COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

اللّه ذاتهُ وَنوع وَحدَانيتهِ

مقدمة

لا ينبئ الكتاب المقدّس عن وحدانيّة الله فحسب، بل ينبئ أيضاً عن كنه ذاته، التي تسمو فوق العقل والإدراك سموًا لا حد له - فالكتاب المقدّس، لا ينبئ فقط أن اللّه لا شريك له ولا نظير له، وأنه لا أجزاء فيه ولا تركيب، بل ينبئ كذلك أنه ليس أقنوماً واحداً، بل ثلاثة أقانيم. وحقيقة وحدانيّة اللّه وعدم وجود تركيب فيه، يُطلق عليها «التوحيد»، وحقيقة كونه ثلاثة أقانيم، يُطلق عليها «التّثليث».

وقد حاول كثيرون من رجال الفلسفة، توضيح إعلانات الكتاب المقدس عن ذات اللّه، أو بالحري عن ثالوث وحدانيّته، حتى يستطيع الناس فهمها وإدراكها، لكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، لأنهم انحرفوا عن أقواله، واعتمدوا على عقولهم وحدها.

ولما كان اللّه أعزَّ لدينا من كل عزيز في الوجود، عكفتُ - كما عكف ويعكف غيري - على دراسة كتب الفلسفة والدين، لتحقيق الغاية التي كان يسعى رجال الفلسفة إلى تحقيقها. ولكني وجدت بعد بحثٍ وتفكيرٍ داما بضع سنين، أن الإنسان لا يستطيع القيام بهذه المهمة بمجهوده الذاتي. فولّيْت وجهي شطر اللّه، لأنه لا يعرف ذاته وما بها من أسرار سواه، فتفضَّل وأعانني على قدر استطاعتي على تقبُّل المعونة منه. ولذلك فإني أقدم كتابي هذا، على مذبح المحبة والإخلاص له، راجياً أن يرافقه بنعمته، لأجل مجده وخير الراغبين في معرفته.

تمهيد توافق التوحيد مع التثليث

نرى من الواجب، ونحن في فاتحة هذا الكتاب، أن ننبّر على أننا نحن المسيحيين، نؤمن أن لا إله إلا اللّه، وأنه لا تركيب فيه على الإطلاق. فقد قال: «أَنَا ٱلأَّوَلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلا إِلَهَ غَيْرِي» (إشعياء 44: 6)، وقال أيضاً: «أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ مَعِي» (تثنية 32: 39)، وقال للذين اتخذوا غيره إلهاً «أَلَيْسَ أَنَا ٱلرَّبُّ وَلا إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ» (إشعياء 45: 21). ولذلك خاطبه نحميا النبي بالقول: «أَنْتَ هُوَ ٱلرَّبُّ وَحْدَكَ» (نحميا 9: 6). وقال موسى النبي: «ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلإِلٰهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ» (تثنية 4: 39) وقال أيضاً: «ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4) وقال بولس الرسول: «يُوجَدُ إِلٰهٌ وَاحِدٌ» (1تيموثاوس 2: 5) وقال يعقوب الرسول: «ٱللّٰهَ وَاحِدٌ» (يعقوب 2: 19).

أما عن حقيقة عدم وجود تركيب في اللّه، فإن كل الكتاب المقدس لم ينبّر عليها كما نبّر على حقيقة وحدانيته، وذلك لعدم ظهور خلاف بين الناس من جهتها. إلا أنه وردت به آيات تدل بوضوح على أن اللّه لا تركيب فيه، فقد قال إن «اَللّٰهُ رُوحٌ» (يوحنا 4: 24)، وإنه «غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ» (كولوسي 1: 15) وإنه لا يتحيز بحيّز (مزمور 139: 8-12). وهذه الصفات تدل على أنه غير مركب، لأن المركّب متحيّز بحيّز، ومن الممكن أن يُدرَك أو يُرى، إذ أنه محدود بحدود الأجزاء المركب منها - هذا وقد أجمعت كل الكتب الدينية على اختلاف مذاهب كتّابها، على أنه «روح سرمدي، غير مركب، أو محدود، أو متغيّر».

وحقيقتا وحدانية اللّه وعدم وجود تركيب فيه، لا تتعارضان مع حقيقة كونه ثلاثة أقانيم، بل تتوافقان معها كل التوافق. وإن كنا سنتحدث عن ذلك بإسهاب في أبواب هذا الكتاب، لكن نرى من الواجب أن نذكر الآن شيئاً على أساس هذا التوافق.

الفصل الأول: وحدانية اللّه ونوعها

كلنا يعلم أن اللّه يتصف بصفات وإن كنا لا نستطيع الإلمام بها، لأنّ اللّه يفوق العقل والإدراك. فالله يتصف مثلاً بالسّمع والبصر، والكلام والعلم، والإرادة والمحبة، لأنه ذات عاقلة لها علاقة مع غيرها من الكائنات، مثل البشر والملائكة. والذات العاقلة التي لها علاقة مع غيرها تتصف بهذه الصفات، بأي وجه من الوجوه. ومما لا شك فيه أيضاً أنّ هذه الصّفات لم تكن عاطلة في اللّه أزلاً ثم صارت عاملة عندما قام بخلق الملائكة والبشر وغيرهم من الكائنات، بل إنّها كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً (أي دون وجود مؤثر، خارج عن ذاته) وذلك قبل وجود أحد منهم، لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لكان اللّه تعرض للتغيُّر، إذ يكون قد صار عاملاً، بعد أن كان غير عامل، والحال أنه لا يتغير على الإطلاق.

ولو كان الأمر غير ذلك لكانت هذه الكائنات ضرورة لازمة لجأ إليها اللّه لكي يُظهر صفاته ويُعلن ذاته، والحال أنه تعالى لكماله التام، ظاهر في صفاته كل الظهور، ومُعلَن في ذاته كل الإعلان، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.

وبما أن اللّه يتصف بهذه الصفات التي كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه، إذن لا شك في أنه كان يمارسها حينذاك بينه وبين ذاته وحدها. هذا من وجهة، ومن وجهة أخرى بما أن ممارسة هذه الصفات لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بين كائنين عاقلين على الأقل، أو بين كائن عاقل وذاته، إن كان مركباً. وبما أن اللّه مع وحدانيته وتفرُّده بالأزلية وعدم وجود تركيب فيه، كان يمارس هذه الصفات بينه وبين ذاته أزلاً كما ذكرنا، فمن المؤكد إذن أن تكون وحدانيته، مع عدم وجود تركيب فيها، ليست وحدانية مجردة أو وحدانية مطلقة، بل وحدانية من نوع آخر لا نظير له في الوجود، لأن كل شيء في الوجود، حتى الذرة، مكوَّن من أجزاء.

و «الوحدانية المجردة» هي الوحدانية التي لا تتصف بصفة، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أن اللّه لا يتصف بصفة، أو بالحري أنه ليس ذاتاً، أو موجوداً له كيان حقيقي، لأن لكل موجود حقيقي صفة، على أي نحو من الأنحاء.

أما «الوحدانية المطلقة» فهي الوحدانية التي لا حدَّ لها، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أنه ذاتٌ يتصف بالصفات السلبية (كعدم الإرغام وعدم الجهل)، أو يتصف بالصفات الإيجابية (كالإرادة والعلم). ولكن هذه الصفات لم يكن لها مجال للظهور أو العمل، إلا عند قيامه بالخلق، أي أن صفاته تعالى كانت بالقوة أزلاً، ثم صارت بالفعل عندما خلق.

وإن كان لا بدّ من إطلاق اسم على وحدانية اللّه، فمن الممكن أن تُسمَّى «الوحدانية الشاملة المانعة» أو «الوحدانية الجامعة المانعة» أي الشاملة أو الجامعة لكل ما هو لازم لوجود صفات اللّه بالفعل، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها. لأنه بذلك يكون منذ الأزل الذي لا بدء له، عالماً ومعلوماً، وعاقلاً ومعقولاً، ومُريداً ومراداً، وناظراً ومنظوراً، وسميعاً وكليماً، ومُحباً ومحبوباً، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته أو شريك معه، الأمر الذي يتوافق كل التوافق مع كماله، واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.

ونحن وإن كنا لا نبني أسانيدنا في هذا الكتاب على أقوال الفلاسفة والعلماء، لكن استيفاءً للبحث نقول إن كثيراً منهم، في كل دين من الأديان، قد ذهب إلى أن اللّه جامع. فمن بين اليونان، قال أفلاطون: «اللّه جامع لكل المحامد»، وقال أرسطو: «اللّه هو الكل، فهو العقل والعاقل والمعقول». ومن بين اليهود قال فيلون: «اللّه لا يتصل بالعالم مباشرة، بل بواسطة كلمته». وقال سيمون بن يوشي: «كلمة إلوهيم (أي اللّه) تدل على أنه تعالى جامع». ومن بين المسيحيين، قال بوهمي: «لا بد أن يكون اللّه منطوياً على كثرة، هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة الموجودة في العالم بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده، ما دامت وحدة مطلقة»، وقال فيكتور كوزان: «الحقائق المطلقة التي نجدها في عقلنا تتطلب وجود عقل مطلق، ولما كان عاقلاً، كان وجداناً، والوجدان يتضمن التنوُّع». وقال سانتلا: «كيف يتصور صدور الكثرة من الأحدية البسيطة المتعالية عن كل كثرة! إن الأمر لا يخلو أن يكون أحد حالين: إما أن يُقال إن الكثرة كانت مكنونة في ذات الأول المحض، كما قال بعض الصوفيين إنها كالشجرة في النواة. وإما أن يُقال إن الكثرة لم يكن لها أثر أو رسم في ذات اللّه. وكيف يُتصوَّر حينئذ أن يكون علة للكثرة!». فبناء على رأيه، يجب التسليم بوجود كثرة في اللّه، أو بتعبير أدقّ بوجود إله جامع أو شامل. ومن بين فلاسفة المسلمين وعلمائهم، قال صاحب التحقيق: «أرى الكثرة في الواحد، وإن اختلفت حقائقها وكثرت، فإنها عين واحدة، فهذه كثرة معقولة في ذات العين»، وقال ابن العربي: «إذا اعتُبر الحق ذاتاً وصفات، كان كلاً في وحدة». وقال غيره: «لكن من غلبت عليه الوحدة من كل وجه، كان على خطر. فالقلوب به هائمة والعقول فيه حائرة، وبذلك ظهرت عظمته سبحانه وتعالى». (عن كتب: مشكلة الألوهية، والفلسفة الإغريقية، وتاريخ الفلسفة اليونانية، وعلم الطبيعة، والفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وفلسفة المحدثين والمعاصرين، والمدخل إلى الفلسفة، وفصوص الحكم لابن العربي، وتحفة المريد على جوهرة التوحيد، وحاشية الأمير على الجوهرة).

الفصل الثاني: توافق الوحدانية الجامعة مع وحدانية اللّه

وهنا يتساءل البعض: كيف تكون وحدانية اللّه محض لا تركيب فيها على الإطلاق، وفي الوقت نفسه يكون اللّه شاملاً أو جامعاً؟

والجواب: لو أن أساس الجامعية والشمول في اللّه، يختلف عن أساس هذه الوحدانية فيه، لا يكون هناك مجال للاعتراض على الإطلاق. ولإيضاح ذلك نقول: إذا وُصف الإنسان مثلاً بأنه واحد وثلاثة، فإن هذا الوصف يبدو لأول وهلة متعارضاً مع الحقيقة المعروفة لدينا، لأنه لا يمكن أن يكون شخص ما واحداً وثلاثة. لكن إذا تبيَّن لنا أنه يقصد بهذا الوصف أن الإنسان واحد من جهة المظهر، وثلاثة من جهة الجوهر، فإن الشك في صحة هذا الوصف يزول من أمامنا، لأننا نعلم أن الإنسان واحد في مظهره، وفي الوقت نفسه هو في جوهره مكوَّن من ثلاثة عناصر متكاملة: هي الجسد والنفس والروح.

وعلى هذا القياس، مع مراعاة الفارق الذي لا حدَّ له بين الوحدانية الإلهية والوحدانية البشرية، لأن الأولى غير مركبة وغير محددة، أما الثانية فمركبة ومحدودة، نقول: بما أن اللّه جوهر، لأن القائم بذاته جوهر، و «الجوهر» ليس هو المادة، كما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، بل هو ما ليس في موضوع، أو بتعبير آخر هو القائم بذاته. وليس هناك غبار على القول «إن اللّه جوهر». وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة. فقال ديكارت مثلاً «اللّه هو الجوهر الحقيقي» (المدخل إلى الفلسفة ص 177).

وبما أن هذا الجوهر، وإن كان لا متناهياً إلا أن له تعيُّناً خاصاً به، إذن يكون اللّه واحداً من جهة، وجامعاً أو شاملاً من جهة أخرى، دون أن يكون هناك أي تعارض أو تناقض في ذاته.

و «التعين» هو الوجود الواقعي الذي يتميز بمميزات تدل على أن له مثل هذا الوجود. ولا يُشترط فيه أن يكون محدوداً أو مجسَّماً، بل أن يكون فقط موجوداً وجوداً حقيقياً. ولذلك فلكل موجود تعيُّن بأي وجه من الوجوه، وليس بلا تعيُّن إلا غير الموجود.

فمن أي وجهٍ يكون واحداً، ومن أي جهةٍ يكون جامعاً؟

الجواب: لا شك في أنه يكون واحداً من جهة الجوهر، لأنه إن لم يكن واحداً من هذه الجهة، كان مركباً وقابلاً للتجزئة. والحال أنه ليس مركباً أو قابلاً للتجزئة. ويكون جامعاً من جهة التعيُّن، لأن وجود صفاته بالفعل منذ الأزل الذي لا بدء له، يدل بوضوح على أنه جامع من هذه الجهة. وجوهر اللّه الذي لا تركيب فيه، والجامع في تعيُّنه لكل ما هو لازم لكماله، واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود، ليس طبعاً سوى عين ذاته، لأنه لا تركيب فيه كما قلنا.

وإننا بقولنا سالف الذكر، لا نفرّق مطلقاً بين جوهر اللّه وتعيُّنه، بل نقصد فقط أن اللّه ليس جوهراً مبهماً أو غير معيَّن، بل إنه جوهر واضح أو معيّن - لأن التعين هو من مستلزمات كل موجود حقيقي، كما قلنا. فجوهر اللّه ما هو إلا اللاهوت. وهذا الجوهر نفسه بالنظر إلى تعيُّنه ما هو إلا اللّه. واللّه ليس شيئاً غير اللاهوت، بل هو اللاهوت معيّناً. واللاهوت ليس شيئاً غير اللّه، بل هو اللّه جوهراً. ولذلك كثيراً ما تُستعمل كلمة «اللاهوت» بدلاً من كلمة «اللّه»، وكلمة «اللّه» بدلاً من كلمة «اللاهوت»، كما يتضح بكثرة في الأبواب التالية.

وقد عبَّر ابن العربي في كتابه «فصوص الحكم»، عن «اللاهوت» بـ «الباطن»، وعن اللّه بـ «الظاهر»، ثم أعلن أنهما واحد. فقال عن اللّه «هو الظاهر وهو الباطن، وهو عين ما ظهر وعين ما بطن». كما أعلن ما يُستنتج منه أن الكثرة ليست في جوهر اللّه أو هُويته، بل هي في تعيُّنه أو ظاهريته، فقال: «لا كثرة في هُوية ذات الحق. وكل كثرة واختلاط (أو علاقات) فهو بعد ذاته وظاهريته». واصطلاح «الظاهر والباطن» اقتبسه ابن العربي من القرآن، فقد ورد في (سورة الحديد 57: 3) عن اللّه «هُوَ ٱلأَّوَلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ».

مما تقدم يتضح لنا ما يأتي:

  1. بما أنه لا يُراد بوحدانية اللّه الجامعة، أنه واحد في تعيُّنه وجامع أيضاً في تعيُّنه، بل بالعكس يُراد بها أنه واحد في جوهره وجامعٌ في تعيُّنه، إذن ليس هناك أي تناقض في القول إن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة.

    ويتفق معنا في ذلك بعض علماء المسلمين. فمثلاً قال صاحب المواقف: «لا يجوز اجتماع الوحدة مع الكثرة في شيء واحد من جهة واحدة» (المواقف ص 342)، ومعنى ذلك أنه يجوز اجتماعهما معاً في شيء واحد من جهتين.

  2. بما أنه لا يُراد بوحدانية اللّه الجامعة، أنه جامع في جوهره وواحد في تعينه، بل بالعكس يُراد بها أنه واحد في جوهره وجامع في تعينه، إذن لا سبيل للظن بأنها تنمّ عن وجود أي تركيب في ذاته.

  3. وبما أنه لا يُراد بجامعية تعيّنه، ذاته وغيرها من الذوات، بل يُراد بها ذاته وحدها، إذن لا سبيل للظن بأن هذه الوحدانية تنم عن وجود أي شريك له.

    وبذلك فإن وحدانية اللّه الجامعة، لا تتعارض مع وحدانيته، أو عدم وجود تركيب فيه، أو عدم وجود شريك له، بل تتوافق مع هذه الحقائق كل التوافق.

الفصل الثالث: ماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية

يعتقد بعض الفلاسفة الذين أدركوا أن وحدانية اللّه وحدانية جامعة أو شاملة، أن هذه الجامعية أو الشمول هي ذاته وصفاته. لكن هذا الاعتقاد لا يتفق مع الخصائص اللائقة باللّه، لأننا لو فرضنا أن جامعية اللّه أو شموله هي ذاته وصفاته. وصفاته كما مرَّ بنا كانت بالفعل أزلاً، فإنه يترتب على ذلك أن اللّه كان في الأزل يكلم صفاته ويسمعها، ويبصرها ويحبها، ويريدها ويعلمها. أو أن صفاته كانت تكلمه وتسمعه، وتبصره وتحبه، وتريده وتعلمه. أو أنها كان يكلم بعضها بعضاً، ويسمع بعضها بعضاً، ويبصر بعضها بعضاً، ويحب بعضها بعضاً، ويريد بعضها بعضاً، ويعلم بعضها بعضاً أزلاً. وكل ذلك باطل. لأن اللّه لا يتعامل مع الصفات، ولا الصفات تتعامل مع اللّه، أو مع بعضها البعض، لأن التعامل لا يكون إلا بين التعيّنات العاقلة، والصفات معان وليست تعيّنات. والمقصود «بالمعاني» في قولنا هذا ما ليس له وجود واقعي، بل ما وجوده في الذهن فحسب.

ولذلك فجامعية اللّه لا يمكن أن تكون هي ذاته وصفاته، بأي وجه من الوجوه. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي جامعيته إذن؟

الجواب: إنها كما ذكرنا في الفصل الأول، هي ذاته عينها. فذاته مع وحدانيتها، وعدم وجود تركيب فيها، هي بنفسها جامعة، أو بتعبير آخر إنها ليست تعيناً واحداً بل تعيّنات.

وطبعاً ليس معنى ذلك أن اللّه قائم بآلهة مشابهة له. كلا، لأن اللّه لا شريك له ولا نظير. وليس معناه أنه ذات في ذوات، أو ذوات في ذات. كلا، لأنه ذات واحدة لا تركيب فيها على الإطلاق. بل معناه أن ذاته الواحدة التي لا تركيب فيها هي بعينها تعينات.

وبما أن ذات اللّه تعيّنات، إذن فمن البديهي أن يكون كل تعيُّن من هذه التعيّنات، ليس جزءاً من ذات اللّه، بل أن يكون هو ذات اللّه، لأنه غير مركّب من عناصر أو أجزاء. وأن يكون ذات اللّه نفسها، بكل خصائصها وصفاتها (لأن تعيّن اللّه هو عين جوهره، كما ذكرنا فيما سلف)، ولذلك يكون كل تعين من هذه التعينات هو اللّه الأزلي الأبدي، العالم المريد، القدير البصير، السميع الكليم، الذي لا يتغير أو يتطوّر على الإطلاق. لأنه بذلك، وبذلك وحده، يكون منذ الأزل الذي لا بدء له، كاملاً كل الكمال، ومستغنياً بذاته كل الاستغناء، إذ يكون، كما ذكرنا في الفصل الأول، عالماً ومعلوماً، وعاقلاً ومعقولاً، ومريداً ومراداً، وناظراً ومنظوراً، وسميعاً وكليماً، ومحباً ومحبوباً، إلى درجة الكمال الذي ليس بعده كمال، دون أن يكون هناك شريك في ذاته أو شريك معه.

الفصل الرابع: الأقانيم

اصطلح معظم فلاسفة المسيحيين في الأجيال الأولى، على تسمية هذه التعيُّنات بالأقانيم، والمفرد «أقنوم». و «الأقنوم» كلمة سريانية يطلقها السريان على كل من يتميز عن سواه، على شرط ألا يكون مما شُخِّص أوْ لَهُ ظل (A Compendious Syriac Dictionary, pp.509-10 وسلك الفصول ص 88-90). ولذلك فإن المراد بكلمة «الأقنوم» هو نفس المراد بكلمة «التعيُّن». وكلمة أقانيم تختلف كل الاختلاف عن كلمة «أشخاص» المستعملة في اللغة العربية والكلمات المقابلة لها في اللغات الأخرى، من ناحيتين رئيسيتين (أ) فالمراد بالأشخاص، هم الذوات المنفصل أحدهم عن الآخر. أما المراد بـ «الأقانيم» فذات واحدة هي ذات اللّه الذي لا شريك له ولا نظير. (ب) إن الأشخاص وإن كانوا يشتركون في الطبيعة الواحدة، إلا أنه ليس لأحدهم ذات خصائص أو صفات أو مميزات الآخر. أما الأقانيم فمع تميُّز أحدهم عن الآخر في الأقنومية، هم واحد في الجوهر بكل خصائصه وصفاته ومميزاته، لأنهم ذات اللّه الواحد.

فالأقانيم ليسوا إذن كائنات في اللّه، أو كائنات مع اللّه، بل هم ذات اللّه، لأنهم تعيّنات اللاهوت، أو بتعبير أدق «تعيُّن اللاهوت الخاص». أو اللاهوت معيّناً. وتعيُّن اللاهوت أو اللاهوت معيّناً، هو ذات اللّه. وهم تعيُّن اللاهوت أو ذاته معيّنة، لأنهم هم اللاهوت معلناً في ذاته وصفاته. ولذلك كان اللاهوت، بتعيّنه أو أقانيمه، ليس هو اللّه المبهم الغامض، كما يتصوره بعض الناس، بل اللّه المعيّن الواضح، الذي نستطيع إدراكه والرجوع إليه، فنجد فيه مقصدنا، الذي تسكن إليه نفوسنا وتطمئن إليه قلوبنا.

أما عدد الأقانيم، فهو طبعاً أول عدد لا يمكن لأقل منه أن تتوافر فيه خصائص الوحدانية الجامعة المانعة، وهذا العدد هو «3». ويتفق معنا كثير من الفلاسفة على ذلك، فمثلاً قال ابن العربي: «أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد، بل هو أصل الأعداد» (فصوص الحكم ص 130).

وهناك اعتقاد عام عند البشر أن العدد «3» هو أول عدد كامل، ففي أمثالهم يقولون «ٱلْخَيْطُ ٱلْمَثْلُوثُ لا يَنْقَطِعُ» (جامعة 4: 12)، و «كل شيء بالثالث يكمل»، و «المرَّة الثالثة ثابتة». وفي قانون العقوبات يُعتبر المجرم عائداً يستحق عقوبة الجناية بدلاً من عقوبة الجنحة، إذا ارتكب مخالفة ثلاث مرات (المادة 49 من قانون العقوبات). وفي الرياضيات، أول شكل هو الذي له ثلاثة أضلاع، وأول حجم هو الذي له ثلاثة أبعاد. وفي الطبيعة، كل نبات راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل حيوان راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل إنسان مكون من ثلاثة عناصر رئيسيّة. والذرَّة نفسها مكّونة من ثلاثة أجزاء رئيسيّة وهكذا.. وليس هذا الاعتقاد موجوداً فقط في اصطلاحات الناس وعلومهم، بل إنه موجود أيضاً في كل دين من الأديان. ففي الإسلام يُعتبر العدد «3» في كثير من الأحوال أول عدد كامل، فاسم المولى يذكر أثناء كل ركعة ثلاث مرات، ويقوم المصلي بالمضمضة ثلاث مرات، والاستنشاق ثلاث مرات، وغسل الوجه ثلاث مرات، والقسَم لا يكون نافذاً إلا إذا كان باللّه ثلاثاً، والطلاق لا يكون قانونياً إلا إذا كان الإشهار به ثلاثاً. وفي اليهودية والمسيحية يُعتبر هذا العدد أول عدد كامل (إقرأ مثلاً 2 صموئيل 24: 12، دانيال 1: 5، خروج 23: 14، ودانيال 6: 10، وتكوين 15: 9، وإشعياء 15: 5، وأستير 5: 1، ولوقا 13: 7، وأعمال 10: 16، و 2 كورنثوس 12: 8). وطبعاً ليس الغرض من هذه الاقتباسات هو الاستدلال بها على أن أقانيم اللاهوت أو تعيناته لا بدّ أن يكونوا ثلاثة. كلا! لأن اللّه أسمى من أن يُقاس بالنسبة الى أي شيء من الأشياء، بل الغرض منها هو الاستدلال بها على أنه لو أعلن لنا الوحي أن الأقانيم ثلاثة، لما جاز لعقولنا أن تعترض على الإطلاق، لأن هذه الحقيقة تكون متفقة مع الواقع المعروف لدينا. ونظراً لأننا سنبحث موضوع عدد الأقانيم بالتفصيل في هذا الكتاب، لذلك نكتفي بهذه الملاحظة.

أمام القول أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، لا يجد العقل مجالاً للاعتراض. وإن اعترض بشيء، فلا يمكن أن يقول سوى إن هذا الموضوع يسمو فوق إدراكه. ونحن من جانبنا نوافقه على ذلك كل الموافقة، لأن اللّه عجيب في ذاته ولا يمكن الإحاطة به إطلاقاً. ومع كلٍ، فإنه وإن كان يسمو فوق العقل، إلا أنه ليس ضد العقل، لأننا يجب أن نؤمن: إما بأن وحدانية اللّه هي وحدانية مجرَّدة، نفينا عنه الذات والصفات، والحال أنه ذات وله صفات. وإن قلنا إنها مطلقة، افترضنا اتّصافه بصفات لا علة له أو عمل أزلاً، وأسندنا أيضاً إليه التغيّر والتطوّر بدخوله في علاقة مع الكائنات التي خلقها، وكل ذلك باطل. ولذلك فمن المؤكد أن تكون وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، أو بتعبير آخر متميّزة بأقانيم أو بتعيّنات (أو سمِّها ما شئت، إذ لا قيمة للفظ بجانب سلامة المعنى)، لأن هذه الأقانيم أو التعيّنات هي الخصائص الأصلية الذاتية لوحدانية اللّه المحض، ولذلك كان اللّه مع لا نهائيته وتفرُّده بالأزلية، وعدم وجود أي تركيب فيه، ليس الإله المجرّد من الصفات، أو الإله الذي يتَّصف بصفات لم يكن لها عمل أزلاً، بل الإله المتَّصف بكل صفات الكمال، والذي كانت كل صفاته بالفعل، منذ الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبد الذي لا نهاية له، الأمر الذي يتوافق مع كماله التام، واستغنائه عن كل شيء في الوجود، وعدم تعرضه للتطور والتغير، بأي وجه من الوجوه.

ومن هذا نرى أن هناك فرقاً كبيراً بين الأمور التي تسمو فوق العقل، وتلك التي لا تتفق معه. فالأولى هي التي تتفق معه في أساسها، لكن لسموها لا نستطيع الإحاطة بكنهها. أما الثانية فإنها لا تتفق معه إطلاقاً، لا في أساسها ولا في كنهها. فمثلاً إذا قلنا إن اللّه يحب الأشرار، فإن هذا القول لا يكون ضد العقل، بل يكون أسمى من إدراكه، لأن الأشرار وإن كانوا حسب عقولنا، لا يستحقون محبة أو عطفاً من اللّه، إلا أنه لكماله التام لا يمكن أن يكرههم، لأنه سبق وخلقهم على صورته كشبَهه. ولذلك فمن البديهي أنه يحبهم، ويهيء لهم سبيل الرجوع إليه والتوافق معه. أما إذا قلنا إن اللّه يحب الشر، فإن هذا القول لا يكون أسمى من إدراك العقل، بل يكون ضده، لأن الشر لا يتوافق مع قداسة اللّه بأي حالٍ من الأحوال.

الباب الأول: التوراة ووحدانية الله الجامعة المانعة

في هذا الباب ندرس

1 - شهادة التوراة بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة.

2 - التوراة وماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية.

3 - أسماء الأقانيم وعددهم ووحدتهم.

4 - الأدلة على صدق شهادة التوراة.

الفصل الأول: شهادة التوراة بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة

  1. قبل أن يخلق اللّه الإنسان، قال: «نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 26). ويتفق الإسلام معنا على هذه الحقيقة، فقد جاء في الأخبار «خلق آدم على صورة الرحمٰن» (العقائد النسفية ص 249، والفلسفة في الإسلام ص 39). وطبعاً ليس المقصود بهذا المعنى الحرفي لها، بل المعنى المجازي، لأن اللّه ليس له صورة مادية يُصاغ أحد على شكلها. والمعنى المجازي المناسب لهذه الآية، هو أن الإنسان خُلق في حالة التوافق مع اللّه (قابل هذه الآية مع تكوين 2: 8، من جهة مشابهة حواء لآدم، من الناحية المعنوية).

    وقد اختلف الناس فيما تدل عليه صيغة الجمع، المستعملة في الكلمات: «نعمل الإنسان على صورتنا كشَبَهنا». فقال فريق منهم إنها تدل على تعظيم اللّه لذاته، وقال فريق آخر إنها تدل على أن وحدانيته هي وحدانية جامعة. ولكي تتضح الحقيقة للقارىء نقول: إن استعمال صيغة الجمع للدلالة على التعظيم لم يكن معروفاً في اللغة العبرية التي كُتبت بها التوراة أو غيرها من اللغات القديمة - فالملوك والعظماء كانوا يتحدثون عن أنفسهم، كما كانوا يُخاطَبون بصيغة المفرد (إقرأ مثلاً الخطابات القديمة الواردة في كتاب النيل في عهد الفراعنة، للأستاذ أنطون ذكري: ص 13، 14، 101، 112، وفي كتاب الفلسفة الشرقية، للدكتور محمد غلاب: ص 37، 38، 69، 72، 73، 75، 76، وفي كتاب مصر القديمة، للأستاذ سليم حسن: ص 370-372، 378-388). والكتاب المقدس يؤيد هذه الحقيقة، فقد قال فرعون ليوسف: «إِنِّي كُنْتُ فِي حُلْمِي وَاقِفاً عَلَى شَاطِئِ ٱلنَّهْرِ» (تكوين 41: 17) مستعملاً صيغة المفرد. وقال نبوخذ نصر ملك بابل لدانيال: «كُنْتُ مُطْمَئِنّاً فِي بَيْتِي وَنَاضِراً فِي قَصْرِي» (دانيال 4: 4)، مستعملاً صيغة المفرد أيضاً. فضلاً عن ذلك، فقد سجل الكتاب المقدس أن اللّه نفسه لم يتكلم عن ذاته، بضمير الجمع «نحن» بل بضمير المفرد «أنا». فقد قال لإبراهيم: «أَنَا تُرْسٌ لَكَ» (تكوين 15: 1) كما قال لإسرائيل: «أَنَا ٱلرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ»(إشعياء 45: 6). وهذا دليل على أن صيغة الجمع المستعملة مع اسمه في بعض الآيات، لا يُراد بها التعظيم، بل يُراد بها التعبير عن جامعية وحدانيته كما ذكرنا.

    وبما أنه ليس من المعقول أن يستعمل اللّه في أقواله مع البشر اصطلاحاً لغوياً غير معروف لديهم، لئلا يسيئوا فهم الغرض منه، فمن المؤكد أنه لا يقصد بهذه الصيغة تعظيماً لذاته. وبما أنه لا يقصد بها تعظيماً لذاته، وفي الوقت نفسه هو وحده الخالق للإنسان، فمن المؤكد أيضاً أنه لا يقصد بها ذاته وغيرها من الذوات، بل يقصد بها ذاته وحدها. وإذا كان الأمر كذلك كانت ذاته ليست مجرَّدة أو مطلقة، بل شاملة أو جامعة كما ذكرنا في التمهيد.

    فإذا أضفنا إلى ذلك، أن اللّه عظيم كل العظمة في ذاته. ومنْ هو عظيم كل العظمة في ذاته، لا يلجأ إلى تعظيمها - إذ لا يفعل ذلك إلا المخلوق الذي يشعر بوجود نقص في نفسه، فيدفعه مُرَكّبُ النقص إلى تعظيمها، لكي يغطّي ما فيها من نقص - لا يبقى مجال للشك في أن صيغة الجمع المستعملة مع «اللّه» في هذه الآية وغيرها من الآيات، تدل على أن وحدانيته وحدانية جامعة.

  2. وبعد أن خالف آدم وصية اللّه، قال اللّه: «هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ» (تكوين 3: 22). ولا يمكن أن يكون الغرض من قوله «صار كواحد منا» التعظيم على الإطلاق، فهذا مستحيل للأسباب السابق ذكرها. ولو كان غرض اللّه من قوله هذا أن يُعظّم ذاته، لقال: «هوذا الإنسان قد صار مثلنا». ولذلك فقوله: «كواحد منّا» بهذا النص، يدل على أنّه جامع، أو بتعبير آخر على أنّه أكثر من تعيُّن واحد.

  3. وعندما كثر شر الناس على الأرض، قال أيضاً: «هَلُمَّ (أو دعنا) نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ» (تكوين 11: 7) - وبالتأمل في هذه الآية، يتضح لنا أن قول اللّه «هلمَّ» أو «دعنا»، لا يدل على تعظيمه لذاته إطلاقاً، بل يدل على حدوث تداول بينه وبين آخر. فتُرى مَنْ هو هذا الآخر الذي كان اللّه يتداول معه!؟

    الجواب: بما أن اللّه واحد لا شريك له، وفي الوقت نفسه هو كافٍ للقيام بكل أعماله بمفرده، إذن فهو لا يضع ذاته جنباً إلى جنب مع أحد من خلائقه ويخاطبه بالقول: «هلم نعمل كذا و كذا.. ». وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ التداول المذكور، يكون قد حدث بين اللّه وبين ذاته وحدها. وحدوث تداول بين اللّه وبين ذاته دليل قاطع على أنّه جامع، أو بتعبير آخر على أنه أكثر من تعيّن واحد.

  4. وعندما ظهر الرب لإشعياء النبي في الرؤيا قال: «مَنْ أُرْسِلُ، وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» (إشعياء 6: 8) - ولا يمكن أن يكون الغرض من قوله: «من أجلنا» التعظيم على الإطلاق، فليس من المعقول أن يعظم اللّه ذاته تارة ولا يعظمها أخرى، لأنه قال قبل هذه العبارة مباشرة «من أرسل» بصيغة المفرد. ولا يمكن أن يكون الغرض من قوله «من أجلنا» ذاته والملائكة الذين معه، لأنه لا يرسل رسولاً إلى البشر من أجله ومن أجل الملائكة معاً، بل من أجله وحده، لأن البشر يجب أن يرجعوا إليه دون سواه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن صيغة الجمع في هذه العبارة لا يمكن أن تدل إلا على أن وحدانية اللّه جامعة. أو بتعبير آخر لا تدل إلا على أن ذاته ليست تعيُّناً واحداً، بل تعينات، وأن المتكلم هو تعيُّن من هؤلاء التعينات.

  5. فضلاً عما تقدم من أدلة، فإننا إذا رجعنا إلى اللغة العبرية، التي هي اللغة الأصلية للتوراة، وجدنا أن «اللّه» يُسمَّى فيها باسمين رئيسيين: الأول «إلوهيم» (تكوين 1: 1)، وهو اسم جمع معناه الحرفي «الآلهة». والثاني «يهوه» (خروج 3: 15) وهو اسم مفرد، معناه الحرفي «يكون باستمرار» أو «الكائن بذاته على الدوام». ولا شك في أن اللّه بإطلاقه على نفسه اسم «إلوهيم» الجمع، بجانب اسم «يهوه» المفرد، لا يقصد تعظيماً لذاته، لأنه لو كان الأمر كذلك، لما استعمل الاسم المفرد إطلاقاً، إذ ليس من المعقول أن يُعظّم ذاته تارة ولا يعظمها أخرى، بل يقصد التعبير عن نوع وحدانيته في مجال خاص. وهذا النوع لا يمكن أن يكون سوى الوحدانية الجامعة، أو الوحدانية المتميزة بأكثر من تعيُّن واحد كما ذكرنا.

ومما يثبت كذلك أن الجمع في كلمة «إلوهيم»، لا يُقصد به تعظيم اللّه لذاته، بل الإعلان عن أن وحدانيته وحدانيه جامعة، الدليلان الآتيان:

  • لا يُقال مطلقاً «رؤساء» أو «سادة» للدلالة على تعظيم «رئيس» أو «سيد»، بل للدلالة على وجود أكثر من «رئيس» واحد، أو «سيد» واحد. وعلى هذا القياس لا يُراد بكلمة «إلوهيم» تعظيم اللّه، بل يُراد بها أنه أقانيم.

  • الإسم «إلوهيم» لم يُستعمل عند ورود اسم الجلالة كالمتكلِّم والمخاطَب فحسب، بل وعند وروده كالمتكلَّم عنه أيضاً. فكلمة «اللّه» في الآية «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ» (تكوين 1: 1) هي في الأصل العبري «إلوهيم». وبما أن القاعدة العامة هي أن صيغة الجمع لا تُستعمل للتعظيم، إلا إذا ورد الفاعل كالمتكلَّم أو المخاطَب فحسب، إذن ف «إلوهيم» تدل قطعاً على أن اللّه أكثر من تعيُّن واحد.

وأمام هذه الحقيقة، يسأل البعض: وما غرض اللّه من إطلاق اسمين مختلفين على نفسه، وفي أيّ مجال يُطلق كلاّ منهما عليها؟

والجواب: لولا وجود الخلائق العاقلة، لما كان هناك داعٍ لأن يطلق اللّه على نفسه اسماً ما. ولكن عندما خلقها، استلزم الأمر أن يطلق على نفسه اسماً لتعرفه به، يُراعى في اختياره أن يكون ذا معنى يمكن لخلائقه أن تعرف به شيئاً عنه، لأن كل اسم يُراد به تعريف المسمَّى به لدى غيره. ولما كان المخلوق، بسبب قصوره الذاتي، لا يستطيع أن يعرف شيئاً عن اللّه، من حيث ماهيته. وكل ما يستطيع معرفته عنه هو صفاته وأعماله الظاهرة، كان من البديهي أنه عندما يطلق اللّه على نفسه اسماً، يختار اسماً يدل على صفاته أو أعماله الظاهرة لخلائقه. فإذا رجعنا إلى سفر التكوين، الذي هو أول إعلان للبشر عن اللّه، وجدنا أن أول اسم عُرف به في بدء الخلق وأثناء الخلق، هو «إلوهيم» الجمع. وعندما أكمل خلق العالم، وأخذ في خلق الإنسان والاتصال به، عُرف باسم «يهوه إلوهيم»، أو حسب الترجمة الحرفية «الآلهة الكائن بذاته» (إقرأ تكوين 1: 1، 2، 3، 4، 5 مع تكوين 2: 4، 5، 7، 8). ومن هذا نستنتج:

  1. يُراد باسم «إلوهيم» الجمع، «اللّه مع ذاته»، أو «اللّه بصرف النظر عن علاقته مع غيره». فكان من البديهي أن يُعرف اللّه بهذا الاسم، قبل الخَلْق وأثناء الخلق، لأن الاسم المذكور يدل في معناه، وفي جامعيته، على كفاية اللّه الذاتية، واستغنائه بذاته عن كل شيء سواه، كما يدل على وجود صفاته بالفعل، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.

  2. يُراد باسم «يهوه» المفرد، «اللّه في علاقته مع غيره»، ولذلك كان من البديهي أن يُعرف اللّه بهذا الاسم عندما خلق الإنسان وبعد خلقه إياه، لأن الاسم المذكور يدل على العهد وما يتبع ذلك من المرافقة والمساعدة.

  3. لم يكن يُقصد بالإسم «إلوهيم» اللّه وبعض الآلهة معه، كما أنه لم يكن يُطلق عليه بواسطة اليهود بعد تأثُّرهم بالوثنية، كما يقول بعض المتهكمين من رجال الفلسفة، بل كان يُقصد به اللّه وحده، كما كان يُطلق عليه قبل تأثر اليهود بالوثنية بسنين كثيرة، والدليلان الآتيان خير شاهد على ذلك:

  • يستعمل الوحي اسم «إلوهيم» الجمع مرادفاً لاسم «يهوه» المفرد. وهذا دليل قاطع على أنه يُقصد بـ «إلوهيم»، ذات اللّه الواحد، فقد قال موسى النبي (حسب الترجمة الحرفية للنص العبري) لبني إسرائيل: «إسمع يا إسرائيل، يهوه (مفرد) آلهتنا (جمع) يهوه (مفرد) واحد» (تثنية 6: 4).

    وقد ورد اسم «إلوهيم» مرادفاً أيضاً لاسم «يهوه»، في آيات كثيرة مثل (تكوين 2: 7، 8، 9، 15، 18، 19، 3: 1، 8، 9، 13، 4: 4، 6، 9، 1 أخبار الأيام 28: 8). ونظراً لأن «يهوه» هو «إلوهيم» و «إلوهيم» هو «يهوه»، تُسنَد الصفات الخاصة بـ «يهوه» إلى «إلوهيم»، وتُسنَد الصفات الخاصة بـ «إلوهيم» إلى «يهوه»، سواء بسواء (إقرأ مثلاً 2 صموئيل 7: 23).

  • موسى النبي هو أول من استعمل هذا الاسم، ليس في كتابة متأخرة بل في أول كتابته عن اللّه والخليقة (تكوين 1: 1).

    مما تقدم يتضح لنا أن التوراة، مع إعلانها أن اللّه واحد لا شريك له، تُعلن أيضاً أن وحدانيته جامعة، أو بالحري وحدانية جامعة مانعة.

الفصل الثاني: التوراة وماهية الجامعية في الوحدانية الإلهية

اتضح لنا من التمهيد، أن جامعية اللّه ليست ذاته وصفاته، بل أنها ذاته وحدها. أو بتعبير آخر إن ذاته ليست أقنوماً واحداً بل أقانيم. وإذا أعدنا التأمل في الآيات التي ذكرناها آنفاً، وجدناها تدل بكل وضوح على هذه الحقيقة. فالآية «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» تدل على أن اللّه أقانيم، لأن العمل لا يُسند إلى اللّه وصفاته، بل إلى اللّه وحده، إذ أن الصفات هي مجرد معانٍ، والمعاني لا تشترك في عمل من الأعمال. والآية «هوذا الإنسان قد صار كواحد منا» تدل على أن اللّه أقانيم، لأن الصفات لا تكوّن آحاداً من اللّه، إذ أنها ليست تعيّنات، بل هي معانٍ لا وجود لها إلا في الذهن فحسب. والآية «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم» تدل على أنه أقانيم، لأنه لا يدعو الصفات لتعمل معه، إذ أنه وحده هو العامل. والآية «من أُرسل.. من أجلنا» تدل على أنه أقانيم، لأنه تعالى لا يرسل رسولاً من أجله ومن أجل صفاته، بل من أجله وحده. والاسم «إلوهيم» الجمع، يدل كذلك على أن اللّه أقانيم، لأن أية صفة من صفاته ليست هي عين ذاته، ولذلك لا يكون بها اللّه «إلوهيم» أو «الآلهة».

وعدا هذه الآيات، توجد آيات كثيرة تدل على أن جامعية اللّه ليست ذاته وصفاته، بل أنها ذاته وحدها. أو بتعبير آخر تدل على أن ذاته ليست أقنوماً واحداً بل أقانيم، ولكن للاختصار نكتفي بالآيات التالية:

  1. قال الرب «يهوه» على لسان هوشع النبي سنة 700 ق.م: «وَأُخَلِّصُهُمْ بِٱلرَّبِّ (يهوه) إِلَهِهِمْ» (هوشع 1: 7) - فبالتأمل في هذه الآية، يتضح لنا أن المتكلّم وهو «الرب» سيخلّص شعبه بمن يدعوه «الرب إلههم». وبما أن المتكلم أو المخلّص لا يكون صفة بل أقنوماً (لأن الصفة معنى، والمعنى لا يتكلم ولا يقوم بعمل ما) وبما أن الرب هو بعينه الرب الإله (لأنه ليس هناك رب أو إله سواه). وبما أن الرب الواحد، أو الرب الإله الواحد، متكلِّم ومتكلَّم عنه في نفس الوقت، إذن فهذه الآية تدل أيضاً على أن اللّه أكثر من أقنوم واحد.

  2. وعندما استفحل شر سدوم وعمورة، قيل بالوحي «فَأَمْطَرَ ٱلرَّبُّ» يهوه «عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتاً وَنَاراً مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ» يهوه «مِنَ ٱلسَّمَاءِ» (تكوين 19: 24). وبالتأمل في هذه الآية يتضح لنا أن المتكلم وهو «الرب»، أمطر كبريتاً وناراً من عند آخر يدعى «الرب». وبما أن الممطِر أو الممطَر من عنده لا يكون صفة بل أقنوماً (لأن الصفات معانٍ، والمعاني ليس لها وجود ذاتي، ولا تعمل عملاً ما) وبما أن «الرب» (يهوه) هو «الرب» (يهوه) بعينه (لأنه ليس هناك رب سواه) وبما أن الرب الواحد متكلِّم ومتكلَّم عنه في نفس الوقت، إذن فهذه الآية تدل كذلك على أن اللّه أكثر من أقنوم واحد.

  3. وقال داود النبي بالوحي سنة 1000 ق.م: «قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ» (مزمور 110: 1). وقال أيضاً مخاطباً المولى «كُرْسِيُّكَ يَا اَللّٰهُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ... مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ ٱللّٰهُ إِلٰهُكَ بِدُهْنِ ٱلابْتِهَاجِ» (مزمور 45: 6، 7). وبالتأمل في هذه الآيات، نرى أن «الرب» يخاطب «الرب» وأن «اللّه» يمسح «اللّه». وبما أن المتكلم أو المخاطب و «الماسح» أو «الممسوح»، لا يكون صفة (لأن الصفة لا تقوم بعمل) وبما أنه ليس هناك إلا رب واحد وإله واحد، وهذا الرب الواحد هو بعينه اللّه الواحد، وبما أن الرب الواحد متكلِّم ومخاطَب في نفس الوقت، واللّه الواحد ماسح وممسوح في نفس الوقت، إذن فهذه الآيات تدل أيضاً على أن الرب أو اللّه، ليس أقنوماً واحداً بل أقانيم.

  4. وقال اللّه بفم إشعياء النبي سنة 700 ق.م: «اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ... أَنَا ٱلأَّوَلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ.. وٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ» (إشعياء 48: 12-16). وبالتأمل في هذه الآيات، نرى أن «الأول والآخِر» أو بتعبير آخر «اللّه الأزلي الأبدي» قد أُرسل بواسطة اثنين، هما «السيد الرب» و «روحه». وبما أن «الأول والآخِر» المرسِل والمرسَل لا يكون صفة (لأن الصفة لا تُرسِل ولا تُرسَل) وبما أن «الأول والآخِر» (المرسَل) و» «السيد الرب» و «روحه» (المرسِلَيْن) ليسوا كائنات مختلفة، بل هم كائن واحد، هو «اللّه» (لأنه هو الأول والآخِر. وهو بعينه السيد الرب، وروحه ليس كائناً غيره، بل هو أيضاً عين ذاته، إذ أن اللّه لا تركيب فيه)، وبما أن اللّه الواحد مرسِل ومرسَل في نفس الوقت، إذن فهذه الآيات تدل كذلك على أنه ليس أقنوماً واحداً بل أقانيم، لأن الأقانيم يمكن أن يرسل أحدهم الآخر، للقيام بأعمال اللاهوت الخاصة بأقنوميته.

الفصل الثالث: أسماء الأقانيم وعددهم ووحدتهم

  1. قال موسى النبي سنة 1500 ق.م عن بدء الخليقة: «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ. وَكَانَتِ ٱلأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ ٱللّٰهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ» (تكوين 1: 1، 2). فمن هاتين الآيتين، يتضح لنا أن اثنين قد اشتركا في القيام بالخلق، هما «اللّه» و «روح اللّه»، فالأول خلق السموات والأرض، والثاني كان يرف على وجه المياه، ليبعث الحياة فيها. و «روح اللّه» وإن كان يبدو أنه غير اللّه، إلا أنه في الواقع ليس سوى اللّه في جوهره، وذلك لسببين (أ) إن اللّه لا تركيب فيه (ب) إن اللّه هو وحده خالق السموات والأرض، وباعث الحياة في كل الكائنات.

  2. وقال داود النبي سنة 1000 ق.م: «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ» (مزمور 33: 6)، وقال في موضع آخر مخاطباً المولى: «تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ» (مزمور 104: 30) - ومن هاتين الآيتين يتضح أن اثنين قاما بالخلق: هما «كلمة الرب» و «روح الرب». و «كلمة الرب» بمعنى علم الرب وقوته. وإن كانت تبدو أنها غير «روح الرب» إلا أنهما في الواقع ليسا سوى الرب في جوهره، وذلك لسببين (أ) إن الرب لا تركيب فيه (ب) إنه وحده هو خالق السموات والأرض.

  3. وخاطب أجور، أحد حكماء إسرائيل الأتقياء صديقاً له سنة 1950 ق.م، قائلاً له بالوحي: «مَن ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ ٱلأَرْضِ؟ مَا ٱسْمُهُ وَمَا ٱسْمُ ٱبْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟» (أمثال 30: 4).

وقد كانت هذه الآية موضع جدال بين علماء اليهود زمناً طويلاً، لكنهم انتهوا بعد دراسة التوراة دراسة دقيقة، إلى أنه يقصد بهذا «الابن»، المسيّا أو المسيح. ومعنى «الابن» هنا، ليس هو المعنى الحرفي، بل المعنى الروحي الذي يتوافق مع روحانية اللّه وخصائصه الأخرى، كما سيتضح بالتفصيل في الباب الثالث.

ومن قول أجور هذا في أمثال 30: 4 يتضح لنا أن اللّه (أو بالحري اللاهوت) ليس مجرداً، بل متميز بـ «ابن». و «ابن اللّه»، وإن كان يبدو أنه غير اللّه، إلا أنه ليس سوى اللّه في جوهره، إذ أنه هو «كلمة اللّه» أو «المعلِن للّه» كما سيتبين بالتفصيل في البابين التاليين.

وقال على لسان إشعياء النبي سنة 700 ق.م، كما ذكرنا فيما سلف «أَنَا ٱلأَّوَلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ.. وٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ» (إشعياء 48: 12-16). ومن هذه الآية يتضح أيضاً أن «الأول والآخِر»، قد أُرسل بواسطة اثنين، هما «السيد الرب» و «روحه». والأول والآخِر، والسيد الرب، وروح الرب. وإن كان يبدو أن أحدهم غير الآخر، إلا أنهم في الواقع كائن واحد، هو «الرب».

مما تقدم يتضح لنا أن التوراة لا تعلن فقط أن جامعية اللّه هي أقانيم، كما ذكرنا في الفصل السابق، بل تعلن أيضاً أن هؤلاء الأقانيم هم ثلاثة: إذ أن «الكلمة» و «الابن» هما واحد، و «الرب» و «السيد الرب» هما واحد، والثالث هو المسمَّى «الروح» أو «روح الرب». والأقانيم ليسوا كائنات غير اللّه أو كائنات معه، بل هم عين ذاته كما ذكرنا.

الفصل الرابع: الأدلة على صدق شهادة التوراة

فضلاً عن أن الآيات السابق ذكرها مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فهناك أدلة عقلية كثيرة تؤيد أيضاً صدقها، نكتفي منها بما يأتي:

  1. الذين كتبوا هذه الآيات، وهم موسى وداود وإشعياء، لم يكونوا من الوثنيين، بل من المؤمنين الذين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بوحدانية اللّه وعدم وجود أي تركيب فيه، كما يتبين لنا من أقوالهم في التوراة.

    فموسى هو الذي سجّل قول المولى: «أَنَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ... لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي» (خروج 20: 2 و3). وداود هو الذي قال «قُلْتُ لِلرَّبِّ: أَنْتَ سَيِّدِي. خَيْرِي لا شَيْءَ غَيْرُكَ... تَكْثُرُ أَوْجَاعُهُمُ ٱلَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ» (مزمور 16: 2، 4). وإشعياء هو الذي سجّل قول المولى «أَلَيْسَ أَنَا ٱلرَّبُّ وَلا إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟» (إشعياء 45: 21).

    وبما أنهم بجانب هذه الأقوال، قد شهدوا في الآيات التي ذكرناها الآن، ما يُستنتج منه أن اللّه ليس أقنوماً واحداً بل أقانيم،إذن لا سبيل للظن أنهم نقلوا هذه الآيات عن الوثنيين، بل من المؤكد أنهم نقلوها من اللّه رأساً، كإعلان تفصيلي عن ذاته.

  2. هذه الآيات ونظائرها، لا ترِد في بعض أجزاء التوراة دون البعض الآخر، بل ترِد في جميع أجزائها بلا استثناء، رغم كتابتها في عصور متباينة ومتباعدة، وبواسطة أشخاص يختلف بعضهم عن البعض الآخر في الثقافة والسن والنشأة والبيئة اختلافاً عظيماً. وهي لا ترد مصحوبة بأية إشارة لإثبات صحتها، أو توجيه النظر إليها بصفة خاصة، بل ترِد في سياق الكلام العادي دون أية إشارة من هذا النوع، إذن فلا مجال للظن بأنهم كتبوها بوحي اللّه، لأن وحيه واحد لجميع الأنبياء على اختلاف عصورهم وظروفهم، ولأن اللّه لا يحتاج إلى برهان بشري يُثبت صدقه، إذ أنه يحمل في ذاته طابع الصدق، الذي لا يأتيه الباطل من ناحية ما.

  3. أخيراً، لو كانت هذه الآيات مدوَّنة في توراةٍ يحتفظ بها المسيحيون فحسب، لكان هناك مجال للطعن في صدقها، بدعوى احتمال تأليف بعض المسيحيين لها، لتأييد عقيدة التثليث التي يؤمنون بها. لكن التوراة التي يحتفظ بها المسيحيون والمدوّنة فيها هذه الآيات، هي بعينها التوراة التي يحتفظ بها اليهود أنفسهم. لذلك فالطعن أو التشكك في صدق الآيات المذكورة، لا يقوم على أساس.

الباب الثاني: الانجيل ووحدانية الله الجامعة

في هذا الباب ندرس

1 - شهادة الإنجيل بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة.

2 - توافق التثليث مع وحدانية اللّه، وعدم وجود تركيب فيه.

3 - توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه، وعدم تعرُّضه للتغير.

الفصل الأول: شهادة الإنجيل بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة

هناك آيات كثيرة في الإنجيل تدل على أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، أو بتعبير آخر: إن اللّه ليس أقنوماً واحداً بل أقانيم، متى 3: 16، 17 ومرقس 1: 9-11، ولوقا 3: 21، 22، ويوحنا 14: 16، 17، 15: 26، 2 كورنثوس 13: 14، وغلاطية 4: 6، وأفسس 2: 18، ويهوذا 20، 21.

لكن للاختصار نكتفي هنا بالآية التالية، على سبيل المثال:

قال المسيح لتلاميذه في أواخر خدمته على الأرض: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى 28: 19).

والعماد في المسيحية، هو خدمة دينية، يغطس بها المؤمن في الماء، ثم يُقام منه ثانية، للدلالة على موته عن الخطية وقيامته بحياة روحية جديدة يحيا بها لمجد اللّه دون سواه. أما اعتماد بني اسرائيل لموسى في البرية، فيُراد به خضوعهم له وانقيادهم وراءه (1كورنثوس 10: 2، وغلاطية 3: 27، رومية 6: 3، 4).

كما أن معنى الأبوة والبنوة هنا، ليس هو المعنى الحرفي، بل المعنى الروحي الذي يتوافق مع خصائص اللّه، كما سيتضح في الباب التالي.

وبالتأمل في هذه الآية يتبين لنا:

  1. إنها لا تقول بأسماء الآب والابن والروح القدس; بل «باسم الآب والابن والروح القدس». وكلمة «باسم» المفردة، تدل بكل وضوح على أنه لا يقصد بالأقانيم «الآب والابن والروح القدس» ثلاثة كائنات، بل كائن واحد، هو بذاته «الآب والابن والروح القدس»، أو بتعبير آخر، هو اللّه دون سواه.

    ورُبَّ قائل يقول، إن استعمال كلمة «اسم» ليس دليلاً قاطعاً على أن «الآب والابن والروح القدس» كائن واحد، فمن المحتمل أن يكونوا ثلاثة كائنات منفصلة، وكلٌّ منهم مضاف على حِدة إلى كلمة «اسم» ولكن لا مجال لمثل هذا الاعتراض، إذا ذكرنا الحقيقة اللغوية، الواردة بعد ذلك في البند الثاني.

    كما يدَّعي بعض المعترضين أن الآب وحده هو اللّه، وأن الابن والروح القدس منبثقان منه. لكن هذا الادعاء لا نصيب له من الصواب إطلاقاً، وذلك لسببين رئيسيين (أ) إن المراد بـ «الآب والابن والروح القدس» (كما يتضح من الفصل الثاني في هذا الباب) كائن واحد فحسب، وبما أن المعترضين يعتقدون أن «الآب» هو اللّه، وجب عليهم التسليم بأن «الابن والروح القدس» واحد معه في الجوهر أو الذاتية، وبالتالي بأن «الآب والابن والروح القدس» هو اللّه. (ب) إن الغرض الروحي من العماد هو الخضوع المطلق والتكريس الكامل، وبما أن هذا لا يكون إلا للّه، وللّه وحده، لذلك لا جدال في أن «الآب والابن والروح القدس»، الذين نعتمد باسمهم، هم اللّه. ونظراً لأننا سنرد على جميع الاعتراضات في الباب الخامس، نكتفي هنا بهذه الملاحظة.

  2. إن حرف العطف المترجم من اليونانية «و»، والموضوع بين كلمتي «الآب» و «الابن»، دليل لغوي على أنه يُقصد بالأقانيم الثلاثة، كائن واحد، لأنهم لو كانوا غير ذلك، لاستعمل بدلاً من حرف العطف المذكور، العلامة التي تُدعى في العربية «الفاصلة» «،».

ولزيادة الايضاح نقول: إذا أُريد التعبير عن مجيء ثلاثة أشخاص أحدهم محام، وثانيهم طبيب، وثالثهم مهندس، فانه بحسب قواعد اللغة اليونانية يُقال «جاء محام، طبيب و مهندس» بوضع فاصلة بين الاسمين الأول والثاني، وحرف عطف بين الاسمين الثاني والثالث. أما إذا أُريد التعبير عن مجيء شخص واحد، هو محام وطبيب ومهندس في نفس الوقت، فانه يُقال: «جاء محام وطبيب ومهندس»، بوضع حرف عطف بين كل من الاسمين الأول والثاني، والاسمين الثاني والثالث. وهذه هي نفس الصيغة المستعملة في الآية «باسم الآب والابن والروح القدس»، الأمر الذي يدل على أنه يقصد بهم كائن واحد، ليس سواه.

وحقيقة وحدانية اللّه وعدم وجود تركيب فيه يعبر عنها كما ذكرنا في المقدمة، بـ «التوحيد». ويُعبَّر عن حقيقة تميُّزه بثلاثة أقانيم بـ «التثليث». ولذلك فالتثليث ليس معناه أن هناك ثلاثة آلهة، كما يظن بعض الجهلاء، بل معناه أن اللّه الذي لا شريك له ولا تركيب فيه، هو بذاته ثلاثة أقانيم، لأنه هو بذاته المقصود بـ «الآب والابن والروح القدس».

وأول استعمال للفظة «التثليث» كان في القرن الثالث بعد الميلاد. وهي باللغة اليونانية «ترياس» ومعناها، كما يقول أساتذة اللغة اليونانية «واحد وثلاثة». فكلمة «واحد»، يُشار بها إلى جوهر اللّه، وكلمة «ثلاثة»، يُشار بها إلى أقانيمه (محاضرات لاهوتية ص 20). وليس معنى ذلك أن عقيدة التثليث ظهرت في القرن الثالث، لأن هذه العقيدة كانت معروفة كل المعرفة لدى المسيحيين منذ القرن الأول، كما سنوضح في الأبواب التالية، إنما لم تكن في أيامهم حاجة إلى إطلاق اسم عليها، إذ كانوا في بساطة إيمانهم يكتفون بالاعتقاد أن اللّه هو «الآب والابن والروح القدس»، وأن «الآب والابن والروح القدس» هم اللّه. ولكن لما اعتنق المسيحية كثير من الفلاسفة في القرن الثالث، عبَّروا عن هذا الاعتقاد بـ «التثليث». ونقتبس من مجلة كلية الآداب الصادرة في مايو سنة 1934 ومن كتاب فصوص الحكم للدكتور أبو العلا عفيفي (133، 134، 325، 326) الملخص الآتي:

قال محيي الدين بن العربي: «أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد، بل هو أصل الأعداد». فأول صورة تعينت فيها الذات الإلهية كانت ثلاثية. وذلك لأن التعين كان في صورة العلم، حيث العلم والعالم والمعلوم حقيقة واحدة. كما أن أول حضرة إلهية ظهر فيها اللّه، كانت ثلاثية، لأنها حضرة الذات الالهية المتصفة بجميع الأسماء والصفات. فضلاً عن ذلك فان عملية الخلق نفسها هي ثلاثية أيضاً، لأنها تقتضي وجود الذات الالهية و الارادة والقول «كن». فالتثليث هو المحور الذي تدور حوله رحى الوجود، وهو الشرط الأساسي في تحقيق الإيجاد والخلق، ولذلك أنشد قائلاً:

تثليث محبوبي وقد كان واحداً كما صيَّر الأقْنام بالذات أقنُما

وطبعاً لا يقصد ابن العربي بقوله هذا، أن يشرح عقيدة الأقانيم المسيحية، فقد كان من كبار المسلمين المتمسكين كل التمسّك بعقيدتهم. إنما قصد أن يثبت أن اللّه لم يظهر مطلقاً بوحدانية مجردة أو مطلقة، بل كان يظهر دائماً أبداً في ثالوث. وهذا الثالوث هو العلم والعالم والمعلوم، أو الذات والأسماء والصفات، أو الذات والارادة والقول «كن». ومع كلٍّ، فان مجرد اتّصاف اللّه بصفات وقيامه بأعمال، دليل على أنه ليس أقنوماً واحداً، بل أقانيم. لأنه لولا ذلك، لما كانت له صفة إيجابية، ولما قام بعمل دون أن يتعرض للتطور والتغير، الأمر الذي لا يتفق مع كماله بأي وجه من الوجوه.

الفصل الثاني: توافق التثليث مع وحدانية اللّه، وعدم وجود تركيب فيه

اتضح لنا من التمهيد، أن وحدانية اللّه الجامعة المانعة تتفق كل الاتفاق مع وحدانيته وعدم وجود تركيب فيه. لكن نظراً لأن البعض يظن أن التثليث يتعارض مع هاتين الحقيقتين، رأينا من الواجب أن نثبت في هذا الفصل خطأ هذا الظن، ومخالفته للحقيقة كل المخالفة، ولذلك نقول:

  1. لو كان المراد بالتثليث أن هناك ثلاثة آلهة، أو إلهين ثانويين مع اللّه، لكان هناك مجال للطعن في صحة التثليث، لأنه يكون في هذه الحالة إشراكاً. لكن الأمر ليس كذلك، لأن المراد به، هو أن اللّه الذي لا شريك له، هو بعينه ذات الأقانيم الثلاثة، وأن هؤلاء الأقانيم الثلاثة هم بعينهم ذات اللّه الذي لا شريك له، لأنهم لم يخرجوا عن كونهم تعيُّنات اللاهوت (أو اللّه) واحد ووحيد، لا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق. ولذلك فالتثليث لا يتعارض مع وحدانيته، بل يتوافق معها كل التوافق.

    ولقد قلنا إن اللّه واحد ووحيد، لأن الواحد هو الفرد في العدد، والوحيد هو الفرد في النوع. فبطرس مثلاً واحد، لكنه ليس وحيداً، لأن هناك كثيرين مثله من بني جنسه. أما اللّه أو اللاهوت، فواحد ووحيد، لأنه ليس له نظير على الإطلاق.

  2. ولو كان المراد بالتثليث، أن هناك ثلاثة أجزاء في اللّه، أو ثلاثة عناصر فيه، أو أن هناك ثلاثة أشكال له، لكان هناك أيضاً مجال للطعن في صحته، لأن اللّه يكون في هذه الحاله مركّباً، والحال أنه غير مركّب. لكن الأمر ليس كذلك، لأن الأقانيم ليسوا أجزاء في اللّه، أو عناصر فيه، أو أشكالاً له، بل أنه كما ذكرنا آنفاً، هم تعيُّنه، أو بتعبير آخر هم عين ذاته، لأن تعيُّن اللّه ليس شيئاً سوى ذاته. ولذلك فالتثليث لا يتعارض مع حقيقة عدم تكوّن اللّه من أجزاء أو عناصر، بل يتوافق معها أيضاً كل التوافق.

مما تقدم، يتضح أن الكتاب المقدس يعلن لنا بالتثليث، أن الله لا شريك له، لأنه ينص على أن الأقانيم هم ذات الله، وليسوا كائنات غيره أو معه. وأنه أيضاً لا تركيب فيه، لأنه ينص على أن الأقانيم هم عين ذاته، وليسوا أجزاء أو عناصر فيه، أو صوراً أو أشكالاً له. ولذلك ليس هناك مجال للطعن في عقيدة التثليث على الإطلاق. فضلاً عن ذلك فإننا إذا تأملناها مليّاً، وجدناها على أعظم جانب من الأهمية، للأسباب الآتية:

  1. إنها البيّنة على أن اللّه مع تميّزه بصفات وعلاقات متكاملة، ليست وحدانيته الوحدانية المجردة أو الوهمية، كما اضطر إلى القول بذلك رجال الفلسفة الذين نزَّهوا اللّه عن كل شيء سوى اسمه، بل الوحدانية الحقيقيّة التي هو بها ذو كيان حقيقيّ أو وجود حقيقيّ.

  2. إنها البيّنة على أن اللّه مع تميّزه بصفات وعلاقات متكاملة، ليست وحدانيته الوحدانية الشكلية التي تبدو واحدة في ظاهرها، لكنها في حقيقة الأمر مركّبة من عناصر أو أجزاء مثل وحدانية المخلوقات، بل هي الوحدانية الجوهريّة التي تثبت أنه - مع تميّزه بمميزات خاصة، لا يوجد فيه تركيب أبداً.

    إن وحدانيّة المخلوقات جميعاً، هي وحدانيّة شكلية أو ظاهرية، لأن كل مخلوق مكون من عناصر أو أجزاء. والمكون من عناصر أو أجزاء، لا تكون وحدانيّته وحدانيّة بمعنى الكلمة. قال أرسطو: «إن تركيب الجسم الطبيعي من عدة مواد يبطل وحدته» (تاريخ الفلسفة اليونانية ص 74) - وإذا كانت الذرّة نفسها، التي لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، مكوَّنة كما يقول العلماء من بروتنات ونيوترنات والكترونات، كان اللّه مع تميّزه بمميزات خاصة، هو وحده الذي لا تركيب فيه بأي وجه من الوجوه.

    ولذلك كان اللّه هو وحده الذي مع جامعيّته، متوافق مع ذاته كل التوافق الذي يليق بكماله واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود - أما الإنسان (مثلاً)، فانه مع وحدانيّته، معرَّض للنزاع الداخلي بينه وبين نفسه، لأنه مكوَّن من عناصر مختلفة - (هي الجسد والنفس والروح). وقد شهد بهذه الحقيقة الكثير من العلماء، فمثلاً قال سادلر: «لو كان الإنسان وحدة مستقلة منسَّقة، لما كان للصراع النفسي وجود فيه» (العقل الباطن 104).

  3. إنها لا تدع مجالاً لأية مشكلة من المشكلات الفلسفية أو الدينية التي تقوم في وجه الذين يؤمنون أن وحدانية اللّه هي وحدانية مجردة أو مطلقة، لأنها تبيّن لنا أن اللّه، مع تفرُّده بالأزلية، كان ولا يزال مستغنياً بذاته عن كل شيء كل الاستغناء. كما أنه لم يتعرض لأي تطور أو تغيُّر بسبب خلقه للعالم ودخوله في علاقة مع كائنات لم يكن لها وجود من قبل، لأنه بسبب كونه ثلاثة أقانيم، تكون صفاته بأسرها فاعلةً، منذ الأزل الذي لا بدء له إلى الأبد الذي لا نهاية له، بصرف النظر عن وجود هذه الكائنات أو عدم وجودها، كما ذكرنا.

ولذلك فكون اللّه ثلاثة أقانيم، هو، إن جاز التعبير، من مستلزمات وجوده الذاتي وكماله التام.

الفصل الثالث: توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه وعدم تعرُّضه للتغير

اتضح لنا مما سلف أن الأقانيم واحد في اللاهوت، وأن اللاهوت واحد ووحيد ولا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق، ولذلك فمن البديهي ألا ينفصل أحدهم عن الآخر بأي حال من الأحوال. لكن الذين لا يدركون هذه الحقيقة، يعترضون عليها بالقول: كيف يتفق مثلاً مجيء أقنوم «الابن» إلى الأرض، مع الاعتقاد بعدم قابلية الأقانيم للانفصال، أو بالحري مع الاعتقاد بثبات اللّه وعدم تعرضه للتغير؟

ورداً على ذلك نقول:

  1. لو أن الأقانيم عناصر أو أجزاء في اللّه. لكان مجيء أحدهم إلى الأرض، أو بتعبير أدق ظهوره عليها، دون الأقنومين الآخرين، يؤدي إلى حدوث تفكك في اللّه، لأن مثله في هذه الحالة، يكون مثل الإنسان الذي عندما تخرج روحه من جسمه بالموت، يتعرض للتفكك والتغيُّر. ولكن الأقانيم ليسوا عناصر في اللّه أو أجزاء فيه، بل هم عين ذاته. وذاته واحدة لا تتعرض للتجزئة أو الانقسام على الإطلاق. ولذلك فلا يمكن أن يتعرض اللّه لأي شيء من التغير، بظهور أحد الأقانيم في مكان دون الأقنومين الآخرين.

  2. لو أن اللاهوت متحيّز بمكان، لكان ظهور أقنوم على الأرض أو في أي مكان آخر، دون الأقنومين الآخرين، يؤدي إلى حدوث تفكك في اللّه، لأنه لا يمكن في هذه الحالة أن يكون أقنوم ظاهراً بمفرده في مكانٍ ما، ويكون في الوقت نفسه واحداً مع الأقنومين الآخرين في اللاهوت، لأن مثل اللّه في هذه الحالة، يكون مَثَل الإنسان الذي عندما تخرج روحه من جسمه لوقت ما، لا يمكن أن تكون منفصلة عن جسمه ونفسه، وفي الوقت ذاته تكون متحدة بهما، لأنها محدودة كنفسه وجسمه، وفي الوقت ذاته هي قابلة للانفصال عنهما. لكن اللاهوت ليس كذلك، لأنه لا يتحيَّز بمكان أو زمان، ولا يتعرض للتجزئة أو الانقسام. ولذلك عندما يظهر أحد الأقانيم في مكان، للقيام بأي عمل من أعمال اللاهوت، لا يكون قد انفصل عنه لأن اللاهوت هو عين جوهره، ولا يكون قد انحصر في حيز خاص لأن اللاهوت لا يتحيز بمكان أو زمان، ولا يكون قد افترق عن الأقنومين الآخرين لأن اللاهوت لا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق، بل يظل قائماً بكل اللاهوت (إن جاز هذا التعبير)، وفي وحدة كاملة مع الأقنومين الآخرين.

وقد أشار السيد المسيح أقنوم الابن، الذي ظهر على الأرض، ليعلن لنا ذات اللّه ويقرّبنا إليه - أشار إلى حقيقة عدم تحيز أي أقنوم بمكان أو زمان حينما تحدث عن نفسه أثناء وجوده بالجسد على الأرض، إذ قال: «وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلاّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاء» (يوحنا 3: 13)، ومعنى ذلك أنه مع وجوده بالجسد على الأرض في وقت ما، كان في نفس هذا الوقت بلاهوته في السماء، وفي كل مكان أيضاً تبعاً لذلك.

مما تقدم يتضح لنا، أنه نظراً لأن اللاهوت لا يتجزأ ولا ينحصر في مكان أو زمان، وفي الوقت نفسه هو جوهر الأقانيم معاً وجوهر كل أقنوم على حدة، فإن الأقانيم واحد بوحدانية غير قابلة للانفصال على الإطلاق. ولذلك فمنذ الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبد الذي لا نهاية له، لا ينفصل أقنوم عن الأقنومين الآخرين بأي حال من الأحوال. وقد وصف القديس أثناسيوس الرسولي وحدانية الأقانيم هذه، فقال: «إنها اتحاد بلا اختلاط، وتميُّز بلا انفصال»، وحقاً إنها كذلك.

أخيراً نقول، إننا لا ننكر أن التثليث يفوق العقل والإدراك، ولكنه مع ذلك يتوافق مع كمال اللّه كل التوافق. وليس هناك مجال للاعتراض عليه بأي وجه من الوجوه، لأن وحدانية اللّه، كما اتضح لنا، ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، بل هي وحدانية جامعة مانعة. وجامعيتها ليست صفات بل أقانيم، والأقانيم متميّز أحدهم عن الآخر. وفي الوقت نفسه هم واحد في اللاهوت، ولا انفصال لأحدهم عن الآخر إطلاقاً، لأنهم ذات اللّه عينها. وطبعاً كما أننا لا نتصور اللّه في وحدة لاهوته كاللّه الواحد، شخصاً واحداً جالساً على عرش واحد، كذلك لا نتصوره في ثالوثه كالآب والابن والروح القدس، ثلاثة أشخاص جالسين على ثلاثة عروش، لأن هذا التصوّر تحديد وتجسيم للّه، مع أنه لا حدَّ ولا جسم له. فهو في ثالوث وحدانيته ووحدانية ثالوثه روح لا يدخل تحت حصر أو شكل، ولذلك فهو أسمى من أن يخوض فيه الفكر أو يتصوره الخيال.

وقد حاول البعض تشبيه ذات اللّه بأمثلة من الطبيعة، لكي يقربوا ثالوث وحدانيتها إلى عقول العامة التي لا تفهم الروحيات إلا بالمحسوسات. ولكن جميع الأمثلة التي أتوا بها، تقصر دون الإفصاح عن حقيقة ذات اللّه، لأنها لا تشبه الإنسان الواحد المكوَّن من نفس وروح وجسد، أو عقل ونطق وحياة، ولا تشبه الإنسان الواحد الذي يشغل ثلاث وظائف في وقت واحد، ولا تشبه النفس الواحدة التي فيها مع وجودها الذاتي النطق والحياة، ولا تشبه الشمس الواحدة التي فيها مع وجودها الذاتي الأشعة والحرارة، ولا تشبه... ولا تشبه... لأن الأقانيم ليسوا عناصر أو أجزاء من اللّه، أو صوراً أو وظائف له، بل هم عين ذاته التي لا تركيب فيها على الإطلاق، الأمر الذي لا يوجد له نظير بين الكائنات.

الباب الثالث: أسماء الأقانيم

في هذا الباب نجد

1 - الابن أو الكلمة

2 - الآب

3 - الروح القدس

يجد بعض الناس رغم توضيحاتنا السابقة، صعوبةً في إدراك حقيقة وحدانية اللّه في ثالوثه، لاعتقادهم أن أسماء الأقانيم تتعارض مع ما يجب له من توحيد تام. ولذلك رأينا أن نشرح في هذا الباب والباب التالي، ما تدل عليه أسماؤهم من معانٍ، وأن نبسط شيئاً من صفاتهم وأعمالهم، ليتضح لهؤلاء الناس أن التثليث يتوافق كل التوافق مع وحدانية اللّه، وعدم وجود تركيب فيه، وأن الأسماء التي أطلقها الوحي على الأقانيم، هي إعلان عن أن اللّه جامع لكل الخصائص والصفات الواجبة لكماله واستغنائه بذاته أزلاً، ووجود علاقات متكاملة بينه وبين ذاته حينذاك، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته، أو يكون هناك شريك معه.

الفصل الأول: «الابن» أو «الكلمة»

أولاً: «الابن»

1 - السبب في تسميته «الابن»:

بما أن الكتاب المقدس ينص على أن اللّه روح لا أثر للمادة فيه، وأنه لا يولد ولا يلد، وأنه لا شريك له أو نظير، وأنه ليس قبله أو بعده إله، وأنه ثابت لا يزيد ولا ينقص على الإطلاق. إذن فمن المؤكد أنه لا يُراد بأقنوم «الابن»، «ابن» بالمعنى الحرفي الذي يتبادر إلى ذهن الإنسان الجسدي، بل «ابن» بالمعنى الروحي الذي يتوافق مع روحانية اللّه وخصائصه السامية الأخرى. ويعرف كل المسيحيين هذه الحقيقة تمام المعرفة. ولذلك ليس هناك واحد منهم يظن أن أقنوم «الابن» قد دُعي بهذا الاسم، لأنه وُلد بواسطة «الآب»، أو لأنه أحدث منه زماناً، أو لأنه أقل منه مقاماً، لأنهم جميعاً يعلمون من الكتاب المقدس، أن الابن واحد مع الآب والروح القدس في اللاهوت بكل خصائصه وصفاته، كما ذكرنا فيما سلف. ولذلك إذا سمع أحدهم شخصاً يقول إنه يراد ببنوَّة أقنوم «الابن»، معنى من هذه المعانيَ المادية، اعتبر ذلك تجديفاً شنيعاً على اللّه، يصم أذنيه دونه، ويقاومه بكل ما لديه من حزم وعزم.

ذلك أن كلمة «ابن» تُستعمل في غير معناها الحرفي، ليس في هذا الموضع فحسب، بل وفي مواضع كثيرة أيضاً. فنحن نقول عن إنسان ما إنه «ابن مصر» أو «ابن هذا الجيل»، للاشارة إلى موطنه أو زمن وجوده. ولكن بنوة أقنوم «الابن» لا يُراد بها معنى من هذين المعنيين أو غيرهما من المعاني المادية، لأن اسم «الابن» واسمي الأقنومين الآخرين أيضاً، هي أسماء روحية منزهة عن الزمان والمكان، لأنها خاصة باللّه دون سواه، ولذلك قال «الابن» مرة: «لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلاّ ٱلآبُ، وَلا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاّ ٱلابْنُ» (متى 11: 27)، فالعلاقة التي بينهما، ليس لها نظير في الوجود على الإطلاق.

وفضلاً عما تقدم من دليل يقضي على هذا الظن قضاءً تاماً، فان التثليث ليس أباً وأماً وابناً، بل هو «الآب والابن والروح القدس». ولذلك لا يمكن أن تكون بنوة «الابن» إلا البنوة الروحية وحدها. وقد أدرك مترجمو الكتاب المقدس هذه الحقيقة، ولذلك ترجموا الآيات الخاصة ببنوة «المسيح» للّه، «يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ» (مرقس 1: 1)، باثبات حرف «الألف» في كلمة «ابن». أما كلمة «ابن» الواقعة بين اسمي والد ومولود، فترجموها «بن» بدون «ا» (لوقا 3: 24-38)، حسب قواعد اللغة العربية، لأن المسيح ليس ابن اللّه بمعنى أنه مولود من اللّه، بل بمعنى أنه المُعلِن للّه، كما سيتضح فيما بعد.

وهنا يسأل البعض: إذا لم يكن المراد ببنوّة «الابن» معنى من هذه المعاني، فلماذا سُمّي بهذا الاسم؟

الجواب: ليس في الكتاب المقدس آية خاصة عن سبب تسمية هذا الأقنوم بـ «الابن» لأن اللّه لم يقصد بوحيه عن كنه ذاته بحثاً عقلياً، فيصوغه في قالب العلة والمعلول أو السبب والنتيجة، بل قصد به إعلاناً عن حقيقة لا يدركها إلا هو، ولذلك علينا أن نقبلها ونؤمن بها كما هي، فإن «الابن» دُعي بهذا الاسم، لأنه هو الذي يعلن اللّه، فهو صورة اللّه غير المنظور (كولوسي 1: 15) وهو الذي أعلن «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ» (يوحنا 1: 18).

وليست للّه صورة بالمعنى المعروف لدينا، لأن اللّه جوهر لا عرض له. ولكن من المؤكد أن تكون له صورة خاصة، روحية لا مادية، لأنه وإن كان جوهراً لا عرض له، إلا أنه ذو تعيُّن خاص، وكل من له تعيُّن خاص له مظهر أو صورة. أما سبب تسمية «الابن» بـ «صورة اللّه»، فهو نفس السبب في تسميته بـ «ابن اللّه» لأنه يعلن اللّه منذ الأزل، كما يتضح فيما يلي. و «ا