COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

من دحرج الحجر؟

براهين على قيامة المسيح

تقديم الكتاب

الأستاذ فرانك موريسون من كبار رجال القانون في إنكلترة، بدأ حياته متأثرا بالنزعة العلمية التي سادت القرن التاسع عشر وبآراء النقاد الذين جرّحوا روايات الإنجيل الكريم وخاصة من الألمان. وشرع يؤلف كتابا عن السبعة أيام الأخيرة من حياة المسيح في ضوء بحوث العلم. وبعد أن بحث وراجع وفنّد، أخرج في آخر الأمر كتابا عكس ما كان يريد، أثبت فيه حوادث المحاكمة والصلب والقيامة بالأدلة القانونية والمنطقية.

وقد تولى الأستاذ هذه القضية كمحام ضليع، وذهب في بحثه مذهب رجل القانون الدقيق في تصوير الوقائع وتفنيد الإعتراضات وإثبات الأدلة - متوخيا في هذا كله دقة البحث وطلاوة الأسلوب وروعة الاستنتاج وقوة المنطق.

وهو يبدأ بحثه من ليلة القبض على المسيح، ثم يسير بالقارئ خطوة خطوة، متتبعا الحوادث، معللا إياها تعليلا منطقيا رائعا، حتى يصل به إلى صباح القيامة. وقد جعل كتابه بعنوان أخاذ «من دحرج الحجر؟»(Who Moved the Stone) وكان له بين الناطقين بالانكليزية في أوروبا وأميركا رنة في عالم الدين والأدب، وأقبل عليه القراء إقبالا شديدا لروعة أسلوبه وقوة حجته وجلال موضوعه.

هذا هو الكتاب الذي نقدمه الآن إلى قراء العربية في الشرق، آملين أن يلقى من ا لتقدير ما هو أهل له، وأن يجنى من ناضج الثمر في الشرق قدر ما جنى في الغرب، والله المستعان.

الفصل الأول: الكتاب الذي لم يُكتب

لا أخال كثرة الكتّاب إلاّ مقرّين إنهم أخفوا يوماً في خبايا مكاتبهم الخاصة المسودة الغشيمة الأولى لكتابٍ لم يُقدرَّ له أن يرى النور لسبب من الأسباب.

والزمن في أغلب الأحوال هو المعتدي الأثيم الغشوم الذي ألصق طابع الرفض على هذا الكتاب والذي يحدث عادة أن تُكتب هذه المسودة في ساعة من الحماس ووحي الخاطر السريع، ثم تُلقى جانباً إلى أن يأتيها «الغد» وهيهات أن يجيء. فإن الكاهل يُبهَظ بمهمات عاجلة ومسؤوليات جسام، وتتسحب على هذه المسودَّة عوامل النسيان والإهمال. وتمر السنون سراعاً، إلى أن يستيقظ الكاتب يوماً ليرى نفسه غير قادر على إخراج الكتاب المزعوم.

أما في الحالة التي أنا بسبيلها فالأمر على نقيض ذلك!

لم يكن في حالتي هذه أن الإلهام عجز عن أن يسعفني، أو أن الفراغ لم يتوفر لي. ولكن الإلهام حين جاء ساقني إلى اتخاذ خطة غير منتظرة، وانتهاج طريق غير التي كنت أنوي السير فيها. وكأنني أشبه إنساناً اعتزم أن يعبر غابة من طريق مألوف مطروق، فوجد نفسه فجأة في اتجاه لم يخطر له على بال. كان مدخله إلى الطريق عادياً، ولكن مخرجه أدَّى به إلى غير ما أراد!

وليسمح لي القارئ أن أشرح في إيجاز ماذا أقصد من وراء هذا القول:

لما كنت شاباً يافعاً، شرعت في دراسة حياة المسيح درساً جديّاً. وقد فعلت ذلك وأنا شاعر شعوراً صريحاً أن تاريخه لم يقم على أسس ثابتة.

وإذا أنت رجعت بمخيلتك إلى الوراء، إلى مئة وخمسين سنة مضت، ألفيتَ في الإتجاه الفكري السائد تلك الفترة، ما يشرح لك هذا الذي أقول. نعم، أن الرأي السخيف السقيم الذي أنكر حتى تاريخية يسوع كان قد قُضي عليه وأمسى لا يُقام له وزن. ولكن النقاد المدققين - خصوصاً الألمان منهم - كانوا قد أفلحوا في نشر آراء بين طوائف الطلبة تقول أن قصة حياته وموته التي تلقيناها لم تؤخذ من مصادر وثيقة، وإن إحدى البشائر الأربع لم تكن إلا رسالة جدلية رائعة كتبت بعد عصره بسنين طوال، وربما بعد انقضاء أجيال كثيرة من العصر الأول.

وقد أغرقتُ، شأن كثيرين من الشبان أمثالي، في أشياء كثيرة، فلم تتهيأ لي الوسائل لتمحيص هذه الآراء وتكوين حكم مستقل. وقد ساد عالم الفكر في ذلك العصر جّو غريب تعرَّضت فيه كل كلمة في بشائر الإنجيل إلى النقد الصريح، وتباينت الآراء وتطاحنت، فلم يكن ثمة سبيل للهرب من تأثير هذا الجّو.

على أن مظهراً آخر أثَّر في نفسي تأثيراً عميقاً، ذلك أني كنت قد بدأت في دراسة العلوم الطبيعية. ولم يكن عسيراً على المرء في ذلك العصر أن يرى ما بين الفكر العلمي والعناصر المعجزية في الإنجيل من تباين وتناقض. وحتى الأشياء القليلة التي تركها النقاد دون أن يمسوها، جاء العلم وحطَّ من شأنها وخفض من قدرها. وأنا شخصياً لم أقم وزناً لآراء الناقدين قدر ما أقمت لرأي العلم في تقويض العناصر المعجزية. وخُيل إليَّ أن نقد الوثائق التاريخية قد يكون خاطئاً، ولكني استبعدت جداً أن تخطئ نواميس الكون فتحطّم نفسها بنفسها على هذا النحو. ألم يقل العلاَّمة «هكسلي» في عبارة صريحة إن «المعجزات لا تحدث»، بينما أنفق «ماثيو أرنولد» شطراً كبيراً من وقته محاولاً ابتكار مسيحية لا معجزة فيها، في إنجيله الشهير «التعقل العذب» "Sweet Reasonableness".

وكنت أحمل في نفسي توقيراً عظيماً لشخص يسوع المسيح نفسه، وتمثلته أمامي شكلاً خيالياً ومثلاً أعلى للطهر والرجولة النبيلة. وكنت أتألم شديد الألم إذا وجَّه أحدهم إليه كلمة نابية أو عبارة جافة، أو أخذ إسمه أخذاً تهكمياً. ولست أدري إلى أي حدّ أحسب في موقفي هذا خارجاً على المسيحية المحافظة على العقائد. على أن في قولي هذا تصريحاً صادقاً يعبر على الأقل عن إحساس شاب في تلك الأيام التي أخفت فيها الحذلقة السطحية الجوفاء الحقائق العميقة الثابتة الجاثمة وراءها.

حوالي هذا الزمن، رأيتني مسوقاً إلى أن أكتب - لا رغبة في النشر بل ابتغاء تهدئة عقلي الحائر - رسالة موجزة فيما حسبته أهم مظهر وأدق ناحية في حياة المسيح - وأعني بها السبعة أيام الأخيرة. وإن كنت قد تبينت فيما بعد أن الأيام التالية للصلب لها خطورتها وأهميتها. وكان العنوان الذي اخترته لرسالتي: «يسوع في المظهر الأخير». واقتفيت في هذا أثر بحث تاريخي شهير عن نابليون بقلم اللورد روزبري.

    وقد اخترت السبعة أيام الأخيرة من حياة يسوع لأسباب ثلاثة:

  1. خلت هذه الفترة من العناصر المعجزية التي كانت عندي موضع ريبة، لأسباب علمية.

  2. أفسح كُتَّاب بشائر الإنجيل لهذه الفترة من حياته فراغاً كبيراً، وجاءت أقوالهم متفقة اتفاقاً يسترعي النظر.

  3. كانت محاكمة يسوع وموته حادثة تاريخية داوية تؤيدها بطريق غير مباشر كثير من الوقائع السياسية وسيل زاخر من المؤلفات التي دارت حولها.

وخُيل إليَّ أنه لو استطعت أن أتبيّن السبب الذي مات من أجله هذا الإنسان ميتة قاسية على أيدي السلطات الرومانية، وكيف نظر هو إلى هذا الأمر الشنيع، وخاصة كيف سلك في تلك المحنة القاسية - ولو استطعت هذا، أكون شارفت على حلّ هذه المشكلة العاصية.

كان هذا غرضي من الكتاب الذي فكرت في إخراجه. أردت أن أعالج فيه المظهر الأخير من حياة يسوع، بما تخلله من مآسٍ سريعة التطور عميقة التأثير، وما حفلت به من وقائع التاريخ القديم الملابس لها، وما حفَّها من لذة سيكولوجية بشرية قوية. أردت أن أجرد القصة مما أحاط بها من عقائد مبدئية ومزاعم تقليدية، لعلّي أتكشَّف حقيقة ذلك الإنسان كما كان فعلاً.

ولست بحاجة أن أشرح في هذا المقام كيف أُتيحت لي الفرصة بعد هذا التاريخ بعشر سنوات لأدرس حياة المسيح درساً وافياً كما كنت أريد، وكيف توفّرتُ على بحث مصادر روايات الإنجيل وتمحيص الأدلة القوية، وكيف كّونتُ حكمي في المشكلة التي قامت أمامي. وحسبي أن أقول هنا إن هذا البحث قد أحدث ثورة هائلة في تفكيري، وانبثقت من هذه القصة العالمية القديمة أشياء كنت أظنها مستحيلة. وتمكنَتْ من نفسي، رويداً رويداً ولكن في جزم ويقين، عقيدة راسخة أوحت إليَّ أن مأساة تلك الأسابيع المأثورة في التاريخ البشري أغرب وأعمق مما نظن. والذي ملك عليَّ عقلي ولبّي في أول ما رأيت من غرابة في كثير من حوادث هذه القصة المثيرة الأخاذة، ولم أفطن إلى المنطق القوي القاهر في معناها إلا بعد فترة من الزمن.

وسأحاول في فصول هذا الكتاب أن أشرح العوامل التي حالت بيني وبين تنفيذ المغامرة الأولى التي نويتُ، والصخور الخفيّة التي تحطمَتْ عليها هذه المغامرة، وكيف نزلت إلى شاطئ غير الذي كنت أعتزم النزول فيه.

(على من يريد تتبُّع هذه الأدلة أن يرجع إلى الروايات المدونة في أسفار الإنجيل الكريم)

الفصل الثاني: التهمة المقامة ضد المتهم

قد بدا لي أن خير طريقة للكشف عن اللفائف المتشابكة المعقّدة في الميول والنزعات والدسائس السياسية، وعوامل التحّزب والتعصب التي نُسجت في حوادث الأيام الأخيرة من حياة يسوع على الأرض - أن أجلوَ أولاً غوامض السر، ببحث التهمة التي أقامها القوم ضده.

وأني أذكر كيف ألحَّت عليَّ هذه المشكلة يوماً ما، وراحت تجذبني بقوة عنيفة غير منتظرة. ثم أخذت أصور لنفسي صعوبة الأمر، وأسائلها: ترى ما الذي يحدث لو أن جدالاً عنيفاً قام بعد ألفي سنة من هذا التاريخ الذي نحن فيه حول شخص حوكم محاكمة جنائية، لنقل في سنة 1939 مثلاً؟ لا شك أن أغلب الأدلة الجوهرية تكون قد أمحَّت وأُسدل عليها ستار النسيان. وربما يمكن العثور بين مجموعة الآثار القديمة على قطعة باهتة من إحدى الصحف اليومية، أو ربما صفحة ممزقة من كتاب قانوني يصف القضية. ومن هذه الوثائق الباقية الباهتة يمكن للباحث أن يستنتج. ومن المؤكد أن يذهب الأحياء في ذلك الزمن البعيد الراغبون أن يستبينوا الحق عن ذلك الإنسان - إلى بحث موضوع التهمة التي قامت حوله. وأظنهم يتساءلون قبل كل شيء: ما سبب هذه الضجة كلها؟ وما الذي أقامه المدّعون عليه من التهم؟ وإن كانت التهم متعددة، كما هو الحال في القضية التي نحن بصددها، يسألون عن التهمة الأصلية الحقيقية ضد المتهم الذي حكموا عليه.

وبمجرد أن نضع هذا السؤال في مقدمة بحثنا، نصطدم على التّو بأشياء تلقي على المشكلة نوراً جديداً، ما كان يخطر لنا ببال! وتتضح لنا كنه تلك الأشياء الخطيرة لو تمكنا قبل كل شيء من تفُّهم ما هيَّة ذاتها. ذلك لأنها لم تجرِ فقط في ساعة غير منتظرة لمثل هذه الإجراءات، بل قد شابها كثير من الملابسات الخاصة. وإنظر مثلاً إلى عنصر الزمن فيها:

أجمع المؤرخون على أن وقت إلقاء القبض على يسوع في بستان جثسيماني جرى في ساعة متأخرة من الليلة السابقة ليوم الصلب. وهناك ما يحملنا على الإعتقاد أن ساعة القبض لم تكن قبل منتصف الساعة الثانية عشرة.

وهذا التقدير أساسه حساب الزمن الذي استغرقته الحوادث المدّونة بين الفراغ من حفلة العشاء في العليّة، وبين وصول شرذمة الجند المسلحة إلى البستان فوق منحدرات جبل الزيتون. وأسوق ثلاثة أشياء تدل على أن القبض كان في ساعة متأخرة:

  1. كان التلاميذ تعابى منهوكي القوى. وحتى بطرس الصياد المخشوشن الذي ألِفَ الصحو واليقظة والسهر في البحر لم يقدر على مغالبة النوم.

  2. يشير كلٌّ من متى ومرقس إلى ثلاثة فترات متقطعة من النوم، وكان يوقظهم في كل مرة منها مجيء يسوع إليهم من صلواته اللجوجة الحارة تحت الأشجار المتعانقة.

  3. كان الوقت ظلاماً حالكاً، واستطاع يسوع عند رؤيته المشاعل أن يميّز القادمين للقبض عليه من بعيد (إنظر مرقس 14: 42) «قُومُوا لِنَذْهَبَ. هُوَذَا ٱلَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ ٱقْتَرَبَ».

ومن يقرأ تفاصيل هذه القصة الرائعة، لا يسعه إلا التسليم أن زيارتهم هذه المرة إلى البستان تختلف عن سابقاتها التي أشار إليها البشير يوحنا. فإن هؤلاء الرجال كانوا قد بقوا، نزولاً على إرادة سيدهم، بعد الوقت الذي كانوا يأوون إليه عادة إلى مضاجعهم في قرية بيت عنيا. وترقّبوا شيئاً كان يترقبه هو، ويشعر في نفسه أنه لا بد حادث. وإذا افترضنا أنهم فرغوا من العشاء في منتصف الساعة العاشرة، وإنهم بلغوا البستان في العاشرة تماماً، فلا يمكن أن يكون القبض عليه وقع قبل منتصف الساعة الثانية عشرة. وهذا يحدّد لنا - بشيء من اليقين - الساعة التي بدأت فيها المحاكمة التمهيدية.

ولقد أجمع علماء العاديات وعلماء طبوغرافية أورشليم القديمة أنه كان هناك درج نازل من المدينة العليا إلى أحد أبوابها يؤدي إلى بركة سلوام، في الزاوية الجنوبية الشرقية من سور المدينة. وقد أشار إليه نحميا في سفره (ص 3: 15) بقوله: «ٱلدَّرَجِ ٱلنَّازِلِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ» وأيضاً (ص 12: 37) «وَعِنْدَ بَابِ ٱلْعَيْنِ ٱلَّذِي مُقَابَِلَهُمْ صَعِدُوا عَلَى دَرَجِ مَدِينَةِ دَاوُدَ عِنْدَ مَصْعَدِ ٱلسُّورِ».

كان أمام الشرذمة التي ألقت القبض على يسوع طريقتان. إما أن يسيروا بمحاذاة وادي قدرون إلى أسفل الدَّرَج، ومنه إلى دار رئيس الكهنة، وإما أن يتتبعوا طريق بيت عنيا الرئيسي إلى المدينة الجديدة، ومنها إلى حيّ الكهنة. ولو أن التقاليد لم تشر إلى اتخاذ الطريق الأول، إلاَّ أن السير بيسوع وسط الحي الغاص بالسكان في المدينة السفلى لا يبدو ملائماً لأغراض القوم. إنه يحتم عليهم أن يلفّوُا دورة طويلة تضيّع عليهم وقتاً طويلاً، والوقت عامل له خطورته فيما هم بصدده من عمل حاسم في الليل.

ولو قُدرّ لنا برجعة سحرية من الزمن، أن نقف فوق نقطة مرتفعة من أسوار أورشليم القديمة، حوالي منتصف تلك الليلة المأثورة، أو بعد ذلك بقليل، لرأينا فريقاً من الناس يسوقون أمامهم في الظلام إنساناً غريباً في شكله، هادئاً لا يقاوم، من المنطقة الصخرية التي أحاطت بالناحية الشرقية من جدار الهيكل، إلى الطريق التاريخي في الجهة الجنوبية الشرقية من سور المدينة، ثم إلى معسكر أعدائه الألداء الحاقدين.

وكيف قُدِّر لذلك العبراني الممتاز - وهو أكرم من أنبته جيله - أن يقف هذا الموقف الخطير الذي يهدد حياته، في ساعة من الليل البهيم، وفي مساء يوم من أشهر المواسم اليهودية وأكثرها روعة؟ وما القوى الخفية الغامضة التي عجَّلت بالقبض عليه؟ ولِمَ اختيرت تلك الساعة غير الملائمة؟ وبعد كل هذا ما أركان التهمة التي أقيمت ضده؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها لا يمكن أن يستوعبها هذا الفصل، بل أن الكتاب كله لا يكون إلا جواباً ناقصاً مقتضباً. على أن هناك شيئين يبرزان بروزاً ظاهراً في رواية هذه المحاكمة، وهما خليقان بالدرس والتقصّي: الأول ما هية التهمة التي أقيمت ضده، والثاني الأساس الذي بُنيت عليه محاكمته.

ويخيل إليَّ أننا نخطئ خطأ كبيراً إذا افترضنا أن كل الإجراءات التي اتخذها الكهنة في تلك الليلة كانت غير قانونية. طبعاً يستنتج الباحث في أدوار القضية كلها أن هناك مظاهر تغاير الشريعة اليهودية مغايرة فاضحة. وهذا يسلّم به في غير عناء كل باحث في المشنة العبرانية والتقاليد اليهودية القانونية القائمة في ذلك العصر.

فمثلاً كان غير قانوني في الشريعة اليهودية أن يقوم حرس الهيكل بأمر رئيس الكهنة بإلقاء القبض على أي إنسان، فإن هذا كان يُترك عادة إلى الشهود المتطوعين. وكان غير قانوني أيضاً أن يحاكم إنسان على تهمة تستوجب عقوبة الإعدام في أثناء الليل. ولم يكن جائزاً محاكمة متَّهم بعد غروب الشمس إلا في التهم المدنية المالية. كذلك كان غير قانوني أن يتقدم القضاة لإستجواب المتهم بعد أن تناقضت أقوال الشهود وثبت كذبها. وكان واجباً إطلاق سراحه، ومعاقبة الشهود بالإعدام رجماً - متى ثبت كذب شهادتهم عمداً.

هذه كلها أمور طافية فوق سطح الماء، ولكن يجري تحت هذه الشواهد السطحية الدالة على شذوذ المحاكمة تيار عنيف يُلبس المحاكمة شكلاً قانونياً. ويبدو هذا جلياً لكل باحث تاريخي غير متحيز لدى تدقيقه في بعض المسائل القانونية الصغرى.

وتنجلي لنا هذه الحقيقة إذا بحثنا الطريقة الفريدة في نوعها التي انتقل بها أساس التهمة في سير المحاكمة. ويعلم كل من درس رواية المحاكمة - كما وردت في الإنجيل الكريم - أن هناك ثلاث تهم أصلية أُقيمت ضد يسوع في أدوار المحاكمة المتعاقبة:

  1. هدّد بنقض الهيكل وهدمه.

  2. ادّعى أنه ابن الله.

  3. أثار الشعب ضد قيصر.

ويمكن إبعاد التهمة الأخيرة لأول وهلة. فإنها لم تكن موضع شكاة اليهود ولا علّة ثورتهم عليه، ولكنهم حاكوها لأغراض سياسية. ولم يكن القانون الروماني يقيم وزناً للتهم التي حُكم من أجلها على المسيح بالموت، ومع ذلك لم يكن مستطاعاً تنفيذ هذا الحكم دون مصادقة بيلاطس الوالي الروماني. لذلك رأى اليهود أنفسهم مضطرين إلى انتحال تهمة سياسية ليبرروا موقفهم أمام الوالي الروماني في طلب الحكم على المتهم بعقوبة الموت، التي كانوا قد بيّتوا النية عليها. فاتخذوا بهم ذريعة تهمة التآمر ضد قيصر، وهي التهمة التي تجد أذناً صاغية عند الوالي الروماني أو أي ممثل للسلطة والقضاء عليها لو أن الولاية كانت في ذلك العهد في أيدٍ حازمة غير مسترخية.

ومهما يكن من أمر، فإن التهمة الصورية التي أقيمت أمام بيلاطس ليست بذي بال كما أسلفتُ القول. والذي يهمنا أن نعرف التهمة الحقيقية التي أقامها اليهود ضد المسيح.

كان من العادات القديمة المأثورة في إجراءات الشريعة اليهودية أن الشهود هم الذين يقيمون الدعوى في المحاكمات الجنائية. ولم تكن الشريعة تبيح إجراءً غير هذا. فكان أول عمل قام به القوم في مأساة منتصف تلك الليلة بعد إحضار المتهم إلى ساحة القضاء، أن دعوا الشهود كما يقضي بذلك القانون. وقد ألمح إلى هذا صراحة كل من البشيرين مرقس ومتى، فقال الأول:

«لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً، ولم تتفق شهادتهم».

وقال الثاني: «جاء شهود زور كثيرون».

ويؤيد البشير مرقس أن أقوال الشهود لم تتفق فلم يؤخذ بها.

وقد يبدو غريباً للذين لم يألفوا الخفايا العويصة الدقيقة في الفقه اليهودي أن ترفض المحكمة الأخذ بأدلة الشهود، وهي التي بذلت جهداً جباراً في تأييد المحاكمة بأقوال الشهود. ولو كانت قصة الشهود تلفيقاً متعمداً، لما تعذر عليهم التوفيق بين أقوالهم مقدماً. أما أن ترفض المحكمة الأخذ بأقوال الشهود، فهذا دليل على أن حتى قيافا رئيس الكنهة نفسه كان تحت ضرورة ملحّة تجبره على أن يخضع للإجراءات التقليدية اليهودية في قضية يحكم فيها بعقوبة الموت.

أما تلك الإجراءات فقد استوفت حقها من البحث في كتاب المشنة العبري. وقد سلّمت الشريعة بثلاثة أنواع من الشهادة:

  1. شهادة عابثة لا قيمة لها.

  2. شهادة قائمة.

  3. شهادة موافقة.

وقد كان هناك تمييز صريح بين هذه الأنواع الثلاثة من الأدلة. فالشهادة العابثة هي المتناقضة أو التي لا قيمة لها، وكان على القضاة أن يستبعدوها فوراً. والشهادة القائمة كانت تقبل من باب الإحتياط فقط حتى يثبت ما يؤيدها أو ما ينقضها. والشهادة الموافقة هي التي كانت تتفق فيها أقوال الشهود. ويقول الكاتب اليهودي الشهير «سلفادور» إن أقل تناقض في أقوال الشهود كان كافياً لإبطال الشهادة.

ويتضح من هذا أن الشهادات التي أشار إليها البشيران، مهما كان مضمونها، هي من النوع الثاني الذي يُقبل احتياطياً فقط. ومعنى هذا أن أقوال الشهود إما كانت مناقضة لما ألفه وعرفه قضاة المحكمة، أو كانت باطلة لأسباب فنية قانونية. وقول البشير مرقس: «لم تتفق شهادتهم» يحملنا على الأخذ بالرأي الثاني.

وهنا نرانا أمام شيء غريب. فإنه بعد أن بطلت أقوال هؤلاء الشهود واستبعدت لعدم كفايتها، تقدَّم إلى المحكمة رجلان بدليل معين عرضي. وفي هذا يقول البشير مرقس:

«ثم قام قوم وشهدوا عليه زوراً قائلين: نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ»

ويؤيد هذا القول البشير متى، والظاهر أنه لم يقتبس عن مرقس بل استقى معلوماته من مصدر آخر، فيقول:

«ولكن أخيراً تقدم شاهدا زور وقالا: هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله، وفي ثلاثة أيام أبنيه»

ومهما يكن من أمر ما حدث في تلك الليلة المأثورة، فإن اثنين تقدما إلى المحكمة واتهما يسوع، الذي كانت أنوار المصابيح المتراقصة تنعكس على وجهه بإنه قال كلاماً أشبه بهذا. وهذه حقيقة هامة، أرجو أن يفكر فيها القارئ مليّاً.

والذي يهمنا قبل كل شيء أن نعرف هل انتحل أولئك الشهود التهمة انتحالاً، أم أرادوا لغرض في نفوسهم تشويه أقوال نطق بها يسوع فعلاً. وأنا شخصياً أتردد كثيراً في الزعم أن تلك الشهادة كانت مجرد تلفيق لا أساس له من الصحة. وأنه أمر وأدهى أن تشّوه أقوال إنسان على مسمع من الآخرين من أن تعزو له زوراً وبهتاناً أقوالاً لم يقلها. فإن تشويه الأقوال يلقى استحساناً صاخباً لدى أناس حانقين غاضبين، بينما لا يصغي إلى الأكاذيب المختلقة المفتعلة إلاَّ ذوي النزعات السليطة الوقحة. هذا هو المألوف عادة، وما من شك أنه كان كذلك في القضية التي نحن بصددها، فإن أولئك الرجال كانوا قد سمعوا المسيح يتحدث بمثل هذا في فناء الهيكل، فلم يكن ثمة شيء أفتك به من أن يتقدموا في أثناء المحاكمة ويلقوا أمام القضاة بعبارات مشوهة مقلوبة.

وشيء آخر يحملنا على الإعتقاد أن الشهادة التي أدلى بها ذانك الرجلان كانت تشويهاً وعكساً لشيء قاله المسيح نفسه في حفل عام. شهد الرجلان أنهما سمعا المتهم يتفوه بأقوال، لو أمكن برهنتها، لاستحق عليها عقوبة مزدوجة: عقوبة الشعوذة، وعقوبة تدنيس الهيكل المقدس. وكانت عقوبة الشعوذة الموت، كذلك كانت عقوبة تدنيس حرمة المعابد الموت رجماً والتشهير بجثة الميت. ومن وجهة نظر أعداء يسوع، كانت التهمة كافية لتنفيذ مأربهم فيه، ومع ذلك فقد استبعدت الشهادة: «ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق».

ولماذا كل هذا؟ لا بد من تعليل تاريخي كافٍ لهذا الرفض. ولو كانت الشهادة اختلاقاً محضاً، أو من تلفيق قيافا وتدبيره، ولو كان الشاهدان قد جيء بهما عمداً ليلعبا دورهما، لما كان هناك داعٍ لهذه المناورة السخيفة المثيرة للغضب في غير طائل. ولم يكن لدى الشاهدين إلا قليل من الكلام، فكان هيناً جداً بقليل من الحكمة والحنكة حبك أقوالهما بحيث لا يكون فيها تناقض. وكانت القضية بعد هذا تسير سيراً سريعاً ويصدر فيها حكم الإدانة كما كانوا يأملون.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فإننا نرى المحكمة على الرغم من عدم شرعية الجلسة في ساعة متأخرة من الليل، تضيّع وقتاً طويلاً في إجراءات قضائية لم تؤدِ بها إلى نتيجة ما. وبعد سماع أقوال الشهود وقف المسيح بين الجمع متهماً بريئاً لا سبيل إلى إدانته. وبدت الإجراءات كلها تتحطم لعدم انسجامها مع نقطة معينة في الشريعة اليهودية.

وينبثق من هذه الحقيقة التاريخية الهامة شيئان: أولهما أن قيافا لم يكن قوياً بالقدر الذي يمكّنه من إملاء إرادته على هذا الجمع. فقد كان بين أعضاء غرفة المشورة هذه تيارات قوية تلحّ بمراعاة قواعد الشريعة مراعاة صارمة، ولا سيما فيما يتعلق بالشهود.

ويجب ألا يغرب عن البال أن حكم هذه الهيئة لم يكن نهائياً، وكان لا بد من أن يصادق على قرارها مجلس السنهدريم الأعلى في جلسة كاملة في الصباح التالي. والظاهر أنه ثارت معارضة من عضو يدعى نيقوديموس احتج فيها على محاكمة بدون إجراءات قانونية منصفة. وكان من الميسور لهم أن يبرروا عدم شرعية المحاكمة الليلية بما اقتضته الضرورة السياسية الملحة وبسبب اقتراب موعد الفصح، ولكن أي خطأ في إجراءات إثبات التهمة كان كافياً لإرغامهم على إطلاق المتهم في ساعة كان من المحتمل جداً أن تهرع حوله الجماهير وتنضم إلى جانبه.

ثم أن غربلة أقوال الشهود على هذا النحو، والتدقيق فيها كان عاملاً من العوامل التي تحمل الشهود أنفسهم على الحذر الشديد في إبداء أقوالهم. وكان من أخطر الأمور على إنسان أن يكون شاهداً في تهمة عقوبتها الموت، لأن نظم الفقه اليهودي كانت تميل دائماً إلى تأويل الأشياء في صالح المتهم حتى تثبت إدانته. وكانت عقوبة الشهادة الزور الموت، لذلك كانت هذه المحاكمات قليلة جداً.

أما ما نستنتجه من هذه الإجراءات الشاذة فهو أن أقوال الشهود لم تُحضرّ من قبل، وإن كان عدم اتفاقها قد أذهل رئيس الكهنة، فلا بد أن تكون على الأقل أقوالاً قيلت عن حسن نية، وأنها تمتّ بشيء من الصلة للحقائق التي تمثلها. وحتى لو لم يكن كاتب بشارة يوحنا قد خلَّد لنا في سفره ما نسميه «الترجمة» الرسمية التاريخية لما حدث في أفنية الهيكل، فإننا لا شك مضطرون إلى التسليم بأن المسيح أدلى في بعض المناسبات التاريخية بأقوال تشبه إلى حد كبير الأقوال التي اتهمه بها الشهود.

فما هو الحديث التاريخي الذي كان أساساً لهذه التهمة؟ وما الذي قاله يسوع فعلاً من أقوال اتّخذها الشهود تكأة لشهادتهم؟ لدينا ثلاث عبارات نختار أيها: جاء في رواية مرقس عن تفصيلات المحاكمة أن الشهود قالوا إنهم سمعوا يسوع يهدّد بتدمير الهيكل وإعادة بنائه بطريقة سحرية في ثلاثة أيام. والألفاظ صريحة في نصها: «إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ»

أما البشير متى فإنه يعدّل التهمة ويخففها كثيراً. وفيها نجد تلك الإعادة السحرية لبناء الهيكل، ولكن يُنسب إلى المسيح قوله فقط إن لديه القوة على ذلك: «هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه»

وهل في وسعنا قبول أحد هذين القولين كأنه النص الحرفي لما قال؟ لا أظن نستطيع ذلك دون الإجحاف بما عهدناه في يسوع، تلك الشخصية التاريخية التي رسمتها لنا البشائر التلخيصية الثلاث. فإن قدرته وإرادته على هدم هيكل هيرودس أو إزالته من الوجود، ثم بناء آخر بدلاً منه، لا يتم طبعاً إلا باستخدام قوى سحرية خارقة للطبيعة، بطريقة قاهرة لم يُعرف عن المسيح أنه لجأ إليها قط، طريقة لا يحلم بها المخدوعون من دعاة الشعوذة والسحر في الشرق. ولا يعقل أن إنساناً عاقلاً من ذوي المؤهلات الروحية الأدبية مثل يسوع، يقول شيئاً من هذا القبيل.

ويجوز أن نتصور إنساناً ماجناً طائشاً، تقرب عقليته إلى حدّ الجنون، يلقي شيئاً من هذه الأقوال لمجرد التفاخر والمباهاة في نوبة فجائية من نوبات الخبل، عالماً علم اليقين أن أحداً لن يطلب إليه تنفيذ ما يهذي به. أما المتهم في هذه المحاكمة فليس من هذا الطراز، وهو يتعالى فوق هذا المستوى علواً كبيراً. ولست تجد في قصة حياته أثراً لهذه الخواص التي تنبئ عن عقلية مزعزعة هزيلة. بل على نقيض ذلك تجد تلك الدلائل التي تتحدث عن سمّو الفكر ورجحان العقل واتزانه. وإنك تراه محباً صادقاً للحق والإخلاص، متصفاً بتلك الدعة العذبة والتواضع النبيل الذي يقترب بالإنسان نحو الله. وإنك تراه عزوفاً عن كل المظاهر الكاذبة والرياء والتفاخر. فضلاً عن أنه كان إنساناً حييّاً رقيقاً حساساً إلى أرق درجات الحساسية. ولا يسع كل بصير بالحق التاريخي الواضح في الصفحات القديمة التي تلقيناها عن قصة حياته إلا أن يدرك تماماً ما حدث يومئذٍ، حينما قدموا له إمرأة خاطئة أُمسكت في زنا... طأطأ رأسه إلى الأرض ليخطّ بأصبعه على الرمال. وإنك تلمح هنا وميضاً من حياة يسوع كما يسجلها التاريخ، الذي يدوي بصوت قوي مردداً أقواله الأدبية المأثورة عنه، ولكنك لن تجد فيها أثراً لذلك الإنتفاخ المضحك أو التفاخر المتعجرف.

إذن يجب أن تبقى أقوال الشاهدين في موضع الشبهات حتى تتوفر لدينا شهادات متفقة يحق أن تؤخذ حجة على المتهم. ولكن الأدلة التي عندنا تقودنا إلى اتجاه آخر غير هذا. فإن الذي قاله يسوع، حسب رواية البشير يوحنا هو: «أنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه» ويضيف الكاتب إلى هذا بين قوسين: (وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده).

ولا يستطيع أي باحث مفكّر في هذه المشكلة أن ينكر ما في هذا القول من خطورة. إنه قول خطير على أي وجه نحاول تأويله. على أننا إذا أردنا الفصل بين أقوال ثلاثة متباينة، أرى أن هناك أمراً واحداً يعمق تأثيره فيَّ - وهو وجود عبارة «في ثلاثة أيام» في الأقوال الثلاثة جميعاً. ولا أظن الناس قد أدركوا ما في هذا من أهمية عظيمة. وحين نجابه في حياتنا العادية عدة أقوال متباينة متناقضة في حادثة واحدة، يكون أحكم موقف أن نفحص أولاً النقط التي يتفق عليها الرواة، ونفترض أنها تمثل وقائع ثابتة. وتبدو حكمة هذا الموقف خاصة في الحالات التي يتقدم فيها الشهود من مصادر متضادة، وتتباين أقوالهم تبايناً صارخاً في الوقائع الجوهرية الأخرى في القضية التي هي موضوع النزاع.

وتبدو غرابة العبارة «في ثلاثة أيام» في أنها لم ترد إلا نادراً في التعاليم المأثورة عن المسيح. خذ مثلاً الشواهد البارزة الثلاثة التي وردت في بشارة مرقس:

«وَٱبْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً، وَيُرْفَضَ مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَقُوم» (مرقس 8: 31)

«لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلامِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي ٱلنَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ» (مرقس 9: 31).

«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِٱلْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى ٱلأُمَمِ، فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ» (مرقس 10: 33 و34).

وقد عمد بعض البحاثة - الذين أقبلوا على قراءة هذه الآيات وفي نفوسهم إحجام غريزي عن قبول أي شيء يسمو فوق الإختبار العادي المألوف - إلى القول: «نفهم أن يتنبأ المسيح عن موته، فإنه لا بد أن يكون قد رأى الفاصل الكبير بينه وبين الكهنة، ولا يبعد أن يكون قد أعدّ التلاميذ سراً لتلقّي هذه الصدمة. أما هذه التلميحات إلى قيامته العتيدة بعد الموت فلم يُكتب في متن الكلام إلاّ بعد موته، وليست جزءاً من أقواله الأصلية».

ولنسلِّم جدلاً أن هذا هو ما يظهر لنا لأول وهلة. على أنه حين نفحص فحصاً دقيقاً المحاكمة - بما فيها من دلائل صدق، وما تخللها من تدقيق، وما اختتمت به من استماع غير مجدٍ لشهود حانقين معاندين - نتبيَّن أن الكلمات «في ثلاثة أيام» التي يقول عنها ذوو «العقول المفكّرة» إنها لم تخرج من بين شفتي يسوع - هي بذاتها الكلمات التي جعل منها الشهود تكأة وأساساً للتهمة الخطيرة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألاّ يكن للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألا يكون للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي نطق بها يسوع خلال السنتين السابقتين.

على أنه يتبين لنا من ظروف الحوادث كلها أن ما قاله أغرب مما نُسب إليه فقد قال: «إن أنتم قتلتموني، فسأقوم من القبر». ولا أرى محيصاً عن التسليم بهذه النتيجة المنطقية. قد يذهب المكابرون إلى أنه كان مخطئاً، أو أنه كان تحت تأثير شذوذ عقلي غريب يعاوده بين الفينة والفينة في أقواله العامة. على أنني أعتقد أن تفّوهه بهذه الأقوال الفريدة الغريبة أمر لا يجد الشك إليه سبيلاً.

بقي أن نلقي نظرة على الظاهرة الغريبة الأخرى في هذه المحاكمة. فإن يسوع الناصري قد حُكم عليه بالموت، لا بناء على أدلة المدّعين عليه، بل على اعترافٍ انتُزع منه انتزاعاً بعد أن استحلفه رئيس الكهنة.

ويبدو لنا جلياً أنه بعد استماع أقوال الشهود ورفض شهادتهم، اتخذت إجراءات القضية أوضاعاً شاذة غير قانونية. وموضع عدم المشروعية أن رئيس المحكمة حاول بتوجيه الأسئلة مباشرة إلى المتهم، أن يتلمّس الأسباب اللازمة للحكم عليه مما عجز عنه الشهود أنفسهم.

وهذا يناقض تناقضاً تاماً حرفية القانون القضائي اليهودي وروحه، وقد كان مرماه أن يحوط حياة المواطن اليهودي بكل أسباب الضمان. فإن إقامة الدعوى في قضية عقوبتها الموت كانت موكولة بحسب الشريعة اليهودية إلى الشهود دون سواهم. فكانت مهمتهم أن يلقوا القبض على المتهم، وأن يجيئوا به إلى ساحة القضاء. وكانت مهمة المحكمة أن تصون حقوق المتهم بكل الوسائل الممكنة، وتبذل كل جهد في تمحيص أقوال الشهود وإصدار حكم عادل لا تحيُّز فيه على الأدلة التي يتقدمون بها.

ونظرة واحدة إلى نص الرواية في هذه القضية تدلنا على أن المتهم فيها لم يفز بهذه الحصانة القضائية. ويبدو هذا من لهجة الحنق والغيظ التي وجَّه بها رئيس الكهنة سؤاله إلى المتهم بعد أن تهدَّمت أقوال الشهود:

«أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟»

ولعل الإعتراض لم يكن على هذا السؤال في حدّ ذاته، فقد كان من حقّ المسيح كمتهم أن يدلي بأي أقوال أو حقائق دفاعاً عن نفسه. وإلى هنا كان ملتزماً الصمت التام. فكان من اللائق أن يُسأل إذا كان لديه شيء يعلق به على أقوال الشهود. أما الذي يسترعي أنظارنا فهو العداء المكشوف نحو المتهم، وهو نذير بما سيجيئ بعد هذا السؤال. فإن رئيس الكهنة كشف عن نواياه، وأزال كل المظاهر التي تُلبس القضية شكلها القانوني الظاهر على الأقل.

ذلك أن قيافا وهو واقف في مكانه وسط المحكمة وجَّه إلى يسوع القَسم الأعظم في الدستور العبراني: «أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَي» (متى 26: 63) ولم يكن بدٌّ أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقيّ المحافظ على الشريعة صوناً لحرمة هذا القسم العظيم.

وقد جاء بكتاب المشنة اليهودي:

«إذا قال قائل أستحلفك بالله القادر على كل شيء، أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسؤول أن يجيب».

وكان السؤال الذي وجهه قيافا رئيس الكهنة إلى المسيح مباشراً صريحاً، مجرداً عن المصطلحات العبرانية الخاصة:

«أأنت المسيح؟ أتدّعي أنك أنت هو الآتي؟»

ولم يكن المتهم بأقل صراحة من سائله، وهذه هي النصوص الثلاثة لإجابته:

«أَنَا هُوَ» (مرقس 14: 62)

«أَنْتَ قُلْتَ» (متى 26: 64)

«أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ» (لوقا 22: 70)

وهذه الأجوبة، كما قال أحد العلماء، متفقة في معناها. والنص «أنت قلت» أو «أنتم تقولون إني أنا هو» الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعنى لدى الفكر اليهودي المعاصر. وعبارة «أنت تقول» كانت الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على سؤال خطير أو حزين. ونهت آداب اللياقة والحشمة أن يقول المجيب مباشرة «نعم» أو «لا».

إذن نطق يسوع بإجابته في شيء كثير من التصميم والحزم. ونرى قيافا قد سُرِّي عنه بعد أن حصل من المتهم نفسه على هذا الإقرار الهائل الخطير. ويكاد المرء يسمع رنة الفوز والظفر في صوته وهو يلتفت إلى الأحبار وشيوخ الشريعة قائلاً:

«ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! أبصروا أنتم».

وعندي أن الباحث اليقظ المتنبّه لما أسميه الحقائق الخفية الدفينة في القصة، يرى لذة ومتاعاً في تطور القضية هذا التطور الفجائي وبلوغها هذه الذّروة المفجعة.

ترى لماذا اتخذت المحاكمة فجأة هذا الوضع المخالف للإجراءات القانونية في ساعة متأخرة من الليل، بعد ضياع زمن طويل في تمحيص أقوال الشهود ووزنها؟ وإن كان إقرار المتهم الذي أُجبر عليه كافياً، فلماذا سُمعت أقوال الشهود؟

نجد الإجابة على هذه الأسئلة في طبيعة المشكلة القانونية المعقدة التي واجهت قيافا. والمعروف أن جماعة الصدوقيين الأقوياء الذين ينتمي إليهم رئيس الكهنة كانوا قد وطنوا العزم على إبعاد يسوع من طريقهم. ولا تتحقق أغراضهم هذه إلا بعقوبة الموت. ومن الغريب أنه مع هذا التصميم لم يسعهم الإكتفاء بقضية ثبت فيها التجديف أو الشعوذة، لأن قيافا كان عليه أن يبتعد بنظره الثاقب إلى آخرين من غير طائفته، إلى جماعة المعارضين في مجلس السنهدريم، وإلى أحكام الشريعة الموسوية، وإلى ذلك الحاجز المنيع الذي أقامته روما من قوتها وتسامحها.

ولم يكن أحد أكثر من قيافا يعرف النتائج السياسية والشخصية التي تترتب على مجيء المسيا الذي ترقبته الأمة اليهودية. فإن هذا معناه ظهور نوع من الملكية يكون مقامها في أورشليم والمقادس الأخرى.ومعناه أيضاً تحدّي السلطات الرومانية في كل البلاد، وثورة الشعب عن بكرة أبيه، وقيام حملة تأديبية مريعة على يد قائد روماني أشبه بتلك الحملة المريعة التي حدثت بعد هذا التاريخ بأربعين عاماً ودمرت المدينة تدميراً.

وهذه الحقائق كلها لم تكن لتخفى على ذوي النظر الثاقب ممن أُوكل إليهم المحافظة على المزايا اليهودية التي حرص عليها الشعب كل الحرص في عهد الإحتلال الروماني. وقد كان قيافا رئيس الكهنة سياسياً أريباً وداهية ماكراً حين قال لقومه: «خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ ٱلشَّعْبِ وَلا تَهْلِكَ ٱلأُمَّةُ كُلُّهَا» (يوحنا 11: 50).

أما النتائج الشخصية التي قد تصيب قيافا على أثر مجيء المسيا المنتظر فلم تكن أقل خطورة من تلك النتائج السياسية، فإننا لا ندري أي تغيير يطرأ على دستور مجلس السنهدريم الأكبر عند حلول النظام المسياوي. قد يكون التغيير انقلاباً خطيراً. على أن شيئاً واحداً نعرفه وهو أن سيادة رئيس الكهنة وتحكّمه في مصائر الأمة لا بد يزولان. ومهما يكن من أمر الإبقاء على المظاهر التاريخية القديمة في الدستور العبراني، فلا شك أن الحاكم الحقيقي سيكون المسيا، وسيكون مطلق التصرف في توجيه سياسة أمته كمنقذ قومي وكمندوب سامٍ لإله إسرائيل. ولا جدال أن ظهور ذلك النجار الناصري وادّعاءه لنفسه هذا الحق في السلطة القومية قد أزعج كثيرين ممن يهمهم بقاء الأحوال الراهنة.

فالمشكلة إذن أن تُقام دعوى فاصلة حاسمة لا تجد معارضة من الواحد والسبعين شيخاً من أحبار السنهدريم الأكبر، وتلقى قبولاً لدى القانون الروماني.

وفي سبيل تحقيق هذا الغرض سمعت أقوال شهود كثيرين، واستبعدت شهادتهم لعدم كفايتها. ثم جيء باثنين آخرين ظُنّ أن لديهما ما يحبك التهمة، فانطوت شهادتهما على تهمتين، كل منهما تقع تحت طائلة عقوبة الموت في القانون العبري. وهنا أيضاً كانت أقوال الشاهدين موضع الشبهات والريب: وقد تنطلي الحيلة على مجلس السنهدريم، ولكن ما العمل في الوالي الروماني؟ أغلب الظن أن تهمة كهذه لا تروقه. فلا بد من اختلاق تهمة أخرى غير هذا التهديد البليد بنقض الهيكل وإعادة بنائه، يرضى عنها بيلاطس الوالي الروماني ويصدر فيها الحكم بالموت، وكان الحكم بهذه العقوبة قد انتزعه قيصر من أيدي السلطات اليهودية.

كان الإتهام كله على وشك أن ينهار لولا فطنة قيافا وذكائه الذي استنبط فوراً وسيلة لإنقاذ الموقف، وكانت إجراءاته غير قانونية، ولكنها كانت الضربة الأخيرة اليائسة من رجل كادت تطيش السهام كلها التي أعدّها فاستنجد بقَسَم الشهادة، الذي كان يعتبر حتى الصمت عنده تهمة لا تُغتفر. وقد أفلحت الحيلة أكثر مما قُدّر لها، لأن في الجواب الجريء «أنا هو!» الركن القوي لإثبات تهمة شنيعة أمام الوالي الروماني.

وقد يتغاضى قيصر عن أقوال شاذة يتفّوه بها داعية من الدعاة الطّوافين، ولكن لن يقدر أن يتغاضى عن شخص يطالب لنفسه بعرش. وفي صمت المحكمة الرهيب بعد أن نطق المتهم بهذه الألفاظ الجريئة مضت في فكر قيافا خواطر أخرى وأقوال يأخذها حجة قوية على غريمه: «إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر!».

الفصل الثالث: حوادث قبل منتصف الليل يوم الخميس

قلت من قبل إن اعتبارات الزمن لعبت دوراً خاصاً حاسماً في تقرير الحوادث التي سبقت موت المسيح. فإذا أردنا الوصول إلى كنه المسألة وتتبع هذه الأدوار، تعين علينا أن ندرسها وعيوننا دائماً ترقب عقرب الساعة، لا سيما حينما نقترب من عنصرين هامين في القضية وهما المفاوضات التي قام بها زعماء اليهود مع يهوذا، ثم مباحثاتهم مع بيلاطس البنطي.

ويبدو لنا لأول وهلة أن كلا الرجلين قد لعب دوراً غريباً من المتعذر تأويله في حوادث الأثنتي عشرة ساعة التي اختتمت بها حياة يسوع على الأرض. فلنبدأ أولاً بقضية يهوذا:

وأول شيء يتحدى الفكر في أمر يهوذا هو اضطرار قيافا وصحابته إلى استخدامه والإستعانة به. ترى لماذا يظهر يهوذا في القصة فجأة؟ وما الذي كان في وسعه أن يقدم لرؤساء الكهنة مما كان عسيراً عليهم أن يفعلوه بحكم وظائفهم؟ بل ما الداعي إلى إنفاق هذا المبلغ الضئيل ثمناً للدم في سبيل الحصول على خدمته؟

هذه أسئلة جوهرية، يتأثر بها فهمنا لهذه القضية إلى حدّ كبير. ومن السخف أن نحسب يهوذا مجرد مخبر عام تطوع لإرشاد السلطات إلى المخبأ الذي آوى إليه من كان له صديقاً من قبل. فإن يسوع لم يكن مختبئاً. ومنذ اللحظة التي وصل فيها إلى بيت عنيا عصر يوم الجمعة لم يفعل شيئاً لإخفاء حركاته فحضر حفلة عشاء أُقيمت تكريماً له في بيت سمعان الأبرص إما مساء السبت أو مساء الثلاثاء. وانطلق إلى أورشليم على مرأى القوم في ثلاثة أيام متوالية (الأحد والأثنين والثلاثاء) وكان يعود منها إلى بيت عنيا في مساء كل يوم ليبيت هناك.

ومن السخرية أن نفترض أن زعماء اليهود جهلوا حركاته وانتقالاته بينما عرفت ذلك جماهير الشعب الذين أحاطوا به وزحموه في طرقات أورشليم في صباح يوم الأحد. وما من شك في أنهم عرفوا مقره جيداً، وكان هيناً عليهم أن يبعثوا رسلهم سراً وبسرعة إلى بيت عنيا لإلقاء القبض عليه في أي مساء من تلك الأمسيات الأربعة العصيبة. فلماذا لم يفعلوا هذا؟ وما الذي حملهم على انتظار معونة يهوذا؟

وقد جرت عادة الشرَّاح أن يجيبوا عن هذه الأسئلة بما دونه الإنجيل بقولهم إن الخوف من الشعب هو الذي حملهم على هذا الموقف المحاذر. والظاهر أنه لم يفطن أحد إلى أن هذا التعليل هو نصف الحق، وأن النصف الآخر قد أخفي فلم يُذكر.

ولا يغرب عن البال أن البشائر كتبت من مواد جمعت في الأصل من الصحابة الذين كانوا على صلة وثيقة بيسوع، وأن يهوذا قد مات قبل أن يفشي السر الذي انطوت عليه جوانحه، وما كان من المحتمل أن يفشيه زعماء اليهود. فإن قلنا إن مهمة يهوذا انحصرت في أخذه حرس مجلس السنهدريم إلى بقعة معزولة موحشة حيث يتمكنون من القبض على يسوع سراً، بينما كان في وسعهم أن يفعلوا ذلك قبل أن يستيقظ القرويون من نومهم، أو في أية بقعة أخرى تلائمهم في طريق جبل الزيتون في أي مساء عدا يوم الأربعاء، أو خلال هذا اليوم نفسه وهو معتكف في تلك الغابة الصغيرة الهادئة - أقول لو أننا أخذنا بهذا الرأي، لأضعنا كلية تلك العوامل النفسية الغامضة الدقيقة التي لعبت أدوارها في ذلك الموقف.

وأرجو ألا يُساء الظن بما أقول هنا، فإني آخر من ينكر أن الخوف من الشعب كان له أثر كبير في نفوس زعماء اليهود. وما درى أحد كيف كانت تتطور القضية وأي العواقب السياسية كانت تنشأ، لو أن الزعماء ألقوا القبض عنفاً وعلانية على شخص حسبه فريق كبير من الشعب المسيا الذي أعلنت عنه النبوات. كان الموقف كله شاذاً ليس له مثيل، دقيقاً حساساً. وقد فعل الزعماء فعلتهم وهم يصوبون أبصارهم إلى الرأي العام الذي حسبوا له كل حساب.

على أن الخوف من الشعب لا يعلل لنا بعض الأشياء الغريبة التي أحاطت بهذه القضية، فإن شيئاً ما قاله يهوذا لرؤساء الكهنة حملهم على تعجل الحوادث في اللحظة الأخيرة، والأسراع في تنفيذ نيتهم في وقت تعوزه كل المسوغات القانونية والرسمية. إن شيئاً قد حملهم على أن يبعثوا إلى إنسان أعزل في بستان موحش معزول بقوة مدججة بالسلاح تعززها الاحتياطات المُحكمة، مما يدعو إلى التفكير والتساؤل:

ترى ما معنى كل هذا؟ إني لعلى يقين أن وراء الخوف الظاهري المعترف به من الشعب، خوفاً آخر أشد وأعمق - خوفاً يعلل كل ترددهم وتذبذبهم، حتى بلغت أسماعهم المذهولة رسالة رحّبوا بها أيما ترحاب - وأعني بذلك الخوف من المسيح نفسه.

وخشية أن تقع هذه الفكرة على الآذان موقع الدهشة والغرابة، لنلق نظرة إلى الحقائق. ولا يسعنا أن نضع شيوخ اليهود بمعزل عن القيود العقلية والخرافات التي شاعت في عصرهم. كما أننا لا ننكر أن شهرة يسوع كانت قد ذاعت بين الناس، وعلا اسمه بين القوم وسمت شخصيته، وتناقلت الألسن قصص معجزاته في إعادة البصر للعميان وإبراء المشلولين. وانثالت هذه الأنباء على أورشليم من كل أجزاء البلاد، وسلَّم بها الناس حتى في الأوساط العليا. ويخيل إلينا أن مُعاصريه لم يرتابوا في أن لديه بعض القوى الخارقة التي لم يألفوها في جيلهم.

ولا يسع كل قارئ منصف لبشائر الإنجيل - لا سيما الفصول الختامية - إلا أن يرى هالة من الغموض الشديد قد انعقدت حول شخص يسوع، وكان لها أثرها في التدابير التي حاول الزعماء حبكها للإيقاع به. وأيقنوا طيلة الوقت أنهم أمام قوة غامضة غير معروفة لا بد لهم أن يحسبوا حسابها في تنفيذ مآربهم. وأنت تراهم في خلال الأيام الأربعة العصيبة التي سبقت القبض عليه - حينما كان في وُسع يسوع، لو أراد، أن يثير عجاج الفوضى والإضطراب في المدينة - يتصرفون كأنهم فرائس لخوف خفي يخشون حدثاً خطيراً. وإنك لا ترى منهم ذلك العمل العاجل الحاسم، وهو ما كنا ننتظره من قوم يملكون زمام السلطة في موقف خطير. بل على نقيض ذلك ترى تردداً وتذبذباً في تصرفاتهم وأعمالهم. وحتى بعد ذلك التصريح الرهيب القاصم لظهورهم الذي ألقاه يسوع في الهيكل يوم الثلاثاء. نراهم يتركونه ليكون هو البادئ في تحدّيهم. ومن الحقائق البارزة في هذه القصة أن المسيح ظلّ مسيطراً على الموقف كله إلى النهاية.

وإني أخشى شخصياً أن أولئك الناس كانوا في تصرفهم مع يسوع يخشون شيئاً لم يعرفوا ما هو. وأخالهم قد خشوا أن تتدخل قوة غريبة فتأخذه من بين أيديهم، فيعجزوا في آخر الأمر عن إلقاء القبض عليه. ومما يقّوي أثر هذا الإعتقاد في نفسي ذلك المسلك الغريب الذي بدا منهم في أمر يهوذا.

ويتضح جلياً أن عائقاً ما قد حال بينهم وبين القبض عليه في خلال ذلك الإسبوع، وراحوا يؤجلون ويسّوفون نظراً للصعوبات التي أحاطت بهم، إلى أن حانت الساعة الحادية عشرة من ليلة يوم الجمعة. والظاهر أن لقاءهم بيهوذا قد هّون عليهم الأمر.

وقد قيل في هذا:

«وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا، وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوافِقَةٍ» (مرقس 14: 11).

ولو تتبعنا سير الحوادث كما دُّوِنت في البشائر، لرأينا أن هذه المقابلة تمّت على أقرب تقدير يوم الثلاثاء بعد حفلة العشاء في بيت سمعان الأبرص. ومع ذلك لم يتمكنوا من القيام بأية حركة، ولم يتبدل ترددهم عزماً إلا في يوم الخميس ليلاً، لما أسرع يهوذا من العلّية إلى نقل الأنباء إليهم. عند ذلك قاموا بعملهم العاجل الحاسم.

وهنا يلعب الزمن دوره الخطير. فلو كان القبض على يسوع قد تمَّ بعد وصوله إلى بستان جثسيماني بزمن قليل، لجاز لنا القول إن مهمة يهوذا اقتصرت على نقل الأنباء إلى السلطات وإخبارهم عن المكان الذي سيكون فيه يوم الخميس ليلاً، ثم مصاحبة المأمورين بالقبض عليه ليدلّهم على شخصيته. ولو افترضنا شيئاً من هذا، لجاز لنا القول أيضاً إن زعماء اليهود دبروا مكيدتهم للقبض على يسوع في مساء اليوم الأخير قبل عيد الفصح ليضيّعوا على الشعب كل فرصة في الهياج أو الإضطراب.

ولو أن هذا التعليل يبدو لأول وهلة سائغاً مقبولاً، فإنه لا يقوى على الثبات طويلاً أمام مجهر الفحص والإستقراء، فإن الحقائق كلها تشير إلى أن الأمر اتخذ اتجاهاً غير هذا. ولنفترض أن التفاهم بين يهوذا ورؤساء الكهنة قد تمَّ على هذا النحو:

«نحن قد اعتزمنا القبض عليه يوم الخميس ليلاً، فابقَ معه حتى تثق تماماً من كل حركاته، ثم تعال سريعاً وأخبرنا، وعلينا بقية الأمر».

أقول لو أن اتفاقاً مثل هذا تمّ بين يهوذا ورؤساء الكهنة، لترتَّب عليه أن يكون أولئك على أتم استعداد للقبض على يسوع في غير إبطاء، وأن يكون حرس الهيكل على أتم أُهبة لتعبئة القوة والتقدم عاجلاً بعد تلقي الرسالة بدقائق معدودات.

فهل سارت هذا المسرى؟ يقيناً لم يكن الأمر كذلك. فإن بضع ساعات مضت بين الزمن الذي انسحب فيه يهوذا من العلية التي تناولوا فيها العشاء وبين وصول العسكر المدجج بالسلاح إلى بستان جثسيماني. فما التعليل التاريخي لهذا الإبطاء؟ تأمل الموقف ملياً وانظر إلى غرابته، لأنه حافل بالأشياء الغريبة حقاً التي لا يمكن تعليلها بغير ذلك.

فأول كل شيء، وقبل كل شيء، أمامنا إبطاء في الزمن يقرب من الثلاث ساعات بين خروج يهوذا من وسط العشاء في العلية وبين وصول الحرس إلى بستان جثسيماني. ولا يمكن أن يكون الزمن الفاصل بين الحادثتين أقل مما قدَّرنا، بدليل الحوادث التاريخية التي تخللته. ولقد ألمحت من قبل في الفصل الثاني إلى طول الزمن الذي قضاه المسيح في البستان مستدلاً بإيقاظه التلاميذ ثلاث مرات متوالية. ومغالبة النعاس لذلك النفر من صحابته هو في حدّ ذاته دليل على أن الساعة كانت متأخرة، وهم لا بد أن يكونوا قد صارعوا النوم طويلاً قبل أن يدركهم التعب رغبة منهم في اليقظة ومشاطرة سيدهم ما قد يدهمه من الأخطار في تلك الليلة. ولسنا ندري كم من الزمن غالبوا تجربة النعاس. على أنه لا يمكن أن يكون بين اليقظة والأخرى أقل من نصف ساعة. ولو أضفنا هذا الزمن إلى ما استغرقته مسافة الطريق من العلية إلى البستان، وهو على الأقل نصف ساعة، لتوافرت لدينا من الزمن ساعتان. وإلى هذا نضيف أيضاً الزمن الذي استغرقه الحديث بعد خروج يهوذا من العلية، ثم الزمن الذي استغرقته الصلوات الليلية قبل أن تبدأ الجماعة سيرها في الطريق المؤدي إلى باب المدينة.

وإذا جلس المرء في بقعة هادئة، في ساعة الغسق، وانصرف إلى قراءة هذه القصة، وتأملها ملياً فإنه لا شك يُدهَش حين يشعّ عليه نور صدقها. بل إنه يجد عدا ذلك أن الزمن الذي نحدده أقل مما يجب أن يكون، وهو مضطر أن يذهب في التقدير إلى أبعد مما ذهبنا، فإننا لا نتصور مثلاً أن يُغرق التلاميذ على التّو في النعاس بمجرد وصولهم إلى البستان، وهم يعلمون أن أحداثاً خطيرة يخبئها المستقبل. ولم نعهد الطبائع البشرية على هذا النحو من الجمود والأستكانة. ولا ريب أن فترة طويلة تقضَّت في التهامس والتخمينات والرجم بالغيب وتبادل الظنون والأقاويل. ولا ريب أن فترة أخرى تقضَّت في الترقب الحائر والإندهاش الذاهل، حتى ثقلت جفونهم واحداً بعد واحد من فرط الإعياء الذهني والنفسي، واستسلموا للنوم.

ولا بد لنا من تعليل لهذه الفترة الطويلة التي بلغ مداها ثلاث ساعات، في مأساة خطيرة متشابكة الحوادث كهذه. ولزام علينا أن نعرف ما الذي كان يفعله يهوذا طيلة هذه المدة، ولا سيما لماذا عرف يهوذا الموضع الذي كان فيه يسوع حينما تقرر أخيراً قيام الجند للقبض عليه. وعندنا أن هذا الأمر من الوقائع الهامة في الموقف الذي نحن بصدده. ومتى عرفنا تعليله، استطعنا أن نقبض بأيدينا على مفتاح أغرب قصة في التاريخ.

والذي نلاحظه مبدئياً في فحص تفاصيل الرواية المدونة في الإنجيل، أن الرسالة التي حملها يهوذا لم تجد زعماء اليهود على أُهبة العمل الحازم. وأنا شخصياً لا أقدر أن أتملص من هذا الإعتقاد الذي يزداد في نفسي تعمقاً كلما أوغلت في دراسة القصة. ولو أن اليهود كانوا قد وضعوا خطة مدبرة لتأجيل القبض على يسوع إلى ساعة متأخرة من يوم الخميس، ثم تنفيذ هذه الخطة بغضّ النظر عما يترتب عليها من العواقب، لكان هناك شيء من التأهب وحسن التنظيم لتنفيذ الخطة في ساعتها المعينة. فأولئك القوم ما كانوا يعرفون أين يقبضون على المتهم ولعلهم فكروا أنه لا بد لهم من الذهاب إلى بيت عنيا. وما من شك في أن هذه الإحتمالات كلها نشطت في أذهانهم، فمن ذا الذي كان يتنبأ أن هذا «المجرم الهارب» في نظرهم ينتظر لهم في بستان على مقربة من معسكرهم العام؟ ولو كانت هناك خطة مدبرة لوقعت النقمة سراعاً على رأس يسوع بمجرد أن تلقَّت السلطات اليهودية النبأ السري، وذلك بعد بضع دقائق من خروج يهوذا عن مائدة العشاء بقصد إخبار السلطات.

ولكن بدلاً من هذا التنفيذ العاجل لخطة حازمة مدبرة، نرى تراخياً يمتد إلى ساعات، وهو تباطؤ كان من المحتمل أن يصيب خطتهم بفشل ذريع. ولو كان المتهم الذي يتعقبونه متهماً عادياً أو مجرماً على طراز سائر المجرمين لولّى هارباً وفشلت خطتهم.

وكلما دققنا في دراسة الحقائق التي تتألف منها هذه القصة، ازددنا اعتقاداً بأن زيارة يهوذا لرؤساء اليهود في تلك الليلة، فضلاً عن أنها لم تكن متوقعة، قد وضعت المشكلة أمامهم وضعاً جديداً على نور جديد. وكان لا بد لهم من بعض الوقت للتشاور واتخاذ قرارات خطيرة ووضع الخطط الحازمة. ولما انطلقت الحملة إلى جثسيماني، فعلت ذلك سراعاً بعد انقضاء الزمن الذي كان لازماً لهذا التشاور والقرارات العاجلة. وأعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا هو التأويل الذي تحتمله قصة الإنجيل.

وهناك عاملان تاريخيان في هذا الموقف يعللان لنا هذا التباطؤ. وهما عاملان يتداخل أحدهما في الآخر: الأول أن النبأ الذي حمله يهوذا من العلية قد تضمن بعض المعلومات الجديدة الغريبة التي أزالت شكوك الرؤساء وترددهم. والثاني أن المسيح نفسه كان يتحداهم بهذا التصرف لإلقاء القبض عليه.

ومهما تكن ألفاظ الحديث ونصوصه الذي دار بين يهوذا ورؤساء اليهود، فلا شك أنه كان في شيء من هذا المعنى:

«هو يفكر في الموت ويتحدث عنه. وهو الآن ذاهب إلى البستان عند سفح جبل الزيتون ويبقى هناك حتى أوافيه. فهيئوا أمركم على عجل وأنا سآخذكم إليه».

ولا مهرب لنا من الأخذ بهذا الإستنتاج، الذي تؤيده كل التأييد الشهادة الصامتة التي نراها في مسلك الممثلين الرئيسيين في هذه المأساة التاريخية. وتفاصيل القصة تمكّن الباحث من تعقب خُطى الطرفين فيها: فنحن نعلم أن يهوذا قاد الحملة المأمورة بالقبض إلى بستان جثسيماني دون أن يخطئ الطريق على الرغم من الظلمة في هذه الساعة المتأخرة من الليل. ونعلم أيضاً أن يسوع انتظر في ذلك البستان على الرغم من ملال صحابته. والظاهر أنه كان متأهباً لأن ينتظر هناك حتى مطلع الفجر.

ولسنا نقدر على تأويل موقف كهذا، دون أن نستنتج شيئاً ما، أدعوه «تفاهماً» من قبيل التجاوز في التعبير، لأن اللغة لا تسعفني بكلمة خاصة أدلُّ بها على هذا الموقف. ولا يذهبنَّ أحد إلى الظن أني أردت القول إنه كان ميثاق بين يسوع وبين مسلّمه. كلا. لا أذهب إلى شيء من هذا. فقد كان يسوع أستاذاً في علم النفس، فنفّذ عزمه على تسليم نفسه إلى المدّعين عليه في تلك الليلة بأساليب دقيقة خفية بلغت منتهى الدقة والخفاء. ولما خرج يهوذا من العلية للقيام برسالة بريئة في ظاهرها، عرف عن يقين أمرين: عرف أن يسوع ذاهب إلى بستان جثسيماني وعرف أيضاً أن روحه آخذة في الجنوح نحو الصليب. وكان في تينك الحقيقتين الخطيرتين، مجتمعتين معاً، فرصته الكبرى، وكان فيهما أيضاً تجربته الكبرى. وقد عرف يهوذا بدهائه ومكره أن هذا أفضل نبأ يمكن أن يحمله إلى سادته اليهود. فالعائق قد أمحى، ويسوع لم يكن متأهباً تلك الليلة على الأقل لإبداء أية مقاومة لأن مزاجه وقتئذٍ كان أميل إلى الإستسلام والخضوع، فلم يبقَ إلا الحزم والسرعة في تنفيذ مآربهم.

وقراءة يوحنا 13: 13 و 28 و 29 تزيد في رجحان الصدق في هذه القصة، فالإتفاق على اللقاء في جثسيماني ربما دبرته طبائع الأشياء وسياق الحوادث. والظاهر أن يهوذا كان مكلفاً بأداء بعض المهام لصحابة المسيح، فاضطر إلى التغيب عنهم بعض الوقت. وكان من الطبيعي أن يتم الإتفاق على اللقاء في مكان معين قبل رجوعهم كعادتهم في ذلك الأسبوع إلى بيت عنيا. وكان بستان جثسيماني مكاناً لائقاً لموعد اللقاء، لأنه يقع في المثلث القائم بين الطريقين الرئيسيين على أكتاف جبل الزيتون إلى تلك الضاحية الصغيرة. ويؤدي ذانك الطريقان الجبليان، علاوة على الطريق الرئيسي المتاخم للبستان، إلى بيت عنيا.

والأرجح أن يهوذا أسرع إلى دار رئيس الكهنة وعقله متشبع بهذه الفكرة الجديدة. أما المهمة الخاصة التي انتدبته الجماعة لإدائها فكانت تحتمل التأجيل. ورأى الفرصة سانحة لتنفيذ الخطة في غير إبطاء.

تُرى ماذا كان تأثير هذا النبأ في قيافا وفي الصدوقيين القلائل الذين كان همهم الأكبر القضاء على يسوع؟ من حُسن الحظ أنه من الميسور الإجابة على هذا السؤال في شيء من الدقة، لأن أمرين جوهريين في الموقف تغلّبا على كل اعتبار آخر في سياسة القوم:

الأول: أنه كان من أفدح النكبات لسمعتهم ومصلحتهم أن يبدأوا محاولة فاشلة للقبض على يسوع في ذلك المكان. فإنه لو فشلت محاولتهم لعوامل خارقة للطبيعة، لكان الخطب فادحاً لا يمكن مداواته.

والثاني: أنه كان من الخطر عليهم أن يقبضوا على يسوع ثم يضطرون إلى تأجيل محاكمته مدة السبعة الأيام التي قررها عيد الفصح. ولم يكن في وسعهم الإعتداء على هذا التقليد بأي حال من الأحوال. وكانت أورشليم في أيام الفصح بسبب ازدحامها بالغرباء والزائرين، تتهيج لأقل الأشياء وتعمد إلى الثورة والإضطراب لأتفه الأسباب. وربما كان لهم أن يركنوا إلى الذهول المؤقت الذي يطرأ على الرأي العام على أثر حادثة خطيرة كالقبض على يسوع، ولكن لا يلبث أن يعقب ذلك ردّ الفعل بعد بضع ساعات.

إلى قوم يجابهون هاتين المشكلتين، جاء يهوذا الإسخريوطي في ساعة متأخرة من ليلة الخميس بنبأ خطير أصلح موقفهم إزاء هذه المشكلة، وزاد صعوباتها عشرة أضعاف. قد أصلح موقفهم لأنه أكّد لهم إمكان القبض عليه، ولكنه زاد صعوباتهم لأنه حمل النبأ في ساعة متأخرة، وكان عليهم أن يواجهوا أمر القبض بما انطوى عليه من أخطار قد يكون فيها القضاء على سمعتهم وكرامتهم وكيانهم في الشعب.

ولعلَّ السؤال العملي الذي طُرح أمامهم للبحث هو هذا: «أفي وسعنا أن نقوم بكل أدوار الإجراءات والتنفيذ التي يتطلبها الموقف، بحيث نضمن تنفيذ حكم الإعدام فيه قبل مغيب شمس الغد؟». وكان الجواب على هذا السؤال معقداً له خطورته وخطره، وليس من الهين البتّ فيه.

ولست أعتقد أن سؤالاً كهذا يمكن الإجابة عليه فوراً حتى من رئيس الكهنة نفسه، وهو متذرع بالحكمة العالمية والإختبار الطويل اللذين ورثهما عن حميه حنان. وكان لزاماً عليه أن يتشاور على الأقل مع زعماء الأحزاب المختلفة التي تألف منها مجلس السنهدريم. وكان الموقف فريداً من نوعه لم يسبق له مثيل، والفشل في تنفيذ الإجراءات كلها حتى نهايتها منطوٍ على أوخم العواقب وأخطرها.

فإلى جانب الإجراءات نرى أن بعضاً من هذه الثلاث الساعات قد انقضى في المشاورات العاجلة والتنقلات السريعة جيئة وذهاباً بين الجلسة التنفيذية في دار رئيس الكهنة وبين زعماء الفكر اليهودي الذين لم يكن بد من استشارتهم لضمان تعضيدهم والأستناد إليهم في مجلس السنهدريم. هذا كله مكتوب بإيضاح بين ثنايا سطور القصة. فهل كان هناك شيء آخر غير هذا؟ أنا شخصياً أقول نعم!

فمهما حاولنا من تعليل للحوادث التي أدت للقبض على يسوع، لا بد أن مخابرة قد جرت بين زعماء اليهود وبين بيلاطس البنطي الوالي الروماني، قبل إصدار الأمر بالقبض فعلاً. وأنه ليصعب علينا جداً، بما نعهده في أخلاق بيلاطس وفي طبيعة الإحتلال الروماني، أن يسلم بأن قضية خطيرة كهذه تُعرض فجأة على بيلاطس في صباح الجمعة، بدون سابق علمه، وقبل التأكد من استعداده للنظر فيها.

وليس من العسير أن نعلل صمت كُتّاب الأناجيل الأربعة في هذا المقام وعدم تعرّضهم لذكر شيء من هذا، لأنهم كانوا يكتبون من وجهة نظرهم هم، أي من وجهة نظر الأفراد القلائل الذين صحبوا يسوع. فكل اتفاق بين بيلاطس وبين زعماء اليهود لا يصل إلى علمهم. أما حين نضع أنفسنا في موقف رؤساء الكهنة فإنا نراه جوهرياً جداً لهم أن يضمنوا، ولو في ساعة متأخرة من الليل، رضاء الوالي الروماني وتعاونه معهم.

وإذا أحسَّ أحد أن قصة الإنجيل الكريم لا تحمل بين تضاعيفها شيئاً من هذا المعنى، فإني أشير عليه أن يتأمل ملياً في حالة صغيرة الشأن، ولكنها كبيرة القدر: من الأحاديث المسندة القوية في المؤلفات المسيحية الأولى (ويؤيدها طبعاً بيان البشير يوحنا المفصل عن المحاكمة الرومانية) أن بيلاطس عدل عن العادة المألوفة في مثل هذه الأحوال، وتقدم هو نفسه إلى اليهود وذلك إرضاء لتقاليدهم الطقسية التي قضت عليهم بعدم دخول فناء الغريب في ذلك اليوم. وكانت علّة تمنّعهم عن هذا الدخول أن الوقت لم يعد يسمح بالتطهير الواجب قبيل الفصح. ومعنى هذا البيان التاريخي أنه لولا أن قضية يسوع عاجلة وخطيرة، لما عقد بيلاطس مجلس الحكم في ذلك اليوم، فإنه من السُخف في سير الحوادث العادية، أن يُعقد مجلس الأحكام القضائية في يوم تقضي طبيعة الأشياء أن يتغيّب فيه كبار الموظفين والشهود. وكون بيلاطس لم يجلس على منصته في ذلك اليوم، ويتقدم بلا تردد ظاهر لسماع القضية في الفناء خارج دار الولاية - يدلُّ على أن بينه وبين الزعماء تفاهماً من نوع ما.

من ثمَّ نرى أنفسنا مسوقين إلى الزعم - حين نحاول تفهُّم أفكار رؤساء الكهنة، ودراسة المشكلة المعقدة التي كان عليهم أن يحلّوها في قصير من الزمن - أنه لم يكن بدٌّ من تفاهم بينهم وبين بيلاطس الوالي الروماني. وها هم قد تلقّوا فجأة الفرصة سانحة للقبض على يسوع في ظروف موآتية. وكان الوقت ليلاً، والشعب منهمكاً في إعداد معدات الفصح. ثم أن المتهم نفسه على شيء من الإستعداد، يهّون عليهم بعوامل غامضة خفية تنفيذ تدابيرهم. فمن الوجهة السياسية المحضة كان السبيل صافياً أمامهم، والباب الذي تّوقعوا أن يفتحوه عنوة وقسراً قد انفتح على مصراعيه في غير عناء.

ومن الجهة الأخرى كانت الصعوبات القانونية هائلة - فدعوة المحكمة إلى الإنعقاد في هزيع الليل، واستجماع الشهود لإقامة الدعوى، وانعقاد السنهدريم في جلسة كاملة في صباح الغد - كل هذه استدعت تفكيراً جباراً وتنظيماً عاجلاً. نعم كان عليهم أن يتركوا كثيراً من الحوادث لأحكام الصدف، على رجاء أن تسير الأحوال وفق البرنامج على قدر المستطاع. ولم يكن بدٌّ مع هذا أن توضع تفاصيل هذا البرنامج قبل إطلاق السهم الذي كان يتوقف عليه مصيرهم - وحتى بعد إعداد الإجراءات الأولية - كتدبير أمر القبض عليه، وانعقاد جلسة منتصف الليل لإستجماع أدلة الإتهام وعناصر إثباتها، وجلسة السنهدريم في الصباح الباكر للتصديق على هذه الإجراءات - حتى بعد كل هذا بقي أمر خطير لا مناص من مجابهته. أفي وسعهم إقناع الوالي الروماني للتمكن من تنفيذ حكم الإعدام قبل حلول العيد؟ أيرضى بيلاطس أن ينظر في القضية بالظروف والملابسات التي يفرضونها على هذا النحو؟ أتراه يلحُّ على إجراء محاكمة كاملة، أم يكتفي بالتصديق على قرار أصدرته محاكمهم الخاصة؟

كل هذه مسائل يجب تسويتها بالطرق الرسمية كإجراءات إدارية عادية. وقضى القانون بإعداد جدول خاص لمحاكمة المتهمين اليهود الذين تدعو الحال إلى نظر قضاياهم أمام محكمة الوالي الروماني. ولا بد من الحصول على موافقة بيلاطس الشخصية ورضائه قبل إعداد هذا الجدول.

والسرعة التي يعملون بها الآن في هذه القضية بالذات تحول دون الأخذ بهذه الطرق الرسمية الإدارية، فالساعة متأخرة والليل قد انتصف أو كاد، فلا محيص من عمل تدبير احتياطي مؤقت والإتفاق مع الوالي على نظر القضية في بكور الصباح التالي.

ولم يكن في أورشليم كلها غير إنسان واحد يجرؤ بحكم وظيفته على مقابلة بيلاطس في ساعة من الليل مخصصة لراحته والإستمتاع بلذاته. وذلك الإنسان هو قيافا رئيس الكهنة. والأرجح أنه هو الذي قام بهذه المهمة. فهو دون سواه، يستطيع أن يدلي، بحكم مركزه السامي وسلطته الرسمية، بالأسباب التي تؤيد هذه المحاكمة.

وقد يبدو لنا شأناً تافهاً أن يكون الرئيس الأسمى للأمة اليهودية قد زار بيلاطس في ساعة متأخرة من الليلة الليلاء أم لم يزره. ولكن إذا كانت الأمور قد سارت في المسرى الذي سنبحثه في الفصل التالي، فإنه سيكون لهذه الزيارة التي لم يدونها الإنجيل شأن خطير في تعليل بعض الحوادث الغامضة علينا. وأقصد بذلك مسلك بيلاطس الغريب في اليوم التالي في الساعات الرهيبة العصيبة التي تقرر فيها مصير المسيح.

الفصل الرابع: توازٍ نفسيُّ في القُوى

يخطئ كلّ من يزعم أنه يواجه أمراً هيناً عند بحث محاكمة يسوع الناصري أمام بيلاطس الوالي الروماني. فإن الأمر غامض دقيق. ولا نرى في ظاهره إلاَّ المياه الهادئة تجري في هدوء وسكون، ولكن هذا السكون يخفي تحته تيارات عميقة متدافعة، مما يجعل هذه القضية من أعمق البحوث النفسية وأكثرها لذة وإمتاعاً في تاريخ المحاكمات كله. ونحن لا نتخلص من الأسرار التي أحاطت بالمسيح حين نجيء به إلى ساحة القضاء الرومانية، بل إنّا نزيدها عشرة أضعاف.

والشيء الغريب حقاً في هذه القصة الذي لم يكشف عنه الرواة، لا نجده في مسلك اليهود ولا في مسلك المتهم نفسه، بل في مسلك بيلاطس. وأذكر أني قرأت الروايات التي كتبها البشيرون الأربعة جنباً إلى جنب. قرأتها لا مرة بل مرات، وأنا أحاول أن أتكشف ذلك الطابع الخفي الذي امتازت به هذه المحاكمة. وكل مرة قرأتها يرسخ فيَّ اليقين أني أجد العنصر الخفي الدفين عند محاولتي تخطيط مسلك بيلاطس كما دّونه الإنجيل، ومقارنته بما عرفناه من أخلاقه وسوابقه.

ونحن نعلم بعض الشيء عن التاريخ السابق لذلك الجندي الروماني الفظّ غير المثقف. وتقول بعض التقاليد التي قد لا يركن تماماً إلى صحتها، إنه ولد في مدينة سيفل من أعمال أسبانيا، وإنه تحدر من أسرة محاربة، وكان عضواً في جماعة من جماعات الفرسان، وخدم بعض الوقت تحت إشراف جرمانيكوس في ألمانيا. ثم أقام بعد ذلك مدة طويلة في روما، أولع فيها بحبّ فتاة رومانية من بنات الطبقة الرفيعة وهي «كلوديا بروشلا» التي قُدّر له أن يتزوجها فيما بعد، والتي سنسمع عنها بعد قليل في هذه القصة. وكانت هذه الفتاة إبنة غير شرعية لكلوديا، الزوجة الثالثة للإمبراطور طيباريوس. فكأن «كلوديا بروشلا» هي حفيدة أغسطس قيصر. وظاهر من تسلسل هذا النسب، ومن علاقة الفتاة بالبيت المالك الروماني، أن هذا الزواج كان له الفضل الأكبر في ترقية مصالح بيلاطس الخاصة. وقد تعين في سنة 26 ب.م بتوصية سيجانوس والياً على اليهودية. وبعد نيله هذه الوظيفة السامية طلب أن يؤذن له بامتياز لم يكن مصرحاً له لولاة الرومان، أن يأخذ زوجته معه.

هذه هي الحقائق القليلة، القوية في دلالتها، التي نعرفها عن بيلاطس قبل مجيئه إلى اليهودية. وحين نقرأ تاريخه في خلال السنين العصيبة العشر التي قضاها في اليهودية، تشعُّ على سيرته أنوار من نواحٍ أخرى. وقد حفلت تلك الفترة العاصفة من الزمن بأحداث ثلاثة: هي إدخال الأعلام الرومانية إلى أورشليم وعليها تمثال الإمبراطور، وحادث النذر أو الكنز المقدس، وحادث اللوحات المنذورة. وإلى هذه الأحداث الثلاثة يضاف حادث النصب والإحتيال السامريّ الذي كان علّة استدعائه من منصبه وإقصائه نهائياً. وكلٌّ من هذه الحوادث يرسم صورة للرجل الذي نقف أمامه الآن.

ومن يقرأ بإمعان وفي غير تحيّز الروايات القديمة التي وضعها المؤرخون المعاصرون في وصف هذه الحوادث، ويدقق النظر في مسلك بيلاطس، دون البواعث المعزّوَة إليه، يقدر أن يرسم لنفسه صورة واضحة الخطوط لرجل فظّ خشن، تعوزه الحنكة السياسية، وتطغى على عقله عوامل العناد والقسوة - صورة رجل أُعطي سلطاناً فلم يحسن سياسته، ولم يرَ فيه غير قوة لتنفيذ مشيئته، دون أي اعتبار لتبعاته نحو الآخرين. وإنك لا ترى في مسلكه أثراً للحنكة وسعة الحيلة في معاملة الشعوب الغريبة الخاضعة للإمبراطورية، مما امتاز به يوليوس قيصر مثلاً أو غيره من الولاة الرومان البعيدي النظر الذين تحدروا من أُسر عريقة. بل على نقيض ذلك قد تجسَّم في شخصه العدوان الأثيم الطاغي، مما تراه عادة في الرجال الذين تطّوح بهم المقادير إلى مراكز من السلطة دون مقدرتهم وكفايتهم، فلا يطلبون شيئاً غير بلوغ مآربهم.

أما عناده ورعونته ونقص حنكته في الشؤون السياسية العامة فقد بدت بأجلى مظاهرها في مشكلة الأعلام الرومانية ولسنا ندري ما الذي حفزه إلى إرسال الأَعلام الرومانية وبيارق الكتائب الرومانية إلى أورشليم، حاملة تماثيل قيصر التي يعدُّها اليهود أوثاناً. وكونه أرسلها خلسة في الليل دليل على أنه توقع حدوث الإضطراب. ولما وقع هذا الإضطراب كان هو محاصراً في مدينة قيصرية مدة ستة أيام وست ليال، ولكنه لم يبذل أقل جهد لحل المشكلة بطريق المفاوضة أو الحجة. وكان جوابه الوحيد في اليوم السادس أن حاصر الوفد القادم إليه بالقوة المسلحة. ولما وجد على أثر هذه التجربة البطيئة أن المخرج الوحيد لن يتم إلاّ بمذبحة هائلة (وكان تعصّب اليهود شديداً ضد هذه التماثيل) عدل عن المقاومة وسلّم أمام هذا الضغط، وسحب الأعلام والبيارق من أورشليم.

ومن حسن الحظ أنه يمكننا أن نوازن بين مسلك بيلاطس في هذه المشكلة وبين موقف والٍ روماني آخر - يدعى بترونيوس - في موقف أشبه بهذا في دقّته وتعقده. وقد روى يوسيفوس المؤرخ القصة كاملة مسهبة. والمظهر البارز في القصة هو ذلك الإعتراف الصريح الذي يبديه بترونيوس في تسليمه بأن وراء المظاهرات اليهودية الوطنية قوى أدبية متأصلة لا يصلح أن تتجاهلها السلطات السياسية الرومانية، بل تحسب لها كل حساب. وإذ وُجد في موقف كهذا، عمد إلى إزالة العقبات بالمحاجّة المعقولة والمفاوضات الهادئة في مؤتمر خاص. وقد كان له من حافز القوة والبطش لتنفيذ مشيئته أكثر مما كان لبيلاطس، وذلك لأنه كان مكلفاً من قبل إمبراطور مجنون أن يضع تمثال الإمبراطور في هيكل اليهود. وكان تقصيره في القيام بهذا الأمر يجلب عليه عواقب وخيمة. فلما اصطدم بالصخرة عينها التي اصطدم بها بيلاطس كتب تقريراً إلى كايوس دلَّ، لا على شجاعته فقط، بل على يقظته لرفع سمعة روما وإعلاء كلمتها في الشرق.

والذي أبغيه من إيراد هذه القصة بيان الفارق الصارخ بين معالجة بترونيوس لمشكلة دقيقة وبين مسلك بيلاطس في مشكلة من نوعها. وهذا الفارق المميّز لخصال رجلين، يبيّن أيضاً فارقاً بين عقلين متباعدين كل البعد عن بعضهما. والحق أن بيلاطس عالج كل المشاكل التي عرضت له بنقص في المرونة العقلية وقلّة في الإدراك والفهم.

خذ مثلاً مشكلة «النذر» أو الكنز المقدس: أن الغرض الذي أخذ بيلاطس من أجله المال لا غبار عليه في حدّ ذاته - وهو تدبير المال اللازم لحفر قناة من بركة سلوام إلى داخل المدينة. وكان يهمُّ اليهود طبعاً، أكثر من غيرهم، توفّر ماء الشرب النقي في أورشليم. وقد شغلت هذه المشكلة أفكار كثيرين من الملوك والساسة مدى أجيال التاريخ، وقد بذل زعماء اليهود جهودهم أكثر من مرة لحلّ هذه المشكلة.

ولم يكن عسيراً تدبير المال لهذا المشروع الحيوي العام، لو بسطه الوالي صراحة أمام السلطات. ولكن بيلاطس بأساليبه المعوجة الملتوية يسطو على «النذر» وهو المال المفرز كله للأغراض الدينية. ولما ثار عليه الشعب وهو أمر طبيعي، عمد إلى خلق اضطراب دموي خطير بإرساله الجنود متنكرين في ملابس مدنية وسط الغوغاء للإيقاع بالشعب.

ونرى هذه الرعونة عينها وذلك العقل المعوج التفكير في حادثة «اللوحات المنذورة» (أي التقدمات للآلهة الرومانية) التي وضعها في القصر الهيرودسي وهو مقام الوالي في أورشليم على مقربة من الهيكل، وهو غير القصر الذي كان يسكنه هيرودس والي الجليل الذي يقع الآن على مقربة من باب يافا. والظاهر أن تفكيره خلا من أي تقدير أو فهم للإعتبارات الدينية، وتجردت نفسه من أي رغبة للتفاهم والمفاوضة. ولم يرجع عن غيّه في هذه المسألة إلا بعد أن تلقىّ توبيخاً قوياً من الإمبراطور طيباريوس على أثر رسالة تلقّاها من زعماء اليهود.

وجاء في الإنجيل إشارة إلى حادث دموي مزج فيه بيلاطس دماء بعض الجليليين «بذبائحهم» (لوقا 13: 1). ولسنا ندري إلى أي شيء تشير هذه العبارة، ولكنها تنسجم تماماً مع المزاج الذي عرفناه في بيلاطس، وتتشابه كل التشابه مع طريقة معالجته للمشكلة التي ذكرها فيلو الفيلسوف الإسكندري في كتاباته.

هذه هي ملامح بيلاطس البنطي كما نتمثلها في بعض الروايات المستقلّة عن بعضها التي أبقاها لنا التاريخ العالمي. وكلها روايات منسجمة مع بعضها تصور الرجل المستبد العاتي كما هو في خصاله وعقله ومزاجه.

ولكن حين نعود إلى قصة الإنجيل عن محاكمة يسوع على يد هذا الوالي ينطبع في نفوسنا أثر عميق يحملنا على الإعتقاد أن الشخصية التي لعبت دورها في المحاكمة لا تنسجم تماماً مع الشخصية التي عرفناها وكّونا الفكرة عنها. ذلك لأننا لا نرى في هذا الموقف بيلاطس الحقيقي - المنتفخ، المتجبّر، العاتي، الشرس، القاسي - الذي يحاكم «إنسان الموت». وهو يبدو لنا راغباً شديد الرغبة في مهادنة اليهود ومراضاتهم، ولكنه شديد التمتع في الإستسلام لرغباتهم. ونتمثله في موقف المحاكمة إنساناً تتنازعه قوتان مختصمتان متعارضتان.

وأنا أحسُّ إحساساً قوياً أن بيلاطس لم يرد أن يمسّ هذه القضية. فإن فكرة معينة تسلطت عليه وتمكّنت منه - أن يطلق المسيح بريئاً بأي حال ومهما كلّفه ذلك. ونرى هذا الباعث متمشياً في كل الإجراءات - في محاولته نقل القضية إلى هيرودس، وفي إعلانه ثلاث مرات براءة المتهم، وفي غسل يديه، وفي محاولته اليائسة الأخيرة لإحلال باراباس محل المتهم كلقمة يسدُّ بها الأفواه الصارخة ويهدئ الحناجر الصاخبة. ولم تعتره رعشة من الخوف غلبت عليه أمره إلا حين سمع الصرخة الداوية المشئومة: «لست محباً لقيصر».

فما هو تعليل هذا التناقض الظاهر في مسلك رجل عُرف عنه قوة الإرادة وصلابة الرأي؟ ولِمَ يبدو بيلاطس الذي وصمه التاريخ العالمي بطابع الظلم والقسوة، رجلاً حائراً متذبذباً في قصة الإنجيل؟

لا أظن أننا واصلون إلى التعليل الصحيح لهذه الظاهرة الغريبة، إلاّ حين نُدخل في تقديرنا بعض الحوادث الشخصية من ناحية بيلاطس، لا سيما ما حدث منها داخل بيته في مساء اليوم السابق للمحاكمة:

قلنا بعد استنتاج الأسباب والعوامل التي أدت إلى تأخير القبض على يسوع بضع ساعات، أن بيلاطس لا بد أن يكون قد أُبلغ ما سوف يحدث في الغداة، وأن المقابلة التي تمت بينه وبين رئيس الكهنة لا يمكن حدوثها قبل الساعة الحادية عشرة في المساء.

ومع قوة الدليل الذي يثبت هذه المقابلة التي لم تدّونها القصة، فإن هناك شيئاً آخر يؤيدها ويسندها - ذلك أن كلوديا بروشلا زوجة بيلاطس كانت في القصر الهيرودسي تلك الليلة. ومما له مغزاه الخطير أن يسجل التاريخ عن كلوديا بروشلا هذه الإشارة الوحيدة التي تناقلتها الأجيال عنها في هذه المأساة، فيقال عنها: «أنها حلمت عن يسوع المسيح في الليلة السابقة لموته». وإذ نفكر في المحاكمة الرومانية سائرة حسب الأصول التقليدية التي بموجبها قدّم اليهود المتهم إلى بيلاطس في صباح الجمعة دون تدبير سابق، فإننا لا نجد معنى للإشارة إلى بروشلا. وتبدو لنا القصة في هذه الحالة عارية عن المنطق، بعيدة عن كل احتمال. أما حين نضع الأمور في نصابها ونرتّب الحوادث في تسلسلها الطبيعي، فلا نلبث حتى ينجلي الحق أمامنا. وإليك تسلسل الحوادث في تلك الليلة المأثورة:

كان بيلاطس ليلتها في «المدينة» أي أورشليم، لا لزيارة قصيرة عاجلة، بل للإقامة مدة أيام العيد العشرة. ومن المحتمل جداً أن تكون كلوديا قد قدمت معه حتى ولو لم يكن لدينا رواية متى التي تدل على أن هذا هو الذي حدث (متى 27: 19). وقد كان أصدقاء بيلاطس وزوجته قليلين بلا شك في العاصمة الأجنبية. وكان لزاماً على رجل رسمي في مركز بيلاطس أن يضيق دائرة أصحابه الأخصاء إلى أقل عدد ممكن. وطبيعي في حال كهذه أن يطيل الرفيقان - الزوج وزوجته - التسامر معاً في مدينة كأورشليم.

ولا نبعد عن الصواب كثيراً، إذا تصورناهما في تلك الليلة جالسين معاً أمام المدفأة يصطليان في قاعة فسيحة بالجناح الخاص في قصر الولاية، لأن الليلة كانت قارسة البرد، بدليل دخول بطرس إلى فناء دار رئيس الكهنة ليدفئ يديه. ولكي نستتبع سير الحوادث تماماً، علينا أن نذكر قيود الزمن التي تثيرها هذه القضية. فإننا نعلم من رواية الإنجيل أن بيلاطس نظر القضية في بكور يوم الجمعة، وأن زيارة يهوذا العاجلة لرئيس الكهنة تمّت على الأرجح فيما بين الثامنة والتاسعة من مساء الخميس، لأن حفلة العشاء استمرت بعض الوقت بعد خروجه. وبقي علينا أن نعلل سبب الإنتظار ساعتين في البستان. فإذا كان قرار القبض على يسوع قد صدر على أثر المعلومات التي حملها يهوذا إلى الكهنة (ولدينا من الأدلة القوية ما يؤيد هذا الرأي)، فلا بدَّ أن تكون المقابلة مع الوالي قد جرت فيما بين التاسعة والحادية عشرة مساء، وإلاّ فكيف تمكَّن رؤساء الكهنة من تقديم القضية إلى الوالي في صباح اليوم التالي، وحَمْله على النظر فيها بكور اليوم؟

وكما قلت من قبل لم يكن في أورشليم كلها إلاّ رجل واحد يستطيع بحكم وظيفته الرسمية أن يقتحم آمناً الدار الخاصة التي يقيم فيها ممثل روما في ساعة متأخرة من الليل، ولأسباب سياسية عاجلة، وذلك الرجل هو قيافا رئيس الكهنة. ولست أدري كيف حصل اليهود على رضاء الوالي الروماني للنظر في القضية على وجه السرعة بعد إخطار قصير الأجل، إلا إذا سلَّمنا أن قوة شخصية وسلطة يهودية عليا لعبت دورها في الإلحاح والإقناع.

وأعتقد أننا لا نبعد كثيراً عن نطاق الإحتمالات التاريخية، إذا نحن افترضنا أن زائراً ممتازاً ذا مقام خطير يمّم وجهه صوب القصر الهيرودسي فيما بين الساعة التاسعة والحادية عشرة، ولعلّ ساعة المقابلة كانت أقرب كثيراً إلى الأخيرة منها إلى الأولى. ومن الممكن أن يكون قد سُمح للزائر أن يدخل الجناح الخاص الذي يقيم فيه الوالي، وإن كنا نرجح أن بيلاطس نفسه خرج للقائه في قاعة خارجية من قاعات القصر.

وأتصور أن ذلك الزائر الكبير قصَّ على الوالي خلاصة القضية وقال له إنه سيقبض الليلة على مهيج سياسي خَطِر، ومن الصالح العام أن تتم المحاكمة في صباح اليوم التالي، وأن يكون الحكم بأقصى العقوبة. وسأل الزائر بيلاطس: أيرضى أن ينظر في القضية في ساعة مبكرة ليمكن إصدار الحكم وتنفيذه قبيل مغيب الشمس قبل حلول الفصح اليهودي؟

وأفترض أن حديثاً آخر جرى بين الإثنين عن مشكلة التدنيس الدقيقة. وذلك لأنه لم يكن مصرحاً لذوي الوظائف الكهنوتية في الهيكل أن يدخلوا فناء ا