الله بين الفلسفة والمسيحية |
- مقدمة
- الباب الأول: الله وصفاته
-
الباب الثاني: الله ووحدانيته
- الفصل الأول: الأدلة على وحدانية الله
- الفصل الثاني: الأدلة على عدم وجود أي تركيب في الله
- الفصل الثالث الوحدانية «المجردة» والوحدانية «المطلقة»
- الفصل الرابع: الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية
- الفصل الخامس: درجات الوحدانية الحقيقية
- الفصل السادس: آراء الفلاسفة عن الوحدانية الحقيقية
- الفصل السابع: الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة
- الباب الثالث: مشكلات الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة
- الباب الرابع: الوحدانية الجامعة المانعة وماهيتها
مقدمة | ||
لما كان «الله» أعزَّ من لدينا من كل عزيز في الوجود، ورأيتُ رجال الدين والفلسفة يختلفون فيما بينهم من جهة ذاته اختلافاً ليس بالقليل، أردت أن أعرف الحقيقة بنفسي، وأقف على أسباب الخلاف بينهم من نحوها.
ولكن عندما هممت بالبحث في ذات الله، وجدت أنها تسمو فوق العقل والإدراك سمواً لا حدَّ له، فاستولى عليَّ الحزن، ودبّ في نفسي اليأس والفشل. وبينما أنا على هذه الحال، أحسستُ كأن صوتاً يناديني، كما نادى موسى من قبل: «ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ ٱلْمَوْضِعَ ٱلَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ» (خروج 3: 5). فصدعت للأمر على الفور، ثم أخذت أتأمل في ذات الله، على قدر ما أحسن تعالى به إليَّ من إدراك. وعكفت بعد ذلك على دراسة ما استطعت الحصول عليه من كتب الدين والفلسفة على السواء، لتتبين لي الحقيقة كما هي. فوجدت أن الفلاسفة الذين يؤمنون أنه تعالى ذات، قد انتهوا إلى أنه يتميز بمميزات خاصة. فتوافرْتُ على فحص هذه المميزات، فوجدت أنها عين الأقانيم التي أعلنت المسيحية أن الله متميّز بها، والفرق الوحيد بين إعلانات المسيحية وآراء هؤلاء الفلاسفة، أن الأولى واضحة جلية، أما الثانية فمبهمة غامضة.
وإني إذ أقدم خلاصة تأملي ودراستي للنشر، أشكر الله الذي تفضَّل وأعانني، راجياً إياه أن يرافقها بنعمته، وأن يكمل ما يراه فيها من نقصٍ بحكمته، لأجل مجده، ولخير الراغبين في معرفته.
الباب الأول: الله وصفاته | ||
1 - آراء الفلاسفة عن الله
2 - معنى «الله ذات»
3 - مكان وجود الله
4 - صفات الله
5 - الاعتراضات والرد عليها
الفصل الأول: آراء الفلاسفة عن الله | ||
انقسم الفلاسفة في آرائهم عن الله إلى خمس فرق رئيسية: الأولى فرقة الماديين التي أنكرت وجوده وقالت أنْ لا إله للعالم، وإن العالم وُجد مصادفة. والفرقة الثانية فرقة العقليين التي قالت إن العقل يفترض وجوب وجود إله للعالم، لكن هذا الإله أسمى من إدراكنا، ولذلك لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً. والفرقة الثالثة فرقة «وحدة الوجود» التي قالت إن الله والعالم جوهر واحد، فهو من العالم والعالم منه. والفرقة الرابعة اعترفت أن الله ليس هو العالم، ولكنه القوة المحرِّكة للعالم، وبذلك نفت عنه الذاتية وجعلته مجرد طاقة. و «الذاتية» هي الكيان الذي يتَّصف بالعقل والإدراك. أما «الطاقة» فهي مجرد قوة، لا عقل لها أو إدراك.
والفرقة الخامسة اعترفت أن الله ذات، ولكنها انقسمت فيما بينها من جهة ذاته وصفاته إلى أربع شيع رئيسية: فالأولى رأت أنه ذات له صفات زائدة عن ذاته، والثانية رأت أن صفاته هي عين ذاته، والثالثة رأت أن الصفات الإيجابية لا تتلاءم مع تفرُّده بالأزلية، فأسندت إليه الصفات السلبية وحدها، والرابعة رأت أن الصفات هي من خصائص المخلوقات، ولذلك نفتها عنه، رغبةً منها (حسب اعتقادها) في تنزيهه عن الاشتراك في خصائص هذه المخلوقات.
والذين أسندوا إلى الله الصفات السلبية وحدها قالوا إنه غير جاهل وغير عاجز وغير مرغم. والذين نفوا عنه الصفات قالوا إنه لا يعلم ولا يقدر ولا يريد.
ولا يتسع المجال أمامنا الآن لمناقشة هذه الآراء بالتفصيل، ولذلك نقول بكل اختصار:
-
ليس من المعقول أن يكون العالم قد وُجد مصادفة، لأن كل شيء في الوجود لا بد له من موجِد، فلابد أن يكون للعالم أيضاً موجد، والموجد هو الذي يدعوه الوحي «الله».
فضلاً عن ذلك فإن الأمثلة التي أتوا بها ليُدخلوا في روعنا أن العالم وُجد مصادفة، افترضوا فيها وجود عامل ساعد على حدوث المصادفة، وبذلك اعترفوا دون أن يدروا أن هناك عامِلاً نظَّم العالم ونسَّقه. وهذا العامل الذي يجهلونه أو يتجاهلونه، هو الله الذي نعرفه ونؤمن به.
ونحن وإن كنا لا نبني أسانيدنا في هذا الكتاب على أقوال الفلاسفة والعلماء، لكن استيفاءً للبحث نقول إن أشهرهم قد اعترف بوجود الله وبخَلْقه للعالم. فقال بيركلي وديكارت: «إن الانسجام الوظائفي في الكون، يرجع الفضل فيه إلى الله». وقال كريسي موريسن رئيس مجمع العلوم في نيويورك: «أسباب الإيمان بالحقيقة الإلهية يعرفها العلماء، وتأبى عليهم عقولهم أن يردّوها إلى المصادفة». وقال العلاّمة جيمز جينز: «المشاهدات الرياضية في الكون تثبت أنه لم يوجد مصادفةً». وقال سير آرثر أدنجتون: «تفسير الكون بالحركة الآلية أمرٌ لا يسيغه العلم الحديث». وقال كانت: «ينبئني ضميري بوجود إلهٍ للعالم». وقال نيوتن: «النظام الذي يتجلى في الكون يدل على وجود إله له». ومع أن لويد مورجان كان يقول بوجود عقل في المادة، إلا أنه كان يسأل: «ما الذي يُخرج هذه الأطوار بعضها من البعض الآخر على هذا الترتيب العجيب؟» وكان يجيب: «إنه تدبير الإله أو توجيهه». قال أينشتين: «يشتمل ديني على الإعجاب المتواضع بتلك الروح العليا غير المحدودة التي تكشف في سرها عن بعض التفصيلات القليلة التي تستطيع عقولنا المتواضعة إدراكها. وهذا الإيمان القلبي العميق، والاعتقاد بوجود قوة حكيمة عليا، نستطيع إدراكها خلال ذلك الكون الغامض، يلهمني فكرتي عن الإله». وقال أيضاً: «لا يمكنني أن أعتقد أن الخالق يلعب النرد بالدنيا» أي أنه لم يخلق العالم فحسب، بل خلقه بحكمة وفطنة، ولغرض ثابت خاص» (تاريخ الفلسفة الحديثة، والعالم وأينشتين، وكتاب الله). فضلاً عن ذلك، فإن العلماء الذين يُشاع عنهم الآن أنهم كانوا ينكرون الله اعترفوا بوجوده تلميحاً أو تصريحاً. فقال سبنسر: «المجهول هو تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول، لكنها مبدأ كل معقول، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود». وقال دارون: «تفرَّعت الأنواع من جرثومة الحياة التي أنشأها الخالق». وقال ولاس زميله: «لا يمكن أن يكون الكون قد وُجد بغير علَّة عاقلة، ولكن إدراك هذه العلة يعلو فوق إدراك العقل البشري» (اقرأ تاريخ الفلسفة الحديثة، وأصل الأنواع، وعلم الحياة).
-
وليس من المعقول أن يكون هناك إله يرضى أن يكون مجهولاً منا، لأنه إذا كان هو الخالق لنا، فمن المؤكد أن يكون كائناً عاقلاً. وإذا كان كائناً عاقلاً، فمن المؤكد أنه لا يرضى أن نُحرم من معرفته. فإن كنا بسبب قصورنا الذاتي لا نستطيع أن نعرف شيئاً عنه من تلقاء أنفسنا، لكن يجب أن نتوقع بكل يقين أن يعرّفنا شيئاً كافياً عن ذاته.
-
وليس من المعقول أن يكون الله والعالم جوهراً واحداً، وأن يكون من العالم والعالم منه، لأنه إذا كان هو الخالق للعالم. فمن المؤكد أن يكون كائناً قائماً بذاته. وعدم رؤيتنا له بعيوننا لا يقوم دليلاً على أنه ليس كذلك، فهناك أمور كثيرة في الطبيعة لا نستطيع رؤيتها بعيوننا، ومع ذلك نقرُّ بوجودها لمجرد وجود أثر يدل عليها. فالعين مثلاً، لا تدرك إلا حزمة ضيقة من الأشعة التي تقع بين اللون الأحمر والبنفسجي. أما ما دون الحمراء وفوق البنفسجية فلا تدركه إطلاقاً. كما أنها لا تدرك الأشعة الكونية أو السينية أو ماهية الكهرباء أو المغناطيس أو الأثير، وغير ذلك - هذا وقد ذهب أشهر علماء الطبيعة في الوقت الحاضر إلى أنه لا يمكن معرفة حقيقة أي شيء نراه في الوجود، الأمر الذي يغلق الباب أمام الذين ينكرون أن الله ذات، بسبب عدم إدراك الحواس له.
-
وليس من المعقول أن يكون الله مجرد طاقة، لأن الطاقة لا تعمل عملاً من تلقاء ذاتها، بل لا بد من عامل يدفعها للعمل، ومن الواضح أن هذا العامل، لا يكون طاقة مثلها، بل يكون ذاتاً ذا قوة أو طاقة.
كما أننا إذا سايرناهم في ادّعائهم أن الطاقة خلاّقة، فإن عقولنا لا تلبث طويلاً حتى تنكر علينا مسايرتنا لهم، لأنها تعلّمنا أن الخالق لا بد أن يكون حاصلاً في ذاته على مزايا مخلوقاته بدرجة أوسع وأعمّ. فلا يخلق العقل مَنْ لا عقل له، ولا يخلق الشخصية من لا شخصية له، بل لا بد أن يتضمنهما ويمارسهما ليس أقل من ممارسة مخلوقاته لهما. ولذلك لا يمكن أن يكون الله مجرد طاقة.
-
وليس من المعقول أن يكون الله بلا صفة، لأن لكل موجود صفة، وليس هناك شيء بلا صفة إلا غير الموجود. وبما أن الله موجود، إذاً فله صفات. ونحن وإن كنا لا نستمد أسانيدنا في هذا الكتاب من أقوال الفلاسفة، لكن استيفاءً للبحث نقول: إنه قد شهد بهذه الحقيقة كثير منهم، فمثلاً قال زينو: «من المستحيل أن يخرج عالم مليء بالصفات والخصائص من أصلٍ لا صفة له ولا خاصية» (قصة الفلسفة اليونانية ص 51).
-
ليس من المعقول أن يتصف الله بالصفات السلبية فحسب، كعدم العجز دون القدرة، وعدم الجهل دون العلم، وعدم الإرغام دون الإرادة، وذلك للأسباب الآتية:
-
هذه الصفات ناقصة. وإن كان الله لا يتصف إلا بها كان ناقصاً. وهو منزَّه عن النقص.
-
الله بوصفه خالقنا هو مصدر سعادتنا وسلامنا، لكن الإله الذي يتصف بالصفات السلبية دون الإيجابية لا يستطيع أن يجلب إلينا سعادة أو سلاماً، إذ لا فائدة في إله يكرهنا ولكنه لا يعطف علينا، وفي إله غير عاجز لكنه غير قادر على مدّ يد العون لنا.
فآراء هؤلاء الفلاسفة لا نصيب لها من الصواب إطلاقاً. والحقيقة هي أن الله ذات يتّصف ليس بالصفات السلبية فسحب، بل وأيضاً بالصفات الإيجابية اللائقة به. أما من جهة علاقة صفاته به، وهل هي ذاته أم غير ذاته، فهذا ما سنبحثه في الباب الثالث من هذا الكتاب.
الفصل الثاني: معنى «الله ذات» | ||
لا نقصد بقولنا إن الله ذات أنه شخص كالأشخاص المحدودة، أو أنه ذو جوهر مماثل للجواهر المخلوقة، لأننا نؤمن أن الله لا شبيه له ولا نظير. ولكننا نقصد أنه كائن له وجود ذاتي، يستطيع التعبير عن نفسه بكلمة «أنا» وهو ليس مجرد طاقة أو معنى.
و «الجوهر» هو ما ليس في موضوع بل هو القائم بذاته، فلا خطأ في القول «الله جوهر». وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة، فقال ديكارت: «الله هو الجوهر الحقيقي» (المدخل إلى الفلسفة ص 177). وقال توما الأكويني: «يُطلق الجوهر على اللامتناهي بمعنى يختلف عن الذي يُطلق به على المتناهي. فجوهر المتناهي مفتقر في كشفه إلى أعراض، أما جوهر اللامتناهي فمستغنٍ في وجوده، ومستغنٍ أيضاً في كل شيء غير الوجود» (الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 75). وقال ابن سينا: «معنى كون الله جوهراً، أنه الموجود لا في موضوع، والموجود ليس بجنس». وقال أيضاً: «الجوهرية ليست من المقومات، لأنها عبارة عن عدم الحاجة إلى الموضوع» (تهافت الفلاسفة ص 162 ، ولباب الإشارات ص 87). أما «المعنى» فهو ما ليس له وجود في الخارج، بل وجوده في الذهن فحسب.
أما الفلاسفة الذين يتحاشون إسناد «الذاتية» إلى الله، فيعللون ذلك بأنها إذا أُسندت إليه، دلَّت على وجود تعيُّن له. والله، حسب اعتقادهم، ليس له تعيُّن، لأنه يسمو فوق العقل والإدراك. و «التعين» هو الوجود الواقعي، الذي يتميز بمميزات تدل على أن له مثل هذا الوجود، ولا يشترط فيه أن يكون محدوداً أو مجسَّماً، بل أن يكون فقط موجوداً وجوداً حقيقياً.
ونحن وإن كنا نتفق معهم على أن الله يسمو فوق العقل والإدراك، إلا أننا لا نقرّهم على نفي التعيُّن عنه لهذا السبب أو لغيره من الأسباب، لأن الله ليس كائناً وهمياً، بل هو كائن حقيقي، وكل كائن حقيقي له تعيُّن، ولذلك فمن المؤكد أن يكون لله تعين. وليس هناك مجال لنفي التعيُّن عن الله، لأن مجرد اعتقادنا أنه واحد يلزمنا بالتسليم بوجود تعيُّن له، إذ لا يكون واحداً إلا من كان منفصلاً ومتميّزاً عن غيره. ولا يكون منفصلاً ومتميزاً عن غيره إلا من كان له تعيُّن خاص به. كما أن اعتقادنا أنه هو خالق العالم يلزمنا أيضاً بالتسليم بوجود مثل هذا التعين له، لأنه لا يمكن أن يكون قد خلقه، إلا إذا كان الله قائماً بذاته. والقائم بذاته له تعين يميزه.
نعم إننا نعجز كل العجز عن إدراك هذا التعين، وليس في وسعنا أن نختبر ماهيته، أو نضع له حدوداً. لكن بما أن حقيقة وجود الله ووحدانيته وخلقه للعالم يدل على وجوب وجود تعين له، فلا مناص من الاعتراف بوجود تعين لله، سواءً أدركنا هذا التعين أم لم ندركه. لأن ليس كل ما لا ندركه لا وجود له، فهناك أمور كثيرة في الطبيعة لا نستطيع إدراكها، ومع ذلك نقر بوجودها، لمجرد وجود أثر يشير إليها، كما ذكرنا في الفصل السابق. والذين يقولون بعدم وجود تعين لله لا يكرمونه أو ينزهونه كما يظنون بل ينفون وجوده نفياً تاماً، لأنه لا بد من تعين خاص لكل موجود يثبت وجوده، وإلا فقد خرج من دائرة الوجود إلى اللاوجود، لأن اللاموجود وحده هو الذي لا تعين له إلا اسمه، واسمه كما نعلم هو اسم على غير مسمى. ولذلك فمن المؤكد أن يكون لله تعين خاص به، ولو أننا لا نستطيع أن نسبر غور هذا التعيُّن أو نضع له حدوداً. فهو فقط تعين غير مُدرَك أو محدود. وتعيُّنٌ مثل هذا، يختلف كل الاختلاف عن اللاتعين، لأن الثاني يوصف به غير الموجود، أما الأول فيوصف به الموجود الذي يفوق العقل والإدراك.
وإن كنا لا نستمد أسانيدنا في هذا الكتاب من أقوال الفلاسفة، لكن إستيفاءً للبحث نقول إنه قد اتفقت كلمة المؤمنين منهم على أن الله ذات له تعين خاص. فقال جرين: «لله ذات شخصية». وقال ليبنتز: «الله ذات». وقال ابن سينا: «واجب الوجود ما لم يتعين لا يوجد، ولكن قد ثبت بالدليل وجوده، إذاً فهو متعيّن» (فلسفة المحدثين والمعاصرين ص 44 ، والمدخل إلى الفلسفة ص 235 والإشارات ص 199) وقال إدنجتون العالم المشهور في شئون الذرة: «العالم غير المنظور يوحي بهيمنة الذات الإلهية عليه» وذلك تمييزاً للإله أن يكون مجرد معنى، كما تصفه بعض النحل البرهمية القديمة، وإقراراً لعقيدة الذات الإلهية، كما يؤمن المتدينون (عقائد المفكرين في القرن العشرين ص 96).
ومع ذلك، فإننا لا نستطيع القول إن لله تعيُّناً محدوداً، كما لم نستطع القول أن لا تعين له إطلاقاً، لأن الذين قالوا بهذا الرأي أو ذاك، أدخلوا أنفسهم في مشكلات عويصة. فالذين قالوا بالرأي الأول، أسندوا إلى الله الأعضاء الجسمية، والذين قالوا بالرأي الثاني نفوا عنه الصفات، وقطعوا الصلة بينه وبين المخلوقات، كما سيتضح في الباب الثالث.
ولذلك نرى كثيرين من علماء الدين، قد احتاطوا لأنفسهم عند البحث في هذا الموضوع، فمثلاً قال التفتازاني: «الله ليس جنساً، لكنه حقيقة نوعية بسيطة، ولذلك لا بد له من تعين يميزه... وقد يكون هذا التعين عدمياً» (العقائد النسفية ص 244). أما من جهة كلمة «عدمياً»، فالأرجح أنه يقصد الحذر من إسناد تعين لله، يمكن أن يعتبره الجهلاء تعيناً محدوداً، والحال أن تعين الله منزه عن الحدود. وقال الإمام الشيخ محمد عبده: «يجب ألا يكون (في وصف الله) غلو في التجريد، ولا دنوّ من التحديد» (رسالة التوحيد ص 100). ومعنى ذلك أن لله تعيناً خاصاً، لكنه غير محدود بالنسبة لنا، أو لغيرنا من الخلائق.
ولقد شغل موضوع «تعيُّن الله» عقول الفلاسفة زمناً طويلاً. فقال فريق: «التعين يستلزم التحديد، والتحديد حصر، والحصر منافٍ للانهائية». فرُدَّ عليه بالقول: «المراد باللانهائية هنا هو التعين الكامل المطلق، لأن هذا هو ما ينسجم مع خصائص الله كل الانسجام». وقال فريق ثان: «اللامتناهي سلبي، والسلبي لا تعيّن له». فرُدَّ عليه بالقول: «اللامتناهي ليس سلبياً بل هو إيجابي، إذ أنه يعبّر عن أكمل الحقائق جميعاً». أما الذين ظنوا أن اللانهائية لا تليق بالله فقالوا: «الكامل هو ما كان تاماً من كل الوجوه، أو هو ما كان فعلاً محضاً وليس فيه شيء بالقوة. ولما كان اللامتناهي غير محدود، وبالتالي هو ما بالقوة، إذاً يكون الله محدوداً. وتبعاً لذلك يكون له تعين محدود». وعلى هؤلاء رُدَّ بالقول: «المعنى الحقيقي للانهائية، هو الغنى إلى حد الجلال عن النهاية، وتجاوز كل حد من الحدود. فاللانهائية والكمال المطلق مترادفان» (مشكلة الألوهية ص 117 ، 118 ، 111 وديكارت للدكتور عثمان أمين ص 137-141).
أخيراً نقول إن اللامتناهي كما يقول الأستاذ بارتلمي سانتهلير، ليس هو اللاموجود، لأن اللاموجود هو اللامتعين، وليس هو اللامتناهي. إذ أن اللامتناهي هو الموجود الذي لا بداية له أو نهاية. ولذلك فاللاموجود أو اللامتعين هو العدم، أما اللامتناهي فهو الموجود الأزلي الأبدي الذي لا حصر له ولا حدّ (الكون والفساد ص 303).
الفصل الثالث: مكان وجود الله | ||
نتحدث عن مكان وجود الله، على فرض أن للمكان وجوداً خاصاً، لأن الفلاسفة اختلفوا في أمره اختلافاً عظيماً. فقال أرسطو: «له وجود حقيقي». وقال كانت: «ليس له مثل هذا الوجود، بل هو من فرض عقولنا» (الفلسفة الإغريقية ج 2 ص 48 ، ومعاني الفلسفة ص 109). أما جيمز فيقسم المكان إلى أربعة أقسام هي «المكان العقلي، والمكان الحسّي، والمكان الطبيعي والمكان المطلق. فالأول هو الذي نتخيله في العقل عندما نتصور الأشكال الهندسية، والثاني هو الذي ندركه بالحواس، والثالث هو المكان العام الذي تقوم فيه الأجسام وتتحرك، وهو عام بالنسبة لنا، والرابع هو الذي يقول به نيوتن في تفسير نظرياته في الميكانيكا وحركات الأجسام السماوية، وهو مطلق من حيث أنه لا بداية له أو نهاية» (معاني الفلسفة ص 106). وأخيراً قال علماء نظرية النسبية، وعلى رأسهم أينشتين: «المكان المطلق والزمان المطلق ليس لهما وجود، لكنهما موجودان فقط إذا وُجدت الأشياء والحوادث، أي أنهما صور للإدراكات الحسية» (قصة الفلسفة الحديثة ص 367). ومع كلٍّ، فالمكان موضوع نسبي يرجع الأمر في الحكم عليه إلى تقديراتنا البشرية، ونحن لا نعرف على وجه التحقيق معنى العبارة (كل مكان)، لأنها تدل على نطاق لا ندرك له حدوداً.
ولقد انتهينا فيما سلف إلى أن لله تعيناً، لكن هذه الحقيقة تدخلنا في مشكلة من أدق المشكلات، لأن كل ما له تعين يوجد في مكان ما، فأين يوجد الله؟ إن قلنا إنه في السماء فقط فقد أخطأنا، لأنه هو الذي خلقها. وإن كان مقره فيها وحدها، فأين كان قبل خلقه إياها! وإن قلنا إنه في الأرض والسماء فحسب، فقد أخطأنا، لأنه هو الذي خلقهما، وإن كان مقره فيهما فقط، فأين كان قبل خلقه لهما؟!
الجواب: بما أن تعين الله لا يحدّه حدّ (كما مرّ بنا في الفصل السابق) إذاً فهو أسمى من أن يحده مكان من الأمكنة، أو كما كان يقول بعض علماء الدين: «إنه أسمى من أن تحدَّه الفوقية أو التحتية، أو اليمينية أو اليسارية».
وقد شهد معظم الفلاسفة، على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها، أن الله لا يحدّه مكان، فقال أرسطو: «المحرك الأول (أي الله) ليس في مكان ما، لأنه غير جسمي، ولأنه ليس في حاجة إلى مكان معين». وقال القديس أوغسطينوس: «الله موجود في كل مكان بنوع خفي، وموجود في كل مكان بنوع ظاهر. فموجود بالحالة الأولى، لأنه لا يمكن لأحد أن يعرفه كما هو في ذاته، وموجود بالحالة الثانية، لأنه لا يقدر أحد أن يجهل وجوده». وقال اسحق بن العسال: «كل متحيز متناهٍ، وكل متناهٍ محدث، فكل متحيز محدث، والباري ليس بمحدث، إذاً فهو ليس متحيزاً». وقال الإمام الغزالي رداً على سؤال الزمخشري عن معنى الآية «الرحمن على العرش استوى»: «إذا استحال أن تعرِّف نفسك بكيفية أو أينية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بأينية أو كيفية!» (تاريخ الفلسفة اليونانية ص 236 ، وقصة الفلسفة اليونانية ص 320 ، واللاهوت النظري ص 16 ، وسلك الفصول ص 10 ، وحاشية الأمير على الجوهرة ص 65).
وقد أشار الله إلى عدم تحيزه بمكان فقال: «أَلَعَلِّي إِلٰهٌ مِنْ قَرِيبٍ يَقُولُ ٱلرَّبُّ وَلَسْتُ إِلٰهاً مِنْ بَعِيدٍ. إِذَا ٱخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلأُ أَنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأرْضَ يَقُولُ ٱلرَّبُّ؟!» (إرميا 23: 23 ، 24) والحق أن هذا النوع من الوجود يفوق العقل والإدراك. فإذا رجعنا إلى أقوال الأنبياء أنفسهم، وجدناه قد بهرهم وأعجز بيانهم. فقد قال داود النبي لله: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي ٱلْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ ٱلصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي ٱلْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ»(مزمور 139: 7-10). كما خاطبه سليمان الحكيم، عندما بنى الهيكل: «هَلْ يَسْكُنُ ٱللّٰهُ حَقّاً عَلَى ٱلأرْضِ؟ هُوَذَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ ٱلسَّمَاوَاتِ لا تَسَعُكَ!!»(1ملوك 8: 27). كما قال آخر: «أَإِلَى عُمْقِ ٱللّٰهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ ٱلْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ هُوَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ أَطْوَلُ مِنَ ٱلأرْضِ طُولُهُ وَأَعْرَضُ مِنَ ٱلْبَحْرِ» (أيوب 11: 7-9) . وقال أليهو: «هُوَذَا ٱللّٰهُ عَظِيمٌ وَلا نَعْرِفُهُ وَعَدَدُ سِنِيهِ لا يُفْحَصُ» (أيوب 36: 26) وبالطبع لا يقصد أيوب بهذا الوصف تصوير الله بحجم كبير، بل يقصد به فقط عدم إمكانية وضع أي حد من الحدود له. ومع كل، فهذا الوجود هو الذي يتوافق مع الله وخصائصه وأعماله كل التوافق، وذلك للأسباب الآتية:
-
الله هو خالق كل شيء، الذي لا يمكن أن يحدّه مكان ما.
-
الله لا أثر للمادة فيه ولذا لا يتحيَّز بحيز. ومهما كان تعريف العلماء للمادة إلا أنها حادثة، والله ليس بحادث، كما يتضح بالتفصيل في الفصل التالي.
-
الله غير محدود ولا يحده حد من الحدود.
-
الله خالق الكون وحافظه ومدبره والمتكفل بسلامته، حسب مقاصده الأزلية من نحوه، والقائم بهذه الأعمال لا يتحيز بحيز.
ولذلك لا سبيل للاعتراض على عدم تحيّز الله بمكان، كما أنه لا سبيل للاعتراض على عدم وجود حدّ لتعينه، كما ذكرنا في الفصل السابق.
الفصل الرابع: صفات الله | ||
بما أن الله ذات، والذات لها صفات، إذاً فلله صفات. لكن نظراً لأن ذاته تفوق العقل والإدراك، كانت صفاته أبعد من أن نستطيع تحديدها أو تعيينها، ولذلك نكتفي هنا بالكتابة عما استطاعت عقولنا أن تدركه منها، وشهد الكتاب المقدس عن اتّصافه بها:
-
وجوب الوجود: الموجود كما يقول الفلاسفة نوعان: «ممكن الوجود» و «واجب الوجود». و «ممكن الوجود» هو الحادث الذي لا يوجد إلا بسبب ولا ينعدم إلا بسبب، ولذلك فهو لا يتقدم السبب ولا يلازمه، بل يكون بعده، ومن أمثلته الجماد والنبات والحيوان. أما «واجب الوجود» فهو وحده القديم الأزلي، الذي لا يحتاج في وجوده إلى موجد، لأن وجوده من مستلزمات ذاته، ولذلك لا يجوز أيضاً القول إنه أوجد ذاته، لأن قولاً مثل هذا يدل على أنه كان متقدماً على ذاته، وهذا محال. وهو ثابت إلى الأبد لا يزيد ولا ينقص ولا يطرأ عليه تغيير ما. ولذلك فالله دون سواه هو واجب الوجود (الفلسفة الأغريقية ج 2 ص 62 والفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 176 وسلك الفصول ص 28-30 وتاريخ الفلسفة في الإسلام ص 139 واللاهوت النظري ج2 ص 120-127). ولو فرضنا جدلاً أن «واجب الوجود» ليس له وجود كما يدّعي بعضهم، لقضى علينا المنطق بالتسليم بوجوده، لأنه لا بد أن ننتهي في بحثنا عن علل الأشياء، إلى علة أولى لا علة لوجودها، هي علة واجبة الوجود، وأصل ومصدر كل الأشياء. لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لانتهى بنا بالبحث إلى التسلسل في الأزلية إلى ما لا نهاية له، وهذا ما لا يتفق مع العقل إطلاقاً.
فأي نوع منهما يتناسب مع الله؟
الجواب: بما أنه لو كان الله «ممكن الوجود» لكان مثله مثل العالم، وتبعاً لذلك لما كان في إمكانه أن يوجِده (لأن العالم لا يستطيع أن يوجِد من تلقاء ذاته، عالماً مثله). فمن البديهي أن يكون الله «واجب الوجود». والكتاب المقدس يعلن هذه الحقيقة. ففضلاً عن الآيات الكثيرة التي تشهد بها عنها (كما يتبين فيما يلي من هذا الفصل) فهو ينبئنا أن الله قد أطلق على نفسه باللغة العبرية (وهي لغة التوراة) اسم «يهوه» أي «الكائن بذاته» واجب الوجود.
وبما أن الله واجب الوجود، فهو لم يكن مسبوقاً بوجود أو عدم، وإذاً فهو ليس منذ الأزل فحسب، بل أنه أيضاً «الأزلي». وبما أنه الأزلي فهو أبدي كذلك، لأن ما لا بداية له، لا نهاية له. وقد شهد الفلاسفة على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها، بهذه الحقيقة، فقال مليسوس: «ليس لله مبدأ، وما ليس له مبدأ، ليس له نهاية». وقال القديس أوغسطينوس: «لله الأزلية الحقيقية». وقال القديس غريغوريوس: «الله ليس له ابتداء أو انتهاء». وقال الفارابي وابن سينا: «الله واجب الوجود، ووجوده لذاته». أي أنه لم يكن مسبوقاً بعلة أو زمن.
والكتاب المقدس ينص على أزلية الله وأبديته بكل وضوح، فقد قال: إنه «الأول والآخِر» (إشعياء 44: 6) وإنه «مُنْذُ ٱلأبَدِ ٱسْمُه» (اشعياء 63: 16) ولذلك خاطبه موسى النبي بالوحي: «مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ ٱلْجِبَالُ أَوْ أَبْدَأْتَ ٱلأرْضَ وَٱلْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ ٱلأزَلِ إِلَى ٱلأبَدِ أَنْتَ ٱللّٰهُ» (مزمور 90: 2).
-
القدرة: بما أن الله هو خالق العالم وحافظه ومدبره، فهو قدير بقدرة لا حدَّ لها. ويقول الكتاب المقدس: «عِنْدَ ٱللّٰهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ» (متى 19: 26). وقال أيضاً: «ٱللّٰهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (تكوين 48: 3) ولذلك خاطبه أحد الأنبياء بالوحي: «لَكَ ذِرَاعُ ٱلْقُدْرَةِ. قَوِيَّةٌ يَدُكَ. مُرْتَفِعَةٌ يَمِينُكَ» (مزمور 89: 13).
-
الإرادة: بما أنه ليس من المعقول أن يكون الله قد خلق العالم مُرْغَماً (لأنه ليس هناك من يرغمه على القيام بعملٍ ما) إذاً فهو مريد، ولذلك قال الوحي: «كُلَّ مَا شَاءَ ٱلرَّبُّ صَنَعَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأرْضِ، فِي ٱلْبِحَارِ وَفِي كُلِّ ٱللُّجَجِ» (مزمور 135: 6) وقال أيضاً عنه: «ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ» (أفسس 1: 11).
-
العلم: بما أن صانع الشيء يعلم كل شيء عنه، وعمَّا يمكن أن يطرأ عليه، إذاً فالله على علم أزلي تام بجميع الأشياء التي في العالم. إذ فضلاً عن كونه خالق العالم، ويعرف كل شيء يمكن أن يطرأ عليه في كل الأزمنة تبعاً لذلك، فإنه لا يتأثر بالزمن على الإطلاق، لأنه أزلي أبدي. وينص الكتاب المقدس على علم الله بكل الأشياء، فقد قال: «مَعْلُومَةٌ عِنْدَ ٱلرَّبِّ مُنْذُ ٱلأزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ» (أعمال 15: 18). ولذلك خاطبه داود النبي بالوحي: «يَا رَبُّ، قَدِ ٱخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي إِلَّا وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا» (مزمور 139: 1-4). وقال بولس الرسول: «يَا لَعُمْقِ غِنَى ٱللّٰهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ ٱلْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ ٱلٱسْتِقْصَاءِ!!» (رومية 11: 33). وقال أيضاً: «وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذٰلِكَ ٱلَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا» (عبرانيين 4: 13).
-
البصر والسمع والكلام: بما أن المتَّصف بالعِلم يكون بصيراً، والذي له علاقة مع غيره يكون سميعاً وكليماً، وبما أن الله عليم وله علاقة مع خلائقه، إذاً فهو بصير سميع كليم، ولذلك قال الوحي منتقداً المعترضين على قدرة الله على السمع والبصر: «اِفْهَمُوا أَيُّهَا ٱلْبُلَدَاءُ فِي ٱلشَّعْبِ، وَيَا جُهَلاءُ مَتَى تَعْقِلُونَ؟ ٱلْغَارِسُ ٱلأُذُنَ أَلا يَسْمَعُ؟ ٱلصَّانِعُ ٱلْعَيْنَ أَلا يُبْصِرُ؟» (مزمور 94: 8 ، 9). أما عن كلامه بصوت مسموع، فقد نصَّت عليه آيات كثيرة يصعب حصرها، فاقرأ على سبيل المثال تكوين 3: 9 ، 22 وخروج 20: 1.
-
الكمال: بما أن الله هو الذي أوصانا أن نعمل الخير ونتجنب الشر، وهو الذي أودع فينا الضمير الذي نميز به بين هذا وذاك، إذاً فهو كامل أيضاً في صفات القداسة والمحبة، والعدالة والرحمة، وغيرها من صفات الكمال. وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدنا أن الإعجاب بكمال الله قد سبى عقول الأنبياء حتى عجزوا عن الإحاطة به عجزاً تاماً، فخاطبه داود النبي: «وَبِرُّكَ (أي استقامتك) إِلَى ٱلْعَلْيَاءِ يَا اَللّٰهُ ٱلَّذِي صَنَعْتَ ٱلْعَظَائِمَ. يَا اَللّٰهُ مَنْ مِثْلُكَ؟!» (مزمور 71: 19). وأيضاً: «يَا رَبُّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ رَحْمَتُكَ. أَمَانَتُكَ إِلَى ٱلْغَمَامِ... مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللّٰهُ!!»(مزمور 36: 5-7). كما خاطبه موسى النبي: «مَنْ مِثْلُكَ... يَا رَبُّ؟... مُعْتَزّاً فِي ٱلْقَدَاسَةِ؟!»(خروج 15: 11). وقال يوحنا الرسول عن اتصاف الله بالمحبة: «الله محبة» (1يوحنا 4: 8). أي أنه ليس محباً فقط، بل إنه أيضاً محبة، أو بتعبير آخر إن محبته لا تنضب، أو تقل على الإطلاق.
ولا يُقصَد بالقول «الله محبة» أن صفة المحبة هي ذات الله، كما يقول بعض الفلاسفة إن صفات الله هي ذاته، بل يُقصَد به أن كيانه (إن جاز هذا التعبير) يفيض بالمحبة، وأن محبته لا حدَّ لها.
-
الثبات أو عدم التغيُّر: بما أن الله أزلي أبدي، إذاً فهو لا يتغير في أية ناحية من النواحي. فمثلاً لا تتغير صفاته كالعدل والرحمة والقدرة، فيصبح يوماً ما متساهلاً أو قاسياً أو عاجزاً. ولا تتغير أقواله من نبوات ووعود وأوامر ونواهي، فيلغي بعضها ويأتي بغيرها، بل أنه يظل كما هو بذاته ومقاصده، إلى الأبد. وقد شهد بهذه الحقيقة فقال: «لأَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ لا أَتَغَيَّرُ»(ملاخي 3: 6). ولذلك كشف عن عيني بلعام، فقال: «لَيْسَ ٱللّٰهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ، وَلا ٱبْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلا يَفِي؟!» (عدد 23: 19).
فالله (كما أجمع الفلاسفة المؤمنون بوجوده الذاتي) لا ينتقل من العدم إلى الوجود، لأنه لا علة لوجوده أصلاً. ولا ينتقل من الوجود إلى العدم، لأن وجوده واجب. ولا يتغير في أية صفة من صفاته، لأنه كامل في ذاته كل الكمال. وما أصدق ما قاله القديس أوغسطينوس في إحدى صلواته: «كما نعرف أنك أنت الموجود الحقيقي وحدك، كذلك نعرف أنك أنت وحدك الموجود بلا تغيّر، والمريد بلا تغيّر».
-
الحياة: بما أن الصفات السابق ذكرها لا توجد في الجماد بل في الحي، إذاً فالله حي. نعم، بل وهو رب الحياة لأنه خالق العالم وكل ما فيه، والشرط الأساسي في الخالق أن يكون حياً. ولذلك كان الأنبياء عندما يتكلمون عنه يقولون: «حَيٌّ هُوَ ٱلرَّبُّ» (2ملوك 5: 16). كما قال أيوب الصديق عنه: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ»(أيوب 19: 25). وقال بولس الرسول: «رَجَعْتُمْ إِلَى ٱللّٰهِ مِنَ ٱلأوْثَانِ لِتَعْبُدُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ ٱلْحَقِيقِيَّ» (1 تسالونيكي 1: 9). كما قال يوحنا الرسول: «يَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ» (رؤيا 4: 10).
أخيراً نقول إن هذه الصفات لكونها صفات الله، فهي تمتاز بالآتي:
-
إنها غير محدودة سواءً في قوتها أم في فعلها، لأنه تعالى لا يحدّه حدّ.
-
إنها متوافقة معاً كل التوافق، لأن من دواعي كمال الله ألا تطغَى صفة فيه على صفة أخرى. فمثلاً صفة الرحمة فيه لا تطغى على صفة العدالة، وصفة العدالة فيه لا تطغى على صفة الرحمة، بل إنهما متعادلتان كل التعادل ومتوافقتان كل التوافق، وهكذا الحال مع كل صفاته المتقابلة كالقوة والصبر، والعظمة والوداعة، وغير ذلك.
-
إنها أصلية فيه فهو قدير عليم مريد سميع بصير كليم أزلاً، قبل وجود أي مخلوق من المخلوقات، لأنه كامل في ذاته كل الكمال، ولا يكتسب شيئاً من الخصائص أو الصفات، لأن الاكتساب يدل على التغيُّر، وهو لا يتغير.
هذا بحث مختصر عن ذات الله وصفاته، وليس في وسعنا أن نكتب عنه أكثر مما كتبنا، لأنه ليس له شبيه حتى نستطيع وصفه وصفاً كاملاً، فقد قال لنا: «بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟» (إشعياء 46: 5). والجواب: طبعاً لاشبيه لك ولا نظير يا الله، لأنك القوي ولا حدذ لقوتك، والكامل ولا نهاية لكمالك، والحكيم ولا آخر لحكمتك، ولذلك لا يمكن الإحاطة بك على الإطلاق!
الفصل الخامس: الاعتراضات والرد عليها | ||
أجمع الفلاسفة الذين يؤمنون أن الله ذات على حقيقة إسناد الأزلية إليه، لأنه علة كل شيء في الوجود، والعلة تسبق المعلول. لكنهم اختلفوا في أمر الصفات الأخرى. فأسندها بعضهم إليه، ونفاها البعض الآخر عنه. وفيما يلي أهم حجج الفريق الأخير، والرد عليها:
-
«الله لا يتصف بصفة، لأنه لو اتصف بصفة لكان محدوداً من جهة معنى هذه الصفة، وهو غير محدود من أي جهة من الجهات. فالبشر هم الذين أسندوا إليه الصفات التي يتّصفون بها ويميلون إليها. ومما يثبت صحة ذلك أن الزنوج وصفوه بأنه أسود، والصينيين بأنه أصفر وهكذا».
الرد: الاعتراض بأن الله لا يتصف بصفة لا نصيب له من الصواب لأن كل موجود يتصف بصفة، وليس هناك بلا صفة إلا غير الموجود. وبما أن الله موجود، إذاً فمن المؤكد أنه يتصف بصفات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الصفات التي يتصف بها الله ليست كالصفات التي تتصف بها المخلوقات المحدودة في قوتها أو فاعليتها، فصفاته غير محدودة من هاتين الناحيتين. فاتّصافه بها لا يدل على أنه محدود من أية ناحية من النواحي.
كما أن الجزء الثاني من هذا الاعتراض لا نصيب له من الصواب، لأن المتمسّكين بالإنجيل (مثلاً) يقومون بناءً على الوصايا الواردة فيه بأعمال لا تميل إليها الطبيعة البشرية الكامنة فيهم وفي غيرهم من الناس، فهم يحيون حياة القداسة في أعمالهم وأقوالهم وأفكارهم، كما يحبون أعداءهم ويحسنون إليهم ويصلّون من أجلهم، وليست لهم غاية من ذلك سوى أن يكونوا في حالة التوافق مع الله. وهذه الظاهرة وحدها تدل على أن الصفات المسنَدة إلى الله في الإنجيل، مثل القداسة والمحبة والطهارة والرحمة، هي صفات أصلية فيه، وليس المسيحيون هم الذين أسندوها إليه. أما عقائد الوثنيين في آلهتهم فلا يصح اتّخاذها حجّة لأنها مؤسسة على تصوراتهم الخاصة، وليس على حقيقة ثابتة.
-
«الإرادة انفعال وتغيُّر، والله منزَّه عن الانفعال والتغير، ولذلك فإنه يتنزه عن الاتصاف بالإرادة».
الرد: بما أن الله هو الذي خلق العالم وبعث الحياة إليه، وبما أنه لا يمكن أن يكون قد قام بذلك مرغماً، لأنه بوصفه الأزلي وحده ليس هناك ما أو من يرغمه على عمل شيء من الأشياء. إذاً لا شك في أنه قام بذلك بمحض إرادته واختياره. وقد شهد معظم الفلاسفة والعلماء بهذه الحقيقة، فقال توما الأكويني: «يجب إسناد الإرادة إلى الله، لأنها تتبع العقل من حيث أنها الميل إلى الخير المعقول، ومحبة هذا الخير متى حصل. فالله يريد ذاته على أنه خير وغاية، ويريد غيره لأن من شأن الخير أن يُشرك الغير في خيره. على أنه يريد ذاته بالضرورة، لأنها الموضوع الخاص لإرادته. ويريد غيره بالاختيار، لأن هذا الغير لا يزيد الخيرية الإلهية شيئاً من الكمال» (الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 64). وقال الإمام الغزالي: «أما الذي في الفاعل فهو أنه لابد وأن يكون مريداً مختاراً، وعالماً لما يريده» (تهافت الفلاسفة ص 148). والله فاعل، إذاً فهو مريد. فضلاً عن ذلك فإن الإرادة (كما سيتبين في الباب الثاني) لم تنشأ في الله عندما قام بالخلق، بل كانت ملازمة له أزلاً. ولذلك فلم يحدث ولن يحدث بسببها انفعال أو تغير فيه.
-
«العالَم متغيّر. وتعلّق العلم بالمتغيّر يؤدي إلى التغيير في العالِم. ولأن الله لا يتغير، إذاً فهو يتنزه عن العِلم بالعالَم».
الرد: إن علم الله بالعالم لا يؤدي إلى طروء التغير عليه لسببين: (أ) لم ينشأ علمه بالعالم عند وجود العالم، بل كان لديه أزلاً، لأنه هو خالقه، والخالق يعرف كل شيء عن خليقته قبل خلقها. (ب) إنه لا يتأثر بالزمن، ومن لا يتأثر بالزمن، لا يطرأ عليه تغيّر بسبب علمه بشيء يحدث فيه. وقد شهد كثير من الفلاسفة بهذه الحقيقة. فمثلاً قال توما الأكويني: «عِلْم الله ليس تدريجياً، بل حاصل دفعة واحدة لحضور الذات الإلهية لذاتها حضوراً تاماً». وقال أيضاً ما ملخصه: «الله عالم للأسباب الآتية (أ) العِلم كمال، والله كامل. (ب) الله منزّه عن المادة تنزيهاً تاماً. ولذلك يقبل الصور المعنوية للأشياء قبولاً تاماً. (ج) الله هو العلة الفاعلة الأولى. ولذلك فلمفعولاته وجود سابق في علمه» (الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط 181). ولذلك فإن علم الله بالعالم لم يحدث ولن يحدث بسببه، أي تغير فيه تعالى.
ولمجرد تقريب هذه الحقيقة إلى الذهن نقول إن الإنسان الواقف على الأرض لا يرى من الناس إلا من يمرّ عليه منهم، ولذلك يحسب في وقت ما أن بعضهم قد مضى عنه، وبعضاً آخر قد صار أمامه، وبعضاً غيرهم سوف يمرّ عليه. بينما الناظر من نافذة طائرة في الجو يراهم دفعة واحدة في لحظة من الزمن. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن الله الذي لا يتأثر بالزمن، لا يكون أمامه ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، بل أن يكون كل شيء (مهما كان زمن حدوثه)، حاضراً أمامه.
-
«الله يتنزَّه عن الاتّصاف بالبصر والسمع والكلام، لأن الاتّصاف بهذه الصفات يتطلب وجود أعضاء، والله لا أعضاء له. ولذلك فإن هذه الصفات وصفتي الإرادة والقدرة أيضاً، هي بعينها صفة العلم في الله».
الرد: لا يحق لنا أن ننكر اتّصاف الله بالصفات المذكورة للسبب الذي ذهب إليه المعترضون أو لأي سبب آخر، لأنه إذا كانت النفس البشرية (مثلاً) مع كونها حادثة ومحدودة ومقيّدة بكثير من القيود الطبيعية، هي عاقلة بذاتها بدون تعلقها بالمخ والأعصاب (كما يقول علماء الأرواح) لذلك ليس هناك مبرر لنفي هذه الصفات عن الله بدعوى عدم وجود أعضاء له، لا سيما وهو الذي لا بداءة له أو نهاية، وهو الذي لا حدّ لتعيّنه أو قدرته على الإطلاق.
أما رد هذه الصفات إلى العلم فغير معقول (كما قال معظم الفلاسفة) لأن اعتبار الإرادة في الله هي علمه بالفيض الصادر منه، وعدم كراهيته له يجعلها صفة سلبية، ونحن قد أثبتنا خطأ إسناد الصفات السلبية دون الإيجابية إلى الله. واعتبار القدرة فيه هي علمه بالأشياء الخارجة عنه، يجعل العلم صفة إبراز وتأثير، وليس صفة تكشف بها المعلومات، الأمر الذي لا يتفق مع حقيقته. كما أن اعتبار كلامه هو علمه، الذي تستقبله نفوس الأنبياء غير معقول، لأن نفوس الأنبياء وإن كانت أنقى من غيرها من نفوس البشر، إلا أنها ليست في درجة نقاوة الله وكماله، حتى تستطيع أن تستقبل علمه مباشرة. فلو أن الأنبياء كانوا قد تُركوا لاستقباله من تلقاء أنفسهم لما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ولكن بما أنهم أدركوا ما أراد الله أن يعلنه لهم من علمه إدراكاً كاملاً، إذاً فمن المؤكد أنه كان يتكلم معهم بصوت واضح لهم.
والحق أنه ليس هناك ما يبرر نفي صفة من هذه الصفات عن الله بسبب عدم وجود أعضاء له، لأننا إذا نفيناها عنه لهذا السبب، وجب أن ننفي أيضاً عنه إمكانية القيام بأي عمل من الأعمال (لأنه ليس له مثلاً يدان أو رجلان). وهذا ما لا يقوله إنسان يؤمن بكمال الله، أو خلقه للعالم، أو عنايته به.
-
«حياة الله هي وعيه بكل شيء، لأن الله لا يمكن أن تكون له حياة مثل حياتنا».
الرد: بما أن الوعي ليس هو الحياة، بل إنه الدليل على وجودها، إذاً فلا يمكن أن يكون هو إياها، وإذاً فمن المؤكد أن تكون لله حياة في ذاته. وطبعاً ليست هذه الحياة هي الحياة المادية التي تتجلى في الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، لأن حياةً مثل هذه تدل على العجز وطلب الكمال، وهو قادر على كل شيء، وكامل كل الكمال، بل هي الحياة الروحية المحضة التي تتجلى في الإدراك والعلم والقدرة، لأن هذه الحياة هي التي تتفق مع كماله كل الاتفاق.
الباب الثاني: الله ووحدانيته | ||
1 - الأدلة على وحدانية الله
2 - الأدلة على عدم وجود أي تركيب فيه
3 - الوحدانية المجردة والوحدانية المطلقة
4 - الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية
5 - درجات الوحدانية الحقيقية
6 - آراء الفلاسفة والعلماء عن الوحدانية الحقيقية
7 - الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة
الفصل الأول: الأدلة على وحدانية الله | ||
الترتيب الطبيعي لبحثنا هذا يلزمنا بالتحدث عن وحدانية الله قبل التحدث عن صفاته، ولكن استصوبنا أن نرجئ البحث في وحدانيته إلى هذا الباب، لاتصالها بموضوعات الأبواب التالية اتصالاً وثيقاً. وطبعاً ليس هناك اعتراض على أن اسم «الله» بأل التعريف يدل على أنه تعالى لا شريك له ولا نظير. ولكن خشية أن يظن أحد أن هناك أكثر من إله واحد للعالم رأينا من الواجب أن نتحدث فيما يلي عن الأدلة التي تثبت وحدانية الله، وتفرده بالأزلية.
1 - الأدلة العقلية
-
الكثرة لا توجد في الكائنات إلا حيث يوجد الضعف والانقراض فيها، ليحل واحد من أفرادها عوضاً عن المنقرِض، حفظاً لكيانها. وبما أن الله أزلي أبدي، ولا يضعف أو يتغيّر على الإطلاق، فلا يمكن أن يكون هناك سواه.
-
لو فرضنا أن هناك إلهين، لكان كلٌّ منهما متحيزاً بمكان. وبما أن المتحيز بمكان لا يكون أزلياً بل حادثاً، فلا يمكن أن يكون أيٌّ منهما هو الله، لأن الله لا يتحيز بحيّز. فلا يمكن أن يكون هناك إلا إله واحد غير متحيز بمكان. وهذا الإله هو الله.
-
ولو فرضنا أيضاً أن هناك إلهين، لكانا إما قد اتفقا على خلق العالم أو اختلفا. فإن كانا قد اتفقا على أن يقوما معاً بهذه المهمة، لما كان كلٌّ منهما مستقلاً في عمله. وهذا يتعارض مع الألوهية، لأن من مستلزمات الألوهية الاستقلال بالعمل. وإن كانا قد اتفقا على اقتسام المهمة المذكورة بينهما لكانت سلطة كل منهما محدودة. وإن كانا قد اتفقا على أن أحدهما يعمل دون الآخر لكان أحدهما عاطلاً، وهذا ما يتعارض مع الألوهية كذلك، لأن من مستلزمات الألوهية الحياة والعمل. أما إذا كانا قد اختلفا، لما كانت هناك وحدة أو انسجام في العالم، ولكان قد تلاشى وانعدم تبعاً لذلك منذ تأسيسه. ولذلك ليس من المعقول أن يكون هناك إلا إله واحد، وهو الله.
2 - الأدلة الطبيعية:
مع اختلاف النباتات بعضها عن بعض الآخر، تتحد جميعاً في الأجزاء الرئيسية الخاصة بها. وإذا نظرنا إلى البشر وجدنا أنه وإن كان كل جنس منهم يختلف عن الجنس الآخر في الشكل الخارجي، إلا أنهم يتحدون في جميع الأعضاء وخصائصها. وإذا نظرنا إلى المادة بصفة عامة، وجدنا أنها على اختلاف أنواعها تتحد معاً في التركيب العام لذرّاتها، فجميع الذرات (كما يقول العلماء) تشبه المجموعة الشمسية التي نعيش في نطاقها. وبما أنه لا يُعقل أن تكون هناك مثل هذه الوحدة العامة بين الكائنات، إلا إذا كان الخالق لها واحداً، فلا شك أنه ليس هناك إلا إله واحد، وهو الله.
3 - شهادة الفلاسفة:
شهد معظم الفلاسفة بوحدانية الله، وعدم وجود شريك له، وللاختصار نكتفي بما يأتي:
-
فلاسفة اليونان: قال أكسينوفان: «لا يوجد إلا إله واحد». وقال أيضاً: «لو كان لله شريك لما استطاع أن يفعل كل ما يريد». وقال مليسوس: «اللامتناهي واحد فقط، إذ يمتنع أن يكون هناك شيء خارج اللامتناهي». وقال أفلاطون: «الله واحد لا شريك له، وإلا لحَدَّ الشريك من سلطته، التي لا يثبت له الكمال إلا إذا كانت لا حد لها». وقال أرسطو: «مما يدل على وحدانية الله، انتظام العالم وتناسق حركاته».
-
فلاسفة اليهود: قال موسى بن ميمون: «الله واجب الوجود بالبرهان، وهو واحد لا شريك له». وقال فيلون: «الله واحد لا شريك له».
-
فلاسفة المسيحية: قال فكتور كوزان: «لما كان الله غير متناهٍ، كان هو الموجود الأوحد». وقال توما الأكويني: «لو كان هناك إلهان لوجب أن يتمايزا فيما بينهما، فيصدق على الواحد شيء لا يصدق على الآخر، ولكان أحدهما تبعاً لذلك عادماً كمالاً، فلا يكون إلهاً». وقال ترتليان: «إذا لم يكن الله واحداً لا يكون هو الله، لأن الله لا يكون إلا فريداً في العظمة. ولا يكون فريداً في العظمة إلا من لا مساوي له، ومن لا مساوي له لا يكون إلا واحداً مفرداً».
-
فلاسفة المسلمين: قال الفارابي: «الله واحد وهو واجب الوجود» (أي ليس معلولاً بعلة). وقال ابن سينا: «للكون إله واحد هو علة كل مَنْ عداه وما عداه من موجودات علوية وسفلية». وقال ابن مسكويه: «الصانع واحد وهو واجب الوجود».
وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدناه يشهد عن وحدانية الله بكل وضوح وجلاء. قال الله: «أَنَا ٱلأوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلا إِلٰهَ غَيْرِي» (إشعياء 44: 6). وقال أيضاً « أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ مَعِي» (تثنية 32: 39). وقال للذين اتخذوا غيره إلهاً: «أَلَيْسَ أَنَا ٱلرَّبُّ وَلا إِلٰهَ آخَرَ غَيْرِي ؟ إِلٰهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ» (إشعياء 45: 21). ولذلك خاطبه نحميا: «أَنْتَ هُوَ ٱلرَّبُّ وَحْدَكَ» (نحميا 9: 6). وقال موسى: «ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلإِلٰهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى ٱلأرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ» (تثنية 4: 39). وقال أيضاً: «ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4). وقال بولس: «لنا إِلٰهٌ وَاحِدٌ» (1تيموثاوس 2: 5). وقال يقعوب: «ٱللّٰهَ وَاحِدٌ» (يعقوب 2: 19).
الفصل الثاني: الأدلة على عدم وجود أي تركيب في الله | ||
تبيَّن لنا فيما سلف أن الله واحد لا شريك له. ولنبيّن الآن أن وحدانيته ليست الوحدانية المركبة، مثل الوحدانية التي تتصف بها المخلوقات، بل بالوحدانية التي لا تركيب فيها على الإطلاق.
1 - الأدلة العقلية
-
بما أن المركب من أجزاء لا يتكوّن إلا بعد وجودها (إذْ أن وجود الأجزاء يسبق وجود الكل). وبما أن الله لم يكن مسبوقاً بعدم أو وجود، لأنه هو الأزلي وحده، إذاً فهو ليس مركباً.
-
بما أنه لا بد للمركَّب من مركِّب يضمّ أجزاءه بعضها إلى بعض حتى يصير كلاً (لأن الأجزاء لا ينضم بعضها إلى البعض الآخر دون علة). وبما أن الله لا علة له، لأنه موجود بذاته أزلاً، إذاً فهو ليس مركباً.
-
بما أن كل مركَّب محدود بكمية أجزائه وقدرها، وبما أن الله غير محدود، إذاً فهو ليس مركباً.
شهادة الفلاسفة
شهد كل الفلاسفة الذين يؤمنون بالله، بعدم وجود أي تركيب في ذاته. وللاختصار نكتفي بما يأتي:
-
فلاسفة اليونان: قال أكسينوفان: «الله أرفع الموجودات السماوية والأرضية، وهو ليس مركباً». وقال أرسطو: «كل مركب صائر إلى الانحلال، ولذلك لا يكون الواحد (أي الله) إلا بسيطاً غير قابل للتجزئة».
-
فلاسفة اليهود: قال فيلون: «الله لايمكن وصفه ولا يمكن حدُّه». وما لا يمكن وصفه أو حدّه يكون بسيطاً، لأن المركب يمكن وصفه وحده. وقال موسى بن ميمون: «يلزم من وجوب وجود الله أن يكون بسيطاً» أو لا تركيب فيه.
-
فلاسفة المسيحيين: قال أوريجانوس: «يجب ألا نظن أن الله ذو جسد، إذ أنه من جميع جهاته عقل، أي أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه». وقال توما الأكويني: «الله بسيط كل البساطة ومنزَّه كل التنزيه عن أي نوع من أنواع التركيب، فهو ليس مركباً من هيولي وصورة، أو من ماهية وشخص حاصل عليها، أو من ماهية ووجود، أو من جنس وفصل، أو من جوهر وعَرَض، لأنه ليس جسماً». وقال القديس أوغسطينوس: «الله جوهر مجرد لا تركيب فيه».
-
فلاسفة المسلمين: قال الفارابي: «الله ليس مؤلَّفاً من أي نوع من أنواع التألف الحسّي أو العقلي أو المنطقي». وقال ابن سينا: «الله منزّه عن التألّفات الخمسة، التي تعرض لكل من عداه وما عداه. وهذه التألفات هي التألف المادي، والتألف الذهني، والتألف المنطقي، والتألف من الذات والصفات، والتألف من الماهية والوجود. فهو بسيط لا تركيب فيه بوجه».
وإذا رجعنا للكتاب المقدس رأينا أنه وإن كان لم ينبّر على تنزّه الله عن التركيب، كما نبّر على وحدانيته وتفرّده بالأزلية (وذلك لعدم ظهور اختلاف بين الناس من جهة عدم تركيب الله من أجزاء في العصور التي كُتب فيها)، لكن ذُكر في سياق موضوعاته المتعددة آيات كثيرة تدل على أنه لا تركيب فيه. فقد قال إن «اَللّٰه رُوحٌ» (يوحنا 4: 24). والقول «الله روح» لا يُقصَد به (كما يتبين من الآية الوارد فيها) أنه روح مثل الأرواح المخلوقة، بل يقصد به فقط أنه ليس مادياً أو مركباً أو محدوداً، وقيل عنه: «غَيْر ٱلْمَنْظُورِ» (كولوسي 1: 15) ؟ «يتحيّز بمكان» (مزمور 139: 8-12). وهذه الصفات تدل على أنه غير مركب، لأن المركب يتحيّز بحيّز، ومن الممكن أن يُدرَك أو يُرى. إذ أنه محدود بحدود الأجزاء المركب منها - وأجمعت كل كتب العقائد على اختلاف مذاهب كتابها، على أن «الله روح سرمدي، غير مركب أو محدود، أو متغير».
مما تقدم يتبين لنا أن المسيحية نادت منذ نشأتها بوحدانية الله وعدم وجود تركيب فيه. فإذا درسنا الكتاب المقدس وجدناه ينذر المشركين بالعذاب الأليم، ليس في الأبدية فقط بل وفي العالم الحاضر أيضاً. فقد قال تعالى لهم: «أُحَطِّمُ فَخَارَ عِزِّكُمْ، وَأُصَيِّرُ سَمَاءَكُمْ كَٱلْحَدِيدِ وَأَرْضَكُمْ كَٱلنُّحَاسِ، فَتُفْرَغُ بَاطِلاً قُوَّتُكُمْ، وَأَرْضُكُمْ لا تُعْطِي غَلَّتَهَا... أُطْلِقُ عَلَيْكُمْ وُحُوشَ ٱلْبَرِّيَّةِ فَتُعْدِمُكُمُ ٱلأوْلادَ، وَتَقْرِضُ بَهَائِمَكُمْ... أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ سَيْفاً يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ ٱلْمِيثَاق» (اللاويين 26: 19-26). وقال أيضاً: «أَمَّا ٱلْخَائِفُونَ وَغَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلرَّجِسُونَ وَٱلْقَاتِلُونَ وَٱلزُّنَاةُ وَٱلسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ ٱلأوْثَانِ وَجَمِيعُ ٱلْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي ٱلْبُحَيْرَةِ ٱلْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، ٱلَّذِي هُوَ ٱلْمَوْتُ ٱلثَّانِي» (رؤيا 21: 8).
الفصل الثالث الوحدانية «المجردة» والوحدانية «المطلقة» | ||
يؤمن فلاسفة اليونان واليهود والمسيحيين والمسلمين أن الله واحد، لكنهم يختلفون فيما بينهم من جهة نوع وحدانيته. فيقول فريق منهم إنها وحدانية لا تتصف بصفة أي أنها «وحدانية مجردة». ويقول فريق آخر إنها «وحدانية مطلقة». وهذه تختلف عن تلك.
فالوحدانية «المجردة» لا تتصف بصفة، والقائلون بها ينزّهون الله عن الاتصاف بأية صفة من صفات الكائنات، بدعوى أن ذلك يجعله محدوداً مثلها. ولذلك ينفون عنه حتى الوجود، بدعوى أن الوجود صفة من صفاتها. وليتمشى هذا النفي مع اعتقادهم في عظمة الله، يقولون عنه إنه فوق الوجود، وفوق العلم، وفوق الإرادة، وفوق... وفوق... وإن كانت صيغة هذا الوصف تبدو إيجابية، إلا أنها في الواقع سلبية. وكل ما في الأمر أنها سلبية بصيغة مهذبة، إذ أن مَنْ هو فوق الوجود هو في الواقع غير موجود، لأنه خارج عن دائرة الوجود. وعلى هذا النسق: من هو فوق العلم غير عالِم. ومن هو فوق الإرادة غير مريد. ولذلك فإن إلهاً مثل هذا لا يمكن أن يكون إلهاً حقيقياً.
والوحدانية «المطلقة» غير مقيدة، أو هي وحدانية لا حدَّ لها، ولم تُستعمل «الوحدانية المطلقة» بهذا المعنى عند جميع الفلاسفة، فقد استعملها بعضهم بالمعنى الذي يُفهم من «الوحدانية المجردة». فنرجو ملاحظة ذلك.
والقائلون بهذه الوحدانية يؤمنون أن لله وجوداً واقعياً. لكنهم ينقسمون من جهة صفاته إلى فريقين: فريق ينفي عنه صفة الإرادة وبعض الصفات الأخرى، كالاختيار والعلم بالجزئيات. وحجتهم في ذلك أنه إذا كان الله يريد، فإنه يريد أزلاً. وإرادته أزلاً تتطلب إما وجود كائنات أزلية معه كان يريدها، أو وجود تركيب في ذاته. وبما أنه لا تركيب فيه ولا شريك له، إذاً فهو لا يتصف بالإرادة ولا بالصفات الأخرى التي تتطلب في ممارستها ما تتطلبه هذه الصفة.
وفريق آخر يسند إلى الله جميع صفات الكمال اللائقة به، كالإرادة والعلم والقدرة والبصر والسمع والكلام. ولكن يتعذر عليه التوفيق بين إسناد هذه الصفات إلى الله أزلاً، واعتبار وحدانيته وحدانية مطلقة، لأن التوفيق بينهما محال (كما سيتبين بالتفصيل في الباب التالي).
والآن: بما أن الإيمان بالله يقتضي الاعتراف بأنه موجود بالفعل، وبما أن الموجود بالفعل يتصف بكل الصفات الإيجابية اللائقة به، فلا يُعقَل أن تكون وحدانية الله «وحدانية مجردة» من الصفات الإيجابية. وبما أنه مع تفرّده بالأزلية وعدم وجود تركيب في ذاته، من اللائق بكماله أن تكون كل صفاته هي بالفعل أزلاً، إذاً فلا يُعقل أن تكون وحدانيته وحدانية مطلقة تتصف بصفات لم يكن لها عمل أزلاً.
وإذا كان الأمر كذلك، فما نوع الوحدانية التي تليق بكماله؟
الجواب هذه الوحدانية تسمو فوق العقل والإدراك، وليس لها نظير على الإطلاق، ولذلك نرى من الواجب قبل التحدث عنها أن نتحدث أولاً عن الفرق بين الوحدانية الوهمية والوحدانية الحقيقية، ثم عن درجات الوحدانية الحقيقية وآراء الفلاسفة فيها، حتى يتسنى لنا إدراك شيء عن وحدانيته.
الفصل الرابع: الوحدانية الحقيقية والوحدانية الوهمية | ||
بما أن الله واحد ولا ينفي عنه الوحدانية إلا من ينكر وجوده، فإدراكنا لماهية الوحدانية يساعدنا على إدراك شيء عن وحدانيته. مع العلم بأننا نقرّ أن وحدانية الله هي أدق وأسمى وحدانية في الوجود، وأنه ليس لها نظير على الإطلاق (كما سيتبين بالتفصيل في الباب الرابع).
فما هي الوحدانية؟
الجواب: الوحدانية اسم معنى من الواحد، والواحد كما يقول الشيخ ابن الطيب: «هو موجود لا يوجد فيه غيره، من حيث هو ذلك الواحد». أو كما يقول ابن سينا: «هو ما كان غير منقسم من الجهة التي قيل عنه إنه واحد».
وما هي خصائص هذا الواحد أو مميزاته؟
للإجابة على هذا السؤال علينا أن نتأمل أولاً في الحقائق المدرَكة لدينا، لأننا لا نستطيع إدراك خصائص الواحد أو مميزاته بدونها.
فلننظر إذاً إلى أي كائن من الكائنات، وليكن الإنسان مثلاً، ثم تسأل: أليس بواحد؟ الجواب: نعم هو واحد، لأنه لا يوجد فيه غيره من حيث هو ذلك الإنسان الواحد. لكن هل وحدانيته هي الوحدانية غير المركبة التي تساعدنا على إدراك شيء عن وحدانية الله؟ الجواب: طبعاً كلا، لأن الإنسان مركب من روح ونفس وجسد، وجسده هذا مركب من عناصر وأجزاء. والله غير مركب.
ولذلك لندع الإنسان وكل الكائنات المركبة جانباً، ولنأخذ مليجراماً من أي عنصر من العناصر، وليكن الذهب النقي مثلاً. فهذه الكمية شيء واحد لأنه لا يوجد فيها غيرها من حيث هي هذا الشيء الواحد. لكن وإن كانت شيئاً واحداً غير مركب من أشياء غير ذاتها، إلا أنها قابلة للتجزئة، ولذلك فوحدانيتها ليست الوحدانية المحضة التي تساعدنا على إدراك شيء عن وحدانية الله، لأنه تعالى لا يتجزأ على الإطلاق. فلنقسم هذه الكمية إذاً لملايين الأقسام، حتى يصبح كل قسم منها غير قابل للتجزئة، فماذا تكون النتيجة؟ الجواب: إننا نحصل على «ذرّة». والكلمة المعروفة عندنا بالذرة، هي في الأصل «Atemno» ومعناها غير القابل للانقسام أو التجزئة، لأن الذرة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء أصغر منها، وهي كما يقول العلماء توازي جزءاً من مائة بليون جزء، من أصغر شيء يمكن أن تراه العين البشرية. أما تحطيمها فليس هو تقسيمها إلى أجزاء، بل هو ملاشاة كيانها، أو بتعبير آخر ملاشاة وحدتها. لأنه بالتحطيم تفقد معظم خواصها وأهمها. فالذرة إذاً هي أدق مثال يمكن أن نعرف به شيئاً عن الوحدانية غير القابلة للانقسام أو التجزئة.
وما مميزات وحدانية الذرة؟
الجواب: إنها كما يقول العلماء مركبة من بروتونات ونيوترونات تدور حولها إلكترونات، أو بتعبير آخر قائمة بمميزات تنشأ بسببها نِسَب أو علاقات بينها وبين ذاتها. ولذلك فإن وحدانيتها ليست أيضاً وحدانية محضة، أو وحدانية غير مركبة.
مما تقدم يتبين لنا أن الوحدانية غير المركبة ليس لها وجود في العالم المادي على الإطلاق، وأن كل وحدانية، حتى وإن كانت غير قابلة للتجزئة تقوم بمميزات تنشأ بسببها نِسَب أو علاقات بينها وبين ذاتها. وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الفلاسفة. فقال فنت: «الوحدة الجوهرية في كل موجود تتألف من ذرة وإرادة معاً». ولعل «فنت» يقصد بكلمة الإرادة هنا القوة أو الطاقة. أو بتعبير آخر: تقوم بمميزات تنشأ بسببها نسب أو علاقات بينها وبين ذاتها، كما قلنا. وقال أرسطو: «كل موجود تحدّه عشر مقولات، هي الجوهر والكمية والكيفية والإضافة والمكان والزمان والموضع والملك والفعل والانفعال». وقال غيره: «لكل موجود ثلاث نسب، هي الذات والصورة والقوة، أو الجوهر والشكل والنتيجة».
وليست النسب أو العلاقات قاصرة على الكائنات المادية، بل إنها توجد أيضاً في الكائنات الروحية، لأننا إذا تأملنا النفس مثلاً وجدنا أنها تشتمل على مميزات أو ملكات خاصة، وهذه تنشأ بسببها علاقات بين النفس وذاتها، وهذه العلاقات هي التي تكوّن شخصية النفس التي تميزها عن غيرها من النفوس.
ومع ذلك فإننا لا ننكر وحدانية ليست قائمة بمميزات، وليست بينها وبين ذاتها نسب أو علاقات، وهذه الوحدانية هي وحدانية النقطة الهندسية. لكن هذه النقطة كما نعلم، ليست حقيقية بل وهمية. وإن اتصفت بصفات، فإنها لا تتصف إلا بالصفات السلبية، الأمر الذي ينم عن عدم وجود كيان حقيقي لها. ولذلك لا يصح اتخاذ وحدانيتها وسيلة لإدراك شيء عن وحدانية الله، أو أية وحدانية حقيقية في الوجود.
الفصل الخامس: درجات الوحدانية الحقيقية | ||
تبين لنا مما سلف، أن قيام الوحدانية بمميزات تنشأ بسببها بينها وبين ذاتها نسب أو علاقات، هو الشرط الأساسي لحقيقة وجودها، أو بالحري لصدق وحدانيتها. لكن إذا تأملنا الكائنات المحيطة بنا، وجدنا أن بعضها يختلف عن البعض الآخر اختلافاً عظيماً، فهناك كائنات لا تقوم بمميزات واضحة، ولا تتميز حتى عن غيرها من فصيلتها ومن الفصائل الأخرى، فأي نوع من هذه الكائنات أرقى مكانة وأسمى وحدانية؟
للإجابة على ذلك علينا أن نتأمل أولاً كل نوع من هذه الكائنات لنعرف خصائصه ومميزاته، ولذلك نقول:
-
إذا نظرنا لقطعة من الجماد كالحديد مثلاً، وجدنا أن لها وحدة، لأنه ليس فيها غيرها، من حيث كونها قطعة من الحديد. لكن ما أتفه وحدتها هذه، وما أقل مميزاتها، لأنه ليس بينها وبين ذاتها نسب أو علاقات تجعل لها كياناً خاصاً يميزها من الناحية النوعية عن غيرها من الحديد الذي تنتمي إلى فصيلته. ولذلك جرت العادة في اللغات الأوربية ألا يُنظر إلى أية قطعة من الجماد كوحدة خاصة. فلا يقال في الإنجليزية مثلاً «an iron» أو «a gold» أي «حديدة» أو «ذهبة» بل يقال «a piece of iron» و «a piece of gold» أي «قطعة من الحديد» أو «قطعة من الذهب».
-
وإذا انتقلنا لمملكة النبات ونظرنا إلى الطحلب مثلاً، وجدنا أنه لا يقوم بمميزات واضحة، لأنه لا يمكن التمييز بين كمية وأخرى منه، وبين مستعمرة وأخرى من فصيلته، إلا بالمجهر. ولذلك كان الطحلب نباتاً دنيئاً (بالنسبة للنباتات الراقية). ووحدانيته تافهة أو غير ظاهرة. أما إذا نظرنا إلى الأشجار فإننا نجد أن كل شجرة قائمة بمميزات واضحة، وأمكننا تبعاً لذلك أن نميز بين كل شجرة وغيرها من فصيلتها ومن الفصائل الأخرى بكل سهولة. ولذلك كانت الأشجار نباتات راقية، وكانت وحدانية كل منها ظاهرة أو سامية.
-
وإذا تركنا مملكة النبات، ونظرنا إلى الأوبليا مثلاً، وجدنا أنه لا يقوم بمميزات واضحة، لأنه لا يمكن التمييز بين كمية وأخرى منه، وبين مستعمرة وأخرى من فصيلته، إلا بالمجهر. ولذلك كان الأوبليا حيواناً دنيئاً ووحدانيته تافهة أو غير ظاهرة. (الأوبليا حيوان بسيط من فصيلة الجوف المعويات، وهو لا يعيش إلا في البحار). أما إذا نظرنا إلى الحيوانات الكاملة فإننا نجد أن كل حيوان قائم بمميزات واضحة، وأمكننا تبعاً لذلك أن نميز بين كل حيوان وغيره من فصيلته ومن الفصائل الأخرى بكل سهولة. ولذلك كانت هذه الحيوانات كائنات راقية، وكانت وحدانية كلٍ منها ظاهرة أو سامية.
-
وإذا تركنا الحيوانات ونظرنا إلى البشر وجدنا أن كل إنسان قائم بمميزات واضحة، وهذه المميزات نوعان: مادية ومعنوية. فالأولى تبيّن وحدانيته الشكلية، وتميزه عن غيره من البشر من الناحية الجسدية. والثانية تبيّن وحدانيته المعنوية أو بالحري شخصيته التي هي الجوهر الحقيقي لإنسانيته، وتميزه عنهم من الناحية العقلية والروحية. ولذلك فإنه حتى إذا اتفق بعض الناس في المميزات الشكلية، تظل لكلٍ منهم شخصيته، أو بالحري مميزاته العقلية والروحية، التي لا يشاركه فيها غيره. ولهذا السبب كانت الوحدانية الإنسانية أسمى من وحدانية أي مخلوق من المخلوقات.
وقد شهد الفلاسفة أن لكل كائن مميزات تبيِّنه وتفصله عن غيره من الكائنات، وأنه كلما سمت هذه المميزات كان الكائن أقرب إلى الكمال وأقدر على الوجود. فقال جون سكوت: «بقدر ما يحوز الكائن من المميزات التي تعينه وتفصله عن غيره يشغل درجة عليا أو دنيا فوق سلم الوجود. فالكائن الأكثر فوزاً بعوامل التعيّن هو الأعمق في الأحقية، وبالتالي هو الأقرب إلى الكمال». وقال ديكارت: «كلما كانت طبيعة الشيء حاصلة على حقيقة أعظم، كان أقدر على الوجود». وقال ليبنتز: «كلما كان إدراك الذرة واضحاً وتصويرها للكون دقيقاً كانت أكثر حيوية وأعظم نشاطاً. ويزداد هذا الإدراك قوة ووضوحاً كلما صعدنا إلى الإنسان». وقال رينوفييه: «إذا ظهرت الحرية في كائنٍ ما، فإنه يصل بفضل ما فيه من هذه الحرية لدرجة راقية من الوجود الذاتي. فما كان من قبل يمكن تمييزه عن غيره فحسب، يصبح الآن منفصلاً ومستقلاً. وما كان بالأمس نفساً فحسب، يصبح اليوم فرداً. وأرقى أنواع الفردية، هو الإنسان أو الشخصية الإنسانية، لأنه يتميز بمميزات عقلية وروحية، قلما يتحد معه غيره فيها».
مما تقدم لنا أن لكل وحدانية حقيقية ممزيات تعينها، وأن أرقى أنواع المميزات هي العقية والروحية. وهذه المميزات لا توجد إلا في ارقى الكائنات وأسماها.
الفصل السادس: آراء الفلاسفة عن الوحدانية الحقيقية | ||
بحث كثير من الفلاسفة مميزات الوحدانية الحقيقية. وفيما يلي أهم آرائهم عنها:
-
فلاسفة اليونان: قال هيرقليطس: «الواحد ليس إلا كثرة توحَّدت، والكثرة ليست إلا واحداً تكثَّر». وقال ديمقريطس: «الجوهر الفرد لا يمكن أن يكون وحدة بمعنى الكلمة، وإن الكثرة تقوم في وحدات لا مادية (روحية) وهي محكمة، ووجودية في نفس الوقت». والجوهر الفرد (كما يُستنتَج من أقوال الفلاسفة) هو الذي لا يتميز بميزة تدل على أن له كياناً حقيقياً، فهو والنقطة الهندسية سواءٌ من هذه الناحية. ولذلك لا يصح أن يُقال عن الله إنه «الجوهر الفرد» لأن «الله» مع وحدانيته وعدم وجود أي تركيب فيه، له مميزات تدل على أن له تعيناً أو كياناً خاصاً. وإذا كان لابد من اسم يُسمَّى به الله كجوهر، فمن الممكن أن يسمَّى «الجوهر الحقيقي». مع ملاحظة أنه ليس مثل الجواهر المخلوقة التي تتكون من جوهر وعرض، إذ أنه من كل نواحيه (إن جاز التعبير) هو جوهر محض، لأن جوهره وتعينه واحد، كما سيتضح بالتفصيل في الباب الرابع.
وكان أفلاطون يحمل على القائلين بالوحدة المطلقة فقال: «إذا كانت الكثرة تقتضي الوحدة، فالوحدة بدورها تقتضي الكثرة. لأننا إذا قلنا عن الماهيات إنها وحدة ثابتة، ولم نضف إليها شيئاً من الكثرة، فإننا نسلبها الحياة والحركة». و «الماهيات» كائنات روحية تصوَّر أفلاطون أنها موجودة منذ الأزل، واعتبرها الوجود الحقيقي للكائنات المنظورة، والمثال الذي خُلقت عليه هذه الكائنات. فمثلاً كان يعتقد أن الرجولة، (أي ماهية الرجال) سابقة في وجودها للرجال، وعلى مثالها خُلقوا. وهكذا الحال مع باقي الكائنات. وقال أفلاطون أيضاً: «كل حمل يقتضي وجود شيئين. فإذا قلنا مثلاً إن الوجود واحد، فإن هذا القول نفسه غير ممكن، لأننا قلنا بصفتين: هما الوجود والوحدة. فلابد من القول بالكثرة». وقال أيضاً: «الوجود وحدة تتضمن الكثرة، أو هو كثرة تتضمن الوحدة. لكن ليس كثرة مطلقة، وإلا لما أمكن العلم. كما أنه ليس وحدة مطلقة، وإلا لما أمكن الحمل. وليست مسألة الكثرة خاصة بالمحسوسات أو الوجود المحس فحسب، بل إنها أيضاً تتعلق بالوجود غير المحسوس أو وجود الماهيات». علماً بأن أفلاطون، وبعض الفلاسفة الآخرين المذكورين في هذا الفصل يردّون على القائلين بوحدة الوجود، ولكن يُستنتَج أيضاً من أقوالهم، أنهم يرون أن كل وحدة قائمة بكثرة، وأنه ليست هناك وحدة حقيقية لا كثرة فيها.
وقال أرسطو: «لا يُستثنى من الكائنات إلا الجوهر الفرد» أي أن الجوهر الفرد لا يُعتبر كائناً من الكائنات الحقيقية، لأنه لا يتميز بميزة تدل على أن له كياناً خاصاً. وقال أيضاً: «إن شيئاً واحداً بعينه، يمكن تماماً أن يكون واحداً وكثيراً» أي لا يمكن الفصل بين الوحدة والكثرة فيه.
-
فلاسفة اليهود: يُستنتج من أقوال فيلون وموسى بن ميمون وغيرهما من فلاسفة اليهود، أن كل وحدانية (مهما كانت دقتها) لها صفات خاصة، واتّصاف الوحدانية بصفات خاصة هو شمولها على كثرة من نوع ما.
-
فلاسفة المسيحيين: قال هيجل: «ليس الكثير والواحد طرفين متناقضين كما يُرى، بل هما وجهان لحقيقة واحدة يلتقيان في نهاية الأمر، لو أنك سَمْوت بتفكيرك إلى مرتبة فوق المستوى الضيّق المعهود. فالكمية في معناها الصحيح هي كثير في واحد وواحد في كثير، ومن الخطأ أن تحاول التفريق بين هذين الوجهين. فلن تجد واحداً لا يتكون من وحدات كثيرة، ولن تجد وحدات لا تأتلف في واحد. ولو حاولت ذلك، لكنت كمن يريد أن يظفر بعصا لها طرف واحد».
وقال هبهوس: «لا غنى للوحدة عن كثرتها. ولا غنى للكثرة عن وحدتها». وقال ليبنتز: «الوحدة ليست خالية أو مجردة، وإلا ما تميزت عن غيرها». وقال بربراند: «كل كلمة في الوجود تدل على شيء كلي» أو جامع. وقال رسل: «لا يتعارض مذهب الوحدة مع مذهب الكثرة، فإن الوحدة هي وحدة في الكيف، على حين أن الكثرة هي كثرة في الجوهر».
-
فلاسفة المسلمين: قال ابن سينا: «لا وجود للجوهر الفرد». وقال أيضاً: «الجوهر النفيس (أي الجوهر الحقيقي) مكوَّن من هيولي وصورة». وقال غيره: «قيام الشيء بذاته لا بد له من جزئين أو ثلاثة أجزاء، أو ثمانية أجزاء». وقال الإمام الشيخ محمد عبده: «الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة فعلاً ولا عقلاً ولا وهماً، لا حقيقة له». ومعنى ذلك أن كل جوهر حقيقي قائم بكثرة بأي وجه من الوجوه.
هذه هي أراء الفلاسفة والعلماء في الوحدانية. ومنها يتبين أنهم يرون أن كل وحدانية في الوجود سواء كانت مادية أو روحية، هي وحدانية قائمة بكثرة - أو بتعبير آخر يمميزات تظهر حقيقتها أو بالأخرى وحدانيتها، وتجعل بينها وبين ذاتها نسباً أو علاقات. وأنه إذا شذّت وحدانية عن ذلك فقدت مميزات الوحدانية الحقيقية، وكانت وحدانية وهمية لا وجود لها في عالم الحقيقة إطلاقاً، مثلها في ذلك مثل النقطة الهندسية تماماً. وآراؤهم تتفق مع الحقائق المدركة لنا كل الاتفاق.
الفصل السابع: الوحدانية اللائقة بالله، أو الوحدانية الجامعة المانعة | ||
انتهينا إلى أن كل وحدانية، مادية كانت أو روحية، تقوم بمميزات تنشأ بينها وبين ذاتها نِسَب أو علاقات، وأن هذه المميزات هي التي تبيّن حقيقة وحدانيتها. فإذا كان الله واحداً قائماً بذاته، ألا يكون أيضاً متميزاً بمميزات خاصة، تدل على حقيقة وحدانيته، وتنشأ أيضاً بسببها علاقات بينه وبين ذاته؟ أو بتعبير أدق، ألا تكون ذاته عينها مع وحدانيتها وعدم وجود أي تركيب فيها، تتميز بمميزات خاصة، تنشأ بسببها علاقات بينها وبين نفسها؟
الجواب: طبعاً نعم، لأن هذا هو ما يتوافق مع الحقيقة كل التوافق كما اتضح لنا، وكما سيتضح بأكثر تفصيل مما يلي.
الأدلة على أن وحدانية الله تتميز بمميّزات خاصة
-
لله (كما ذكرنا في الباب الأول) تعيّن خاص. وكل كائن له تعين خاص له مميزات تبين حقيقته. فمن المؤكد أن تكون لله مميزات (أو بتعبير أدق، أن يكون هو بذاته متميزاً بمميزات) تبيّن حقيقته.
-
بما أن صفات الله لم تكن عاطلة أزلاً ثم صارت عاملة عندما خلق، بل كانت عاملة أزلاً قبل وجود أي كائن من الكائنات (لأن هذا ما يتناسب مع ثباته وعدم تعرضه للتغير، كما ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الباب)
-
وبما أنه لا يُعقل أنه كان يمارس صفاته في الأزل مع غيره، لأنه لا شريك له. ولا يعقل أنه كان يمارسها مع جزء من ذاته لأنه لا تركيب فيه. إذاً لا شك أنه كان يمارسها بينه وبين ذاته نفسها.
وإذا كان الأمر كذلك كانت ذاته مع وحدانيتها وعدم وجود تركيب فيها متميزة بمميزات متكاملة، تجعل ممارسته لهذه الصفات بينه وبين ذاته أزلاً أمراً عملياً حقيقياً، لأنه لا سبيل لممارسة الصفات بين كائن وذاته إلا إذ كان متميزاً بمميزات خاصة.
ولإيضاح ذلك نقول إن صفة العدالة مثلاً تدل (كما يقول أفلاطون) على التعادل، والتعادل في الكائن الفرد معناه التوافق والانسجام. ولذلك فاتّصاف الله بالعدالة أزلاً يدل على وجود توافق أو انسجام بينه وبين ذاته. ووجود توافق أو انسجام بينه وبين ذاته يدل على وجود علاقات بينه وبين ذاته. كما أن صفة المحبة تدل على وجود روابط طيبة بين اثنين على الأقل، أحدهما محب والآخر محبوب. ولذلك فاتّصاف الله بالمحبة أزلاً، يدل

