من هو يسوع؟ |
- من هو يسوع
- لماذا أتى الله في الجسد للإنسان؟
- فمن كان المسيح إذاً؟
- خُلُق المسيح وادعاءاته المحقّة
- لماذا أتى يسوع إلى الأرض؟
- المسيح في التاريخ
- المسيح الفريد
- يسوع المعلم والرب
- ملخص سيرة يسوع أو من هو يسوع؟
- مسابقة كتاب من هو يسوع؟
من هو يسوع | ||
غالباً ما يُسأل هذا السؤال وعلى كل إنسان أن يقرّر بنفسه ما هو الجواب الصحيح، وقد سُئل هذا السؤال من قِبل يسوع: «ماذا تظنون في المسيح. ابن من هو؟» (متى 22: 42). ومرة أخرى سأل: «من يقول الناس إنّي أنا ابن الإنسان؟» (متى 16: 13).
تلك أسئلة هامة جداً، وللحصول على الإجابات فإننا نطرح غيرها من الأسئلة: هل كان حقيقة قدوساً؟ هل هو ابن الله؟ هل وُلد من عذراء؟ ماذا كان قصده من مجيئه إلى الأرض؟ هل قام من الأموات؟ دعونا أولاً نتأمل حقيقة ميلاده:
من هو أبوه؟ | ||
إنَّ القصة مدوَّنة في الإنجيل حسب البشير لوقا الذي كان طبيباً، وهي قصة بسيطة جداً. «وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيّتها المنعم عليها. الرب معك. مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنّك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً. فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لوقا 1: 26-35).
إنَّ القصة المدونة في القرآن تشابه في أوجُهٍ كثيرة القصة الموجودة في الإنجيل. كلتاهما تتفقان على أنَّ يوسف لم يكن أبا يسوع وأنَّه لم يكن شخصاً عادياً مثلنا من أبٍ أرضي. ويخبرنا الكتاب المقدس أنَّ الروح القدس يظلل مريم ويحلّ عليها. والطفل القدوس المولود منها يدعى ابن الله. يذكر القرآن أنَّ روح الله اتخذ شكل إنسان كامل وكان هذا سبباً في حملها طفلاً. وهذا يعني أنَّ روح الله هو أبو يسوع وهذا ما يجعله بالحقيقة ابن الله. وحيث أنَّه ابن الله، يجب أن يشبه أباه في بعض صفاته. وبهذه الأسئلة نتقدّم إلى طريقة أطول للإجابة على السؤال الهام:
من هو يسوع؟ | ||
نقرأ في إشعياء 7: 14: «ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمّانوئيل». ويخبرنا متى في إنجيله أنَّ هذا قد تمَّ في ميلاد المسيح: «وكان هذا كله لكي يتمّ ما قيل من قبل الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (متى 1: 22-23).
يقول البعض إنَّ كلمة «عذراء» ليست مهمة وهي تعني فقط فتاة شابة. ولكنك عندما تقرأ القصة بانتباه تستطيع أن ترى أنها نقطة هامة جداً. هذا هو السبب في أنَّ يوسف البار أراد تخليتها سراً. لم يرد أن يجعل منها مثلاً عاماً. حتى ظهر له ملاك الرب في حلم وأخبره ماذا حدث. «فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع» (متى 1: 24-25). إنَّ هذا كافٍ ليبرهن الحقيقة، أنَّ يسوع المسيح هو ابن الله.
إن لم يكن يسوع ابن الله، إذن ابن من هو؟ إنَّ أولئك الذين ينكرون باستمرار ولادة يسوع من العذراء، عليهم أن يعطوا جواباً لهذا السؤال، هل كان ابن يوسف؟ إنَّ الكتاب المقدس ينفي هذا، وكذلك القرآن، ولا يوجد دليل من أي مصدر يؤكد ويثبت ذلك. هل كان ابن إنسان آخر؟ مرة أخرى ينفي الكتاب المقدس والقرآن ذلك.
ومن غير الممكن أن يكون عظيماً وابن العلي إذا كان ابن يوسف أو ابن إنسان آخر. لقد دعا نفسه ابن الله. وكان يشير في كثير من الأحيان إلى نفسه بذلك.
إننا جميعاً ندعى أبناء الله، إذ نحن سلالة آدم الذي خُلق من قِبل الله فدُعي ابن الله من حيث الخلق كما جاء في سلسلة نسب سلالة يسوع (لوقا 3: 38) ونحن كذلك أولاد الله باستعمال هذا التعبير روحياً.
ولكنَّ يسوع هو ابن الله بطريقة مختلفة تماماً. كان آدم ابن الله بمعجزة الخليقة وصُنع إنساناً كاملاً. لم يكن له وجود من قبل فأصبح بعدئذ روحاً حيّة. نحن أبناء الله بالسلالة أو بولادتنا ثانية روحياً. ولكنَّ يسوع هو الابن الوحيد لله. هو إنسان وإله. كانت مريم أمه إنساناً مثلنا والله هو أبوه. وبكونه ابن مريم فإنه أشار إلى نفسه كابن الإنسان، هو الشخص الوحيد الذي جاء إلى العالم من عذراء دون مشيئة رجلٍ بعكس كافة البشر.
ولهذا كانت ولادة يسوع معجزة حية لم تحصل من قبل ولا بعد. ومن ناحية أخرى كان يسوع مختلفاً بصفته ابن الله عن آدم حيث أنّه وجد كإله وكان مع الله قبل ميلاده. في الإشارة إلى المسيح قال يوحنا كاتب الإنجيل: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان... والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً» (يوحنا 1: 1- 3 و14).
قال يسوع: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8: 58) وبكونه جسدياً من قبل، يقول الرسول بولس: «الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس» (فيلبي 2: 6- 7). ولهذا السبب أشار الله في صيغة الجمع في تكوين 1: 26: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا»، لم يكن وحده بل كان معه المسيح وروح الله (تكوين 1: 2).
أصبح الله جسداً في ميلاد المسيح: «وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد...» (1 تيموثاوس 3: 16) اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (متى 1: 23). ندرك عظمة يسوع عندما نفهم أنّه أكثر من إنسان وأنَّه بالحقيقة ابن الله.
شهادات تدل على أنَّ يسوع هو ابن الله | ||
إننا عادة نتقبّل شهادة ما إذا وُجد شاهدان أو ثلاثة يوثق بهم لكي يشهدوا على حقيقتها. ولحقيقة كون يسوع ابن الله يوجد شهود كثيرون. دعونا نلاحظ بعض شهاداتهم:
لدينا شهادة ملاك الله الذي أعلن لمريم عن مجيء يسوع: «هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى» (لوقا 1: 32).
فأجاب الملاك وقال لها: «الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلي تظللك فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لوقا 1: 35).
لقد شهد الله بذاته لهذه الحقيقة عندما تعمَّد يسوع في نهر الأردن وصعد من الماء: «وصوت من السَّموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى 3: 17).
ومرة أخرى عندما تجلّى يسوع أمام بطرس ويعقوب ويوحنا وأبدى بطرس رغبته في أن يصنع ثلاث مظال، واحدة لكل منهم: «وفيما هو يتكلّم إذا سحابة نيّرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا» (متى 17: 5).
أجاب بطرس الرسول على سؤال الرب الذي كان شاهداً لقيامة المسيح من بين الأموات، قائلاً: «أنت هو المسيح ابن الله الحي» (متى 16: 16).
كان بولس وهو رسول آخر من رسل الله شاهداً على قيامة المسيح من بين الأموات عندما قال: «وتعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» (رومية 1: 4).
قدَّم يوحنا المعمدان شهادته ليس من معرفة شخصية ولكن بما بيّنه الله له: «وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمِّد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس وأنا قد رأيت وشهدت أنَّ هذا هو ابن الله» (يوحنا 1: 33-34).
كان يوحنا الرسول كبقية الرسل شاهداً وهذه كانت إحدى صفات الاثني عشر: «الذي كان من البدء الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة» (1يوحنا 1: 1). «ونحن قد نظرنا ونشهد أنَّ الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم» (1يوحنا 4: 14).
وليس من الضروري أن نضيف على هذه الشهادات باقتباسنا مما كتبه أو قاله بقية الرسل. لكنَّ البعض يدّعون أنَّ أصدقاءه وأتباعه حتماً يوافقون مع المسيح على أنّه ابن الله، ولكننا نستطيع أن نرى أيضاً أنَّ عدد أعداء يسوع الذين يؤكدون هذه الحقيقة يزيدون على عدد الشهود.
بعدما حُكم على يسوع بالموت وسُمِّر على الصليب أقنعت الأشياء الغريبة التي حدثت، أولئك الذين ساعدوا في تنفيذ الحكم عليه بالموت بأنّه ابن الله: «وكذلك قائد المئة والذين كانوا معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا حقاً كان هذا ابن الله» (متى 27: 54).
إنَّ الأرواح النجسة شهدت أيضاً أنَّه ابن الله: «ولما جاء إلى العبر استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جداً حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق. وإذا هما قد صرخا قائلَين ما لنا ولك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذّبنا؟» (متى 8: 28-29). ومرة أخرى: «الأرواح النجسة حينما نظرته خرَّت له وصرخت قائلة إنك أنت ابن الله» (مرقس 3: 11).
كذلك لم يكن أي شك في عقل الشيطان عندما حضر بنفسه أمام المسيح ليجرّبه بأنّه ابن الله: «إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً» (متى 4: 3). لقد عرف من كان المسيح. وهذا كان سبب التجربة.
بالإضافة إلى تلك الشهادات فقد استطعنا أن نقتبس من كثير من الذين قبلوا بركات المعجزات من يديه.
فالأعمى الذي شُفي وعرف من شفاه قال: «لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً» (يوحنا 9: 33). «فقال أومن يا سيد وسجد له» (يوحنا 9: 38).
إنه من الصعب جداً إقناع أيّ واحد من الكثيرين الذين شفوا من قبل المسيح خلال فترة حياته أنّه ليس ابن الله.
يعترف معظم الناس بالحق خوفاً من العذاب والعقاب، وأحياناً يعترفون بأشياء ليست صادقة ليتجنَّبوا العقاب الأكبر. كان هذا ذات السؤال الذي طُرح على المسيح قبل صلبه: «وأما يسوع فكان ساكتاً. فأجاب رئيس الكهنة وقال له: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ قال له يسوع: أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء. فمزَّق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً قد جدَّف. ما حاجتنا بعد إلى شهود. ها قد سمعتم تجديفه. ماذا ترون، فأجابوا وقالوا إنّه مستوجب الموت» (متى 26: 63-66).
إنَّ يسوع علم تماماً نتيجة كلامه، لقد أخبر بعض تلاميذه ماذا سيحدث، ولقد وقف ثابتاً في قوله إنَّه كان ابن الله وحتى لو كلّفه حياته.
نادراً ما يموت إنسان من أجل كذبة أو يقاسي أحدٌ آلاماً كآلام الصلب من أجل شيء لم يكن حقيقياً.
هل استطعنا أن نرى قوة إدانته في هذا الوقت المؤلم؟ ربما سيقتنع معظمنا في من كان يسوع، وكاللص الذي شهد أيضاً وقال له: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك» (لوقا 23: 42). أو مثل الجنود القائلين: «حقيقة إنّه ابن الله».
كثيرون يشكّون في هذه الحقيقة العظيمة. كثير من الناس اليوم يشبهون توما أحد رسله، كان من الصعب عليه أن يصدّق أنَّ يسوع قام من بين الأموات لأنّه كان غائباً عندما ظهر يسوع لرسله الأحد عشر في اليوم الأول، ولم يقبل شهادة الآخرين الذين رأوه بأعينهم، فقال: «إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن» (يوحنا 20: 25). وعندما دخل يسوع، والأبواب مغلقة، بعد أسبوع من قيامته وظهر لرسله ومعهم توما، قال توما: «ربي وإلهي» (يوحنا 20: 28). سوف لا نجد مثل هذه الفرصة للشهادة ولكن يجب أن نقبل شهادة الآخرين ونقبل الإيمان أنَّ يسوع المقام هو ابن الله.
لماذا أتى الله في الجسد للإنسان؟ | ||
يمكن أن يُفسّر تجسّد الله بوضوح في المثل المُعطى من قبل المسيح نفسه: «إنسان غرس كرماً وسلَّمه إلى كرامين وسافر زماناً طويلاً. وفي الوقت أرسل إلى الكرامين عبداً لكي يعطوه من ثمر الكرم. فجلده الكرامون وأرسلوه فارغاً. فعاد وأرسل عبداً آخر، فجلدوا ذلك أيضاً وأهانوه وأرسلوه فارغاً. ثم عاد فأرسل ثالثاً. فجرَّحوا هذا أيضاً وأخرجوه. فقال صاحب الكرم: ماذا أفعل؟ أُرسل ابني الحبيب. لعلَّهم إذا رأوه يهابون... فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه» (لوقا 20: 9-15).
يمثل هذا المثل جهود الله في جمع ثمار البر من الإنسان. لقد أرسل الأنبياء قدامه ولم ينجحوا في إرجاع الناس إليه. وأخيراً أرسل ابنه يسوع المسيح. لماذا؟ لأنه أراد أن يخلّص العالم وأن يحوّل العالم عن الخطية. ومقدار هذا الحب يظهر في مجيء المسيح.
«لأنّه هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 16).
لا شيء يقدر أن يخبرنا عن عظم محبته لنا مثل بذله ابنه الوحيد لأجلنا. «فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بارٍّ. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت. ولكنَّ الله بيَّن محبته لنا لأنَّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رومية 5: 7 و8).
بهذا نستطيع أن نعلم كم أحبَّنا الله وكم كان راضياً أن يفعل هذا من أجلنا لكي يعيدنا إليه.
كان الله دائماً يطلب ذبيحة من أجل الخطية، وكانت الحيوانات تُقدَّم في بداية الأزمنة ككفارة لخطايا الإنسان. في العهد القديم كانت الذبيحة حملاً بلا عيب. ولكنَّ هذه الذبائح لم تكن كاملة. والذبيحة الوحيدة الكاملة والتي قُدّمت مرة واحدة وإلى الأبد وللجميع هو الذبيح يسوع ابن الله، وهي تحرّر الإنسان من الخطية إذا آمن بالمسيح وقبل تعاليمه.
هل تؤمن أنَّ يسوع المسيح هو ابن الله؟ إنَّ خلاصك الأبدي يعتمد على هذا الإيمان.
لم يضع صلب المسيح نهاية له، بل أنهى فقط وجوده الجسدي وعاد إلى وجوده الممجد الذي كان فيه قبل ميلاده.
كانت صلاة يسوع قبل صلبه إلى الله: «والآن مجّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» (يوحنا 17: 5). أصبح هذا المجد مرة ثانية له عندما قام من بين الأموات وصعد إلى أبيه، والآن هو: «جالس عن يمين الله» (كولوسي 3: 1). ولأنّه ابن الله فهو ربنا ومخلصنا. ألا تقبل ذلك بالإيمان؟
يسوع المسيح محور المسيحية | ||
ليست المسيحية مجموعة من القواعد أو نظاماً عقائدياً بصورة رئيسية، وذلك خلافاً لمفهوم معظم الناس عن الدين. لكنها تتمثل بالحري في أن يعرف الإنسان يسوع المسيح ومن ثم يحبه ويطيعه. فهو بالذات محور المسيحية.
فمن كان المسيح إذاً؟ | ||
صرخ بعضهم بحماس: «إنّه مجنون يدّعي بأنّه الله». وعلّق آخرون بعد تفكير عميق: «إنّه نبي ينبغي أن نتبع تعاليمه». وربما كان تخمين بعض الحالمين يقول: «إنّه فيلسوف يسدي النصح العملي بشأن طريقة للحياة سوف تُحدث ثورة في العالم».
فمن هو؟ ومع أنّ الاقتباسات الثلاثة هذه مأخوذة عن أشخاص غير مؤمنين، لكنَّ كلماتهم تُظهر كيف لقي المسيح الإعجاب، باعتباره المثال المُصغّر للصلاح الإنساني، من قبل أشخاص كثيرين لم يقبلوا مطالبه السامية.
كتب المؤرخ البارز و. أ. ه. ليكي: لم يكن خُلق يسوع أسمى مثال للفضيلة فحسب، بل كان أيضاً أقوى حافز على ممارستها. لقد كان تأثيره عميقاً جداً بحيث يمكن القول بصدق إنّ السجلّ البسيط الذي تضمّن وقائع ثلاث سنين قصيرة من حياته النشيطة، قد نجح في تجديد وترويض الجنس البشري، أكثر مما نجحت فيه جميع مقالات الفلاسفة وعظات الأخلاقيين.
كتب الفيلسوف جون ستيوارت ميل: نلاحظ في حياة يسوع وأقواله طابعاً من الأصالة الشخصية يقترن بعمق البصيرة، وهذا ما يضع نبي الناصرة، حتى بحسب تقدير أولئك الذين لا يؤمنون بوحيه، في أسمى مرتبة بين الرجال الذين بلغوا أوج العبقرية والذين يفتخر بهم جنسنا. وعندما تقترن هذه العبقرية المتفوقة بصفات أعظم مصلح أخلاقي على الأرجح، عاش على هذه الأرض واستشهد في سبيل بعثته، فلا يمكن أن يقال بأنّ الدين أخطأ باختيار هذا الإنسان ليكون ممثل الإنسانية النموذجي ومرشدها. ولن يكون من السهل الآن حتى على شخص غير مؤمن أن يجد ترجمة أفضل لقانون الفضيلة، تنقله من المجرد إلى المحسوس، من الترجمة التي تتمثل في الجهد الذي نبذله كي نحيا حياة ترضي المسيح.
كتب روسو: «لقد مات سقراط بسلام وهو يتفلسف محاطاً بأصدقائه. وتبدو تلك أفضل ميتة سائغة يتمناها المرء. أما يسوع فقد لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يعاني الآلام المبرحة، بينما انهال عليه أبناء أمّته بالشتم والإهانة والاتهامات. وهذه أرهب ميتة يخافها الإنسان. صحيح أنّ سقراط حين تناول كأس السم، بارك الجلاد الباكي الذي قدَّمها له، ولكن يسوع، وهو في وسط عذاباته الشديدة، صلّى لأجل معذبيه العديمي الرحمة. وإذا كانت حياة سقراط وموته يضعانه بحق في مصاف الحكماء، فإنّ حياة يسوع وموته يؤكدان أنّه كان إلهاً».
فمن هو المسيح؟ | ||
يجيب المسيحي فوراً: هو الله - الله الذي صار إنساناً.
وجواب الكتاب المقدس فهو كما يلي: «الذي (المسيح يسوع) إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنّه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنّ يسوع المسيح هو ربٌّ لمجد الله الآب» (فيلبي 2: 6- 11).
فيسوع المسيح هو الله الكائن منذ الأزل. إلا أنّه بتاريخ معيّن اتّخذ جسداً بشرياً ووُلد من مريم العذراء بقدرة الله. وعاش حياة خالية من الخطيئة، انتهت فجأة عندما صلبه أعداؤه. وبعد دفنه بثلاثة أيام عاد إلى الحياة ثانية. وبعد أربعين يوماً أُصعد إلى السماء.
هذه هي الأحداث الأساسية في حياة المسيح. فهل تنسجم مع الوقائع التاريخية؟ لا ينفرد الكتاب المقدس في الشهادة على أنّ يسوع عاش فعلاً، ومات بيد بيلاطس البنطي، بل تشهد على ذلك أيضاً المصادر العلمانية.
قال يوسيفوس المؤرخ غير المسيحي، ما يلي: «وفي ذلك الحين عاش يسوع، الرجل الحكيم، هذا إن جازت تسميته إنساناً. لأنه كان صانع عجائب، ومعلماً لرجال يكفي أن يُقال عنهم أنهم يتقبلون الحق بسرور. وكيف لا يكون كذلك وهو المسيح الموعود. وعندما حكم عليه بيلاطس بالصلب، بناءً على اقتراح رؤسائنا، لم يتركه الذين أحبّوه منذ البداية لأنّه ظهر لهم حياً من جديد في اليوم الثالث. وذلك وفق ما أنبأ به أنبياء الله إلى جانب آلاف الحوادث العجيبة المتعلقة به. وما زالت قبيلة المسيحيين المسمّاة باسمه باقية حتى الآن».
وهناك مؤرخ آخر من أعاظم المؤرخين اللاتينيين، واسمه تاسيتوس، عاش في المطلع الأول من القرن الثاني. وقال في سياق حديثه حول الإشاعات القائلة بأنّ نيرون كان مسؤولاً عن الحريق الكبير الذي خرّب روما عام 64 ب م، ما يلي:
«لا لن تفلح كل النجدات البشرية وكل السخاءات التي يمكن أن يغدقها الأمير، وكل الكفارات المقدمة إلى الآلهة، لن تفلح كلها في تخليص نيرون من العار الذي لحق به من جرّاء الاعتقاد بأنّه هو الذي دبّر الحريق الهائل. ومن َثمّ عمد نيرون، بغية كبت الإشاعة، فوجّه الاتهام الكاذب ونفّذ أقصى أشكال التعذيب في أولئك المعروفين باسم المسيحيين الذين كانوا موضع كراهية بسبب أعمالهم الشائنة. وقد دُعوا كذلك نسبة إلى المسيح الذي نُفّذ فيه حكم الموت كمجرم من قبل بيلاطس البنطي، حاكم اليهودية في أيام طيباريوس. ولكن الخرافة الخبيثة، التي كُبحت بعض الوقت، برزت من جديد. ليس في اليهودية حيث نشأ هذا الأمر المزعج فحسب، بل في مدينة روما أيضاً». وكتب بليني، مراسل الامبراطور تراجان، عن المسيحيين ما يلي:
«مهما يكن من أمر فقد أقرّوا بأنّ كل ذنبهم أو خطئهم هو أنهم كانوا يجتمعون بصورة دورية في يوم محدّد قبل الفجر ويرنّمون ترانيم معيّنة للمسيح، بصفته إلهاً، كما أنهم التزموا بموجب قسم جليل بأن يمتنعوا عن القيام بأي عمل شرير وأن لا يرتكبوا أي شكل من أشكال الخداع أو السرقة أو الزنى، وأن لا يحرّفوا كلامهم وأن لا ينكروا أمانة إذا طُلب منهم تسليمها...».
وتحدّث لوسيان الكاتب الهجّاء الذي عاش في القرن الثاني فوصف المسيح بما معناه: «..... الرجل الذي صُلب في فلسطين لأنّه أدخل هذه الديانة الجديدة إلى العالم.... وأنّ أول مشرّع للمسيحيين علّمهم بأنهم جميعاً أخوة بعد أن أثموا جميعاً مرة. وأقنعهم بإنكار الآلهة اليونانية وبعبادة ذلك الفيلسوف المصلوب وبالعيش بحسب تعاليمه».
وكتب المؤرخ تالوس حوالي عام 52 م، أي بعد مرور بضع سنوات على موت يسوع، واقتبس عنه يوليوس أفريكانوس، وهو كاتب مسيحي عاش في مطلع القرن الثالث. وتحدّث عن الظلمة الغامضة التي حدثت في منتصف النهار إبّان صلب يسوع فقال: «لقد حاول تالوس في الكتاب الثالث من مؤلفاته التاريخية أن يفسر هذه الظلمة باعتبارها ناجمة عن كسوف الشمس - لكنّ هذا التعليل يبدو لي غير معقول». إذاً فقصة الصلب، كما يبدو، كانت معروفة في روما لدى غير المسيحيين وذلك بعد مرور بضع سنوات على الحادث.
كتب سويتونيوس في كتابه «حياة كلوديوس» حوالي 100 م: ولما كان اليهود يُحْدثون الاضطرابات بصورة مستمرة بناء على تحريض المسيح فقد أمر كلوديوس بطردهم من روما.
وتصف وجهة النظر المسيحيّة نفس الحدث فتقول: «وبعد هذا مضى بولس... فوجد يهودياً اسمه أكيلا بُنطيَّ الجنس كان قد جاء حديثاً من إيطاليا وبرسكيلا امرأته. لأنّ كلوديوس كان قد أمر أن يمضي جميع اليهود من رومية» (أعمال 18: 1 و2).
وهكذا نجد أنّ المؤرخين العلمانيين، المعادين للمسيحيّة، يقيمون الدليل على أنّ حياة يسوع المسيح وتنفيذ حكم الموت فيه حقيقة لا مراء فيها.
خُلُق المسيح وادعاءاته المحقّة | ||
لقد أظهر المسيح ذاته بأنّه سيد كل موقف وسيد نفسه. ورغم أنّه كان موضع الاحتقار والسخرية والتعذيب لكنه لم يتفوّه أبداً بكلمة بغض أو انتقام. وخلال محاكمته تعجّب الحاكم من رباطة الجأش التي واجه بها غضب الجماهير وصيحاتهم واتهاماتهم وحتى تهديدهم له بالموت. لقد كان مثالاً لضبط النفس رغم أنّه لم يحي حياة النساك.
إنّما أبرز صفة من صفات يسوع هي حياته المقدسة، تلك الحياة التي كانت خالية من أية خطيئة. وقد ادّعى بأنّ كل ما فعله حاز مسرّة أبيه. ورداً على أعدائه الذين كانوا يسعون إلى تشويه سمعته، سألهم متحدياً: «من منكم يبكّتني على خطيئة؟» (يوحنا 8: 46). وخلال محاكمته حاول أعداؤه عبثاً أن يوجّهوا إليه أية تهمة، لكن الحاكم قال أخيراً: «لست أجد فيه علة» (لوقا 23: 4). عاش تلاميذه بصحبته ثلاث سنوات ورأوا رد فعله تجاه مختلف الأشخاص في ظروف متنوعة. ومع ذلك فإنّ هؤلاء التلاميذ، الذين تعلموا منذ طفولتهم حقيقة شمولية الخطيئة، أكدوا بصورة متكررة أنّ المسيح لم يفعل أية خطيئة.
فأيّ إنسان استطاع أن يحيا بدون خطيئة؟ حتى أعظم القادة الدينيين أقروا بأن حياتهم لم تكن كاملة. ونستنتج من خبرات القديسين العادية أنّه كلما زاد اقتراب القديس من الله، ازداد إدراكه لخطاياه في ضوء قداسة الله.
لقد جسّد المسيح، كإنسان، الفضيلة بأسمى درجاتها. فمع أنّه ادّعى ادّعاءات مذهلة، لكنه لم يفعل ذلك بروح متبجحة. اتسمت حياته بتواضع لا يُصدّق. تكلم بسلطة مطلقة وبثقة لا مجال للشك فيها. ومع ذلك فقد امتلك قدراً كبيراً من التواضع جعله يغسل أرجل أتباعه ويدعو نفسه خادمهم. كان اقتناعه باستقامة موقفه قوياً إلى حد أنّه طرد الذين كانوا يهينون مكان العبادة، ولكن حنانه قاده إلى أخذ الأطفال بين ذراعيه. كانت محبته العظيمة خالية من النزعة العاطفية بسبب التوازن بين قداسة حياته وبين رحمته تجاه البشر الذين كانوا بطبيعتهم أقل قداسة منه. وكانت غيرته خالية من التعصب.
لم يدّعِ يسوع بأنّ حياته مقدسة فحسب بل ادّعى أيضاً بأنّ له القدرة على مغفرة الخطايا - وهو امتياز مقصور على الله وحده. وقد أوضح ذلك ذات يوم في بيت صغير مكتظ بالناس كانوا يصغون بكل جوارحهم إلى المعلم العظيم، وكان بين الحشد قادة دينيون ومحامون وعمال. وبينما كان الجميع يجهدون أنفسهم ليسمعوا كلمات هذا الإنسان غير العادي، أزاح أربعة من الرجال بعض قطع الأجر من السقف ودلوا رجلاً مشلولاً إلى أن وصل قبالة يسوع. ولما رأى الإيمان الذي أظهره هؤلاء الرجال نظر إلى الرجل المريض وقال: «مغفورة لك خطاياك» (لوقا 5: 20).
أدرك يسوع الأفكار التي تدور في أذهان مشاهديه. مَن هذا؟ من يستطيع أن يغفر خطايا إلا الله؟ فجادلهم يسوع قائلاً: ماذا تفكرون في قلوبكم. أيّما أيسر أن يقال (للمفلوج) مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وامش؟ ولكن لكي تعلموا أنّ لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا. التفت إلى المريض وقال: «لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك. ففي الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضطجعاً عليه ومضى إلى بيته وهو يمجّد الله» (لوقا 5: 21-25). وبهذه الأمثولة المثيرة الفعالة أكد يسوع بصورة جازمة سلطته على الخطيئة.
ولم يكن هذا الادّعاء هو الوحيد، بل ادّعى يسوع أيضاً أنه يملك قوات لا يملكها إلا الله وحده. فقد ادّعى أن بوسعه أن يمنح الحياة حين قال: «لأنه كما أنّ الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء» (يوحنا 5: 21). وقال في مناسبة أخرى: «أنا هو خبز الحياة» (يوحنا 6: 35)، و «أنا هو القيامة والحياة... من آمن بي وإن مات فسيحيا» (يوحنا 11: 25).
وأعلن يسوع بأنّه سيدين العالم: «لأنّ الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن. لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب... من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة» (يوحنا 5: 22-24).
أجاب يسوع: «هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله» (يوحنا 6: 29). وقال في مناسبة أخرى إنّ روح الله سوف يقنع العالم بمعنى الخطيئة والصلاح الحقيقي والدينونة وسوف يفضح جريمة البشر لأنهم لا يؤمنون بي (العدد المشابه في يوحنا 16: 8).
فمن هو الإنسان الذي يستطيع أن يطالب لنفسه بهذه الادّعاءات؟
كتب سي.إس.لويس: إنني أحاول هنا أن أمنع أي إنسان من أن يقول عن المسيح الكلام الذي كثيراً ما يقوله الناس عنه. ولكنه بالحقيقة ليس سوى كلام أحمق: إنني مستعد أن أقبل يسوع كمعلم أخلاقي عظيم، ولكنني لست أقبل ادّعاءه بأنّه الله. فهذا القول لا يجوز لنا أن نقوله أبداً. لو قال إنسان، مجرد إنسان، الأشياء التي قالها يسوع لكان رئيس أبالسة الجحيم. وعليك أن تختار، فإما أن يكون هذا الإنسان ابن الله، أو أنّه كان مجنوناً أو أشر من ذلك. بوسعك أن تحكم عليه بأنّه مجنون وتستطيع أن تبصق عليه باعتباره شيطاناً، أو تستطيع أن تخر عند قدميه وتدعوه ربي وإلهي. ولكن دعنا من أي مظهر أجوف من مظاهر المناصرة له بوصفه معلماً إنسانياً عظيماً.
هل كان كذاباً متعمّداً؟ لم يقترح هذه الفكرة حتى أشد الباحثين مناهضة للمسيحية. إنّ نقاوة سيرة يسوع والإخلاص الواضح في تعاليمه وكرهه الشديد للرياء يكذب مثل هذه التهمة. كما أنّ المستوى الرفيع للحياة الذي أخذه عنه أتباعه يحول دون وجود هذه الإمكانية.
هل كان مضطرب العقل؟ هنا أيضاً نجد بعضاً من أعظم الباحثين ثقافة ونقداً على مر العصور يقدمون الإجلال للمسيح باعتباره المثل الأسمى للحياة الفاضلة. وليس في حياته ما يبرر أقل تبرير تهمة كهذه.
فهل كان فعلاً، كما ادّعى، الله نفسه، مخلص البشر وسيدهم الشرعي؟
لماذا الإيمان بيسوع؟ | ||
أومن بيسوع الذي يدعى المسيح لأنه هو الله، الكل وفي الكل القادر على كل شيء.
كثيرون في هذا العالم قد ألّهوا معلمين وفلاسفة وكثيرون قد عبدوا أباطرة وملوكاً، لكن هؤلاء الأباطرة والمعلّمين والملوك والفلاسفة قد جاءوا إلى هذا العالم ورحلوا إلى الأبدية في طريق لا يعودون منها كأي إنسان آخر. فقد مروا في فترة معينة من التاريخ، والأكثرون منهم طواهم النسيان في ملفه الكبير وسمّكت الأيام طبقة كثيفة من الغبار عليهم وعلى عابديهم حتى أنّ المتعمّق في التاريخ فقط يعرف بعض الأسماء التي ظن الناس يوماً بأنّ أصحابها آلهة ستخلد أسماؤهم ما دام هناك أناس وما دامت هناك أيام.
مرت الأيام وتعاقبت السنون فاندثر معبودو البشر والذين ألّهوهم، وجعلت منهم الأجيال نسياً منسياً.
إنّ أكثر أفراد الأمم الذين مروا فوق سطح هذه الغبراء قد عبدوا الأصنام صُنع أيدي الناس، وسجدوا إلى عمل أيديهم وخروا على وجوههم أمام حجارة نحتوها لا قوة لها سوى صلابة صوانها، بقاياها في هذه الأيام تشهد على عدم نفعها وبطلان عبادتها، وهي دلالة واضحة على عجزها إذ: «لها أفواه ولا تتكلم. لها أعين ولا تبصر. لها آذان ولا تسمع. لها مناخر ولا تشم. لها أيدٍ ولا تلمس. لها أرجل ولا تمشي. ولا تنطق بحناجرها. مثلها يكون صانعوها بل كل من يتكل عليها» (مزمور 115: 5-8).
ورغم الفن الساحر الخلاب المسكوب فيها، فلا تزال هذه الأصنام سخافة وعبادتها بطلاناً سافراً.
أمّا يسوع فهو خالق السماء وسيّد الأرض كلها وكلما شاء صنع. هو:
جابل الإنسان ونافخ الروح فيه...
مبدع الرجل ومكوّن ابن آدم على صورته وشبهه ومثاله...
إنّ ولادة يسوع بينة واضحة وشهادة علنية على أنّه غافر الخطايا... على أنّه الله. «اسمه يسوع لأنّه يُخلّص شعبه من خطاياهم» (متى 1: 21). «ويكون عظيماً وابن العلي يدعى، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية» (لوقا 1: 32-33). ومع أنّه ولد في مذود وضيع في ناحية مجهولة من العالم إلا أنّ ذلك المكان قد أصبح محج أجيال كل الأمم. لم ترتّل له جوقة الشرف ولم يولد في قصر عظيم ولم تُحط به باقات الورد، ذلك ليؤكد للعالم بأنّ المظاهر التي يتباهى بها الناس ويكون لها فيهم أثر عميق، لا تهم الله ولا تحرك فيه ساكناً إذ أنّه الوحيد الذي ينظر إلى القلب وإلى الدافع الذي يحرك الإنسان.ولأنّه عرف بأنّ الخطية تسكن في الإنسان، جاء لكي يطردها ويسكن في قلب كل من يقبله تائباً عن خطيته متجاوباً مع دعوته العظمى.
إنّه الإله الحي الذي تغلّب على الموت ملك الأهوال وقد كان الأموات يطيعون صوته، وكأني بهم كانوا في قيلولة، في نوم خفيف، وهبّوا وقوفاً عند سماع صوته.
فمن تغلّب على قبر لعازر؟ ومن حوّل بلدة نايين من مناحة إلى مهرجان عرس؟ ومن أرجع الفرحة والسعادة إلى بيت يايرس...
إلا يسوع وحده!! | ||
لقد ثبت عبر هذه الحوادث بأنّه معطي الحياة لبني البشر. ومن هو معطي الحياة إلا الله وحده؟ هو الذي نفخ في الإنسان نسمة حياة، وهو الذي يستطيع أن يأخذ الحياة وقد برهن بأنّه وحده، ووحده فقط ولا غير، يستطيع أن يرجع الحياة للإنسان. وما حياتنا على هذه الأرض إلا ظاهرة لسلطانه المطلق، وما هذه العمليات التي أنجزها إلا إعلاناً صارخاً بأننا «به وحده نحيا ونتحرك ونوجد» (أعمال 17: 28)، وبأنّه وحده الذي «يعطي الجميع حياة ونفساً وكل شيء» (أعمال 17: 25).
لقد برهن لبني البشر بأنّه هو وحده الإله الحق إذ تمكن من أن ينجز إتمام ما لم يخطر على بال بشر أنّه بالإمكان إنجازه، واستطاع أن يتمم ما كان الناس يخافون من أن يقتربوا منه: فمن استطاع بلمسة أن يطهر الأبرص النجس؟ ومن قدر أن ينتهر الأرواح الشريرة ويخرجها من الإنسان؟ ومن استطاع أن يخرس البحار، ويجعل من عجيج الأمواج هدوء أرض السكوت؟ ومن استطاع أن يهدّىء العاصفة ويبكم زئيرها؟ إلا يسوع وحده!!
ومما ورد يتثبت لنا أنّ ما قاله كان الحق كله وخاصة حين صرّح قائلاً: «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14: 6).
لم يكن حقاً ... بل الحق المطلق
لم يكن طريقاً ... بل الطريق الوحيد
لم يكن إلهاً ... بل الله نفسه
إنّ يسوع هذا الذي يدعى المسيح هو الله لأنّه كلمة الله - الكلمة التي عبّر بها الله عن ذاته وعن شخصيته وعن محبته... محبته كلها، ومن هو الكلمة؟ أليس الله نفسه؟ - من هو فلان؟ أهو الجسد الذي يسير في الطريق ويقف أمامي ويقوم بالعمل الفلاني؟ كيف أتعرف على شخصية فلان؟ هل أتعرف على الشخصية والذات بالنظر إلى الجسد؟ هل عندما أسأل عن شخصية رجل أقول هو طويل، جميل الطلعة، عريض المنكبين، الخ؟ هل وصف الإنسان الخارجي يعطي تعبيراً صادقاً عن شخصية الإنسان وذاته ونوعيته؟ كلا- لماذا؟ لأنه كم من شاب جميل الطلعة وعريض المنكبين ومفتول العضلات يكون ذا شخصية ضعيفة ومعنويات منحطة ونفسية تعبة! وكم من شاب جميل الطلعة بحاجة إلى مستشفى للأمراض العقلية! وإن كانت الشخصية بالجمال والقوة فلماذا ننسى بأنّ الجمال ذاهب والحداثة والشباب باطلان ولن يدوما؟
عندما أرسل الله صموئيل النبي ليمسح ملكاً على شعبه، ذهب إلى البيت المعيّن وطلب الابن الأكبر. نظر صموئيل وإذا بالرجل الواقف أمامه طويل القامة جميل الطلعة وجذاب، فظن أنّ الله قد أختار هذا الإنسان ليكون ملكاً، لكنّ كلمة الله له كانت: لا، ليس هذا. وقد رفض الله ذلك الإنسان لأنّه أراد شخصية من نوعية أخرى، وهو يعرف النوعيات إذ أنّه: «فاحص القلوب ومختبر الكلى» (إرميا 17: 10)، يعرف الشخصيات رأساً وليس له حاجة لأن ينظر إلى الظواهر الخارجية والمرئيات، ولكن إن كنا نحن نريد أن نتعرف على شخصية فلان وذاته، على نوعيته، فعلينا أن نتحدث معه ونعيش معه، لأنّ شخصية فلان تتجلى في كلماته وفي أفعاله وانفعالاته. فالشخص يظهر بأنّه رصين وعاقل وحكيم وفهيم من طريقة حديثه وتفاعله مع من يحادثه، وبالأعمال التي يقوم بإنجازها - بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نتعرف على شخصية أي إنسان - إن كان متزناً رصيناً حكيماً ذكياً جدياً ... أو العكس.
ويسوع نفسه أراد من تلاميذه ومن البشر أن يصدقوه بأنّه هو الإله الحي القادر على كل شيء، لذلك صرّح قائلاً: «صدّقوني أني في الآب والآب فيّ» (يوحنا 14: 11). واستدرك إذ علم بأن هناك أشخاصاً كثيرين يصرحون تصاريح اعتباطية نتيجة لكبرياء جارف أو زلقة لسان أو جهل أو نتيجة لخلل في العقل، وتابع قوله مؤكداً: «وإلا فصدقوني لسبب الأعمال» (يوحنا 14: 11).
فالمتكبر أو الجاهل أو الغبي أو المختل لا يستطيع أن يسند القول بعمل تأكيدي فيقيم موتى أو يشفي مرضى أو يقوم بالأعمال التي صنعها يسوع مثبتاً القول بالعمل، لذلك شدد على هذه النقطة عالماً أنّ الذين يتكلم معهم كانوا يراقبون تحركاته وسكناته كلها عن كثب فقال: «إنّي قلت لكم ولستم تؤمنون، الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي» (يوحنا 10: 25).
لم يكن الرب يسوع، بحاجة إلى أعمال لكي تشهد له لأنّ كلامه كان كلاماً واعياً، ولكن لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يميّز تمييزاً مطلقاً بين الكلام الواعي والكلام اللاواعي، كان على يسوع أن يجعل كلامه ينعكس في أفعال واعية وأعمال تثبيتية شهادية، لكي يفهم ويدرك من يسمع كلامه بأنّ ما يقوله الرب يسوع حق واعٍ ومطلق لا تشوبه ذرة من اللاوعي أو اللاحق أو الاستهتار، وبأنّه: «لم يحسب نفسه خلسة أن يكون معادلاً لله» (فيلبي 2: 6) لأنّ ذاك حقاً مطلقاً له.
وعندما صرّح لهم قائلاً: «أنا والآب واحد، تناول اليهود حجارة ليرجموه، فأجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أيِّ عملٍ منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً. أجابهم يسوع: أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت إنّكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله. ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له أنك تجدّف لأنّي قلت إنّي ابن الله. إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي، ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أنّ الآب فيَّ وأنا في الآب» (يوحنا 10: 30-38).
لقد كان اعترافاً صريحاً واضحاً من أعداء الرب يسوع بأنّه الله القادر على كل شيء. فهم لم يستطيعوا أن ينكروا أعمال ألوهيته وأن يطمسوا حقيقة لاهوته، بل ثبتوها باعترافهم بأعماله الحسنة المعجزية العجائبية التي لم يروا مثلها قط، هذه الأعمال التي لم يقصد الرب من ورائها إلا إثبات هويته السماوية اللاهوتية.
إذاً قول المسيح لم يكن اعتباطاً وذلك لأنّه دلّ على كلامه وأثبته بالأعمال والآيات المعجزية البرهانية التابعة. وبما أنّ الشخصية - بالنسبة للإنسان - هي حصيلة كلامها وأعمالها التثبيتية - وليس الجسد إلا خيمة (وسيلة) لتظهر فيها الشخصية بالكلام والأعمال - كان على يسوع أن يعمل ليؤكد أقواله الصادقة الحقة.
ورُبّ قائل يقول بأنّ الله قادر على أن يعطي الإنسان قوة لكي ينجز أعمالاً خارقة، أعمالاً فوق الطبيعة. نعم، لقد أعطى الله أشخاصاً الامتياز لكي يفعلوا العجائب ويصنعوا المعجزات، لكنّ واحداً منهم لم يتجرأ على أن يقول: «أنا والآب واحد». بل إنّ بعض الذين صارت إليهم كلمة الله وانحرفوا قليلاً رفضهم الله وازدرى بهم إذ أنّ الله لا يمكن أن يعطي مجده لآخر لأنّه هو نفسه قال: «ومجدي لا أعطيه لآخر» (إشعياء 42: 8). أمّا يسوع فمنذ يوم ابتدأ يخدم كان يصرح أنّه والآب واحد وأنّه الإله الحقيقي وأنّه يصنع كل هذه الأمور بسلطانه هو ومع ذلك لم يرذل من الله ولم يجرد من سلطانه - والسبب - لأنّه هو الله الذي ظهر في الجسد لكي يُفهم بني البشر بكلمة واضحة عن كيفية خلاص نفوسهم. ولذا نجد بأنّ شهادة الكتاب المقدس له حقة إذ تقول: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.... كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة... والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقاً» (يوحنا 1: 1-4 و14).
إن كان يسوع هو كلمة منه، أي كلمة الله إذاً هو الله، لأنّ الله لا يتكلم بكلام خارج عنه أي من نوعية أخرى، بل إنه يتكلم بذاته أي أنّ كلامه فيض من ذاته، لذلك فالكلام الذي يتكلمه هو، هو ذاته: هو الله نفسه.
وفي الليلة التي أُسلم فيها، جلس يسوع مع تلاميذه يحدثهم عن ذهابه عنهم، قال له توما: «يا سيّد لسنا نعلم أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي. لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبُّس: يا سيِّد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع: أنا معكم زماناً هذه مدَّته ولم تعرفني يا فيلبُّس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟ ألست تؤمن أنّي أنا في الآب والآبَ فيَّ ؟» (يوحنا 14: 5-10).
وكأني بالرب يسوع يلوم تلاميذه على غباوتهم ويقول لهم: ها قد صرفت معكم طيلة هذه المدة وأنا أصنع أمامكم المعجزات وأعلمكم بأني أنا الله مثبتاً القول بالعمل، ألم تستطيعوا أن تميزوا وتدركوا؟ ألم تؤمنوا بعد أنّي أنا هو؟ والتفت إلى فيلبُّس ليؤكد له قائلاً: الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟
لقد تجسّد الإله القادر على كل شيء ليسير بين البشر ويعلمهم ويشفي أمراضهم ويخلصهم... ولكي يتمم ويثبت العهد الأبدي. لقد كان الإله اللامحدود الذي خلق الكائنات وأبدع الوجود، هو الذي كان في البدء قبل الأزمنة الدهرية. وقد نوّه بنفسه عن ذلك وشهادته حق، إذ قال: «الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8: 58). إنّ كلمة «كائن» التي جاهر بها الرب يسوع تعني بأنّه قد تخطى محدوديات الوقت وفاق على الزمن إذ أنّ الزمن نسبي وكلمة «كائن» في هذا النص مطلقة، فالماضي لا يربطه والحاضر لا يحدده والمستقبل لا يسيّره، فالأزلية والسرمدية والأبدية قدامه، ولا يخفى عليه منها شيء. «لأنّ يوماً واحداً عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد» (2بطرس 3: 8).
إنّ ما اكتشفه العلماء البارحة عن نسبية الوقت، كان قد كتبه الأنبياء في الكتاب المقدس منذ مئات السنين وذلك لأن يسوع «الكائن» قد أعلنها لهم. ويوحنا شهد له ونادى قائلاً: «هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي صار قدامي لأنّه كان قبلي» (يوحنا 1: 15).
ومع أنّ يوحنا المعمدان وُلد قبل ولادة المسيح، إلا أنّنا نسمعه يقول عن يسوع بأنّه كان قبله، أي أنّ يسوع كان موجوداً قبل ولادة يوحنا. وكيف يكون هذا لو لم يكن يتكلم عن يسوع؟ الله الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء.
لقد أراد الله أن يعبر لنا عن فكره وعن ذاته وعن شخصه بكلام واضح جلي لا يفضي إلى ملابسات وغموض فكان: يسوع.
ولم يفهم البشر مقاصد الله إلا عندما وضّحها لهم وهو في الهيئة كإنسان. فيسوع - الله الذي ظهر في الجسد - هو الذي عمل العالمين... وهو حامل كل الأشياء بكلمة قدرته، إذ أنّه بداءة الخليقة - وما بداءة النهر إلا النبع، والنبع هو علة النهر وسبب وجوده - ويسوع الذي يدعى المسيح هو بداءة الخليقة - نبع الخليقة - علة وجود الخليقة وسببها وواجب الوجود، الذي به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان.
وفيه يقول الكتاب المقدس: «من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى. كرداء تغيرهن - فتتغير وأنت هو وسنوك لن تنتهي» (مزمور 102: 25-27).
وقد قال عن نفسه، ولا يعلو كلامه ذرة من الشك كما قد تبرهن لنا، ومن يقول هذا القول إلا الله وحده: «أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، أنا هو الأول والآخر، أنا هو الحي، وكنت ميتاً، وها أنا حيٌّ إلى أبد الآبدين ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤيا 22: 13 و1: 18).
وبذلك: «يفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح» (رؤيا 3: 8). لقد استطاع أن يقول هذا لأنّ: «مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا 5: 2). هذا الذي كان من البدء. ومن كان من البدء إلا الله وحده؟!
لماذا أتى يسوع إلى الأرض؟ | ||
إنّ السؤال الذي يواجهنا هو ليس القول: هل أتى يسوع إلى الأرض؟ ولكن لماذا أتى؟
إنّ الإنسان الكافر الذي ينكر وجود الله لا يقدر أن ينكر أنّ يسوعَ واحداً فقط عاش ومات وقام على الأرض قبل ألفي سنة، فهناك براهين كثيرة تؤكد أنّ المسيح عاش في أرض فلسطين حيث راح يعمل الصالحات إلى أن صُلب ودُفن وقام من الأموات.
ومما لا شك فيه أنّ الأسباب التي دعت المسيح إلى المجيء إلى الأرض كانت أسباباً هامة بحيث اقتضت مثل تلك التضحية، ونحن نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي : «فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس. وإذا وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب» (فيلبي 2: 5-8).
فما هي الأهمية المتعلقة بخير وسعادة الإنسان التي دعت المسيح وهو كائن سماوي إلى النزول من السماء ليأتي إلى الأرض ويقاسي العذاب وآلام الموت؟ونحن إذا ما أردنا أن نجيب على هذا السؤال إجابة صحيحة، يجب علينا أن نستمع إلى ما قاله يسوع نفسه بهذا الصدد.
نقرأ في إنجيل يوحنا قول يسوع التالي: «لأنّي قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني» (يوحنا 6: 38). وفي إنجيل يوحنا أيضاً الأصحاح التاسع والعدد الرابع نرى كيف أنّ يسوع نزل من السماء إلى الأرض حيث أصبح من دم ولحم وعاش بين الناس لكي يعمل مشيئة الله الآب.
إنّ مجيء المسيح إلى الأرض كان جزءاً من الخطة التي وضعها الله ليتم خلاص الناس (عبرانيين 10: 7). كما أنّ البحث الأساسي الذي يدور حوله الكتاب المقدس هو سقوط الإنسان وفداؤه. فصفحات التاريخ التي تنطوي عليها التوراة، تحدثنا عن العناية التي أولاها الله لشؤون البشر، وكيفية إرسال ابنه الوحيد إلى العالم بولادته المعجزية من امرأة، والنزاع العنيف بين ثمرة تلك المرأة والحية. خطة الفداء هذه ظلت «سراً لدى الله حتى أكملها بواسطة المسيح، وكشفها للناس بالروح القدس» (أفسس 3: 9و10).
كان الله هو المبدع العظيم الذي وضع التصميم لخلاص الإنسان. (أفسس 3: 8 و9) فعندما خلق الله الإنسان قال إنّ خليقته كانت صالحة، (تكوين 1: 31) ولكنّها تمرّدت وثارت على سلطته وفضلت خدمة الشيطان، وهنا قال الله للحية: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه» (تكوين 3: 15). وعلى هذا فإنّ دراسة التوراة تكشف لنا نيّة الله الدائمة لفداء الإنسان، فقد خلّص نوحاً وأفراد أسرته من ذلك العالم الشرير (تكوين 7: 1)، ثم ذلك الوعد الذي أعطاه لإبراهيم بأن تتبارك ذريته، وأخيراً ما كان يظهره كل نبي من أنبياء العهد القديم من نوايا الله الحسنة نحو البشر حتى ذلك اليوم الذي أتى فيه يسوع إلى الأرض ليخلص الإنسان من خطاياه.
إنّ العهد القديم مليء بالنبوّات المتعلقة بمجيء المسيح، فقد علّم تلاميذه أنّه أتى ليتمّم الأشياء التي تنبّأ بها الأنبياء عنه. فاسمعوا ما يقول المسيح في إنجيل متى: «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل» (متى 5: 17). كذلك فإنّ بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس قال إنّ موت المسيح ودفنه ومن ثم قيامته كانت جميعها حسب الكتب (1 كورنثوس 15: 1-4).
لقد تحدثت الكتب عن مجيء المسيح وحياته واسمه وعمله وعن الموت الذي سيقاسيه، ولو كان الناس يعرفون التوراة والكتب حقاً لكانوا عرفوه حين أتى. ولكن، أليس هذا هو واقع الحال اليوم؟
إنّ الكتاب المقدس يعلمنا أنّ أولئك الذين يعرفون الله يعرفون ما هو الحق وما هو الباطل (يوحنا 6: 4).
المسيح جاء ليشهد للحق | ||
جاء يسوع إلى العالم ليشهد لحقائق الله الأبدية (يوحنا 18: 37). وقد ولد في هذا العالم لينشئ مملكة روحية، الأمر الذي أتمّه وتثبّت في الحقائق الإلهية المسجلة في الكتاب المقدس، لذلك فإنّ كل إنسان يستمع إلى تلك الحقائق ويحبها فإنه أيضاً يطيع الله. فبالحق وحده يستطيع المسيح أن يؤثر في عقول البشر.
كان الإنسان يعيش في الظلام مهملاً وصايا الله ومتبعاً تعاليم الناس وعقائد الشيوخ (متى 15: 9)، وهكذا فقد كان من المساوئ الكبرى للإنسان على مر العصور أنه كان يضع أحكاماً من عنده ليبرر تصرفاته، غير أنّه لم يعط مطلقاً الحق في تنظيم شؤون عبادته لله حسب أوامره. فالعبادة يجب أن تكون كما أمر الله وليس كما يعتقده الناس من حق أو باطل، صالح أم طالح. ومهما كان الإنسان مخلصاً في عبادته التي وضعها هو وفي اتّباعه تعاليم البشر، فإنّ ذلك لن يجديه نفعاً لأنّ المسيح نفسه قال إنها تكون مجرد عبث لا خير فيه.
قال يسوع: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). من هذا نرى أنّ الحق الآتي من الله فقط هو ما يحرر الإنسان من خطاياه، وكما جاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: أنّه ما من إنسان متحرر من الخطيئة إلا الذي أطاع من القلب صورة التعليم الصحيح الذي أعطاه المسيح للناس (رومية 6: 17).
ومما يجدر ذكره أنّ عبودية الخطيئة هي أكبر قوة مدمرة في العالم وأنّ التحرر من تلك العبودية هو من أعظم النعم التي يمكن أن توهب للإنسان.
المسيح جاء ليجلب النور الروحي | ||
جاء المسيح بوصفه نوراً ليبدّد الظلمات الروحية السائدة في العالم (يوحنا 12: 46). فلقد كان الناس يقومون بواجباتهم اليومية غير مبالين بالله وبوصاياه. وكانوا يظنون أنهم في مأمن إذا هم لم يرتكبوا الخطايا مثل الزنا والقتل وظلم الآخرين والتسلط عليهم. ولكن يسوع جاء إلى العالم ليقنع أبناء الخطيئة بالبر والتقوى، ومن خلال هذا النور أمكن الناسَ أن يعرفوا خطاياهم كما أمكنهم معرفة علاج الله الشافي من هذه الخطايا، لأنه كما أنّ الشمس ونورها واضحان وضروريان لهذا العالم كذلك فإنّ يسوع هو واضح وضروري للعالم الروحي والأبدي.
لقد نزل يسوع من السماء وأتى إلى الأرض ليرجع الناس من سلطان الشيطان إلى الله (أعمال 26: 18). وعلّم في إنجيل يوحنا: أنّه لا يمكن أن يأتي أي إنسان إلى الله ما لم يسمع ويتعلم أولاً من الآب (يوحنا 6: 44و45)، كما أنّ المسيح في رسالته الشخصية على الأرض بشّر بالتوبة وباقتراب ملكوت السموات (متى 4: 17) وأوصى تلاميذه بكرازة الإنجيل وبتعميد من آمنوا لغفران خطاياهم (مرقس 16: 16 وأعمال 2: 28). لذا فإنّ كل شخص سمع وآمن بالحقائق المتعلقة بموت المسيح ودفنه وقيامته، وأطاع وصاياه، خلص من سلطان الشيطان وأُرجع إلى الله، ذلك أنّه استنار وأُعتق من مملكة الظلام لينتقل إلى مملكة ابن الله (كولوسي 1: 13).
إنّ مجيء المسيح إلى الأرض قد مكّن الناس من أن يستنيروا (يوحنا 12: 46). فالعالم لم يعرف الله بالحكمة، ذلك أنّ يسوع هو الطريق وأنّ مجيئه فتح سبيلاً جديداً وحيوياً إلى السماء. ونحن نقرأ في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس: «وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل» (2تيموثاوس 1: 10)، وفي إنجيل يوحنا نجد أنّ المسيح اشترى وأوجد طريقاً للبشر (يوحنا 16: 5)، كما أنّه وعد بإعطاء الحياة الأبدية إلى كل من يسمع صوته ويتبعه (يوحنا 10: 27و28).
المسيح جاء ليعطي الإنسان حياة أفضل وأوفر | ||
جاء المسيح ليتمكّن كل الناس من أن يعيشوا حياة أفضل وأوفر (يوحنا 10: 10). حياة أفضل وأوفر بالنعم الروحية التي تتكون منها الحياة الأبدية، وأعطاهم الوافر من النعم والسلام والمحبة والحياة والخلاص. كما أنّه ترك لنا مثلاً نحتذي به ونتبعه في حياتنا (1 بطرس 2: 21)، وقد حدثنا الرسول بطرس كيف أنّ المسيح أرانا السبيل المستقيم وعلّمنا كيف يجب أن نعيش. فواجبنا نحن أن نتقيّد بخُطى المسيح تماماً كما يفعل الطفل عندما يحاول جاهداً أن يتمثل بأبيه بأن ينتعل نعليه ويتتبع خطواته واحدة واحدة. فالمسيح أرانا كيف يمكننا أن نستغل حياتنا هذه ونستفيد منها أكثر وأكثر فيما لو اتّعظنا به واقتدينا به. ونحن كلما زاد اجتهادنا في عمل مشيئة الله، كلّما أغدق علينا من نعمه، وكلما ازدادت محبّتنا للآخرين ازداد حبّهم لنا، ولو أننا اتّبعنا هذه القاعدة البسيطة لاستطعنا أن نقوي حياتنا الحاضرة وأن نرث الحياة الأبدية أيضاً.
المسيح جاء ليكمّل ناموس العهد القديم وليعطي ناموس العهد الجديد | ||
إنّ موت يسوع على الصليب قد أكمل ناموس العهد القديم (رومية 10: 4) كذلك فإنّه أزال ذلك الناموس وأبطل مفعوله في اللحظة التي سُمّر فيها على الصليب (كولوسي 2: 14). فحينما تمّ صلب يسوع المسيح أُعفي الإنسان من التزاماته تجاه الناموس القديم الذي لم تعد إطاعته تجدي أي نفع وأي بركة.
ولو أنّ المسيح لم يأتِ إلى الأرض لما كان هناك عهد جديد، وظلّ العهد القديم ساري المفعول على بني إسرائيل، لأنّه أُعطي فقط لهم في الوقت الذي ظلّت فيه الشعوب الأخرى غريبة عنه لا أمل لها ولا إله (تثنية 5: 2و3 وأفسس 2: 12). وبالرغم من أنّ بني إسرائيل كان لهم ذلك الناموس القديم فإنّه لم يكن هناك غفران للخطايا (عبرانيين 10: 1-4). ففي اليوم العاشر من الشهر السابع من كل سنة كانت تُعاد إلى الأذهان كل الخطايا المرتكبة في العام السابق وتُحضر الذبائح إلى الكاهن الذي كان بدوره يقدمها كفارة عن تلك الخطايا (لاويين 16: 29 و15: 1). وكما سبق وذكرنا أنّه لو لم يأت المسيح لظلّ ناموس العهد القديم قائماً على بني إسرائيل ولبقيت الأمم الأخرى بدون إله لا أمل لها في هذه الحياة.
لم يعد الإنسان مُلزماً بأحكام ناموس العهد القديم الذي كان بمثابة مدرسة يتعلم فيها بنو إسرائيل ويتهيأون لمجيء المسيح (غلاطية 3: 24 و25). فبعد مجيء المسيح تبرّر اليهود وسائر الأمم بالإيمان بيسوع المسيح، ذلك الإيمان الناتج عن الاقتناع بالحقائق المتعلقة بحياة المسيح وموته ودفنه ومن ثم قيامته (يوحنا 20: 30و31).
لقد أصبح عهد يسوع المسيح ساري المفعول (عبرانيين 9: 15-17). لذلك كما أنّه من المستحيل لأي إنسان أن يعيش في ظل القانون المعمول به في الأردن مثلاً في نفس الوقت الذي يعيش فيه في ظل قوانين الولايات المتحدة، فهو كذلك لا يمكنه أن يعيش في ظل العهدين القديم والجديد. وكما ذكرنا فيما تقدم أنّ ناموس العهد القديم أُعطي لبني إسرائيل (تثنية 5: 2و3)، وأنّ العهد الجديد هو لكافة الأمم (مرقس 16: 15 و1 كورنثوس 12: 13)، لذلك فإنّه عندما يستمع شخص ما إلى الإنجيل ويتعلم من المسيح ويطيعه فإنّه يولد من جديد ويصبح فرداً من أفراد أسرة الله (يوحنا 3: 5). وإذا كان يستطيع تحقيق ذلك بواسطة ناموس العهد الجديد، فهل يتوجب عليه أن يسعى حثيثاً ليطلب الخلاص والتبرير عن طريق الرجوع إلى الناموس القديم؟ فبالمسيح وحده ينتفع الإنسان.
المسيح جاء ليفتدي الكنيسة ويشتريها | ||
لقد اشترى المسيح بدمه تلك المؤسسة الروحية الوحيدة الموجودة في هذا العالم، ألا وهي الكنيسة (أعمال 20: 28)، ونحن إذا ما أردنا أن نشتري شيئاً ما، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين هامين: الأول منهما حاجتنا لما نريد ابتياعه أي مشتراه والثاني الثمن الذي سندفعه لشراء ذلك الشيء، وبناءً على هذا المنطق فإنّه لو لم تكن هناك حاجة إلى الكنيسة ولو أنها لم تكن ضرورية لخلاص البشر لما قاسى المسيح عذاب الموت من أجلها، ولما دفع دمه وبذل نفسه وحياته ثمناً لها (أفسس 2: 25). ما كان ليدفع لشراء الكنيسة مثل هذا الثمن العظيم لو لم يكن للكنيسة تلك الأهمية الكبرى التي علقها عليها.
إنّ كلمة كنيسة مشتقة أصلاً من كلمة «أكليزياً» اليونانية ومعناها «المدعوون» من أبناء الأرض. والكنيسة تضم كل المدعوين بالإنجيل والمخلّصين (2 تسالونيكي 2: 14). وأما سواهم فهو ضائع في هذه الدنيا.
ولو أنّ المسيح لم يأت إلى العالم لما كانت هناك كنيسة ولما كانت هناك ديانة مسيحية ولبقي الإنسان تائهاً في ظلمات الخطايا والضلال.
المسيح جاء ليُخلّص الضالين | ||
لقد وعد الله بني إسرائيل أنّه سيأتي وقت يقطع فيه عهداً جديداً، وهذا العهد يعكس وعد الله بأنّه سيغفر خطايا الناس ولا يذكرها (إرميا 31: 31-34). وتحقيقاً لذلك نقرأ في إنجيل متى أنّه عندما خاطب ملاك الله يوسف الذي كان على وشك الاقتران بمريم قال له: «فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنّه يخلص شعبه من خطاياهم» (متى 1: 21). وعندما بدأ يسوع مهمّته قال: «لأنّ ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك» (لوقا 19: 10). وقال أيضاً: «لأنّه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم» (يوحنا 3: 17). ومن هذا نفهم أنّ العالم كان تائهاً في الخطايا وأن الله أرسل ابنه ليوجد طريقاً يستطيع الإنسان بواسطتها أن يخلص. ولو أنّ يسوع لم يأت إلى العالم لظل الإنسان غارقاً في خطاياه وضائعاً للأبد (رومية 3: 23). ليس هناك أيّ فرق بين يهودي وأممي، غني أو فقير مثقف أم غير مثقف لأن الجميع أخطأوا أمام الله وعلى هذه الخطايا أن تُغفر وتُغسل إن أراد الإنسان أن يسكن في السماء حيث لن يدخل أي شيء دنس (رؤيا 21: 27).
لقد بانت ووضحت نعمة الله ومحبته للإنسان بشخص يسوع المسيح (تيطس 2: 11). الذي جلب له الخلاص وأصبح به الطريق مفتوحاً أمام الجميع ولهم الخيار في القبول أم الرفض. وفتح يسوع الباب وأشار بوضوح إلى الطريق داعياً الجميع للعودة إلى الله لينعموا ببركاته الوافرة. فيسوع حقاً هو الأمل الوحيد للإنسان وهو عطية الله له (2 كورنثوس 9: 15). كذلك فقد أصبح الخلاص في متناول جميع الناس، ولكن البعض لا يعلمون بوجوده بينما ينبذه آخرون. فالذين ينبذون المسيح ويرفضون إطاعته تُقفل أمامهم كل السبل لغفران خطاياهم وتزول كل آمالهم بالعيش في الجنة وبذلك يكون المسيح الذي أرسله الله إلى الأرض ليتألم ويموت من أجلهم قد تألم ومات عبثاً ودون جدوى.
يسوع موجود في السماء، وهو الذي قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14: 6)، ونحن إن أردنا أن نتبع يسوع يجب علينا أن نصغي إليه ونسلك الطريق الذي رسمه لنا فهو يحذرنا بقوله: «لأنكم إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم» (يوحنا 8: 24).
هل تؤمن أنّ يسوع هو المسيح ابن الله الحي؟ إذا كنت تؤمن بذلك فإنّك تكون قد ابتدأت في اللحاق به، ولكن الإيمان وحده، لن يحقق أي شيء وبه فقط لن يتبرر أي إنسان (يعقوب 2: 24). فاستمع إلى يسوع وهو يكمل إرشاداته لك قائلاً: «كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون» (لوقا 13: 3)، والتوبة هي أن تعدل عن نهج حياتك وأن تلتفت لعبادة الله وخدمته. فهل تريد أن تخدم الله؟ إن كان هذا ما تريد فيجب عليك أن تعترف وتجاهر به (متى 10: 32) وأن تعتمد لغفران خطاياك وغسلها (أعمال 2: 16 و38)، وبعد ذلك فقط يضمك الله إلى كنيسته (اعمال 2: 47). لقد وعد يسوع أن يأتي ثانية ليأخذ الذين يحبونه ويطيعونه إلى السماء (يوحنا 14: 1-3). وهو ما زال يدعو كل الذين يؤمنون به إلى قبول البركات التي هيّأها لهم.
يسوع المسيح هو الحل الوحيد | ||
يمكن اعتبار ديانات العالم مجموعة من المحاولات الهادفة إلى توفير أجوبة عن الأسئلة الأساسية: من أنا؟، من أين جئت؟، إلى أين أنا ذاهب؟، لماذا؟... وهكذا دواليك. لما فكر بوذا مثلاً في الوجود البشري صعقه على الأخص شمول الألم وارتأى أنّ في وسعنا الإفلات من الألم بسلوك سبيل وسط: ألاّ نكون مفرطين في الانضباط، وألاّ نكون عديمي الانضباط، ألاّ نضحك كثيراً وألاّ نغرق في سيول من الدموع. ولنأخذ مثلاً الأجوبة التي قدّمها كارل ماركس لحل مشكلات الحياة الناشئة من نظام الطبقات: «فإن تخلّصنا من طبقية المجتمع، يبدأ الظلم عندئذ بالزوال تدريجياً».أمّا في المسيحية، فالأجوبة عن الأسئلة الأساسية تأتينا من طريق إعلان الله لذاته عموماً في الكتاب المقدس وخصوصاً في يسوع المسيح.
والإسم «يسوع» بحد ذاته مهم بسبب معناه: «الرب يخلص» (متى 1: 21). وهذا الاسم يفترض مسبقاً وضعاً يحتاج الناس لأن يخلصوا منه، ويدل على أنّ لدى الله سبيلاً للخلاص.كذلك لقب يسوع «المسيح»، وهي الترجمة العربية للّفظة العبرية «مسيّا» ومعناها «الممسوح». وبحسب الفكر العبري، كان الشخص يُمسح بالزيت (الدهن) علامة على أنّه مدعو إلى مهمة خاصة. وكان الملوك يُمسحون، شأنهم شأن الكهنة والأنبياء أيضاً. ويبدو مرجحاً بالنسبة إلى يسوع أنّ عمله قد جعله يحمل الصفات الثلاث: فهو النبي والكاهن والملك معاً.
لما قدّم يسوع المسيح للذين كانوا يسمعون له أجوبته عن الأسئلة الأساسية، قدمها بطريقة جديدة كلياً. فبوذا تفحص الحياة وتأمل غوامضها ثم عرض ما طلع به من حل، غير أنه أبقى الله خارج نظامه. أما بالنسبة إلى يسوع المسيح، فالأمر مختلف كلياً، إذ قد صرّح المسيح بأنّه جاء من لدن الله وأنّه هو الله.
المسيح في التاريخ | ||
أليس من المستغرب أنّه من اللازم لنا أن نبدأ بحوثنا في الإعلان المسيحي بالتحقق من أنّ المسيح نفسه كان في الواقع حقيقة تاريخية - لا مجرد شخص خيالي خرافي؟ ولكننا قد صادفنا هذا الرأي الغريب عند قوم من الذين اتفق لهم أن قرأوا كتب الملحدين دون غيرها من كتب العلم الحديث، والذين يصدقون كل ما يقرأون، من غير بحث تاريخي أو استقراء منطقي. ومع أنّ الوثائق الموجودة عن سيرة المسيح وفيرة جداً - والجانب المتعلق منها بالأسبوع الأخير من حياته، يزيد وفرة على أيّ نوع أو عدد من الوثائق المتعلقة بأي أسبوع آخر في التاريخ القديم - إلا أنّه - على ما يظهر - لا بد من وجود قوم ينكرون كل ما يجهلون ويجحدون بكل ما لا يتفق وفلسفتهم.
فهل كان المسيح إذن شخصاً تاريخياً ذا لحم ودم، قد عاش بين الناس في عالم الحقيقة والواقع، أو كان مجرد مثل أعلى اخترعته مخيلة المسيحيين الأولين كأساس لدينهم ومصدر لوحي خاطرهم؟ هل توجد وثائق كتابية معاصرة تبرهن صدق حقيقته التاريخية، أو هل نعتمد على مجرد أحاديث شفوية؟ ثم ما هي هذه الوثائق وما الثقة التي تعيرها إياها أساليب النقد والبحث الحديث؟وجواباً على هذا نقول: إنّ الوثائق الكتابية التي بلغتنا هي وفيرة وقديمة. وأهم هذه الوثائق هي الأربع البشائر: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وعدة رسائل كتبها زعماء الكنيسة الأولى لجماعات من المؤمنين - كما هي الآن موجودة في العهد الجديد - مع آثار أخرى مخلّفة لنا من المسيحيين الأولين. وربّ سائل: هل من وثائق أخرى غير العهد الجديد تبرهن على حقيقته التاريخية، بما لا يمكن اتهامها بالتغرّض والتحيّز؟ وجواباً على ذلك نقول: إنّ وثائق أخرى قد حُفظت لدينا من كُتّاب الرومان الوثنيين في ذلك العصر، وقد جاء في كتاباتهم ذكر المسيح. فلنبحث في هذه الوثائق بشيء من التفصيل.
شهادة الأخصام | ||
منذ ختام العصر الأول للميلاد - على وجه التقريب - نجد كُتّاب الرومان يذكرون المسيحيين كجماعة مألوفة مشهورة في كثير من أنحاء الإمبراطورية. ومن أقدم هذه الإشارات إلى شهادة المسيحيّة وإلى موقف الحكومة نحوها، ما دوّنه بليني الأصغر - وقد كان حاكماً رومانياً على بيثينيا - في إحدى رسائله المشهورة التي بعث بها إلى الامبراطور تراجان حوالي سنة 114 ميلادية. وهذه الوثيقة تشهد للمسيحية واتساعها في هذا التاريخ القديم - ولا سبيل إلى دحضها - لأنها كتبت كإشارة رسمية بقلم شخص لا مصلحة ذاتية له في الأمر. فكتب أنّه قد استجوب كثيرين من المسيحيين وعاقبهم. أما بعض الذين اتهموا بالمسيحية فإنهم: «أنكروا أنهم كانوا مسيحيين وصلوا للآلهة طوعاً لأمري، مع سجودهم لتمثالك... وفوق ذلك فإنهم شتموا المسيح. ولقد قيل إنّ المسيحيين الحقيقيين لا يمكن إجبارهم على أن يعملوا شيئاً من هذه». ثم قال: «إنّ المسيحيين - على ما يظهر - كانوا يقسمون ألا يسرقوا ولا ينهبوا ولا يزنوا أو يخالفوا وعودهم أو ينكروا وديعة سُلّمت إليهم». ويذكر أيضاً أنّ: «كثيرين من مختلف السن والمرتبة والجنس انضموا إليهم، لأنّ عدوى هذا المذهب لم تكن قد تغلغلت في المدن وحدها، بل سرت أيضاً إلى القرى والريف». إلا أنه اقتنع أنه يمكن استئصاله بعد زمن قصير. لكنّ التاريخ قد كذب زعمه هذا.
وكان تاسيتوس المؤرخ المشهور لذلك العصر يشهد أيضاً لاتساع المسيحية فيما كتب عن اضطهاد المسيحيين في أثناء حكم نيرون، إذ قال في مؤلفه التاريخي: «المسيح الذي تُسموا باسمه قد كابد قصاص الموت في أثناء حكم طيباريوس قيصر، على يدي والٍ من ولاتنا اسمه بيلاطس البنطي». ونجد أيضاً قوانين رسمية ومهاجمات من كتاب وثنيين آخرين من ذلك العصر، مما يدل حتماً على صدق هذه الحقائق. وبديهي أنّه لم يكن من داعٍ لذكرها لو لم تكن حقائق وثيقة لا يأتيها الشك من إحدى نواحيها.
وثائق المسيحيين أنفسهم | ||
ومهما يكن من الأمر، فإننا بطبيعة الحال نرتكن فعلاً في درس تفاصيل سيرة المسيح إلى وثائق المسيحيين أنفسهم، لأنّ الأخصام لم يهتموا قط بها. أما المسيحيون الأولون، فإنهم لم يكتبوا شيئاً في الغالب قبل صعود المسيح إلى السماء، بل إنّ كل التعاليم التي قدموها للمتنصرين الأولين - الذين لم يتمتعوا بسماع أقوال المسيح نفسه ورؤية أعماله - كانت شفوية كما جرت العادة في بلاد الشرق حيث تقوى الذاكرة إلى حد عجيب، ولا سيما قبل اختراع الطباعة. على أنهم لجأوا بعد زمن قصير جداً إلى آثار كتابية. أمّا هذه الآثار فإنها تحتوي على رسائل مبعوثة من طرف قادة الكنيسة إلى جماعات من المؤمنين، ومواعظ ألقاها هؤلاء القادة ثم دوّنها أحدهم، ومقتطفات من شرح العقائد المسيحية مؤلفة لمساعدة المتنصرين، وأسفار تاريخية عن سيرة المسيح والرسل، ومؤلفات تدافع عن المسيحية تجاه مهاجمات الأخصام. وقد بلغتنا كتلة وافرة من هذه الآثار، من إكلمندس وأغناطيوس اللذين كتبا قبل سنة 120 ميلادية، ومن بوليكاربوس المتوفّى في سنة 155 ب.م. ومن بابياس ويوستنيان الشهيد ومن تاتيان وأوريجانوس وترتليانوس وأوغسطينوس وغيرهم من آباء الكنيسة الأولين. أما هذه الآثار فمع أنها ذات قيمة كبرى، من أوجه كثيرة، إلا أنّ أهميتها العظيمة في هذا الصدد هي أنها تؤكد عن طريق إشاراتها واقتباساتها قدم عهد تلك البشائر والرسائل التي نسب إليها المسيحيون الأولون سلطة خاصة ممتازة، والتي يبقى نفوذها إلى اليوم في سطور العهد الجديد.
لنلتفت الآن إلى هذه الوثائق الممتازة. إنها تنقسم إلى قسمين بوجه عام: الرسائل والأسفار التاريخية. وقد قبلت معظمها من زمن باكر جداً كأسفار مقدسة حفظها القوم ونقلوها باحترام دقيق - حتى أنه قيل بالنسبة إلى العهد الجديد: لم يبلغنا كتاب قديم آخر نال نصيباً من العناية مثلما نال هذا الكتاب في وفرة النسخ - إذ قد عثر المنقبون حتى الآن على أكثر من خمسمئة نسخة خطية. ولذلك يمكننا أن نتناول هذه السجلات واثقين في أنّ لدينا أحسن مصدر للتاريخ القديم ألا وهو وثائق كتابية قد حفظت في حرز حريز.
(1) الرسائل | ||
منذ نشأة المسيحية شرع قادة الكنيسة مسوقين بالروح القدس يكتبون رسائل إلى جماعات من المؤمنين في شتى بلاد العالم القديم. وقد جُمعت منها إحدى وعشرون بين دفتي كتاب سُمّي «العهد الجديد». ومما يزيد قيمة شهادتها أنّ مؤلفيها لم يخطر لبالهم قط أنها سوف تحفظ للعصور المقبلة بل دوّنوها كسجل طبيعي، لا صناعة فيه، لأفكارهم وظروفهم. فهي لذلك تقدم شهادة لا ريب فيها لعقائد المسيحيين الأولين.
وقد تتبع المؤرخون بعض هذه الرسائل إلى ما قبل سنة 57 ميلادية. فقد أجمع العلماء على أنّ مؤلف الرسالة إلى أهل غلاطية مثلاً هو بولس بلا منازع كما أنّ بعضاً منهم يقررون أنها كتبت سنة 49 ميلادية. ثم يُرجعون الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي إلى سنة 51 ميلادية ويُجمعون على أنّ الرسائل إلى رومية وإلى أهل كورنثوس قد كتبها بولس قبل سنة 57 ميلادية. أمّا الرسائل التي كتبها في أثناء سجنه إلى أهل أفسس وفيلبي وكولوسي وفليمون فتاريخها في الغالب حول سنة 60 ميلادية.
أمّا الرسالة إلى العبرانيين والتي لا نعرف بالتحقيق اسم مؤلفها، ورسائل يهوذا ويعقوب وبطرس ويوحنا - ما عدا رسالة بطرس الثانية حسبما يرتئي البعض - فكلّها أيضاً يمكن إسنادها إلى هذا التاريخ القديم.
وخلاصة القول إنّ جانباً عظيماً من هذه الرسائل يرجع إلى ما حول خمس وعشرين سنة فقط بعد موت المسيح، كما أنّ السواد الأعظم منها كتب في مدة لا تتجاوز الخمس والثلاثين سنة بعد موته. ولذلك لم يتسع الوقت البتة لنمو الخرافات بل تقوم هذه الرسائل شهادة قاطعة لحقائق المسيحية وعقائدها في القرن الأول.
ولكن ما هي شهادة هذه الرسائل؟ إنّ معظم محتوياتها يتضمن شرحاً للعقائد المسيحية وتطبيقاً لهذه العقائد لمشكلات الحياة اليومية. وهي أيضاً تحوي إشارات عديدة إلى المسيح التاريخي وإلى موته وقيامته بنوع خاص. إنّ الإيمان القوي الذي يلمع في كل جزء من هذه الرسائل أساسه ومصدره شخص المسيح.
لنقرأ أولاً ما قاله يوحنا في رسالته مشيراً إلى المسيح: «الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإنّ الحياة أُظهرت. وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به» (1يوحنا 1: 1-3). ثم ما قاله بولس في إحدى رسائله: «فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أنّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنّه دُفن وأنّه قام في اليوم الثالث حسب الكتب» (1كورنثوس 15: 3و4). وقد وُجد في هذه الكلمات إشارات تؤدي بهم إلى الفكر أنها عبارة عن شهادة رسمية للإيمان المسيحي، كان المؤمنون يقرونها قبل سنة 55 ميلادية. أما موت المسيح وصلبه - مع ما ينطويان عليه من تعليم عميق - فإننا نجده مذكوراً مراراً عديدة في الرسائل كلها، مثلاً في غلاطية 1: 3 و4، 2: 20، 3: 13، 6: 14، وفي 1 تسالونيكي 4: 14، وفي 1 كورنثوس 1: 13و17، 2: 2 و8، 10: 16، 11: 23 و26، وفي 2 كورنثوس 4: 10، 5: 14 و21، وفي رومية 3: 25، 4: 25، 5: 6 و8 و10، 6: 3 و5 و10، 8: 32، 14: 15، وفي أفسس 1: 7، وفي فيلبي 2: 8 ، 3: 10، وفي كولوسي 1: 14 و22، 2: 12 و14، وفي عبرانيين 2: 9 و14، 6: 6، 9: 14 و26 و28، 10: 10 و19 و29، 12: 2 ،13: 12، وفي 1 بطرس 3: 18، وفي 1 يوحنا 1: 7، 4: 10 - وما إلى ذلك مما يكفينا معه أن نقتبس ما ورد في 1 بطرس 2: 21 حيث نقرأ: «فإنّ المسيح أيضاً تألّم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته. الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر. الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضاً. وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلم لمن يقضي بعدل. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم».
أما عن قيامة المسيح من بين الأموات، فإننا نقرأ في 1كورنثوس 14: 15 هذه الكلمات: «إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم. ونوجد نحن أيضاً شهود زور لله لأننا شهدنا من جهة الله أنّه أقام المسيح». وذُكرت القيامة أيضاً في 1تسالونيكي 4: 14 وفي 1 كورنثوس 6: 12، 15: 20 و23، وفي 2كورنثوس 4: 14، وفي رومية 1: 4، 4: 24 و25، 6: 5 و9، 10: 9، وفي فيلبي 3: 10، وفي كولوسي 2: 12، 3: 10، وفي عبرانيين 13: 20. أما في 1 بطرس 1: 3 فإننا نقرأ: «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات».
ومهما يكن فما من شك في أنّ الحقائق المسيحية الأساسية، بل موت المسيح الكفاري وقيامته الظافرة بنوع خاص، هي أُسس تعليم الكنيسة منذ بادىء الأمر. ويتضح من دراستنا لسفر أعمال الرسل أنّ بطرس وغيره أخذوا يكرزون بهذه الحقائق بعد صعود المسيح بعشرة أيام فقط. فأين الفرصة في هذه الفترة القصيرة لنمو الخرافات؟
(2) الوثائق التاريخية - البشائر | ||
ندقق الآن في وثائق تزيد قيمة هذه الرسائل نفسها، وهي ترجع إلى نفس هذا التاريخ القديم. لأنّ التعليم الشفوي الذي أُلقي على المتنصرين الأولين سرعان ما استبدل بذكريات مكتوبة دوّنها الرسل أو زملاؤهم لتسجيل الحقائق. ومع أنّه يجب علينا أن نبحث في الثقة التي يمكننا أن نوجهها إلى هذه البشائر، إلا أنّه يجدر بنا أن نبدأ باقتباس مقدمة إحداها دلالة على الدقة والأمانة اللتين استعان بهما المؤلف في تأليفه: «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا - كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة - رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي... لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به» (لوقا 1: 1-4).
إنّ السّيَر على نوعين. النوع الأول يقدّم لنا مجرد قائمة من الحقائق في تتابعها الزمني، على أنّ النوع الثاني نجد فيه الحقائق مرتبة منظمة، لكي تمثل لنا صورة متناسقة لأخلاق الشخص الموصوف. والبشائر من هذا النوع. ولأنّه من المحال على أيّ مؤلف فرد أن يقدم للعالم صورة كاملة لشخصية مثل شخصية المسيح لذا قام أربعة مؤلفين مختلفين بهذه المهمة بوصف هذه الشخصية مسوقين بالروح القدس. أما هذه البشائر الأربع فكل واحدة منها صحيحة صادقة ولكنها في ذاتها ليست كاملة، بل مكملة لغيرها - ولا يلزمنا أن نعتبر هذه الحقيقة نقصاً فيها بل قوة وفخراً.ما الثقة إذن التي توجهها أساليب النقد والبحث الحديث إلى هذه الوثائق؟ فمع أنّ الكثيرين - ومن ضمنهم مؤلف هذا الكتيب - يؤمنون كل الإيمان بوحي هذه الأسفار، إلا أننا لا نفترض بالضرورة وجود هذا الإيمان في كافة قرائنا الكرام، بل على عكس ذلك نفترض جدلاً باعتبار هذه الأسفار كأنها مخطوطات بشرية لها نفس الثقة التي لغيرها من المخطوطات القديمة - لا أكثر ولا أقل. على أنّه من المستغرب أنّ قوماً من الذين يدّعون لأنفسهم قوة الإدراك وفضيلة الإنصاف، يتوهمون أنّ الافتراض جدلاً بعدم وحي هذه الأسفار، يجرّدها حتماً من قيمتها التاريخية كوثائق قديمة، ويتركها بلا قيمة إلا في دائرة الروح والأخلاق.
أما هذا الرأي فهو غاية في السخف - لأنّ العلم الحقيقي يحتم علينا أن ننظر إلى هذه الأسفار على الأقل بنفس نظرة الاحترام التي نعيرها سائر المخطوطات التاريخية القديمة. ولكن - أهي قديمة حقاً وما الدلالة على ذلك؟ فلا مجال لنا أن نعالج هذه النقطة هنا بما تستحق من التفصيل، دون أن نصرّح بأنّ المؤرخين - سواء أكانوا من المحافظين أم من العصريين، أي ممن قد ترقى إليهم تهمة التحيّز أو ممن لا تصل إليهم هذه التهمة - إنّ هؤلاء المؤرخين بعد ما أجمعوا في السنين الماضية على أنّ البشائر الثلاث الأولى يمكن إسنادها إلى ما قبل سنة 80 ميلادية على الأكثر، قد أظهروا في هذه الأيام الأخيرة ميلاً شديداً إلى إسنادها تاريخياً إلى ما بين سنة 45 و46 ميلادية. وكذلك أيضاً قد أجمع معظم المؤرخين على أنّ البشارة الرابعة - وهي الأخيرة بين البشائر في ترتيب الزمن - كتبت قبل ختام القرن الأول للميلاد. ورب سائل: وما فائدة هذا الإجماع، وليس بين أيدينا الآن نسخة خطية واحدة ترجع بالذات إلى القرن الآنف الذكر؟
ويكفينا إجابة على هذا أن نقول إنّ المنقبين لا يزالون يعثرون في هذه الأيام على نسخ قديمة جداً منتشرة في شتى البلاد، مما يدل حتماً على قدم تاريخ المخطوطات الأصلية، بل وفوق ذلك - لدينا - وكما رأينا - مخطوطات وافرة دوّنها آبا

