معجزات المسيح |
- هذا الكتاب...
- المعجزة الأولى: تحويل الماء إلى خمر
- المعجزة الثانية: شفاء ابن رجل البلاط الملكي
- المعجزة الثالثة صيد السمك الكثير
- المعجزة الرابعة شفاء حماة بطرس
- المعجزة الخامسة شفاء الأبرص
- المعجزة السادسة شفاء المفلوج
- المعجزة السابعة شفاء مريض بركة بيت حِسْدا
- المعجزة الثامنة شفاء ذي اليد اليابسة
- المعجزة التاسعة شفاء عبد قائد المئة
- المعجزة العاشرة إقامة ابن أرملة نايين
- المعجزة الحادية عشرة تهدئة العاصفة
- المعجزة الثانية عشرة شفاء اللجئون
- المعجزة الثالثة عشرة إقامة ابنة يايرس
- المعجزة الرابعة عشرة شفاء نازفة الدم
- المعجزة الخامسة عشرة شفاء أعميين
- المعجزة السادسة عشرة إشباع خمسة آلاف
- المعجزة السابعة عشرة المشي على الماء
- المعجزة الثامنة عشرة شفاء ابنة الفينيقية
- المعجزة التاسعة عشرة شفاء أعمى تدريجياً
- المعجزة العشرون عُملة من فم سمكة
- المعجزة الحادية والعشرون الواحد الذي شكر
- المعجزة الثانية والعشرون شفاء المولود أعمى
- المعجزة الثالثة والعشرون إقامة لعازر
- المعجزة الرابعة والعشرون شفاء المنحنية
- المعجزة الخامسة والعشرون شفاء بارتيماوس الأعمى
- المعجزة السادسة والعشرون لَعْن شجرة التين
- المعجزة السابعة والعشرون شفاء أذن ملخس
- المعجزة الثامنة والعشرون صيد 153 سمكة
- قائمة المسابقات لكتاب معجزات المسيح
هذا الكتاب... | ||
المسيح صانع معجزات، صنع، ولا يزال يصنع. لقد أجرى المعجزات، وهو لا يزال اليوم بيننا، حيٌّ وسطنا، يُجري معجزاته معنا كل يوم، لأن محبته لا تتغيّر، وأعوازنا لم تَنْتَهِ. صحيح أن المسيح ليس موجوداً معنا بالجسد اليوم، لكنه موجود بروحه، في كنيسته، وفي قلوب المؤمنين به، وفي العالم كله، فقوله حقٌّ: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ... وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متى 28: 18 ، 20). والمسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عبرانيين 13: 8).
ومعجزات المسيح تُظهر قوته، كما تُظهر محبته. والناس ينبهرون بالقوة أول الأمر. لكن معجزات المسيح تجعلنا منبهرين دوماً لأن قوة المسيح تعمل في خدمة محبته، فيظل انبهارنا بالمسيح مستمراً يتعمَّق كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه، فنهتف: «حبّي لفاديَّ المجيد، يوماً فيوماً سيزيد. عمر جديد، يوم سعيد، يوم اختصاصي بالوحيد».
لقد قرأت معجزات المسيح مراراً، وتأملتها دوماً كتاريخٍ صحيح، ورأيتها كواقعٍ مُعاش، تتكرر في حياتي وحياة من عرفتهم وخدمتهم.. وها أنا أشارك القارئ الكريم في مشارق الأرض ومغاربها في روعة المسيح الحي المحب.
وفي هذه التأملات في معجزات المسيح سنركز على:
-
المحتاج للمعجزة، لأنه يمثِّلنا في احتياجنا للرب. والمعجزة هي ما لا نستطيعه نحن، فيجريه الرب معنا.
-
الذين شاهدوا المعجزة، من مؤمنين وغير مؤمنين، سعداء بالمعجزة أو معارضين لها. فنرى قوة الله تمتدّ إلى إخواننا وقت عَوَزهم، فيُجري الرب المعجزة معهم: تُفَرِّح منتظري الرب، ولكنها كالنور الذي يضايق العين المريضة، تُثير غضب غير المؤمنين.
-
ثم نتأمل السيد المسيح الذي لولاه ما جرت معجزة. وكثيراً ما نتصرف تصرُّف الطفولة، نأخذ العطية ونجري ناسين المُعطي. وهنا نتأمل المسيح لنشكره ونلتصق به أكثر، ونتبعه في حبّ.
وهذه أمنية وصلاة قلب الكاتب، لنفسه، وللقارئ أيضاً.
د. القس منيس عبد النور
ملاحظة: أيها القارئ العزيز، تجد في هذا الكتاب أسئلة متعددة بعد شرح كل معجزة تعمِّقك في فهم معاني آيات المسيح وقدرته السرمدية. نشجعك أن تجيب على هذه الأسئلة فتنل «شهادة معرفة معجزات المسيح» إن جاوبت على 80٪ من الأسئلة بالصواب. اجمع كل أجوبتك وارسلها معاً إلى عنواننا
المعجزة الأولى: تحويل الماء إلى خمر | ||
|
1 وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا ٱلْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. 2 وَدُعِيَ أَيْضاً يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى ٱلْعُرْسِ. 3 وَلَمَّا فَرَغَتِ ٱلْخَمْرُ قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ». 4 قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «مَا لِي وَلَكِ يَا ٱمْرَأَةُ! لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». 5 قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَٱفْعَلُوهُ». 6 وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ ٱلْيَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. 7 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «ٱمْلأُوا ٱلأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. 8 ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «ٱسْتَقُوا ٱلآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ ٱلْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. 9 فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ ٱلْمُتَّكَإِ ٱلْمَاءَ ٱلْمُتَحَّوِلَ خَمْراً، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ - لٰكِنَّ ٱلْخُدَّامَ ٱلَّذِينَ كَانُوا قَدِ ٱسْتَقَوُا ٱلْمَاءَ عَلِمُوا - دَعَا رَئِيسُ ٱلْمُتَّكَإِ ٱلْعَرِيسَ 10 وَقَالَ لَهُ: «كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ ٱلْخَمْرَ ٱلْجَيِّدَةَ أَوَّلاً، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ ٱلدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ ٱلْخَمْرَ ٱلْجَيِّدَةَ إِلَى ٱلآنَ». 11 هٰذِهِ بِدَايَةُ ٱلآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا ٱلْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ (يوحنا 2: 1-11). |
جرت هذه المعجزة في حفل عُرس، في قرية قانا التي تبعُد نحو عشرة كيلو مترات عن الناصرة. ودُعي المسيح وتلاميذه للعرس. أغلب الظن أن أصحاب العرس أقرباء المسيح حسب الجسد. وانتهت الخمر التي تُقدم للمدعوين، وواجه أصحاب الفرح أزمة. لو لم يقدموا للضيوف الذين دعوهم لحدثت فضيحة. وجاءت مريم أم يسوع إليه تقول: «ليس لهم خمر». فطلب من الخدام أن يملأوا أجران الماء، وحوَّل الماء الذي فيها إلى خمر، وسدّد الأعواز. وهذا شأنه دائماً.
المعجزة الأولى التي أجراها المسيح كانت في حفل بسيط لقومٍ فقراء. تبدأ القصة بالقول: «وفي اليوم الثالث كان عُرسٌ في قانا الجليل». هذا يعني أن يومين مُهمّين سبقا هذا اليوم الثالث. أولهما ورد ذكره في يوحنا 1: 35 عندما وجد يوحنا وأندراوس يسوع وتبعاه بناءً على شهادة المعمدان له، ثم جاء أندراوس ببطرس أخيه للمسيح. أما اليوم الثاني فورد ذكره في يوحنا 1: 43 عندما وجد المسيح فيلبس، ووجد فيلبس نثنائيل. وفي اليوم الثالث دُعي يسوع وتلاميذه إلى عرس قانا الجليل، ولا بد أن هؤلاء الخمسة صاحبوا المسيح إلى وليمة العُرس، وفي قلوبهم ابتهاج الخلاص. والمسيح يشاركنا أفراحنا، ولا يفصل بين أفراح الروح بقبوله مخلصاً، وبين أفراح الزفاف إذ يشارك العائلات أفراحها.
وفرغَت الخمر. قال بعض المفسرين إن ذهاب المسيح وتلاميذه الخمسة زاد عدد الضيوف، ففرغت الخمر، ولذلك لجأوا اليه! ولكني لا أتفق مع هذا التفسير ،فقد دُعي المسيح وتلاميذه للعرس. أغلب الظن أن أصحاب الفرح كانوا فقراء، وفكروا بالتمنّي أن ما عندهم من خمر يكفي القادمين، ولكن المدعوّين استهلكوا أكثر مما قدَّر أصحاب العرس!
أولاً - المحتاجون للمعجزة | ||
(أ) العروسان
حفل الزفاف أسعد أيام العروسين. كان اليهود يُطلقون على العريس «الملك» وعلى العروس «الملكة». وأية طلبة للعروسين تُجاب فوراً. أغلب الظن أن أحداً لم يُخبر العريس بأن الخمر قد انتهت لأنهم لم يريدوا أن يُفسدوا عليه سعادة الزفاف. كان محتاجاً ولا يعلم. ما أكثر المرات التي نكون فيها محتاجين ولا نُحس أننا محتاجون! لكن يجب أن نشعر بالعطش قبل أن نطلب ماء الحياة وبالجوع قبل أن نطلب الخبز الحيّ. يجب أن نشعر بخطيتنا قبل أن نلجأ لطلب الغفران والخلاص. ما أخطر موقف المحتاج الذي لا يُدرك أنه محتاج! في بعض الأحيان يمنع عنا أقرب الناس إلينا أخبار احتياجنا لأنهم يحبوننا. ولو أنهم يحبوننا فعلاً محبة عاقلة لأبلغونا فوراً بما نحتاجه لنطلبه من الرب.
(ب) أهل العروسين
أحسُّوا بالحاجة فلجأوا إلى العذراء القديسة مريم. فقالت مريم أم يسوع له: «ليس لهم خمر». قدمت الطلب في صورة خبر، وليس في صورة أمر. هذا ما فعلته بعد ذلك أختان محبوبتان للمسيح، مريم ومرثا، عندما كان أخوهما لعازر مريضاً. أرسلتا إليه خبراً (يوحنا 11: 3). ما أجمل أن ندرك أن المسيح يعرف ما نحتاج اليه قبل أن نسأله، ويمكن أن نقدم له احتياجنا في صورة خبر: «ليس لنا خلاص. ليس عندنا مال. أبناؤنا يمتحنون. ابني مريض. قريبي في مأزق». كان أهل العريس يدركون واجب الضيافة. لا بد من الخمر! وكان الربيون يقولون: «السُّكر بالخمر فضيحة. لكن لا فرح بدون شرب خمر. نشرب بدون أن نسكر».
ثانياً - المشاهدون والمعجزة | ||
(أ) العذراء مريم
عندما وجدت أن الأمور تسير خطأً التجأت اليه. انها تعلّمنا أن نلجأ إلى المسيح لأنه ملجأنا الحقيقي وعوننا الأول. قبل أن نلجأ الى طبيب لنلجأ له. قبل أن نلجأ إلى محامٍ لنلجأ له. قبل أن نطلب استشارة الناس دعونا نطلب المُشير العظيم، «يُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيباً مُشيراً» (إشعياء 9: 6) لأنه الإله القدير. هو رئيس السلام يعطي الاطمئنان لقلوبنا، ثم نلجأ إلى البشر الذين نطلب مساعدتهم، والذين يكلّفهم هو ويساعدهم ليساعدونا.
كانت العذراء تعرف من هو يسوع، وكانت تتعجب مما قيل فيه، وتحفظ جميع أموره متفكِّرة بها في قلبها (لوقا 2: 33 ، 51). وعندما عرضت عليه طلبة أصحاب العرس أجابها: «ما لي ولكِ يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد». يبدو لنا أنها لم تأخذ منه إجابةً مباشرة. ولكنها فهمت قصده، وبإيمان كامل قالت للخدام: «مهما قال لكم فافعلوه».
ما معنى قول المسيح لأمه: «ما لي ولكِ يا امرأة»؟ هذا تعبير عبريّ يتوقف معناه على نبرة صوت قائله. إذا قال القائل هذه العبارة في حِدَّة فهو يُوبِّخ الذي يكلمه. أما إن قالها في رقّة، فهو يريد أن يقول: «لا تقلقي. أنتِ لا تعرفين ما سأفعله، لكن اتركي الأمر لي وسأعالجه بطريقتي. أنا سأتصرّف». ولا يمكن أن يكون المسيح له المجد قد أجاب أمه العذراء القديسة مريم في حدة، بل بكل محبة ورقة، وكأنه يقول لها: «يا أمي، لا داعي للقلق من هذا الموضوع. سلّميه لي. اعتمدي عليَّ. إن عندي طريقتي لإنهاء المشكلة. لا تفكري في الموضوع مرة أخرى».
أما قوله لها: «يا امرأة» فقد يبدو لنا قول عدم توقير. لكن الحقيقة غير ذلك، فهذه هي كلمة التقدير والاحترام. لقد ناداها من على الصليب: «يا امرأة» (يوحنا 19: 26) وهو يسلّمها للتلميذ الحبيب يوحنا. فتلك كلمة توقير.
ثم قال لها: «لم تأتِ ساعتي بعد». وساعته هي إظهار مجده، الذي سيؤدي في النهاية إلى صَلبه. وكأنه يقول لها: «لم تحِنْ ساعة إعلان ذاتي للناس، الإعلان الذي سيؤدي بي إلى الصليب». فتمجيد ابن الإنسان هو صَلْبه، وما سبقه من معجزات وتعاليم أغاظت شيوخ اليهود فقرروا أن يصلبوه (يوحنا 12: 23 ، 24).
لم تعرف العذراء كيف سيكون حل المشكلة، إلا أنها أمرت الخدام أن «مهما قال لكم فافعلوه». وهذا إيمان فيه درسٌ عظيم لنا، فما يقوله المسيح لك من أوامر وتعاليم هو أفضل شيء، حتى إن كنت لا ترى منطقيته.
(ب) التلاميذ
«أظهر مجده فآمن به تلاميذه» (آية 11). كان التلاميذ الخمسة قد آمنوا به في اليومين السابقين. فلماذا يقول إنه أظهر مجده فآمن به تلاميذه؟ الإجابة: إن الإيمان لا يتوقف عند درجة معينة، بل يزيد ويتقوى ويتعمق. هؤلاء الخمسة آمنوا به فتبعوه، وتركوا كل شيء ليسيروا وراءه، لكنهم كانوا محتاجين إلى تقوية إيمانهم. «أُومِنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي» (مرقس 9: 24). قال أحد الأتقياء: «يشبه المؤمن شخصاً يركب دراجة. الدراجة لا تقف ولا تسير إلى الخلف، بل يجب أن تسير الى الأمام باستمرار. والمؤمنون يجب أن يكونوا مثل راكب دراجة، يتّجهون دائماً إلى الأمام. وِجهتهم نحو المسيح».
(ج) الخدم
«كانت ستّة أجران من حجارة موضوعة حسب تطهير اليهود يسع كل واحد مطرين أو ثلاثة» هي ستة أوانٍ من الأحجار كانوا يضعون فيها الماء ليغتسلوا عند دخولهم من الخارج. وكان هناك نوعان من الاغتسال: غسل الأرجل عندما يدخلون وقد تغطّت أرجلهم بغبار الطريق. ثم الأيدي ليتطهّروا طقسياً. وبدون تطهير طقسي لم يكونوا يقدرون أن يأكلوا أو أن يصلّوا. وبسبب كثرة عدد الضيوف استُهلك الماء كله. كان كل إناء حجري يسع من أربع إلى ست صفائح من الماء. (المطر صفيحتا ماء).
أمر المسيح الخدام أن يملأوا الأجران الحجرية إلى فوق. ونلاحظ أن الأجران أجران ماء وليست للخمر، فلا يقول أحد إنه كان هناك خمرٌ متبقٍّ من قبل. ولم تكن بها حتى رائحة خمر. طلب منهم أن يملأوها إلى فوق حتى لا يقول أحد إنه أكملها بالخمر. كانت كبيرة بحيث لم يكن ممكناً أن يُدخلوا الخمر إليها خلسة. الدليل واضح للغاية أمام الجميع أن هناك معجزة جرت. أجرانٌ فارغة ملأها الخدم وليس التلاميذ.
كان الخدام أول من أطاع أمر العذراء القديسة مريم، وأول من رأى المعجزة تتحقق.
(د) المتّكئون
أمر المسيح الخدم أن يقدّموا الخمر للمدعوّين. فذاق رئيس المتكأ (ضيف الشرف) الخمر أولاً، وأبدى إعجابه به.
اليوم نرفض الخمر لأننا نخشى على شاربها أنه لا يستطيع أن يُسيطر عليها فتسيطر هي عليه، كما يقول مثل ياباني: «يشرب الناس الكأس، فتشرب الكأس الكأس، فتشرب الكأس الناس!». تبدأ الخمر مُستعبَدة لك، وتنتهي مُستعبِدة لك. ونخشى من شرب الخمر على أولادنا الصغار إن رأونا نشرب، فيشربون بغير أن يتحكموا في أنفسهم. ونخشى من شرب الخمر لئلا نُعثر المحيطين بنا.
(هـ) رئيس المتكأ
عندما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحّوِل خمراً، قال: «كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً، ومتى سكروا فحينئذ الدون، وأما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن». تلك عبارة عظيمة قالها رئيس المتكأ، ولكنه لم يُدرك عُمق معناها بالنسبة لما يفعله المسيح في حياة الناس. مع المسيح يجيء الأفضل دائماً أخيراً. في دراستك لكلمة الله تبدأ الدراسة، وكلما تعمّقت فيها وجدت عمقاً أكبر. تبدأ بأن تأكل الكلمة فتجدها «أَحْلَى مِنَ ٱلْعَسَلِ وَقَطْرِ ٱلشِّهَادِ. وُجِدَ كَلامُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلامُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي» (مزمور 19: 10 وإرميا 15: 16).
وهذا يحدث في طاعتك له، فكلما تطيعه تكتشف البركة. قد تكون طاعته أولاً صعبة، ولكن بركات الطاعة تريك أن الأفضل جاء أخيراً.
وفي تأديبه لك لا تراه للفرح بل للحزن، لكنه يعطي الذين يتدربون به ثمر برٍّ للسلام (عبرانيين 12: 11). فخاتمة التأديب دوماً أفضل. الآخِر مع المسيح دوماً أفضل - «أفضل من أمسٍ كل صباح لي جديد».
ثالثاً - المسيح والمعجزة | ||
1 - اشترك المسيح في حفل زفاف أجرى فيه معجزته الأولى، ليقول لنا:
«لِيَكُنِ ٱلّزِوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ»(عبرانيين 13: 4). بعض الناس ينشرون البؤس من حولهم، ويقدمون رسالة المسيح باعتبار أنها فقط رسالة حزن على الخطية. لكن المسيح يقدم لنا إنجيل الملكوت المُفرح. عندما وُلد أعلن الملاك: «أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ» (لوقا 2: 10). وإنجيل المسيح معناه الخبر المُفرح، فحياتنا الإيمانية حياة فرح. عندما يرى أحدٌ الابتهاج في وجوهنا يريد أن يشاركنا ابتهاجنا.
في أحد مؤتمرات الكنيسة في «بيت السلام» بالعجمي بالاسكندرية بمصر، قالت خبيرةٌ في علم النفس تعمل في مصحّة عقلية: «لو أننا جئنا بمرضانا إلى بيت السلام بالعجمي، أؤكد أنهم سينالون شفاءهم، لأنهم سيرون سعادتكم وأنتم تتناولون الطعام بابتهاجٍ وبساطة قلب، وتلعبون وتصلّون معاً بفرح، وتستمعون لكلمة الرب بفرح».
قدَّس المسيح أفراح الحياة بوجوده وسطها، وأعاد الفرح الذي ضيَّعته ظروف الحياة القاسية. وبارك المسيح حياة كل يوم، فإذا بالواجبات اليومية مقدسة مفرحة. أليس هو الذي حوَّل الناموس إلى عهد النعمة. «لأَنَّ ٱلنَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَبِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ صَارَا» (يوحنا 1: 17). حوَّل الحسن (الناموس) إلى الأحسن (النعمة).
هذا هو المسيح العظيم الذي بدأ معجزاته في حفل عرس، فبارك، وستر، وسدَّد الأعواز.
2 - وأجرى المسيح المعجزة في بيت فقير في قانا.
اشترك المسيح مع الناس العاديين، الخطاة. واستخدم أشياء عادية، من أجران حجرية، وماء.
وطلب تعاون الخدم معه، ليملأوا الأجران وليسقوا المتكئين.
هذا هو يسوع الذي جاءنا مولوداً في مذود، فنجد كلنا الطريق إليه: أغنياء وفقراء، خطاة وأتقياء. عنده للكل كل ما يحتاجون اليه.
ولكن العادي في يد المسيح يصبح معجزياً! إنْ سلّمته نفسك يُجري معجزةً في حياتك وبحياتك. جرِّب أن تسلّمه نفسك بالكامل، لترى المعجزات تتوالى عليك كل يوم!
3 - المسيح الذي يغيِّر الحسن إلى الأحسن.
شهد رئيس المتكأ أن الأخير صار أفضل. وهذا ما يفعله المسيح معك إن سلَّمته حياتك. ستكون آخِرتك معه أفضل من أُولاك.
حوَّل رموز العهد القديم إلى حقائق العهد الجديد: حوّل ذبائح العهد القديم، عندما جاءنا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم، إلى ذبيحةٍ واحدة، هي ذبيحة نفسه، فوجد لنا فداءً أبدياً.
حّوَل معمودية الماء التي عمّد بها يوحنا إلى معمودية الروح القدس. معمودية يوحنا للتوبة. والتوبة جميلة، حوَّلها المسيح إلى معمودية الروح القدس ليُسيطر على حياة المؤمنين.
وأرجو أن يحوِّل كلمته دائماً التي نسمعها باستمرار إلى ما هو أحسن، أي كأس الخلاص، فنتناول منه كأس الخلاص وباسم الرب ندعو (مزمور 116: 13).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأن المسيح يشاركنا أفراحنا، كما يحِسّ بأعوازنا، ويقف إلى جوارنا في كل ظروف حياتنا بغير استثناء، يستجيب صلاتنا، ويسندنا في وقت احتياجنا.
علّمنا أن نلجأ إليه بغير تردد، وبكل ثقة نسلّمه نفوسنا، محقّقين الوصيّة الحلوة: «مهما قال لكم فافعلوه». باسم المسيح. آمين.
أسئلة
-
ماذا جرى في اليوم المهم الأول الذي سبق هذه المعجزة؟
-
ماذا حدث في اليوم المهم الثاني الذي سبق تحويل الماء خمراً؟
-
ما معنى قول يسوع لأمه: «ما لي ولكِ يا امرأة»؟
-
ماذا تتعلم من قول العذراء: «مهما قال لكم فافعلوه»؟
-
لماذا اشترك المسيح في حفل الزفاف؟
-
كيف يكون الآخِر مع المسيح دوماً أفضل من الأول؟
-
اذكر شيئين حوَّلهما المسيح إلى أفضل.
المعجزة الثانية: شفاء ابن رجل البلاط الملكي | ||
|
46 فَجَاءَ يَسُوعُ أَيْضاً إِلَى قَانَا ٱلْجَلِيلِ، حَيْثُ صَنَعَ ٱلْمَاءَ خَمْراً. وَكَانَ خَادِمٌ لِلْمَلِكِ ٱبْنُهُ مَرِيضٌ فِي كَفْرِنَاحُومَ. 47 هٰذَا إِذْ سَمِعَ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ جَاءَ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ، ٱنْطَلَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ٱبْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفاً عَلَى ٱلْمَوْتِ. 48 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ!» 49 قَالَ لَهُ خَادِمُ ٱلْمَلِكِ: «يَا سَيِّدُ، ٱنْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ٱبْنِي». 50 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ٱذْهَبْ. اِبْنُكَ حَيٌّ». فَآمَنَ ٱلرَّجُلُ بِٱلْكَلِمَةِ ٱلَّتِي قَالَهَا لَهُ يَسُوعُ، وَذَهَبَ. 51 وَفِيمَا هُوَ نَازِلٌ ٱسْتَقْبَلَهُ عَبِيدُهُ وَأَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: «إِنَّ ٱبْنَكَ حَيٌّ». 52 فَٱسْتَخْبَرَهُمْ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ٱلَّتِي فِيهَا أَخَذَ يَتَعَافَى، فَقَالُوا لَهُ: «أَمْسٍ فِي ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّابِعَةِ تَرَكَتْهُ ٱلْحُمَّى». 53 فَفَهِمَ ٱلأَبُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ ٱلَّتِي قَالَ لَهُ فِيهَا يَسُوعُ إِنَّ ٱبْنَكَ حَيٌّ. فَآمَنَ هُوَ وَبَيْتُهُ كُلُّهُ. 54 هٰذِهِ أَيْضاً آيَةٌ ثَانِيَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ لَمَّا جَاءَ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ (يوحنا 4: 46-54). |
هذه هي المعجزة الثانية التي أجراها المسيح. جرت المعجزة الأولى (تحويل الماء الى خمر) في حفل زفاف، والثانية في ظل جنازة وموت. جرت الأولى مع جماعة من الفقراء المغمورين، والثانية مع سيّدٍ في قومه.
للفقير مشاكله، وللغني أيضاً مشاكله. وكلما زاد ارتفاع الشجرة إلى أعلى شعرَتْ بعنف الزوابع. هناك الوبأ الذي يسلك في الدُّجى والهلاك الذي يفسد في الظهيرة! (مزمور 91: 6).
هذه معجزة شفاء ابنٍ مريض، سافر أبوه من كفرناحوم إلى قانا، وهي مسافة نحو ثلاثين كيلومتراً، كان يستغرق قطعها في ذلك الزمن سفر يوم كامل. فسافر الوالد يوماً كاملاً ليلتقي بصانع المعجزة...
ولا نعلم من هو خادم الملك (رجل البلاط الملكي) هذا. لعله خوزي وكيل هيرودس (لوقا 8: 3) أو لعله مناين رئيس الرُّبع الذي تربى مع هيرودس (أعمال 13: 1). ولكنه قبل كل شيء أب يحب ابنه، ويكاد يُفجع فيه!
أولاً - المحتاج والمعجزة | ||
1 - المحتاج الحقيقي هو الابن المريض.
-
مريض مشرف على الموت، عاجز عن الحركة. كل أمره في يدي أبيه. ومع أنه لا يدري ما يجري من حوله، إلا أن أباه قام بالواجب. هل أنت ابن تلقي نفسك على أبيك السماوي باطمئنان، عالماً أنه وليُّ أمرك وصاحب السلطان في حياتك؟ هل تعلم أن أباك محبة كاملة؟ هل تعلم أن محبته وسلطانه وكل ما عنده في خدمتك؟
كثيراً ما يصدمنا الله صدمة تشلّنا وتُعجزنا عن الحركة لنسلِّم أمرنا له. مرات كثيرة نظن أننا قادرون، وأننا مستقلّون عنه، ونستطيع أن نفعل الكثير دون أن نلجأ إليه، فيصدمنا لأنه يحبنا، بهدف أن نلوذ به ونحتمي بحماه.
-
على أن الابن المريض يعلّمنا درساً ثانياً، هو أننا في أحيان كثيرة لا نحسّ باحتياجنا بسبب شدة مرضنا. كان الابن مريضاً، ومن شدة المرض لم يُحسّ أنه محتاج لطبيب. وإلهنا الصالح ينبّهنا إلى مرضنا الروحي وضعفنا واحتياجنا للمخلّص، لنصرخ مع العشار قائلين: «ٱللّٰهُمَّ ٱرْحَمْنِي أَنَا ٱلْخَاطِئَ» (لوقا 18: 13).
2 - المحتاج الثاني للمعجزة كان رجل البلاط الملَكي
لا يذكر الإنجيل الأم. ولكنها أيضاً كانت محتاجة إلى المسيح ليشفي ابنها، تماماً مثل الأب. بقيت الأم بجوار سرير المريض، بينما ذهب الأب يطلب معونة المسيح. الرجل وزوجته واحد (متى 19: 5). ولما كانا واحداً اكتفى الإنجيل بالحديث عن الأب الذي ذهب ليبسط طلبته أمام المسيح.
لقد واجه الأب والأم ضيقة. لو لم تجىء تلك الضيقة ما فكرا أن يذهبا إلى المسيح. فأدخلهما الله في مأزق ليفكرا في اللجوء إلى النجار الناصري الذي يُقال عنه إنه يُجري معجزات. «خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ» (مز 119: 71). والله أب محب كريم لا يذلّلنا ليذلنا، لكن ليعلّمنا ويقرّبنا إليه.
-
ابتلع رجل البلاط الملكي كبرياءه وسافر من كفرناحوم العاصمة إلى القرية الصغيرة ليقابل المسيح ويسأل منه شفاءً لابنه. لم يهتم بكلام الناس، لأن ضيقة نفسه جعلته يتذلل أمام المسيح.
-
وقَبِلَ توبيخ المسيح له بتواضع، فنجح في اختبار الإيمان. قال للمسيح: أرجوك أن تنزل وتشفي ابني لأنه مشرف على الموت. فأجابه المسيح إجابة تبدو خشنة: «لا تؤمنون إن لم تروا آيات وعجائب!». وبَّخ المسيح الرجل، وفي تواضع قبِل الرجل التوبيخ. كان المسيح يدرك إيمان الرجل، فقدم الامتحان الذي يقدر إيمان الرجل أن ينجح فيه! «ٱللّٰهَ أَمِينٌ، ٱلَّذِي لا يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ (تُمتحنون وتُختبرون) فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ ٱلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً ٱلْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1 كورنثوس 10: 13).
-
جاء الأب الى المسيح من أجل ابنه، وسأل شفاءً له. وما أكثر ما يفعل الآباء لأولادهم! وهناك أيضاً أبناء يفعلون الخير لآبائهم. هناك ابن يقود أباه للمسيح. هل نهتم بأفراد عائلاتنا روحياً؟ هل نفكر في الكبار من عائلتنا، فنصلي من أجلهم ونكلم المسيح بشأنهم، كما كلم الآب المسيح بخصوص ابنه؟
في عائلاتنا آباء كبار السن. ليتنا ننشغل بهم، كما انشغل آباؤنا وصلّوا من أجلنا حتى عرفنا المسيح المخلّص. دعونا نفكر في أعمامنا وأخوالنا والكبار في عائلاتنا لنقدّمهم إلى المسيح.
-
ووضع رجل البلاط الملكي ثقته كاملة في المسيح بالرغم من ضيق الوقت «أرجوك أن تنزل معي قبل أن يموت ابني». وعندما قال له المسيح: «ابنك حيّ». آمن بالكلمة وعاد الى البيت دون أن يرى شيئاً. وضع ثقته في كلمةٍ قيلت، وأدرك أن ابنه قد نال الشفاء. رجع إلى بيته دون أن يرى ما يُطمْئِن قلبه. لكن أليس هذا هو الإيمان؟ إنه الثقة بأمورٍ لا نراها (عبرانيين11: 1) كما قيل في إبراهيم: «عَلَى خِلافِ ٱلرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى ٱلرَّجَاءِ» (رومية 4: 18) فنال ما ترجَّاه. لم يقل خادم الملك: «ربما صَدَق المسيح فيما قال». بل قال: «بالتأكيد حقق المسيح وعده ونفذ كلمته». نحتاج إلى هذا الإيمان الذي يجعلنا نضع ثقتنا في المسيح كخطاةٍ نحتاج إلى غفرانه، وندرك أن كفارة صليبه كافية لتطهيرنا.
لكل إيمان بدء، ولكل إيمان نموّ وزيادة، ولكل إيمان كمال. البدء يبدأ بالسمع، فيجعلنا نطلب. ابتدأ الإيمان في قلب رجل البلاط عندما قيل له: إن المسيح يستطيع أن يشفي ابنك، فقد أجرى معجزة في قانا، حَوَّل فيها الماء الى خمر. المسيا جاء.
وهنا زاد إيمانه، فذهب إلى المسيح مسافة ثلاثين كيلومتراً استغرق قطعها نحو يوم، ليطلب شفاءً لابنه. وظهرت زيادة الإيمان في قلبه عندما صَدَّق قول المسيح: «إن ابنك حي» وتصرَّف بناءً على هذه الكلمة.
واكتمل إيمانه عملاً واختباراً عندما نال ما أعطاه المسيح له. وفهم أنه في الساعة التي قال فيها يسوع: «ابنك حي» شُفي ولده. واكتمل إيمانه لما آمن هو وبيته كله. كمال الإيمان أن الإنسان يفتح قلبه للمسيح ليُغيِّر المسيح حياته، فيقود غيره للمسيح المخلّص.كثيرون منا يتمتعون بعناية الله ويعرفون الله المعتني ويحبونه، وهذه معاملة شحاذٍ مع مُحسِن. لكننا نريد أن نتمتع بمعاملة الابن مع أبيه. «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ» (يوحنا 1: 12). فننتقل من عبودية عبدٍ يشحذ من محسِن، إلى امتياز ابنٍ يطلب من أبيه.
ويجب أن يتغذى إيماننا على مواعيد الله فنتمسك بها، وبهذا ينمو الإيمان ويزيد، لأنه لا تسقط كلمة من كل الكلام الصالح الذي يقوله لنا (يشوع 21: 45).
ويجب أن يتصرف الإيمان دوماً في غيبة المشاعر. لم تكن مشاعر الأب هي التي جعلته يعود إلى كفرناحوم، لكن كان هناك إيمان بحقيقة أن كلمة المسيح لا بد أن تصدُق، وأن وعده لا بد أن يتحقق، وأن أمره لا بد أن ينفذ، فقد قال له: «ابنك حي».
هل يشجعك إيمانك بالمسيح لتكلمه كما كلّمه رجل البلاط الملكي بشأن ابنه؟ هل يجعلك مطمئناً؟ فعندما يقول لك: «ابنك حي» تؤمن بالكلمة التي قالها وتتصرف طبقاً لها؟ إيمانك بالمسيح يعطيك أنت وأسرتك البركة، لأن الإيمان الحقيقي يبارك المؤمن، وعائلته.
ثانياً - المشاهدون والمعجزة | ||
1 - الذين سمعوا طلبة رجل البلاط الملكي
لما طلب خادم الملك من المسيح أن يشفي ابنه، سمعوا الطلبة. وقال المسيح لهم: «لا تؤمنون إن لم تروا آيات وعجائب!». لعل المسيح وجّه هذه الكلمة للواقفين حوله لأنهم كانوا يريدون أن يروا المعجزة التي سيجريها المسيح. كانوا يطلبون أن يروا بعيونهم قبل أن يؤمنوا، والمسيح يريد الإيمان القوي الذي يصدِّق حتى بدون أن يرى، كما قال لتوما: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا» (يوحنا 20: 29).
وجّه المسيح كلماته ليعالج حالة موجودة في قانا الجليل، لأنه لا كرامة لنبي في وطنه، وكان يريدهم أن يؤمنوا به لا على أنه ابن النجار، أو على أن إخوته جميعاً عندهم، لكن لأنه هو الذي أتى من السماء. هذا كان إيمان اللص التائب الذي قال: «ٱذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» (لوقا 23: 42). فقد رأى المصلوب رباً صاحب ملكوت، مع أن العين البشرية لا ترى فيه إلا زميلاً معلَّقاً على صليب! رأى اللص التائب ما لا يُرى! وكافأه المسيح مكافأة الإيمان الذي يهب الحياة الأبدية.
2 - رجال خادم الملك
استقبلوا الأب العائد بالخبر المُفرح الذي عرفوا ساعته وظروفه، ورأوه ونقلوه إليه. لم ينشئوا هم الخبر المُفرح، لكنهم فقط نقلوه. «أمس في الساعة السابعة تركته الحمى». الساعة السابعة أي الواحدة بعد الظهر، بعد شروق الشمس بسبع ساعات حسب التوقيت اليهودي. ففهم الأب أنه في تلك الساعة التي قال له فيها يسوع: «إن ابنك حيّ».
نحن المؤمنين نراقب كثيراً عمل الله بيننا، فنرى معجزات التغيير في حياة الناس، ونرى معجزات شفاءٍ يجريها الرب على خلاف ما يتوقع البشر، ونرى عناية إلهية عظيمة تعمل أعمالاً رائعة فوق الخيال يجريها «وَٱلْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ ٱلْقُّوَةِ ٱلَّتِي تَعْمَلُ فِينَا» (أفسس 3: 20).
نحن لم ننشىء المعجزة لكننا رأيناها. فلنذهب نخبر كم صنع الرب بنا ورحمنا!
ثالثاً - المسيح والمعجزة | ||
-
نرى حنان المسيح الكامل على الأب الذي يقدم الطلب، وعلى الابن المريض الموجود بعيداً في كفرناحوم. كان إيمان الأب ضعيفاً. ونحن لا نلومه، فلو كنا مكانه لربما قلنا ما هو أسوأ من ذلك! قال: «يا سيد انزل قبل أن يموت ابني». هذا إيمان بسيط ضعيف. كأنه يقول له: «لو تأخرت، لا فائدة». هذا إيمان محدود، ومع ذلك لم يطفئه المسيح، الذي لا يطفئ فتيلة مدخنة ولا يقصف قصبة مرضوضة (إشعياء 42: 3 ومتى12: 20).
قال القديس يوحنا فم الذهب في إحدى عظاته: «لماذا ذهب المسيح إلى بيت قائد المئة ولم يذهب إلى بيت ابن خادم الملك؟» ثم أجاب على السؤال بقوله: «كان قائد المئة صاحب إيمان عظيم، أما خادم الملك فقد كان ضعيف الإيمان. وأراد المسيح أن يقوي إيمان الرجل فشفى ابنه من على بُعد، ليؤكد له أنه صاحب السلطان القادر على كل شيء».
يتعامل المسيح معنا بطرق مختلفة تتوقف على حالتنا وظروفنا ومقدار إيماننا. ولا نستطيع أن نقول له: لماذا فعلت هذا مع شخص ما ولم تفعله معي بذات الطريقة؟ لأن للرب طرقاً كثيرة يتعامل بها مع كل واحد منا حسب ظروفه وأحواله. بل إنه يتعامل معك أنت بأنواع وطرقٍ مختلفة.
-
ثم نرى قوة المسيح: قال الأب: «ابني مشرفٌ على الموت. انزل قبل أن يموت ابني». وقال المسيح: «ابنك حي» فكانت كلمة المسيح مختلفة تماماً عن الواقع المنظور! لكن كلمته تحمل سلطانه، وهذا هو معنى لقب المسيح «الكلمة» لأنه يحمل كل سلطان الرب. ولذلك قال المسيح: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا 14: 9).
«اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 1: 18). عندنا الكلمة المكتوبة في الإنجيل المقدس، وفيها سلطان الله في تخليص النفوس بعمل الروح القدس. وعندنا الكلمة الحي، الرب يسوع المسيح المخلِّص الحي. والمخلِّص وكلمته يعملان وسطنا.
وفعلت كلمة المسيح: «ابنك حي» معجزتين على الأقل: المعجزة الأولى أنها شفت ضعف إيمان رجل البلاط الملكي، والثانية أنها شفت ضعف جسد الابن المريض على فراشه! فكلمة المسيح لا تنشئ معجزة واحدة لكنها تنشئ معجزات. وكل معجزة نراها هي في واقع الأمر مجموعة معجزات. وكلما تأملناها أكثر وأكثر وجدناها تتفاعل مع قلوبنا لتقوّي إيماننا وتزيده، وتشفي مرضنا وتزيله.
المسيح صاحب السلطان بالرغم من بُعد المسافة. على بُعد ثلاثين كيلومتراً، وفي نفس اللحظة، في الساعة الواحدة بعد الظهر، نال الابن المريض شفاءه.
-
وأخيراً نرى حكمة المسيح: طلب الأب من المسيح شفاء ابنه بطريقة محدَّدة، فشفاه المسيح بطريقة تختلف. كانت الطلبة: «انزِلْ قبل أن يموت ابني». ولم ينزل المسيح إلى كفرناحوم، ولكن من قانا شفى الابن، ليعلمنا درساً عظيماً، لنخضع لحكمته، ونقول له: «لتكن لا إرادتي بل إرادتك، لأن إرادتك هي الصالحة المرْضيّة الكاملة. ولو أعطيتني طلبي كما أطلبه، أكون أنا الخاسر. ولكن لو أعطيتني طلبي كما تريد أنت، سيكون المكسب كله لي أنا!».
دعونا نتعلم كيف نضع ثقتنا في حنان المسيح وفي قوته وفي حكمته.
صلاة
أبانا السماوي، أَجْر في حياتنا معجزة تشفينا من كل مرض: من مرض الخطية بالغفران، ومن مرض القلق بالاطمئنان، ومن مرض التسرُّع بانتظار الرب.
أعطنا صحة روحية، وليكن جسدنا هيكلاً للروح القدس على الدوام. باسم المسيح. آمين.
أسئلة
-
اذكر فرقين بين معجزة تحويل الماء خمراً وهذه المعجزة.
-
لماذا لم يذكر الإنجيل الأم في قصة شفاء الابن المريض؟
-
ما هي مسئوليتنا نحو كبار العمر في عائلتنا؟
-
كيف بدأ إيمان رجل البلاط الملكي، وكيف زاد، وكيف كمل؟
-
لم يطفئ المسيح إيمان رجل البلاط بل نوَّره - كيف؟
-
لماذا ذهب المسيح لبيت قائد المئة ولم يذهب لبيت رجل البلاط؟
-
شفى المسيح الابن المريض بطريقة تختلف عن الطريقة التي طلبها أبوه - ماذا تتعلم من ذلك؟
المعجزة الثالثة صيد السمك الكثير | ||
|
1 وَإِذْ كَانَ ٱلْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ، كَانَ وَاقِفاً عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ. 2 فَرَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ ٱلْبُحَيْرَةِ، وَٱلصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا وَغَسَلُوا ٱلشِّبَاكَ. 3 فَدَخَلَ إِحْدَى ٱلسَّفِينَتَيْنِ ٱلَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ ٱلْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ مِنَ ٱلسَّفِينَةِ. 4 وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ٱبْعُدْ إِلَى ٱلْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ». 5 فَأَجَابَ سِمْعَانُ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا ٱللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئاً. وَلٰكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي ٱلشَّبَكَةَ». 6 وَلَمَّا فَعَلُوا ذٰلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً، فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ. 7 فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ ٱلأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ. فَأَتَوْا وَمَلأُوا ٱلسَّفِينَتَيْنِ حَتَّى أَخَذَتَا فِي ٱلْغَرَقِ. 8 فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذٰلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: «ٱخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ». 9 إِذِ ٱعْتَرَتْهُ وَجمِيعَ ٱلَّذِينَ مَعَهُ دَهْشَةٌ عَلَى صَيْدِ ٱلسَّمَكِ ٱلَّذِي أَخَذُوهُ. 10 وَكَذٰلِكَ أَيْضاً يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ٱبْنَا زَبْدِي ٱللَّذَانِ كَانَا شَرِيكَيْ سِمْعَانَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: «لاَ تَخَفْ! مِنَ ٱلآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ ٱلنَّاسَ!» 11 وَلَمَّا جَاءُوا بِٱلسَّفِينَتَيْنِ إِلَى ٱلْبَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ (لوقا 5: 1-11). |
(وردت هذه المعجزة أيضاً في متى 4: 18-22 ومرقس 1: 16-20).
أجرى المسيح معجزته الأولى في حفل عرس، وأجرى الثانية بالقرب من ظل الموت، وأجرى الثالثة على شاطىء بحيرة جنيسارت، ومعنى اسمها قيثارة أو أميرة الحدائق، لأن شكلها كالقيثارة، ولأن حولها تسع مدن عامرة ذات حدائق مثمرة، فهي مكان ابتهاج وفرح.
وقد أُطلق أيضاً على هذه البحيرة اسم «بحر الجليل» أو «بحيرة طبرية». ويبلغ طولها عشرون كيلومتراً وعرضها ثلاثة عشر كيلومتراً، وعمقها 230 متراً تحت سطح البحر. ولذلك فهي استوائية المناخ، يتقلب الجو العاصف عليها بكثرة وبدون سابق انذار.
أجرى المسيح كثيراً من معجزاته حول هذه البحيرة، وهو ينتقل من شاطئ الى آخر. أسكن رياحها، وأعطى تلاميذه منها صيداً وفيراً. من على تلك البحيرة وقف في سفينة صغيرة يعظ الجمهور الذي تجمّع على شاطئها، فكافأ بطرسَ صاحبَ السفينة بأن أعطاه سمكاً كثيراً. لقد بدأت تعاملات المسيح مع بطرس بمعجزة صيد السمك الكثير هنا، وانتهت تعاملاته معه أثناء وجوده على الأرض بمعجزة صيد سمك (يوحنا 21) عندما كلَّفه أن يرعى غنمه. نركز في هذه المعجزة على شخصين: بطرس المحتاج للمعجزة، والمسيح الذي أجرى المعجزة.
أولاً - المحتاج والمعجزة | ||
1 - المحتاج وممتلكاته:
كان بطرس يملك سفينة واقفة على الشاطئ، وقد خرج الصيادون منها يغسلون شباكهم، بعد أن صرفوا الليل كله ولم يأخذوا شيئاً. هذا حال اليأس والتعب.
وأُعطيت السفينة للمسيح ليجعل منها منبراً وعظ الجمهور منه. قال أحد المفسرين: «كان صياد النفوس على البحر في السفينة، وكانت النفوس التي يصيدها واقفة على الأرض، على شاطىء البحيرة. والواعظ السماوي يلقي شبكة الإنجيل ليجمع بها النفوس إلى ملكوته من الموت إلى الحياة». ويمكن أن نرى لسان الحال في كلمات بطرس عن السفينة المقدَّمة للمسيح: «كلمتك التي تلقيها من السفينة ومن خارج السفينة تهب الحياة الأبدية».
سفينة خالية أُعطيت للمسيح فإذا بها عامرة بالسمك، حتى أن الشِّباك صارت تتخرّق، فطلب الصيادون من سفينة أخرى أن تقترب منهم لمساعدتهم، فأتوا وملأوا السفينتين حتى أخذتا في الغرق! سفينة خالية تُعطى للمسيح تصبح ممتلئة بأكثر مما توقع بطرس. أليست هذه حالتنا كلنا؟ عندما تخلو أيدينا، نفتحها للمسيح فتمتلئ. ليتنا نقدم ما عندنا له، لا لأنه يحتاج إليه، لكن ليباركه. عندما نفشل في شيء نسلمه للرب. عندما تفشل الصحة، سلِّم الجسد للرب ليكون هيكلاً للروح القدس. عندما يفشل العمل سلمه للرب ليباركه لأنه يصبح عمله. كانت نسبة الأسهم في سفينة بطرس مئة بالمئة لبطرس. ولما سلّمها للمسيح، وأصبحت الأسهم كلها للمسيح، أصبح بطرس شريكاً ناجحاً للمسيح. إن كانت الأسهم كلها لنا فلن نُوفَّق. فإن أعطيناها كلها للمسيح سيباركنا ونصبح شركاءه في نجاحه. فلنقدم أجسادنا له ذبيحة حية مقدسة مرضية، لتصبح صحيحة مباركة عامرة بملء الروح القدس (رومية 12: 1).
2 - المحتاج وإيمانه
-
بدأ بطرس حياته مع المسيح بأن صار تابعاً له، عندما قال له أخوه أندراوس: «قد وجدنا مسيّا» فانضمّ بطرس إلى جماعة المسيح. لكنه استمر يقيم في بيته ويزاول مهنة صيد السمك.
وحدث معه اختبار جديد جعل منه تلميذاً للمسيح، يوم قال له: «ابعُد قليلاً عن البَرّ». وجلس يسوع في سفينة بطرس يعلّم الجموع من السفينة. ثم قال له: «لا تخف! من الآن تكون تصطاد الناس». فترك كل شيء وتبعه. كان تابعاً ثم صار تلميذاً للمسيح كل الوقت، وترك كل شيء ليتبعه. ثم تقدَّم بطرس في الإيمان أكثر، فأصبح رسولاً للمسيح.
-
بدأ بطرس مسيرته الإيمانية في ذهول ودهشة من هذه المعجزة، حتى قال: «اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ». ولكنه تقدم في الإيمان بعد ذلك، فقال: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلامُ ٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ» (يوحنا 6: 68). بدأ خائفاً من المسيح وقداسته، فقال المسيح له: «لا تخف مني ومن قداستي. سأغسلك وأنقّي قلبك». فتعلَّم الدرس وقال: «لا تخرج من سفينتي. ابْقَ معي». لقد حدث تطوّر ونموّ في حياة بطرس الروحية، فقال: «أريد أن أكون أنا وسفينتي في خدمتك. ابْقَ في سفينتي لأني محتاج الى تقديسك اليومي وإنعاشك الروحي». لقد حدث تقدم عظيم في السفينة وصاحب السفينة، لأن السفينة وصاحبها صارا مُلكاً للمسيح.
-
اندهش بطرس اندهاشاً كبيراً من صيد السمك، واعترته وجميع الذين معه دهشة على صيد السمك الذي أخذوه. ونحن نحتاج إلى الانبهار والتعجّب من المسيح، فنكون دائماً منبهرين من تعاملاته معنا، ونقف دوماً على أطراف أقدامنا لنشكر في كل حين على كل شيء. دعونا نتعلم من بطرس أن ننبهر أمام الله دائماً، وأن تجيئنا كل عطية منه باندهاش جديد، فتكون حياتنا مع الله دائماً لامعة، براقة، متألّقة، تنفتح عيوننا بالدهشة لأن إلهنا يمدّ يده إلينا بالبركة «وَيُتَعَجَّبَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (2تسالونيكي 1: 10).
-
ثم بعد هذه الدهشة يجيء التكليف الإلهي: «لا تخف! من الآن تكون صياد الناس». فكل من يتعرَّف على المسيح تعرُّفاً عميقاً يحصل على ترقية: من صياد سمك إلى صياد ناس. هناك ترقية للنباتات. عندما يأكل الحيوان نباتاً يرتقي النبات إلى المملكة الحيوانية. وعندما يأكل الإنسان حيواناً يرتقي الحيوان إلى المملكة الإنسانية، لأنه يصبح خلايا جسد إنسان. وعندما نسلّم نفوسنا لله ونعطي إلهنا حق امتلاكنا نقول: «فَأَحْيَا لا أَنَا بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غلاطية 2: 20) ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بطرس 1: 4). دعونا نعطي نفوسنا بالكامل لله، ونسلّم كل ما عندنا له ليكون سلطانه كاملاً علينا لننتقل من المملكة الإنسانية إلى المملكة الإلهية التي يريد المسيح أن يُدخلنا إليها.
ومن الترقيات التي يريد المسيح أن يرفعنا إليها الترقية من مجرد «كاسب رزق» إلى «محقِّقٍ لمشيئة الله». هناك أبناء يشتكون لأن آباءهم مشغولون عنهم بتحصيل المال للإنفاق عليهم! وهناك زوجات يشتكين من أزواجهن لأنهم يتركون البيت في الصباح الباكر ولا يعودون إلا في المساء المتأخر، آكلين خبز الأتعاب (مزمور 127: 3). ويريد الله أن يجعل منهم أناس الله القديسين، إذ يختارون النصيب الصالح الذي لا يُنزع منهم (لوقا 10: 42). وهذا النصيب الصالح لا يعزلهم عن العالم، ولا يفشلهم، بل يجعل كل شيء يُزاد لهم (متى 6: 33).
-
ثم تمَّ تكريس بطرس لما ترك كل شيء وتبع المسيح. ربما يطالبك الله بقضاء وقت أكثر في التعبّد، أو لتفكر أكثر و أعمق في إنسانٍ يحتاج إلى الخلاص لتكلّمه، وأنت مشغول هنا وهناك. إن أردت أن تُشبع حياتك كن تابعاً أميناً للمسيح.
ثانياً - المسيح والمعجزة | ||
1 - أول ما نرى المسيح في معجزة صيد السمك هذه نراه الجذاب:
كان الجمع يزدحم عليه يسمع منه كلمة الله. هناك جاذبية خاصة في المسيح. من أمتع سنوات حياتي تلك التي صرفتها أجهّز «سيرة المسيح» للإذاعة. كانت الصُّحبة بالغة الرَّوعة، لا زالت تطبع آثارها على قلبي. عندما يجذبك المسيح تتأمل فيه «وتزدحم حوله». هذه جاذبية المسيح التي لا تتوقف أبداً فقد قال: «وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ» (يوحنا 12: 32). على أن المغناطيس الذي يجذب المعدن لا يجذب الحجر، فاطلب من الله أن يُجري تغييراً داخلك، يزيل منك ما يعطل انجذابك إليه، حتى «تزدحم حوله».
2 - ونرى في هذه المعجزة المسيح المحتاج:
احتاج إلى سفينة بطرس، وجلس فيها يعلم الناس. واحتاج لخبرة صيّاد يُبعد السفينة إلى داخل البحيرة. لقد كان قادراً أن يخلق سفينة، وأن يأمر موجة تُبعدها عن البر، ولكنه أراد أن يكرم بطرس ويباركه. عندما يطلب الرب منا شيئاً لا يطلبه لأنه عاجز عن صنعه، ولكن لأنه يريد أن يُشركنا في خدمته. فلنكن أذكياء بالدرجة التي تجعلنا نقول: «سأعطي للرب سفينة حياتي، ولو كانت فارغة، ليُعيدها إليَّ ممتلئة، فتستريح النفس المتعَبة، ويرتوي القلب الظامئ».
3 - المسيح صاحب السلطان
-
صاحب السلطان على بطرس، يقول له: «أبعد السفينة عن الشاطئ. اُبعُد إلى العمق». ثم يقول له: «ألق الشباك». فأطاع. في المسيح قوة وجاذبية. لو سمعت صوته ستجد أنك تريد أن تطيعه، ليس فقط لأن ذلك في صالحك، وإنما لأن هناك سلطاناً في كلمة المسيح، فكلمة الله حيّة وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين (عبرانيين 4: 13). دعونا نقرأ الكلمة، وسنرى سلطانها على حياتنا.
-
سلطان المسيح على السمك: لم يكن هناك سمك في المكان الذي كانوا يصيدون فيه. ثم أن الصيد يتمّ بالليل. لكن على أمر المسيح تجمَّع السمك.
لم يكن نجاح بطرس في الصيد بسبب الظروف المواتية، لكن بسبب طاعته لكلمة المسيح صاحب السلطان. وأنت تنجح لا بسبب الظروف مهما كانت مواتية، لكن بسبب البركة التي يعطيها لك. أرجوك أن تتجاوب مع ما يقوله المسيح لك، فالبركة دوماً على رأس المطيع. أمر الله إيليا أن يذهب عند نهر كريت، وقال: «أَمَرْتُ ٱلْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ» (1ملوك 17: 4). كلمة «هناك» هي المفتاح. لا حيث تريد أنت، لكن حيث يريد هو.
4 - نرى في المعجزة محبة المسيح:
-
شجع المسيح بطرس بقوله: «لا تخف. من الآن تكون تصطاد الناس». كان بطرس مندهشاً من صيد السمك، خائفاً من خطيته. وتجيئه كلمة المحبة المُشجّعة: «لا تخف. سأنقّي قلبك، سأُرقِّي مكانتك». تجيئنا هذه الكلمة باستمرار ونحن نواجه امتحاناً، أو مقابلةً لوظيفة، أو قبل إجراء عملية جراحية، أو ونحن سنصبح أبوين لأول مرة، أو ونحن نُدخِل أولادنا المدرسة لأول مرة، أو ونحن نصحبهم ليتزوجوا ويهجروا عُش بيتنا، أو ونحن نوشك على التقاعد وترك الوظيفة. كم نحتاج إلى هذه الكلمة! في كل اختبار لم يسبق أن دخلناه من قبل، نسمع صوت الحب يهمس في آذاننا: «لا تخف.. من الآن».
-
و «من الآن» تقدم برهاناً آخر على محبة المسيح. هناك توقيت إلهي. فلماذا لم يقل المسيح لبطرس عندما كلَّمه اندراوس: «من الآن تكون تصطاد الناس»؟ الجواب: لأنه كان يجهز بطرس للَّحظة المناسبة.
-
وبيَّن المسيح محبته لبطرس عندما دعاه لخدمة محددة، هي صيد الناس، فارتفعت قيمته في نظر نفسه، وفي نظر المجتمع والأسرة، وفي ملكوت السماوات.
-
ثم بيَّن المسيح محبته لبطرس بإعطائه السمك الكثير:
هل استئجار سفينة لساعات قليلة يستحق المكافأة المادية الضخمة التي نالها بطرس؟ لو استأجر المسيح السفينة التي وعظ منها لَدَفَع في المقابل ديناراً واحداً، لكنه ملأ سفينة بطرس بالسمك، وحفظ الشباك من التخرُّق. وحفظ السفينتين من الغرق. يا للمكافأة! إن كأس ماء بارد باسمه لا يمكن أن يضيع أجره (متى 10: 42). هل أحسست بالندم على خيرٍ فعلته فلم تجد جزاءً ولا شكوراً؟ لا تندم، لأنك من الرب تنال الجزاء، فالمسيح هو الذي يكافىء.
-
ثم نتأمل المسيح الذي يرى المستقبل:
قال المسيح: «يشبه ملكوت السموات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع. فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ، وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية. وأما الأردياء فطرحوها خارجاً. هكذا يكون في انقضاء العالم» (متى 13: 47-49). نرى في هذه المعجزة مثلاً ونبوَّة: الصيادون هم الرسل حاملو كلمة الله في كل عصر. السفينة هي الكنيسة، والشبكة هي الإنجيل، والبحر هو العالم، والشاطىء هو الأبدية. الفرق الوحيد أن الصيادين يصيدون السمك ليموت، وخدام المسيح يصيدون الناس ليعيشوا. وذات يومٍ تُسحَب الشبكة وفيها الجيد والرديء، فليست الكنيسة متحفاً للقديسين، لكنها مستشفى للخطاة. ويُعزل الأردياء، وتؤخذ الجياد للملكوت.
فإلى أي فريق تنتمي؟ هل قدمت نفسك وسفينتك وعائلتك للمسيح؟
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من كل قلوبنا لأنك تحبّنا وتفكر في احتياجنا حتى من قبل أن نعرفه! وتمنحه لنا حتى من قبل أن نطلبه! وعندما تعطي تهب بسخاء ولا تعيّر.
أعطنا دائماً أن نجد الطريق الصحيح إليك، فنسلّم نفوسنا لك، ونُخضِع إرادتنا لمشيئتك، فنشبع بالبركة، ونمتلئ بالنعمة، وننال من لدنك نعمةً فوق نعمة. باسم المسيح. آمين.
أسئلة
-
اكتب وصفاً لبحيرة جنيسارت.
-
ماذا يحدث عندما نسلّم نفوسنا للمسيح؟
-
ماذا يحدث عندما نسلّم ما عندنا للمسيح؟
-
اذكر تطوُّراً حدث في إيمان بطرس.
-
ماذا كان تكليف المسيح لبطرس؟ وما هو تكليفه لك أنت؟
-
لماذ استعار المسيح سفينة بطرس، ولم يخلق سفينة؟
-
ماذا كانت مكافأة المسيح لبطرس؟
المعجزة الرابعة شفاء حماة بطرس | ||
|
14 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، 15 فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا ٱلْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ (متى 8: 14 و15). |
(وردت هذه المعجزة أيضاً في مرقس 1: 29 ولوقا 4: 38).
أجرى المسيح معجزته الأولى أمام عدد كبير من الناس، في بيت مزدحم بالضيوف، أثناء حفل عرس.
وأجرى معجزته الثانية لشفاء ابن رجل البلاط الملكي من بعيد، فقد كان في قانا بينما كان المريض في كفر ناحوم.
أما هذه المعجزة وهي شفاء حماة بطرس فقد أجراها المسيح وهو واقف إلى جوار فراشها، في بيتٍ في كفرناحوم، أمام عدد قليل من الأهل والأصدقاء.
في يوم سبت في مدينة كفرناحوم على شاطئ بحيرة جنيسارت، بعد الخدمة الدينية في المجمع، وبعد انتهاء المسيح من إلقاء عظته، عاد إلى بيت بطرس حيث كان يُقيم. كان التلميذ يملك بيتاً، ولم يكن للمعلم أين يُسند رأسه، لكنه صاحب السلطان في السماء وعلى الأرض! وعندما قدم بطرس لمعلمه البيت ليقيم فيه أكرمه المسيح بإجراء معجزة الشفاء في بيته. أعطى بطرس سفينته للمسيح ليعظ منها، فملأ السفينة بالسمك. ولما أعطاه بيته محلَّ ضيافةٍ، أكرمه بأن أبهج بيته بمعجزة الشفاء. كانت حماة بطرس مريضة بحمى شديدة، فأمسك المسيح بيدها وأقامها فنالت الشفاء في الحال، وقامت لتخدم أهل البيت. ويقول البشير متى: «لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي: هو أخذ أتعابنا وحمل أمراضنا» (إشعياء 53: 4). وهي نبوّة جاءت قبل ميلاد المسيح بأكثر من سبعمائة سنة وتحقّقت في بيت بطرس، كما يمكن أن تتحقق في بيت كل واحد منا.
أولاً - المحتاجة والمعجزة | ||
-
كانت حماة بطرس طريحة الفراش عاجزة عن أن تشكو للمسيح. كان بدنها مصاباً بحمى يصفها الطبيب لوقا بأنها «حمى شديدة». لا بد أن بدنها الهزيل كان يرتعش، وربما ظنت أنها ليست بالأهمية التي تجعلها تطلب منه أن يشفيها. وكثيرون من المسنّين يحسبون أنفسهم غير مهمين، لكن ليس هناك شخص غير مهم في نظر الرب. الطفل الصغير مهم حتى لو طرد تلاميذ المسيح أبويه وهما يحملانه إلى المسيح، فيقول المسيح لتلاميذه: «دَعُوا ٱلأَوْلادَ يَأْتُونَ إِلَيَّ»(متى 19: 14). ولا يجب أن أيّ كبيرٍ في العمر يظن أنه ليس مهماً، لأن المسيح يمدّه بالبركة والنعمة، فهو إلى الشَّيبة يحمل (إشعياء 46: 4).
كانت هناك ثلاثة أنواع معروفة من الحمى، أولها ما كانوا يسمّونه «الحمى المالطية». وهي تصيب بالضعف والأنيميا التي تستمر شهوراً، تنتهي بالموت. وهناك ما يشبه حمى التيفود كما نعرفها اليوم، وهناك حمى الملاريا التي ينقلها البعوض الذي يتوالد في المنطقة التي يلتقي فيها الأردن ببحر الجليل... كانت الحمى بأنواعها متفشية في كفرناحوم وطبرية.
-
هذه الحمى الشديدة جعلت السيدة عاجزة عن أن تتكلم، فتكلموا بدلاً عنها. هناك من يحتاجون إلى المسيح دون أن يدركوا هذا الاحتياج. وطلبهم متوافر عند المسيح، لكن أحداً لم يدلّهم عليه. وهذه مسئولية المسيحيين. ولعلنا غير حسّاسين لاحتياجات مجتمعنا، فما أكثر الذين يسألوننا عن إيماننا ونحن نتهرّب من الإجابة، إما لأننا لم نتعوّد أن نجاوب، أو لأننا لا نعرف كيف نجاوب. لكن أولاً وأخيراً يجب أن تكون بداخلنا الحساسية للمجتمع المحيط بنا، لنكون مستعدين لنجاوب الذي يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا (1بطرس 3: 15). لا أظن موظفاً مسيحياً يعمل في مكتبه لم يسأله جاره: «لماذا تصرَّفت هذا التصرُّف الصالح رغم سوء المعاملة؟». وأغلب الظن أن السائل لا يسمع إجابة شافية من المسيحي. وإن سمع، فربما سمع إجابةً سطحية لا تروي الغليل!
-
لمس المسيح يد هذه السيدة فقامت وخدمت. فما هي يا ترى تلك الخدمة التي قدمتها حماة بطرس؟ لم تكن خدمة عظيمة مشهورة كخدمة مريم أخت هارون التي كانت قائدة ترنيم (خروج 15: 20). ولم تخدم خدمة كدبورة قاضية إسرائيل، فهي لم تتلقَّ تدريباً ولا دعوة إلهية لتكون قاضية لشعبها (قضاة 4: 4). ولست أظن أنها قدمت خدمةً كخدمة راعوث، ولا حنة أم صموئيل، ولا أستير الملكة. وعدد المشاهير قليل. لكن هناك عدداً كبيراً من المؤمنين العاديين الذين يقدمون خدمات عادية، هامة ولازمة، ولو أنها غير مشهورة. إن الرب يسجل في الإنجيل خدمة حماة بطرس التي ساعدت في المطبخ أو في تنظيف البيت، أو غسل أطباق الطعام بعد أن أكل الضيوف. هذا شيء بسيط يكرمه الإنجيل لأن عملنا اليومي مقدس. السيدة التي تجهز طعاماً لأهل بيتها، أو تغيِّر ملابس طفلها وتقدم له المحبة المسيحية، تقدم خدمة مقدسة كخدمة قسيس الكنيسة وهو يعظ، أو وهو يقدم للشعب العشاء الرباني. فكل هذه الأعمال هامٌّ ولازم، لأنه يعلن للعالم محبة الله التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطَى لنا (رومية 5: 5). يذكر سفر الأعمال غزالة التي كانت تصنع أقمصة للفقراء (أعمال 9: 36-42) كما يذكر مريم أم يوحنا مرقس التي قدمت بيتها ليكون كنيسة (أعمال 12: 12). ويذكر الرسول يوحنا في رسالته الثانية «كيرية» المختارة التي كانت خدمتها أنها ربَّت أولادها. هناك خدمات كثيرة بسيطة قد لا يقدّرها الناس، وقد ينظر إليها أصحابها على أنها أبسط من أن تُذكر، لكن النعمة الإلهية تذكرها لأنها تريدنا أن نقدِّر أنفسنا، وأن نقدّر غيرنا من المؤمنين. وفوق الكل ندرك أن السماء تقدّر الخدمة التي نقوم بها، مهما كانت بسيطة ما دام الدافع عليها هو المحبة للمسيح والإخلاص له.
وهناك خدمات كثيرة يمكن أن نقوم بها، كخدمة البيت، وتربية الأولاد، وخدمة المرضى والعجائز والذين في وحدة. قُلْ كلمة تشجيع نيابةً عن المسيح. وجّه ابتسامةً باسم المسيح.
(اقرأ متى 25: 34-40)
كانت حماة بطرس عظيمة في أنها استخدمت صحتها المُستردَّة لخدمة المسيح.
كتب الشاعر الأيرلندي «اوسكار وايلد» (مات سنة 1900) قصة قصيرة وصفها هو بأنها أجمل قصة قصيرة في العالم. قال فيها: «ذهب المسيح من الوادي الأبيض إلى المدينة الرمادية اللون، ورأى سكيراً مضطجعاً في أول شارع. سأله: لماذا تُهلك حياتك في السُّكر؟» فأجابه: «كنتُ أبرص فشفيتَني، ولما أرجعتَ إليَّ الصحة لم أجد ما أفعله!» ثم قال «أوسكار وايلد»: «إن المسيح ذهب إلى شارع آخر في ذات المدينة، ورأى شاباً يسير وراء زانية، فسأله: «لماذا تُهلك حياتك في الدَّنس؟» أجابه: «كنت أعمى ففتحت عينيَّ، فماذا عساي أن أستعمل عينيَّ في غير ما أفعله الآن؟». ثم رأى المسيح رجلاً عجوزاً جالساً على الأرض يبكي، فسأله: «ماذا تفعل ولماذا تبكي؟» أجابه: «لقد أقمتني من الموت، فماذا عساي أفعل غير البكاء؟».
أعتقد أن هذه القصة المؤلمة تذكِّرنا بكثيرين ممن يأخذون بركات الله ويسيئون استخدامها. وكم نشكر الله لأن حماة بطرس لم تكن من هؤلاء!
ثانياً - المشاهدون والمعجزة | ||
1 - بطرس
كان بطرس قد صار تلميذاً للمسيح، وكان يملك بيتاً. قدَّم أولاً نفسه للمسيح، ثم قدَّم سفينته، ثم قدم بيته له. وما أسعد الإنسان الذي تصبح حياته كلها ملكاً للمسيح، لأن المسيح عندها يجعلها حياةً أفضل، ويضمنها، ويصبح هو غاية تلك الحياة. سعيدٌ هو الإنسان الذي يسلّم نفسه للرب تسليماً كاملاً بغير قيد ولا شرط، لأن الرب وقتها يصبح مسئولاً عن حياة الإنسان كلها، فيتحمل عنّا مسئولية نعجز نحن عن حملها، ويتولى زمام الأمور، حاملاً همومنا، غافراً خطايانا، منعماً علينا بالحياة الأبدية.
على أن الرب سمح للمرض أن يدخل بيت بطرس. ولحكمةٍ عنده يسمح بمرض أجسادنا، أو بتعب نفوسنا. في حكمته الإلهية يسمح بأشياء مؤلمة، لأنه يريد أن يصوغ حياتنا بطريقة معيّنة لا بد أن يكون الألم جزءاً من صياغتها! هذا أكبر مما نستطيع أن ندركه أو نفسّره، لكن بعد أن تمرّ الأزمة نكتشف أنها كانت أهم ما شكّل حياتنا لتكون حسب المشيئة الإلهية. ومع أن المرض غير مرغوب فيه، إلا أنه عندما يدخل البيت يُنتج تعاطفاً بين أفراده. ربما نسي أبٌ أن يُصلّي في زحمة عمله، لكن ابنه المريض يجعله ينحني رغم زحمة الحياة مصلياً. الأب الذي يصرف كل وقته لكسب المال، عندما يمرض ولده يصرف كل المال الذي كسبه ليستعيد ابنه الصحة. ويوقظ المرض الإنسان ليُدرك أنه ليس بالخبز وبالمال وحدهما يحيا الإنسان، لكن بكلمة الرب.
ويُخرج المرض الصفات الصالحة الكامنة فينا، فكثيراً ما تكون بداخلنا صفات طيبة، لكن القلق والانشغال والسعي وراء الرزق والاهتمام بالمشاكل اليومية يُلقي الغبار عليها. ويجيء المرض ليزيح هذا الغبار، فيُخرج الطيّب الكامن فينا، وعندها ندرك أن الله هو الذي أودع فينا هذا الصالح، الذي يجب أن ينمِّيه هو بعمل الروح القدس، لما نسمح نحن له أن يفعل ذلك فينا.
ترابطت عائلة بطرس معاً واتّحدت في مواجهة المرض، لأن حماة بطرس المريضة كانت محتاجة لعناية. ليس المرض شراً كله. إنه ليس صالحاً، لكنه يُنتج خيراً كثيراً. ولو أننا أدركنا أن كل ما نمرُّ به هو بترتيب سماوي، لاستطعنا أن نقول: «قُولُوا لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ» (إشعياء 3: 10). «كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللّٰهَ» (رومية 8: 28). هذا هو بطرس تلميذ المسيح الذي قدم نفسه وسفينته وبيته للرب، ولكن الرب سمح للمرض أن يدخل إلى بيته، ليُبارك نفس بطرس أكثر، وليباركنا نحن أيضاً ونحن نتأمل ما جرى مع بطرس.
2 - المؤمنون أصدقاء بطرس
تقول القصة كما رواها مرقس: «وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا»(مرقس 1: 30) لأنهم أدركوا محبته وقوته. لو كان مُحباً بغير قدرة لما استطاع أن يشفي. ولو كان قادراً بغير محبة، لما اهتم بأن يشفي. لكن لأنه قادر ومحب، كانت قدرته دوماً في خدمة محبته. ولذلك ذهبوا إليه و «أخبروه عنها».
الألم والمرض يجعلاننا نخبر المسيح عن حالتنا. أحياناً نعزو نجاحنا إلى أنفسنا. لكن إلى من نذهب بتعبنا؟ قد نفتخر عندما نظن أن شمسنا نحن قد أشرقت، ونعزو نجاحنا لأنفسنا. لكن عندما نفشل ونتعب نسمع القول الكريم: «وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مزمور 50: 15).
ثالثاً - المسيح والمعجزة | ||
1 - تواضع المسيح:
في بيت الصياد الفقير حيث تفيح رائحة السمك، وحيث لا مشاهدون، وأمام جسد مريضة يرتعش بالحمى، أجرى المعجزة. عادةً نحب أن يرانا الناس ونحن نعمل عملاً عظيماً، ولكن المسيح يضع كل اهتمامه في المحتاج، لأنه لم يأت ليُخدَم، بل ليخدِم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين (مرقس 10: 45).
وقد كلّفه إجراء المعجزة مجهوداً. كانت قوة تخرج منه لتشفي. وكان مستعداً أن يمنح بركات القوة لحماة بطرس، فليس هناك شخص يسمّيه المسيح بسيطاً أو صغيراً فلا يهتم به.

