وإرشادها. وهو ينشئ كل الفضائل فينا. وتسميته بالروح القدس تميِّزه عن كل الأرواح المخلوقة، الأقل منه في القداسة بما لا يُقاس.
فإذا تأملنا عمل الروح القدس في الكتاب المقدس، نراه يقدّم الأدلّة على لاهوت الروح القدس:
-
الروح القدس أقنوم مساوٍ للآب والابن: يقدم لنا الكتاب المقدس الله الروح القدس، مع الله الآب والله الابن في صفٍّ واحد، فيقول إنه كان يرفُّ على وجه المياه (تكوين 1: 2) مشيراً إلى اشتراكه في الخَلق. ويقول إن الله منح القوة لموسى ورفقائه بروح الله (عدد 11: 17 و25). وسكب الله روحه على شعبه ليُرجِعهم إليه (إشعياء 44: 3). وقال الله مشيراً إلى عظمة قوته ومجد قدرته: «لا بِٱلْقُدْرَةِ وَلا بِٱلْقُوَّةِ بَلْ بِرُوحِي» (زكريا 4: 6). ويقول المسيح: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلٱبْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى 28: 19). فلا يقول «بأسماء» الآب والابن والروح القدس، بل «باسم» الإله الواحد: الآب والابن والروح القدس. وفي البركة الرسولية يقول: «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللّٰهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ» (2كورنثوس 13: 14). وبدأ الرسول يوحنا سفر الرؤيا بتحية المؤمنين قائلاً: «نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱلْكَائِنِ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، وَمِنَ ٱلسَّبْعَةِ ٱلأَرْوَاحِ ٱلَّتِي أَمَامَ عَرْشِهِ، (أي من الروح القدس في صفاته وأعماله المتنوِّعة الكاملة، مع وحدة أقنومه) وَمِنْ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رؤيا 1: 4 و5) وهل يُعقَل أن يقترن اسمٌ باسم الله سبحانه إلا إن كان مساوياً لله؟
بل تعال بخشوع نرى الأقانيم الثلاثة معاً، عند معمودية المسيح، فالله الآب يعلن من السماء أن هذا هو ابنه الحبيب الذي به سُرَّت نفسه، ويعتمد الابن الحبيب على الأرض في مياه نهر الأردن، بينما يحل الروح القدس عليه بهيئة جسميَّة مثل حمامة (متى 3: 16 و17). وفي تعبُّد واحترام نراهم في صلاة الله الابن، إلى الله الآب، أن يرسل الله الروح القدس (يوحنا 14: 11 و16). ولما جرَّب إبليس المسيح اقتاده الروح القدس إلى البرية حيث واجه المجرب (متى 4: 1). وعندما أعلن المسيح رسالته في مجمع الناصرة قال: «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ» (لوقا 4: 18). ولما اتَّهمه شيوخ اليهود أنه بقوة الشياطين يُخرِج الشياطين، قال: «أَنَا بِرُوحِ ٱللّٰهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ» (متى 12: 28). وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». قَالَ هٰذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ»(يوحنا 7: 37-39). وقد أرسل المسيح الروح القدس إلى تلاميذه، وقال لهم: «وَمَتَى جَاءَ ٱلْمُعَزِّي ٱلَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ ٱلآبِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، ٱلَّذِي مِنْ عِنْدِ ٱلآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 15: 26).
وفي إجلالٍ نستمع للرسول بطرس يتحدث عن الأقانيم الثلاثة يوم الخمسين فيقول: «فَيَسُوعُ هٰذَا إِذِ ٱرْتَفَعَ بِيَمِينِ ٱللّٰهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مِنَ ٱلآبِ، سَكَبَ هٰذَا ٱلَّذِي أَنْتُمُ ٱلآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ» (أعمال 2: 33).
وهكذا نرى الروح القدس، الله الروح، الأقنوم الثالث، الذي يستحق عبادتنا وإجلالنا وتعظيمنا. فلنتقدم أمامه في خشوع كامل، ولنسلِّمه القلب والحياة.
والكلمة العبريّة «روح» معناها «ريح» أو «نسمة» أو «نفخة». فالروح القدس هو نسمة الله القدير. وقد قال المسيح لنيقوديموس: «اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لٰكِنَّكَ لا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلا إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هٰكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ» (يوحنا 3: 8)، وهو بهذا يشبِّه الروح بالريح. فالريح لا تُقاوم، بل تهب حيث تشاء. والريح لا تُرى، والروح القدس لا يُرى. والريح لا تُفحص، فأنت «لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب» وهكذا الروح القدس. ونحن بدون الريح نموت، ونحتاج إلى نسمات الهواء، والروح القدس يحيي، كما نفخ المسيح في تلاميذه وقال لهم: «ٱقْبَلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ» (يوحنا 20: 22) فنالوا قوة لحياتهم الروحية.
ويشبه عمل الروح القدس فينا تأثير العقل في الجسد، فالعقل يسيطر على الجسد ويستخدمه كما يشاء، بطريقة لا نقدر أن ندركها. ويَصْدُق هذا أيضاً على تأثير أفكار الإنسان على عقل إنسانٍ آخر وإقناعه بطريقة فعالة.
وإن كان في إمكان إبليس أن يغوينا بالشر ويدفعنا نحوه، ويلقي التجارب القوية في عقولنا وقلوبنا، أفليس في قدرة الله أن يقودنا إلى التوبة، ويصلح نفوسنا، ويرشدنا إلى الخير بواسطة روحه القدوس؟
ويقترن تأثير الروح القدس مع الإرادة البشرية الحرَّة بطريقةٍ تفوق إدراكنا، فهو يعمل ما يشاء في البشر ويؤثر فيهم إلى أن يختاروا بإرادتهم الحرة ما يريدهم هو أن يفعلوه لخيرهم ولخير الآخرين، دون أن يجبرهم على العمل ضد إرادتهم. إنه بتأثيره المحب فيهم يجعلهم يريدون ويختارون نفس ما يريده هو، بطريقة لا تعارض حريتهم، ولا تلاشي مسئوليتهم عن أعمالهم.
-
يخلق: فيقول إمام الصابرين أيوب: «رُوحُ ٱللّٰهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ ٱلْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي» (أيوب 33: 4). ويقول المرنم: «تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ. وَتُجَدِّدُ وَجْهَ ٱلأَرْضِ» (مزمور 104: 30).
-
يعطي الولادة الجديدة: وهي ولادة روحية، عندما ننالها نجد أنفسنا وقد تغيَّرنا تماماً، وصرنا في حياة روحية جديدة وقد كرهنا الخطية وسعينا وراء القداسة. ولذلك نقول إن الروح القدس هو الرب المحيي. قال الرسول بولس: «وَإِنْ كَانَ رُوحُ ٱلَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ سَاكِناً فِيكُمْ، فَٱلَّذِي أَقَامَ ٱلْمَسِيحَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ ٱلْمَائِتَةَ أَيْضاً بِرُوحِهِ ٱلسَّاكِنِ فِيكُمْ» (رومية 8: 11).
يقنع الروح القدس الإنسان أنه خاطئ يحتاج إلى من ينقذه من غضب الله الذي يستحقه البعيدون عن الله، وقال المسيح: «وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ ٱلْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يوحنا 16: 8). وعندما يتبكَّت الخاطئ ويتوب يمنحه الروح القدس ولادة جديدة، كما قال المسيح لنيقوديموس: «اَلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلرُّوحِ هُوَ رُوحٌ» (يوحنا 3: 6). وقال الرسول يوحنا: «لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ» (1يوحنا 5: 4).
-
يقدِّس الحياة: يطهّر الروح القدس الإنسان الذي يعطيه فرصة العمل فيه، فينمو في القداسة والمعرفة، ويتحقق معه القول الرسولي: «ٱغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلٰهِنَا» (1كورنثوس 6: 11). ويتمم الروح القدس القداسة فينا بسيطرته على عواطفنا ومرافقته الدائمة لنا وإرشادنا، لتصير أجسادنا هياكل مقدسة له، ويحل روح المجد والله علينا (1بطرس 4: 14).
-
يوحي بالأسفار المقدسة: قال الرسول بولس: «كُلُّ ٱلْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ ٱللّٰهِ» (2تيموثاوس 3: 16) وقال الرسول بطرس: «لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2بطرس 1: 21). و «حَسَناً كَلَّمَ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ» (أعمال 28: 25). ويقول لوقا البشير: «ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ ٱلْقِدِّيسِينَ» (لوقا 1: 70). فالرب الروح هو الذي تكلم على فم الأنبياء.
-
موجود في كل مكان: يقول المرنم: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي ٱلْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ ٱلصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي ٱلْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ» (مزمور 139: 7-10). وقال المسيح: «رُوحُ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي لا يَسْتَطِيعُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاهُ وَلا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ» (يوحنا 14: 17). وهو يسكن في كل مؤمن ويحل بقوته في الكنيسة.
-
يعرف كل شيء: قال المسيح: «وَأَمَّا ٱلْمُعَزِّي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلآبُ بِٱسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ... وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ ٱلْحَقِّ» (يوحنا 14: 26 و16: 13). وقال الرسول بولس: «بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللّٰهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». فَأَعْلَنَهُ ٱللّٰهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ ٱلرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللّٰهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ ٱلنَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ ٱلإِنْسَانِ إِلا رُوحُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي فِيهِ؟ هٰكَذَا أَيْضاً أُمُورُ ٱللّٰهِ لا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلا رُوحُ ٱللّٰهِ» (1كورنثوس 2: 9-11).
-
أزلي: قبل تكوين الأرض والسموات كان يرفّ على وجه المياه (تكوين 1: 2). ويخبرنا الوحي أنه «بِنَفْخَتِهِ ٱلسَّمَاوَاتُ مُشْرِقَةٌ» (أيوب 26: 13). ومكتوب أيضاً أن المسيح «بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلّٰهِ» (عبرانيين 9: 14). ومن الذي يمكن أن يقال عنه بحق إنه أزلي إلا «ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ ٱلأَبَدِ، ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ» (إشعياء 57: 15).
-
صاحب سلطان: وجَّه الأمر للتلاميذ أن «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ ٱلَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ... فَهٰذَانِ إِذْ أُرْسِلا مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ... سَافَرَا» (أعمال 13: 2 و4) ويقول أيضاً: «مَنَعَهُمُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِٱلْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ ٱلرُّوحُ» (أعمال 16: 6 و7). وبخصوص المواهب يقول إن الروح يقسم لكل واحد بمفرده كما يشاء. «فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِٱلرُّوحِ كَلامُ حِكْمَةٍ. وَلآخَرَ كَلامُ عِلْمٍ بِحَسَبِ ٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ. وَلآخَرَ إِيمَانٌ بِٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ» (1 كورنثوس 12: 8 - أنظر 1كورنثوس 12: 8-11). والأعمال المصحوبة بسلطان هي من مميزات «ٱلإِلٰهِ ٱلْحَكِيمِ وَحْدَهُ» (رومية 16: 27).
ويشهد الوحي عن محاوري استفانوس أنهم «لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا ٱلْحِكْمَةَ وَٱلرُّوحَ ٱلَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ» (أعمال 6: 10).
جاء في نبوة النبي حزقيال: «فَقَالَ (الرب) لِي (للنبي): تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ، تَنَبَّأْ يَا ٱبْنَ آدَمَ، وَقُلْ لِلرُّوحِ: هَكذَا قَالَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ: هَلُمَّ يَا رُوحُ مِنَ ٱلرِّيَاحِ ٱلأَرْبَعِ وَهُبَّ عَلَى هَؤُلاءِ ٱلْقَتْلَى لِيَحْيُوا». فَتَنَبَّأْتُ كَمَا أَمَرَني، فَدَخَلَ فِيهِمِ ٱلرُّوحُ، فَحَيُوا وَقَامُوا عَلَى أَقدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظيمٌ جِدّاً جِدّاً»(حزقيال 37: 9 و10).
-
يصنع المعجزات: يقول الكتاب المقدس إن الله وحده هو صانع العجائب (مزمور 72: 18) ويقول الرسول بولس إن العجائب والمعجزات تمَّت «بِقُوَّةِ رُوحِ ٱللّٰهِ» (رومية 15: 19).
والآن لنخلع أحذيتنا من أرجلنا، ولنقف خاشعين أمام الله الروح القدس، نسأل: كيف نمتلئ به، أو بالحري: كيف يمتلكنا ويحكم تصرُّفاتنا.
الفصل الثاني: كيف نمتلئ بالروح القدس؟ | ||
الملء بالروح القدس هو أن يمتلك الروح القدس حياتنا، ويسود على جسدنا وعقلنا وعواطفنا ووقتنا ومالنا، فلا يكون ساكناً فينا فقط، بل يكون مالكاً بالكامل على كل حياة المؤمن، فيكون المسيح متقدِّماً في كل شيء في حياة الشخص الممتلئ بالروح القدس (كولوسي 1: 18).
عندما نقبل المسيح مخلِّصاً لنا تتجدَّد حياتنا، ويسكن الروح القدس فينا ويجعلنا هياكل له. وفي البدء تكون معرفتنا بالرب محدودة، لأننا نكون كأطفالٍ في الإيمان يشتهون اللبن العقلي العديم الغش لكي ينموا به (1بطرس 2: 2). فالمؤمن المتجدد حديثاً طفلٌ يحتاج إلى الغذاء لينمو، وغذاؤه كلمة الله المقدسة.
وخلاص نفوسنا وتجديدنا هو بدء الصداقة مع المسيح. ولكن الصداقة لا تكمل إلا بطول المعاشرة بين الصَّديقَيْن، ومعرفة كل منهما للآخر معرفة عميقة. فلا يظن حديث الإيمان أنه أدرك القداسة، لأنه في بداية الطريق، ويحتاج إلى الكثير من المعرفة الروحية التي تزداد كل يوم حتى يعرف أعماق الله، ويصير شريكاً للطبيعة الإلهية (2بطرس 1: 4). والتجديد هو الوقوف على شاطئ الإيمان. ثم يخطو المتجدِّد إلى داخل نهر النعمة، فيصل الماء إلى الكعبين. ثم يخطو أعمق فيصل الماء إلى الركبتين، ثم يدخل إلى الأعماق، فيغمر الماء الحقوين.. وسرعان ما تجذبه أمواج النعمة إلى عمق نهرٍ لا يستطيع عبوره (حزقيال 47: 5). وفي الأعماق تحمل الأمواج المؤمن فيؤدي خدمته طائعاً، حيث تتفق الإرادتان: إرادة الله، وإرادته هو. هذا هو بحر الامتلاء بالروح القدس، أو نهر الفيضان الروحي.
والامتلاء بالروح امتيازٌ يهبه الله لكل مؤمن، ولو أن كثيرين لا يتمتعون به، فلا يختبرون الحياة الفائضة المثمرة التي وعد الله بها كل الذين يؤمنون به. فما الذي يعطل حصولهم على هذا الامتياز؟ وكيف يحصلون عليه؟
أولاً: معطلات الملء
كانت قرية صغيرة تستقي الماء من طلمبة (مضخَّة) صغيرة كثيراً ما كانت تتعطل عن العمل فتعرِّض القرية للعطش، ففكر الأهالي في جلب الماء من بحيرة بأعلى الجبل المجاور للقرية، فوضعوا ماسورة (أنبوباً) توصّل لهم الماء. وذات يوم وجد أحدهم أن قوة الماء المندفع من الماسورة يكفي لتوليد الكهرباء، فاستخدم الناس هذه القوة في تشغيل مصانع مختلفة، فاتَّسعت القرية وصارت مدينة عظيمة. وذات يوم توقَّف تدفُّق الماء، فتعطلت المصانع، وعطش الناس! ولما بحثوا عن السر، وجدوا أن بعض الخِرق القديمة سدَّت الماسورة فعطلت اندفاع الماء!
ترى ما هو الشيء الذي يمنع امتلاءك من الروح القدس؟ وأي موانع عطَّلت تدفُّق الماء الحي لقلبك؟
أذكر بعض ما يعطل امتلاءنا بالروح القدس ويمنع انسياب البركة لحياتنا:
-
عدم التوبة:
التوبة هي الشرط الأساسي لقبول الروح القدس، كما قال الرسول بطرس: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (أعمال 2: 38). وعدم ترك الخطية التي نرتكبها ونحن نعرفها هو أحد أسباب عدم الامتلاء بالروح القدس.
ألا يبدو عجيباً أن قوماً يريدون أن يمتلئوا بروح الحياة ويتمسَّكون بالموت في ذات الوقت؟ وأليس غريباً أن من يريد أن يمتلئ بروح القداسة يتمسَّك بنجاسة؟! إن المرنم يقول: «إِنْ رَاعَيْتُ إِثْماً فِي قَلْبِي لا يَسْتَمِعُ لِيَ ٱلرَّبُّ» (مزمور 66: 18)!
قال أحد رجال الله الأتقياء: افرِض أني أتيت إلى بيتك، ودعوتني للدخول، لكنك وضعتَ ثِقلاً وراء الباب! فكيف أدخل؟ قل لي: «تفضَّل» كما تشاء، وادْعُني بكل قوتك، واستخدم كل تعبير مؤثر تعرفه! لكني لن أستطيع الدخول لأن الثقل الذي وراء الباب يصرخ فيَّ بطريقة عملية ويقول: لا تدخل! هكذا الأمر مع الروح القدس. إنه لن يدخل القلب ليمتلكه ما دمتَ تضع خطية وراء باب القلب، وأنت عارف بها.
عندما يضع الرب إصبعه على أمر في حياتك لا يرضيه، اتركه حالاً، واعلم أن يد الإيمان يجب أن تكون فارغة إن هي أرادت أن تمتلئ. فاهجُر كل خطية محبوبة لديك، فتمتلئ من الروح القدس. ألم تسمع أن قربانك لا يكون مقبولاً إن كانت هناك خطية خصام في حياتك؟ (متى 5: 23). فإذا وضعت ذبيحة حياتك على مذبح التكريس لله وتذكرت خطية عندك، فأسرع بإنزال ذبيحتك من على المذبح، وصفِّ حسابك مع أخيك أولاً، ثم ارجع لتقدم لله تقدمتك!
تقابل خادمٌ لله مع قائد ديني كبير، وشكا له ضعفه الروحي وعدم امتلائه بالروح القدس، رغم صلاته الكثيرة طالباً الملء. ووجَّه القائد للخادم أسئلة فاحصة ساعدته أن يكتشف أن في حياته خطيةً يحبها، فقرر أن يتركها حالاً. وحالما عزم أمام الله أن يتركها فاض الروح القدس في قلبه وملأه.. وكان هناك مؤمن يطلب ملء الروح القدس، لكنه لم ينله حتى ردَّ مبلغاً من المال كان قد اقترضه ولم يُعِده، فامتلأ بالروح.
في حضرة الله اركع وسكّن قلبك قدامه، واطلب منه أن يكشف لك الخطية التي تعطل امتلاءك من الروح. قل له: «ٱخْتَبِرْنِي يَا اَللّٰهُ وَٱعْرِفْ قَلْبِي. ٱمْتَحِنِّي وَٱعْرِفْ أَفْكَارِي. وَٱنْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَٱهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً» (مزمور 139: 23 و24).
إن صلَّيت هذه الصلاة بإخلاص ونيَّة صادقة سيعلن لك الله كل طريق باطلٍ في حياتك، لأن الخطية تظهر في نور قداسته.. سيقول لك: «هذه هي الخطية التي حرمتك من البركة.. اتركها». وسيكشف لك كل خطية في حياتك، مهما كنتَ تظن أنها ضئيلة. فٱرفع لله الصلاة التي صلاّها أليهو: «مَا لَمْ أُبْصِرْهُ فَأَرِنِيهِ أَنْتَ. إِنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ إِثْماً فَلا أَعُودُ أَفْعَلُهُ» (أيوب 34: 32). اطلب من الله أن يريك ما عجزتَ عن رؤيته فلا تعود تفعله.
-
عدم قداسة الغرض:
لن يملأ الروح القدس شخصاً يطلبه بقصد رفع مركزه بين الناس، أو ليكون أفضل الوعاظ، أو ليجذب الجماهير إليه، أو ليحتل مركزاً متميِّزاً بين المؤمنين، أو لأي غرض أناني آخر.
فلماذا تريد أن تمتلئ؟ هل لمصلحة شخصية، أم لمجده؟ قال الرسول يعقوب: «تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيّاً لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ» (يعقوب 4: 3). فالروح القدس لن يملأ إلا من يريد أن يمجِّد الله.
كان «دهن المسحة» الذي يرمز للروح القدس مخصَّصاً لمَسْح الهيكل وأوانيه، لتكون «قدس أقداس»، كما كان مخصصاً لمَسْح هارون وبنيه لتقديسهم لخدمة الله. ولم يكن دهن المسحة يُسكب على جسد أي إنسان (خروج 30: 22-33). وهذا يعني أن الروح القدس لا يملأ إنساناً لغير غرض مقدس! وقصة سيمون الساحر ترينا أن عدم قداسة الغرض لا تعطل الملء فقط، بل تؤذي أيضاً الطالب الأناني (أعمال 8: 9-25).
-
عدم تكريس كل شيء:
احتفاظنا بشيء ما في حياتنا غير مكرَّس للمسيح يسبِّب عدم ملء الروح لنا. فكل شيء نحتفظ به لأنفسنا غير مسلَّم للمسيح هو سبب كل بلاء يصيبنا، وعدم تكريسنا الكامل للمسيح هو سبب كل هزيمة تلحق بنا. فلنسلِّم له كل شيء، ولا نحتفظ بأي شيء لأنفسنا.
أراد رجل تقي أن يسلّم نفسه بالتمام للرب، واستغرق في الصلاة، فرأى في ما يرى النائم أنه يمسك بسلسلة مفاتيح في يده، فيها مفاتيح كل شيء مهم لديه، والمسيح واقف أمامه يريد أن يتسلَّمها. فنزع مفتاحاً واحداً صغيراً احتفظ به لنفسه، وأعطى باقي المفاتيح للمسيح. ولكنه اندهش لأن المسيح رفض أن يستلم ما قدَّمه له. ولم يقبل حتى أعاد المفتاح الصغير مع كل المفاتيح الكبيرة الأخرى وأعطى كل المفاتيح للمسيح، ففاض في قلبه فرح الامتلاء بالروح القدس.
«فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللّٰهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللّٰهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ» (رومية 12: 1). ولن يقبل المسيح ذبيحة تكريسك، ولن تحل عليها نار الروح القدس المنقِّية إلا إذا كانت الذبيحة كاملة على المذبح، بلا نقص، ولو كان ذلك النقص أتفه شيء! فلتسلِّم مفاتيح حياتك للمسيح: مفتاح الوقت، والمواهب، والفكر، وكل شيء، وعندها تمتلئ بالروح القدس.
-
الجهل بكيفية الإيمان:
اجتمع تلاميذ المسيح في أورشليم ينتظرون تحقيق وعد المسيح لهم في حلول الروح القدس عليهم، وهم لا يعلمون متى وكيف سيتحقق الوعد، ولو أنهم كانوا واثقين من تحقيقه. ولولا ذلك الإيمان ما بقوا ينتظرون في أورشليم.
ويخلط كثيرون بين الإيمان والشعور، فينتظرون إحساسات وعلامات ملموسة تطمئنهم أن روح الله ملأهم. وقد عطَّل عدم فهم الإيمان كثيرين عن بلوغ الهدف السامي الذي هو ملء الروح لهم. فنحن لا نحيا بالمشاعر، بل في تصديق وعود الله الواضحة. ولا أدري كيف نضعف في تصديق مواعيد الله! لأنه ليس بكيلٍ يعطي الله الروح (يوحنا 3: 34)، وقد وعد الله أن يعطي الروح للذين يسألونه في طاعة (لوقا 11: 13 وأعمال 5: 32). فصدِّق وعد الله (إن كنت قد سلَّمته كل شيء) وثِق أنك امتلأت، حتى لو لم تكن لديك مشاعر جسدية أو نفسية. ولعل السر في عدم امتلائك هو اتكالك على الشعور والعواطف، بينما يجب أن تسلك بالإيمان لا بالعيان (2كورنثوس 5: 7).
كانت سيدة تشكو لقسيس كنيستها عدم استجابة صلواتها في الامتلاء بالروح القدس، فوعد أن يزورها ليناقش المشكلة معها. ولما جهَّزت الشاي بادرها بطلب فنجانٍ منه، فقدَّمته له. ولكنه لم يمدّ يده ليأخذه، بل عاد يطلب مرة أخرى، وكرر الطلب حتى تضايقت السيدة. فقد كانت تقدم له ما طلب في كل مرة، وهو لا يتناوله! وجلست حائرة لا تعرف السر، فما اعتاد القسيس أن يتصرف هكذا! لكنه أوضح لها أنها تتصرف مع الله تصرُّفاً مشابهاً. لقد طلبت من الرب، وقدَّم لها الرب ما طلبته، لكنها لم تمد يد الإيمان لتأخذه، بل عادت تكرر الطلب!
يقدِّم الرب ملء الروح القدس لكل مؤمن يطلبه، لأنه يريد أن يكون أولاده أقوياء منتصرين. فلا تكن غير مؤمن بل مؤمناً، ومُدَّ يدك المؤمنة لتأخذ عطية الروح القدس، إن كنت قد عزمت على طاعته بكل قلبك.
طلبت فتاة من جدِّها أن يشتري لها حلوى معيَّنة تحبها، ووعد الجد أن يحضر لها ما أرادت. وفي الصباح ركب الجد سيارته وخرج لقضاء بعض شئونه. وحين وضع يده في جيبه وجد ورقة صغيرة مكتوباً فيها بخط صبياني: «أشكرك يا جدي لأنك أحضرت الحلوى!». لقد كان إيمان هذه الفتاة في وعد جدها كبيراً. فليكن إيمانك بوعود الله لك مثل إيمان هذه الفتاة.
-
تقييد طلب الامتلاء بالروح بطلبات أخرى:
يضع البعض شروطاً مختلفة للامتلاء بالروح القدس. فيتصوَّر البعض أنهم عندما يمتلئون بالروح القدس سيسيرون على الماء كما فعل بطرس! ويذهب الخيال بالبعض إلى أنهم عندما يمتلئون سيحلّقون في الفضاء مثل أخنوخ وإيليا. وهناك من يشترطون على الله أن يعطيهم موهبة التكلُّم بألسنة، وإلا حسبوا أنفسهم غير ممتلئين! ولكي أكون منصفاً للذين يؤمنون بالتكلم بألسنة، وللذين لا يؤمنون بها أقول: هل كان يجب أن جميع الذين امتلأوا بالروح أن يتكلموا بألسنة؟ لا. البعض تكلموا، والبعض لم يتكلموا! إن المسيح سيدنا لم يتكلم بألسنة، رغم أنه كان يتكلم بعظائم الله! وعندما صلى الرسل تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة، ولا يذكر أنهم تكلموا بألسنة (أعمال 4: 31). وعندما وضع حنانيا يديه على الرسول بولس ليبصر ويمتلئ بالروح القدس أبصر واعتمد وأكل، ولا يُذكر أنه تكلم بألسنة (أعمال 9: 17).
هناك مواهب وخِدَم وأعمال متنوِّعة فوق طبيعية يهبها الروح القدس للمؤمنين. ويعطي الروح القدس لكل مؤمن ما يريد الروح أن يعطيه له، فلا يوجد مؤمن يمتلك كل المواهب، كما لا يوجد مؤمن بلا مواهب. ومن هذه المواهب ما هو خاص بالخدمات الاجتماعية والتدبيرية (رومية 12: 8 و1كورنثوس 12: 28) ومنها مواهب تعليمية وتنظيمية (أفسس 4: 11) ومنها مواهب روحية. وقد أعطى الله للجميع مواهب طبيعية. ويجب أن نستخدم كل هذه بغير كبرياء ولا أنانية. فعندك موهبة يحتاج إليها غيرك، لأنها ليست عنده، وأنت تحتاج إلى خدمة موهبة عند أخيك وليست عندك. وهكذا نخدم بالمواهب بعضنا بعضاً، ونحن نحتاج بعضنا لبعض.
لا تعطل انسكاب الروح فيك بسبب الشروط التي تشترطها على الرب، وبسبب المواهب المحدَّدة التي تفرضها عليه كعلامة على امتلائك من الروح القدس، وكأنك أنت السيد وهو المنفِّذ، فلا تجني سوى الحرمان!
-
عدم المحبة:
حياة المحبة والطاعة شرط نوال الملء من الروح القدس. قال المسيح: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَٱحْفَظُوا وَصَايَايَ» (يوحنا 14: 15). وقال جون وسلي زعيم حركة المناداة بالقداسة في العالم: «القداسة الكاملة هي المحبة الكاملة» لله، وللمؤمنين، وللخطاة. وعدم محبتك لأي إنسان تحرمك من ملء الروح! لاحظ أنها المحبة الكاملة حتى للذين ينتقدونك، ويمتهنون كرامتك، ويسيئون إلى سمعتك! فهل عندك هذه المحبة؟ أو: هل أنت مستعد أن تكون لك هذه المحبة؟
إن لم تغفر للناس خطاياهم، لا يغفر لك الله. هذا حق علَّمه المسيح لنا بعد أن علَّمنا الصلاة الربانية (متى 6: 14 و15). والمحبة هي أول ثمر الروح القدس. إن احتقارك للذين يستهزئون بك يدل على ضعف إيمانك. وكراهيتك لهم تدل على بُعدك عن روح المسيح الذي صلى لأجل صالبيه: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ» (لوقا 23: 34)!
ويحسبك الرب مؤمناً وأنك قد انتقلت من الموت إلى الحياة، لا لأنك لا تعمل الخطية، فليس أحد معصوماً، ولكن لأنك تحب الإخوة (1يوحنا 3: 14)!المحبة هي الإنجيل. هي تكميل الناموس (رومية 13: 10). بل إن الله محبة (1يوحنا 4: 8 و16)!
والآن اسأل نفسك وفتِّش داخلك: ما الذي عطَّل امتلاءك بالروح القدس.
ثانياً: طريق الملء
الملء للجميع. هذه هي النبرة العالية في لحن الحياة الروحية، ولو أن البعض يهملونها، كالمسجِّل الذي كان ينقل إحدى سيمفونيات بيتهوفن ولاحظ نبرة عالية جداً، فظنَّ أنها خطأ ولم يسجلها. وبعد أن أنهى النقل، راح يوقع اللحن، ولدهشته وجد أن اللحن لن يستقيم بدون تلك النبرة العالية! ولحن حياة الروح لا يستقيم إلا بملء الروح القدس، لذلك قال أحد الأتقياء: «كم نشكر الله لأن الملء للجميع، فلولاه ما أمكننا أن نحيا منتصرين».
من حقك أن تمتلئ بالروح القدس، بل إن من واجبك أن تمتلئ، فمن أجلك صلى المسيح، كما صلى من أجل تلاميذه الاثني عشر ليمتلئوا. وقد نال التلاميذ الموعد، فلماذا لا تناله أنت؟ إن المؤمنين الذين لا يتمتعون بملء الروح القدس «يتامى» (يوحنا 14: 18)!فلماذا تبقى «يتيماً» والروح القدس مستعد أن يملأك؟
ويسمّي الكتاب أول ملء «معمودية» أما في المرات التالية فيسميه «ملئاً». وهذا ما نجده في الشواهد التالية: أعمال الرسل 1: 5، 2: 17-21، 11: 16 و17. لكننا نرى بعد هذه «المعمودية» ملئاً يتكرر، فبطرس وبولس بعد معموديتهما بالروح القدس امتلآ مرات كثيرة.
والآن: هل اعتمدت بالروح القدس؟ هل قبلت روح القوة؟ لا تكن كتلك الفتاة التي شاهدت هدايا عيد الميلاد، فقالت لأخيها: «هذه ليست لنا لأنها مرتفعة الثمن!». بل تقدَّم بالإيمان قائلاً: «هيا نرث مواريثنا».
وقد وضع البشر شروطاً كثيرة للملء بالروح القدس، تشوِّش بل تطمس الطريق أمام الباحث عن الحق! لكن الكتاب المقدس لا يضع إلا شرطين فقط للملء، هما: الطاعة والإيمان.
قال الرسول بطرس: «ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَيْضاً، ٱلَّذِي أَعْطَاهُ ٱللّٰهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ» (أعمال 5: 32). فالبرهان الصادق على المحبة هو الطاعة، وهي طاعة المحبة وليست طاعة الإكراه. وهي تكريس الإرادة لله، وتسليم كل شيء عندنا بالكامل للرب.
والتكريس هو واجبك أنت أيها المؤمن، فأنت الذي تقدِّم نفسك طوعاً لله، وهو يستلم ما تقدمه له. والحقيقة هي أنك لست مِلكاً لنفسك، لأنك ملكٌ للمسيح. أنت مِلكه بحق الخَلق فهو جابلك: «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا 1: 3). وأنت مِلكه بحق الشراء لأنه افتداك بدمه، وفي هذا يقول الرسول بولس: «لأَنَّكُمْ قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ» (1كورنثوس 6: 20). وأنت ملكه بحق العناية، لأنه منحك كل احتياجاتك، فأنت تقول: «اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلا يُعْوِزُنِي شَيْءٌ» (مزمور 23: 1). وأنت مِلكه لأنك دُفعت إليه من الآب، وفي ذلك يقول المسيح للآب عنّا: «ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي» (يوحنا 17: 11).
وتوضح القصة الحقيقية التالية هذه الفكرة: عمل ولدٌ قارباً، وأخذ يلعب به في البحيرة القريبة من بيته، فغرق القارب! وحزن الولد عليه جداً. وذات يوم وجد قاربه معروضاً في دكان، فدخل يطلبه من البائع. لكن البائع رفض أن يعطيه له إلا إذا دفع ثمنه. فاشتغل الولد حتى وفَّر ثمنه واشتراه. وما أن أمسك به حتى ضمَّه إلى صدره باعتزاز وقال: «يا قاربي العزيز، أنت لي مرتين: مرة لأني صنعتك، ومرة لأني اشتريتك». والمسيح يناديك ويقول: «أنت لي أربع مرات: مرة لأني صنعتك، ومرة لأني اشتريتك، ومرة لأني اعتنيت بك، ومرة لأنك دُفعت إليَّ من أبي».
أنت إذاً مِلكٌ للمسيح شرعاً، لكنك بالتكريس تكون له طوعاً، حين تقول له في طاعة: «أنا لك. امتلكني». وأنت للمسيح شرعاً، لكنك قد لا تكون مكرَّساً له. وعليك أن تأتي إليه خاضعاً طائعاً تسلّم له كل شيء حتى تمتلئ بالروح القدس.
غير أن كثيرين يخافون من تسليم حياتهم بالتمام للمسيح، لئلا يطلب منهم مطالب صعبة، أو يكلّفهم بأعمال شاقة، رغم أن المرنم يقول: «سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَٱتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي، وَيُخْرِجُ مِثْلَ ٱلنُّورِ بِرَّكَ وَحَقَّكَ مِثْلَ ٱلظَّهِيرَةِ» (مز 37: 5 و6). وقد كانت هذه مشكلة إحدى السيدات اللواتي طلبن الملء بالروح القدس، لكنها كانت خائفة من تكريس حياتها، حتى قال لها قسيس: «افترضي أن ابنك ارتمى في حضنك وقال لك إنه مستعد أن يعمل كل ما تطلبين منه، فهل تفكرين في إرساله إلى الصحراء، أو في تشغيله بأصعب الأعمال؟» ففهمت السيدة أن قلب الله أكثر حباً لنا من حب الأم لابنها. وهكذا سلَّمت تلك السيدة حياتها للرب تماماً بابتهاج، وبلا خوف!
وما أعظم البركات التي تنتج عن تكريس حياتنا للرب، وأكبر هذه البركات هي الملء. والطريق إلى اختبار الملء هو أن نُقبِل إلى يسوع ونشرب من نبعه الفياض، فنمتلئ، وتفيض منّا أنهار ماء حي (يوحنا 38: 7). كتب الشاعر الهندي طاغور قصيدة قال فيها إن شحاذاً كان يستجدي المارة في طريق عام، رأى يوماً موكب الملك مقبلاً، فانتظر أن يعطيه الملك عطية كبيرة. وعندما مرَّ عليه موكب الملك، وقف الموكب، وتقدَّم الملك إلى الشحاذ وطلب أن يعطيه كل ما يملك! وفي دهشةٍ شديدة أخرج الشحاذ المبهوت بعض حبات القمح من جيبه وأعطاها للملك! فأخذ الملك الحبات، وأعطاها لوزيره، وطلب أن يعطي الشحاذ ما يعادل وزنها ذهباً

