محروسون بإيمان لخلاص |
دروس من رسالتي الرسول بطرس
بطرس: كاتب الرسالتين | ||
يُعتبَر الرسول بطرس كاتب هاتين الرسالتين بطلاً من أعظم أبطال المسيحية. يجتذبنا إليه أنه إنسان عادي، يمكن أن نرى فيه نجاحنا وفشلنا الشخصي. ولقد أصدر بطرس حكْمَه في كل موضوع، وعّبَّرشّفي كل مناسبة عن فكره، مما جعله يبدو مندفعاً متسرّعاً. وكان بطرس مليئاً بالقوة والثقة بالنفس والأمل والشجاعة، ولكن كان به كثير من الصفات السلبية التي تميّز كل شخصية إنسانية، فقبل صعود المسيح الى السماء وجدنا بطرس ضعيفاً خائفاً،غير مستمر في عمله. فمن هو بطرس هذا الذي دعاه المسيح ليكون رسولاً له ؟ وما هو الذي أجرى فيه التغيير الكبير؟ وما هي الاختبارات التي أثّرت فيه حتى جعلت منه هذا الرسول العظيم؟
خلفيَّة بطرس | ||
اسمه وعائلته:
مع أننا نعرفه باسم «بطرس» إلا أن هذا لم يكن اسمه، بل كان اللقب الذي اعطاه المسيح له، فاسمه الأصلي كان سمعان. ولا نعرف عن عائلته شيئاً إلا أن اسمه سمعان بن يونا (يوحنا 21: 15) واسم أخيه «اندراوس» (يوحنا 1: 40). ولايخبرنا الإنجيل إنْ كان بطرس أكبر من اندراوس أو إن كان اندراوس أكبر من بطرس.
أماكن سكنه:
أول ذكرٍ لمكان سكن بطرس كان بيت صيدا، عند مصّبّ نهر الأردن من جهة اليسار (يوحنا 1: 44) وهى قرية تقع على الشط الشمالي لبحيرة طبرية. وعندما دعاه المسيح ليخدمه كان بطرس مقيماً مع أخيه اندراوس في كفر ناحوم عند مصب نهر الأردن من جهة اليمين (مرقس 1: 21-29).
تعليمه:
لايقدّم لنا العهد الجديد تفاصيل تعليم الرسول بطرس، غير أننا نقرأ فى أعمال ( 4: 13) أن الزعماء الدينيين اندهشوا من شجاعة بطرس ويوحنا، لأنهما كانا رجلين عديمي العلم وعاميين. وقد ظن بعض الناس أن هذا يعني أن بطرس لم يتلقَّ أيَّ تعليم في أية مدرسة، لكن لم يكن هذا قصد زعماء الدين من إطلاق هذا الوصف عليه، بل قصدوا أن بطرس ويوحنا لم يتلقّيا أي تعليم فقهي في مدرسة دينية من التي يتخرّج فيها قادة الدين اليهود.
ولا شك أن بطرس تلقّى التعليم الأولّي الذي يتلقاه كل صبي في أيامه.
وظيفته:
كان بطرس صياداً، شأنه شأن كثيرين من الذين يعيشون على ضفاف بحيرة طبرية. وقد تعلَّم منذ صباه وظيفة أبيه، وكان مع أخيه اندراوس شريكين في صيد السمك، ومعهما تلميذان آخران هما يعقوب ويوحنا ابنا زبدى. وأغلب الظن أن عدم ذكر والد بطرس يعني أنه كان قد مات قبل حوادث القصة. كان بطرس صياداً ناجحاً، فقد كان يمتلك في كفر ناحوم بيتاً كبيراً، كان كافياً ان يسكن فيه أفراد عائلة بطرس مع السيد المسيح وجماعة من تلاميذه (مرقس 1: 29-34).
حالة بطرس الإجتماعية:
مع أننا لانعرف الكثير عن حالة بطرس العائلية، إلا أننا نعرف أنه كان متزوجاً، وكانت إحدى معجزات المسيح الأولى هي شفاء حماة بطرس. ونعلم أن زوجة بطرس كانت تسافر معه في خدمته (1 كورنثوس 9: 5). وأغلب الظن أنها كانت موجودة مع بطرس في بابل حيث كتب الرسالة الأولى، فقد قال بعض المفسرين إن بطرس قصد زوجته عندما قال «تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّتِي فِي بَابِلَ ٱلْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ» (1 بطرس 5: 13).
دعوة بطرس للخدمة | ||
في بيت عنيا:
عندما وجَّه يوحنا المعمدان نظر تلاميذه للمسيح، اسرع اندراوس ليجد أخاه سمعان، وقاده الى المسيح. وما أن رأى المسيح سمعان حتى قال له: «أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا. أَنْتَ تُدْعَى صَفَا» ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: بُطْرُسُ» (يوحنا 1: 42). لقد أطلق المسيح على بطرس لقباً جديداً هو لقب «الصخرة» وهنا صار لقبُ بطرس اسمَه، ولايوجد شخص آخر في العهد الجديد يحمل اسم بطرس غير هذا الرسول.
في كفر ناحوم:
بعد أن التقى السيد المسيح ببطرس وغيره من التلاميذ - كما يروي ذلك يوحنا في الأصحاح الأول من إنجيله - نشكّ إنْ كان هؤلاء التلاميذ قد صاحبوا المسيح بصورة دائمة، فالظاهر أنهم عادوا الى الصيد لفترة، وبعد ذلك عندما بدأ المسيح خدمته في كفر ناحوم اختار تلاميذه الدائمين. ونقرأ أنهم لما جاءوا بالسفينتين الى البّر تركوا كل شيء وتبعوه (لوقا 5: 11).
خدمة بطرس بإشراف المسيح | ||
مكانة بطرس:
يجىء اسم بطرس أول الأسماء حيثما وجدنا قائمة بأسماء التلاميذ (متى 10: 2-4 ، مرقس 3: 16-19 ، لوقا 6: 13-16 ، أعمال 1: 13). ولعل السبب في ذلك أن بطرس كان واحداً من أول الذين تبعوا المسيح، كما أن طبيعة بطرس المتسرّعة جعلته يكون قائداً للتلاميذ، فكثيراً ماخاطب المسيح بطرس نيابة عن بقية التلاميذ. غير أن التلاميذ لم يعطوا بطرس القيادة، بدليل أنهم كانوا يناقشون ويتشاجرون حول من فيهم هو الأعظم (متى 20: 20-28). وبالرغم من أننا نقرأ اسم بطرس في أول الأسماء، إلا أنه واضح أن المسيح كان قائد جماعة التلاميذ، وكان لكل واحد منهم مسئولية هامة متساوية.
الدائرة القريبة من المسيح:
نكتشف من قصة الإنجيل أن التلاميذ الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنا كانوا يتمتعون بمكانة خاصة، بحيث يمكن أن ُنُسمّيهم الدائرة القريبة. ولا يوضح الإنجيل لماذا أعطى المسيح هؤلاء الثلاثة تلك المكانة الخاصة. ربما لأنه كان يرى مستقبل خدمتهم، فأعطاهم تدريباً وفرصة تعليم أكبر من غيرهم من باقي التلاميذ.
اجتمع هؤلاء الثلاثة معاً عندما أقام المسيح ابنة يايرس من الموت (مرقس 5: 37) ولم يكن حاضراً وقتها إلا أب الفتاة وأمها. أما الحادثة الثانية فكانت على جبل التجلّي، عندما تحدث المسيح مع موسى وايليا بخصوص صليبه (متى 17: 1) ولم يكن هناك سوى بطرس ويعقوب ويوحنا.
وقد صَدَق فهم بطرس للأحداث، وهو أن الحوار الذي دار على جبل التجلي بين المسيح وموسى وإيليا كان بخصوص الصليب وملكوت المسيح. وأراد بطرس أن يدخل الملكوت مباشرة، لكنه كان مخطئاً في توقُّع تأسيس المملكة فوراً. وهنا على الأرض.
أما الحادثة الثالثة فقد حدثت في بستان جثسيماني (متى 26: 37) فقد رأى هؤلاء الثلاثة آلام المسيح عندما كان يخاطب أباه السماوي بخصوص آلامه القادمة. ولابد أن هذه الأحداث تركت تأثيرها على فكر بطرس وعلى خدمته فيما بعد، كما سنرى في هاتين الرسالتين اللتين كتبهما بطرس.
الإعلان العظيم:
سأل المسيح تلاميذه: «مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا؟» (متى 16: 13) فأجاب التلاميذ: البعض يقولون إنك يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء. ولما سألهم: «وأنتم من تقولون إني أنا؟». أجابه بطرس: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». ومن هذا نرى بصيرة بطرس العميقة. فقد رأى معظمُ الناس أن المسيا إنسانٌ يرفعه الله إلى وظيفة المسيح، أما بطرس فقد اكتشف أن المسيح يسوع هو ابن الله نفسه. وقد كانت استجابة المسيح لردّ بطرس عظيمة حقاً، فقد قال له: «طوبى لك ياسمعان بن يونا. إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، ولكن أبي الذي في السموات». ثم قال له: «أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها». وواضح من كلام المسيح أن الصخرة التي تُبنَى عليها الكنيسة هي الإيمان والاعلان الذي أعلنه بطرس. فلا يستطيع أحد أن يضع أساساً غير المسيح (أفسس 2: 20). ولم يعتبر بطرس أبداً أنه هو الصخرة (1 بطرس 2: 4-8) ثم قال المسيح لبطرس: «وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ماتربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ماتحلّه على الأرض يكون محلولاً في السموات». وهذه المفاتيح رمز للسلطة التي أعطاها المسيح لتلاميذه، ليعلنوا إنجيل المسيح، وشروط غفران الخطية، وقواعد الحرام والحلال. ولم يكن بطرس وحده هو الذي يملك هذه السلطة (متى 18: 18 ، يوحنا 20: 23) واستخدم بطرس هذه السلطة عندما فتح باب قبول الإنجيل لليهود في يوم الخمسين (أعمال 2) ولشعب السامرة (أعمال 8) وللمؤمنين من الأمم (أعمال 10 ، 11).
أنت معثرة لي:
بعد أن أعلن بطرس هذا الإعلان العظيم، وقع في خطأ يبيّن أنه غير معصوم. ففي (متى 16: 21) قال المسيح إنه ينبغي أن يذهب الى أورشليم ويتألم ويُقتَل وفي اليوم الثالث يقوم. ويبدو أن بطرس لم يسمع إلا أن المسيح سوف يُقتل، ولم ينتبه لفكرة القيامة، ولذلك أخذ المسيح جانباً، وابتدأ ينتهره ويقول: «حاشا لك يارب. لايكون لك هذا». فقال المسيح له: «اذهب عني ياشيطان. أنت معثرة لي، لأنك لاتهتم بما لله لكن بما للناس». لقد رأى المسيح أن الشيطان يتكلم في بطرس ولذلك وبخه.
بطرس خلال أسبوع الآلام | ||
حوادث افتتاحية:
لاشك أن بطرس كان موجوداً عندما دخل المسيح أورشليم دخوله الانتصاري، راكباً على جحش، معلناً أنه ملك السلام. ولاشك أن بطرس قد رآه يطهّر الهيكل، واستمع إلى المحاورة التي دارت بين المسيح وقادة اليهود. وهذه هي أحداث أول أيام أسبوع الآلام.
عشاء الفصح:
زار المسيح أورشليم ليحتفل بالفصح هناك، وفي (لوقا 22: 8) نقرأ أنه أرسل بطرس ويوحنا ليجهّزا له مائدة الفصح، فوجدا العلية ورتّبا أمر الذبيحة. وفي وقت العشاء بدأ المسيح يغسل أرجل التلاميذ (يوحنا 13: 2-20) وكانت هذه وظيفة المضيف. وعارض بطرس المسيح في أن يغسل رجليه، ولكن المسيح استمر يغسل أرجل تلاميذه، ليعلن ضرورة التطهير اليومي من الخطية لكل واحد من أولاد الله، وقال له المسيح: «إنْ كنتُ لاأغسلك فليس لك معي نصيب». عندئذ طلب بطرس من المسيح أن يغسل يديه ورأسه أيضاً. ولكن المسيح ذكَّر بطرس أن الانسان يحتاج فقط إلى غسل رجليه، بمعنى أن يتطهر سلوكه.
وخلال وليمة الفصح طلب بطرس من يوحنا أن يسأل المسيح عن من هو الذي سيخونه (يوحنا 13: 24) وعندئذ أعلن المسيح أن بطرس سوف ينكره ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك (يوحنا 13: 38).
البستان والمحاكمة:
سار التلاميذ مع المسيح من العلية إلى جثسيماني حيث كان يصلي. وعندما أقبل الجنود لإلقاء القبض على المسيح تقدم بطرس وأخذ سيفه ليدافع عن المسيح (يوحنا 18: 10) وقطع أذن ملخس عبد رئيس الكهنة. ولكن المسيح شفى الأذن المقطوعة (لوقا 22: 51). وهرب التلاميذ جميعاً في ظلام الليل، إلا أن بطرس تبع المسيح من بعيد. ثم جلس حول النار يستدفيء. وعندما عرف الموجودون أنه واحد من أتباع المسيح، أنكر بطرس معرفة المسيح ثلاث مرات (لوقا 22: 61) وخلال تحرُّكات المسيح أثناء المحاكمة التفت المسيح ونظر لبطرس، فخجل بطرس وخرج إلى الخارج وبكى بكاء مراً - نعم تألم لأنه أنكر المسيح ثلاث مرات.
صباح القيامة:
لا نعرف إن كان بطرس شهد صَلْب المسيح، ولكننا نعلم أنه كان في أورشليم صباح يوم القيامة، حيث طلب الملاك من النسوة أن يقُلْن لتلاميذ المسيح ولبطرس إن المسيح قد قام (مرقس 16: 7). وعندما سمع بطرس هذه الأخبار جرى مع يوحنا إلى القبر، وكان بطرس أول تلميذ يدخل القبر الفارغ ويرى الأكفان (يوحنا 20: 2-8).
ظهر المسيح لبطرس في أول يوم بعد قيامته، فيقول لنا الرسول بولس إن المسيح ظهر لبطرس بعد القيامة قبل أن يظهر للاثني عشر (1كورنثوس 15: 5).
تحركات بطرس من قيامة المسيح الى صعوده | ||
الصيد في الجليل:
بعد قيامة المسيح قال بطرس لزملائه التلاميذ «أنا أذهب لأتصيّد». فذهب معه بعضهم، وهناك التقى المسيح به وكلفه ثلاث مرات أن يخدمه (يوحنا 21: 15-23).
وبهذا التكليف الثلاثي محا المسيح أثر إنكار بطرس الثلاثي. وبعد هذه المقابلة عاد بطرس الى أورشليم.
الانتظار في أورشليم:
في اللقاء الأخير بين المسيح وتلاميذه طلب منهم أن يبقوا في أورشليم حتى يتعمّدوا بالروح القدس، وكان لبطرس وزملائه امتياز رؤية المسيح الصاعد الى السماء، وسمعوا الملاك يقول لهم إن المسيح سوف يعود مرة أخرى إلى الأرض (أعمال 1: 11). وأثناء انتظار حلول الروح القدس طلب بطرس من زملائه التلاميذ أن يختاروا واحداً ليحل محل يهوذا، وقال لهم إن خيانة يهوذا كانت تحقيقاً لنبوة من العهد القديم (أعمال 1: 15-22). ولعل بطرس كان قد تعّود أن يسمع أن عدد التلاميذ اثنا عشر، فتضايق أن يصبح عددهم أحد عشر، وأراد تكملة العدد. ولعل البعض كانوا قد بدأوا يسخرون من التلاميذ أن واحداً منهم خائن، فأراد بطرس أن يوقف هذا الانتقاد، بأن يجعل عدد التلاميذ اثني عشر مرة أخرى.
خدمة بطرس في الكنيسة | ||
في يوم الخمسين:
عندما حلَّ الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين بدأوا يتكلمون بلغات مختلفة، ثم وقف بطرس وألقى خطاب اليوم الرئيسي. وكانت رسالة بطرس تدور حول أن يسوع الناصري الذي صلبه اليهود هو الرب والمسيح، وأن المخرج الوحيد لهذه الأمة من كارثتها هو أن تتوب وأن تقبل المسيح مخلِّصاً. وكانت قوة الروح القدس عظيمة حتى تاب في ذلك اليوم وآمن بالمسيح ثلاثة آلاف شخص.
أحداث تالية:
لعب بطرس دوراً رئيسياً في تطّوُر الكنيسة، كما نجد ذلك في الجزء الأول من سفر أعمال الرسل. وعندما بدأ الاضطهاد وقف بطرس ليدافع عمّا فعله غيره من التلاميذ (أعمال 4: 1-12 ، 19 ، 20). وعندما دخلت الخطية الى الكنيسة في حنانيا وسفّيرة، وقف بطرس يعلن عقوبة الله على الزوجين الخائنين (أعمال 5: 1-11) وعندما وصلت الأخبار أن السامرة قبلت كلمة الرب ذهب بطرس ومعه يوحنا ليبحثا الأمر (أعمال 8: 14).
فتح الباب للأمم المتجددين:
في سفر الأعمال أصحاحي 10 ، 11 نقرأ قصة عظيمة فيها رأى بطرس في حلم ملاءة نازلة بها أطعمة ممنوعة حسب الشريعة الموسوية، لكن الله أمر بطرس أن يأكل منها، إشارة الى أنه يجب أن يعلن الأخبار الطيبة للوثنيين. وعندما جاءت دعوة من كرنيليوس لبطرس، ذهب بطرس الى هناك. وحلَّ الروح القدس على كرنيليوس وعلى جماعته (أعمال 11: 15) وأصبح واضحاً أن الكنيسة يجب أن تضم المؤمنين مهما كان أصلهم، يهودياً أو وثنياً. وعندما ثار بعض أعضاء الكنيسة على ذلك، وقف بطرس ومعه بولس وبرنابا ليعلنوا ضرورة فتح الباب لقبول الأمم (أعمال 15: 7-11). وقد قرر المجمع الكنسي الأول المنعقد في أورشليم ضرورة فتح الباب للوثنيين لقبول المسيح.
آخر سني بطرس وموته | ||
بعد أن أنقذ الرب بطرس من السجن بمعجزة (أعمال 12) مضى الى موقع آخر، ونحن لاندري أين ذهب، لكنه اشترك في خدمة مجمع أورشليم (أعمال 15). ولا نجد أثراً لخدمة بطرس بعد ما جاء في أعمال 15. ويذكر بولس أن بطرس كان يسافر مع زوجته (1 كورنثوس 9: 5) كما أن (غلاطية 2: 7-9) تقول لنا إن بطرس استمر في خدمته بين اليهود المؤمنين. وأدان بولسُ بطرسَ على تردّده في بعض نواحي سلوكه (غلاطية 2: 11-14) فقد كان بطرس يأكل مع المؤمنين من أصل وثني ويتمتع بشركتهم، ولكن ما أن جاءت جماعة المؤمنين من أصل يهودي حتى امتنع بطرس عن الأكل معهم، وقد وبخه بولس أمام الجميع على هذا التصرف.
لم يصرف بطرس وقتاً طويلاً في روما، فلو أن بطرس كان موجوداً في روما وقت كتابة رسالة بولس الرسول اليها، لكان بولس أرسل السلام له. ويقول كثيرون إن بطرس ذهب الى روما بعد إطلاق سراح بولس من سجنه هناك (نحو 62م) ولا ندرى إن كان بطرس قد كتب الرسالة الأولى من بابل (بمعنى روما)- إلا أن التقاليد تقول إن بطرس صُلب في روما خلال اضطهاد نيرون للمسيحيين حوالي سنة 67 أو 68 ميلادية، وكان له من العمر حوالي 75 سنة. ويقول التقليد إن بطرس رفض أن يُصلب معدولاً كما حدث مع المسيح، وطلب أن يصلبوه مقلوباً.. وهكذا انتهت خدمة بطرس على الأرض.
المكتوب إليهم | ||
كتب الرسول بطرس هذه الرسالة الى «ٱلْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا» (1 بطرس 1: 1). وفي (2 بطرس 3: 1) يقول «هٰذِهِ أَكْتُبُهَا ٱلآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً» . فقد كتب بطرس رسالته الأولى والثانية الى جماعة من المؤمنين في خمسة أقسام من آسيا الصغرى (وهي تركيا الآن) بعضهم من متنصّري اليهود، وأغلبهم من المتنصرين من أصل وثني. ويتضح أن بعضهم من أصل يهودي من قوله: «عَالِمِينَ أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلآبَاءِ» (1 بطرس 1: 18). وهناك ما يبرهن أن بطرس كتب الى مؤمنين من أصل وثني في قوله: «ٱلَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْباً، وَأَمَّا ٱلآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ ٱللّٰهِ. ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا ٱلآنَ فَمَرْحُومُونَ» (1بطرس2: 10).
مكان كتابة الرسالة | ||
يقول بطرس في 1بطرس 5: 13 «تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّتِي فِي بَابِلَ» . ولكن أية بابل؟
هناك ثلاثة اقتراحات:
-
يذكر بطرس «بابل» المدينة المشهورة التي تقع على شاطئ نهر الفرات. ولكن هذا لا يمكن أن يكون، لأن بابل كانت مهدومة خربة.
-
كتب بطرس هذه الرسالة من روما، وقد استخدم اسم بابل ليُخفي اسم روما، حتى لا يعطّل وصول الرسالة إلى قرّائها. وكانت روما تضطهد المسيحيين، كما كانت بابل تضطهد شعب الله في القديم. وقد استخدم كاتب سفر الرؤيا اسم «بابل» ليطلقه على روما (رؤيا 18: 2) التي كانت ترفل في العز وتعبد الأصنام، كما كانت تفعل بابل. ويقول بطرس في نفس الآية إن مرقس ابنه. فبما أن مرقس ابنه بمعنى رمزي، تكون بابل هي روما بمعنى رمزي أيضاً.
ويقول أصحاب هذا الرأي إن بطرس كان أسقف روما، ولذلك فقد كتب رسالتيه من هناك.
-
هناك فكر آخر يقول إن «بابل» في مصر. فقد كانت هناك بلدة صغيرة قريبة من القاهرة اسمها بابل، تسكنها ثلاث كتائب من جنود الرومان. ولعل بطرس زار هذا المكان مع تلميذه مرقس، ومن هناك كتب رسالتيه.
زمن كتابة الرسالة | ||
لما كانت الرسالة الأولى تذكر الكثير من الاضطهادات التي انتشرت في الإمبراطورية الرومانية ضد المسيحيين، فأغلب الظن أن موعد كتابة هذه الرسالة كان اضطهاد نيرون للمسيحيين الذي بدأ سنة 64م، ولذلك يُعتقد أن الرسالة الأولى كُتبت سنة 65 ميلادية، أما الرسالة الثانية فكُتبت سنة 67م أو في أوائل سنة 68 للميلاد، فقد كُتبت الرسالة الثانية قبل موت بطرس بقليل (1: 13-18).
هدف كتابة الرسالتين | ||
نستطيع أن نجد أهداف كتابة الرسالة في كل من الرسالتين، لكن هناك أشياء عامة نذكرها هنا:
-
قصد بطرس أن يقوي المسيحيين اثناء الاضطهادات الشديدة الواقعة عليهم.
-
قصد بطرس أن يشجع المسيحيين ليعيشوا حياتهم الروحية بتقوى وقداسة ومحبة وطهارة.
-
قصد بطرس أن يحذرهم من الأخطار الروحية التي تهددهم، وخصوصاً من المعلّمين الكذبة.
-
قصد بطرس أن يزيل ما في قلوبهم من شك بخصوص التعاليم المسيحية التي تعلّموها من قبل، فقد كان بطرس ينفذ قول المسيح «وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ» (لوقا 22: 32).
رسالة بطرس الرسول الأولى | ||
أولاً - مقدمة | ||
1 بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى ٱلْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، ٱلْمُخْتَارِينَ 2 بِمُقْتَضَى عِلْمِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ ٱلسَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. لِتُكْثَرْ لَكُمُ ٱلنِّعْمَةُ وَٱلسَّلاَمُ (1 بطرس 1: 1 ، 2).
في هاتين الآيتين نجد ثلاثة أشياء:
-
الكاتب
-
المكتوب اليهم
-
التحية
أ - الكاتب:
يبدأ الرسول بطرس الرسالة بأن يقدم نفسه كرسول يسوع المسيح، الذى اختاره الله وأرسله ليقدم رسالة المسيح الى العالم. والرسول خادم ومُبَلّغٌ يخدم المسيح الذي أرسله ليعلن رسالته. وبما أن الله قد أرسل الرسول فهو يحمل سلطان الذي أرسله.
ب - المكتوب اليهم:
يقدم الرسول بطرس بعض صفات الذين يكتب إليهم:
-
«متغرّبون» بمعنى أنهم لايعيشون في وطنهم. وكل مؤمن بالمسيح متغرب، فقد كان ابراهيم مالك الارض، ولكنه سكن في خيام لأنه غريب. وقال داود: «غَرِيبٌ أَنَا فِي ٱلأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ» (مزمور 119: 19) بالرغم من أنه ملك البلاد. ويتحدث الإنجيل عن المؤمنين باعتبار أنهم غرباء ونزلاء (عبرانيين 11: 13).
عزيزي القارئ، أنت غريب في الأرض .. أنت لست صاحب المكان، لكنك مسافر إلى المدينة السماوية. والمؤمنون غرباء لأنهم يطلبون المسيح خارج المحلة (خارج مكان سكن الناس) حاملين عاره، لأنهم يعترفون أن ليس لهم هنا مدينة باقية، ولذلك يطلبون العتيدة (عبرانيين 13: 13 ، 14).
-
ويكتب بطرس الى المؤمنين فى الشتات. والمؤمنون الحقيقيون دوماً أقلية وسط مجموعة كبيرة من المؤمنين الإسميين بالمسيح. وعلى هذا فإن المؤمنين دوماً يعيشون «في شتات العالم». هم مثل الملح في الطعام، ومثل الخميرة الصغيرة التي تخمّر العجين كله (متى 5: 13 ، 13: 33).
أما الذين كتب لهم الرسول بطرس فقد كانوا متغرّبين في شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبيثينية.
ونرجو من القارىء العزيز أن ينظر الى الخريطة المرفقة ليرى أماكن هذه المناطق الخمس التي في آسيا الصغرى.
-
ويقدم الرسول بطرس صفة ثالثة للمؤمنين أنهم المختارون - إنهم مختارون من العالم شعباً لله ليرثوا الحياة الأبدية. لقد اختارنا الله في المسيح من قبل كون العالم. وقال المسيح: «كُلُّ مَا يُعْطِينِي ٱلآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ» (يوحنا 6: 37).
ويقول الرسول إن هؤلاء المؤمنين المتغربين المشتتين مختارون بمقتضى علم الله السابق، فقد قال المسيح «أعرف خرافي» (يوحنا 10: 14). لقد بدأ الاختيار في علم الله الآب السابق.
-
ويقدم بطرس صفة رابعة للذين يكتب اليهم - إنهم مقدسون للطاعة - أما التقديس فيحدث الآن في حياة كل مؤمن بعمل الروح القدس، الذي يشكّل المؤمن الى تلك الصورة عينها من مجد الى مجد (2 كورنثوس 3: 18). أما الذي يحقق الاختيار ويجعل التقديس ممكناً فهو المسيح، الذي سفك دمه عنّا، ودمه دم رشّ يتكلم أفضل من هابيل (عبرانيين 12: 24). فدم هابيل كان يطالب بالانتقام، ولكن دم المسيح يطالب بالغفران.
في هذه الآية نرى الثالوث الاقدس ... فالله الآب في علمه السابق اختارنا، والروح القدس يقدسنا، والمسيح برشّ دمه يغسلنا من خطيتنا ويجعلنا مقبولين.
أما الهدف من هذا كله فهو الطاعة - تقديس الروح للطاعة. والطاعة هي طاعة التسليم لله والخضوع لإرادته، ويسمّيها طاعة الايمان (رومية 1: 5). فعندما نضع ثقتنا في الله نطيعه. كما يسميها طاعة الحق (2 كورنثوس 10: 22) لأننا قد آمنا أن ما يقوله الله لنا حق، ولذلك فإننا نطيعه.
عزيزي القارئء، ما هي درجة طاعتك لله؟ هل تحبه؟
نرى من هذه الأوصاف أن المؤمنين مشتتون في الارض، لكن اختيار الله يجمعهم. هم غرباء عن الذين يعيشون بينهم، لكن الله يعرفهم بعلمه السابق. هم منفيُّون عن أرضهم، لكنهم وارثون لوطن أفضل، وهذا يدفعهم الى طلب تقديس الروح القدس للطاعة.
ج - التحية
يحيّي الرسول بطرس قرّاء رسالته بقوله: «لتكثر لكم النعمة والسلام».النعمة هي محبة الله التي يفيض بها عليهم، بغير استحقاق فيهم، فهي عطاء مجاني نتيجة حبه. وعندما ننال نعمته يفيض سلامه في قلوبنا، سلام من الله، وسلام في الله، وسلام مع الله. وهذا السلام الإلهي الذي يملأ قلوبنا يجعلنا نعيش في سلام مع الآخرين، فالسلام في قلب المؤمنين ثمر لنعمة الله فيهم. والرسول يطلب أن تزيد لهم النعمة والسلام.
عزيزي القارئ، هل وجدت سلام الله؟ ما أحوجك أن تجد سلام الله بفضل دم المسيح، وتقديس الروح القدس، إذ تحيا لله حياة الطاعة. وما أحوجك أن تحصل على المزيد من هذه النعمة، ومن هذا السلام.
آية للحفظ
«تَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ لِلطَّاعَةِ» 1 بطرس 1: 2).
صلاة
أقدّم لك الشكر يا أبي السماوي، لأنك في علمك السابق اخترتني لأسمع عنك ولأفتح قلبي لك. أشكرك من أجل دم المسيح الذي يطهرني من كل خطية. أشكرك لأجل الروح القدس الذي يطهّرني ويعلّمني طاعتك. اغسلني فأبيضَّ أكثر من الثلج، وأَبعِدْ من قلبي كل عناد وعصيان، لأكون ضمن أفراد العائلة السماوية.
ثانياً - ترتيلة شكر (1 بطرس 1: 3-12) | ||
بعد أن كتب الرسول بطرس مقدمة رسالته رفع ترتيلة شكر على بركات يهبها الله للمؤمنين. إنه يشكر الله
-
على الميلاد الجديد (1: 3)
-
على الرجاء الحي (1: 3)
-
على الميراث المجيد (1: 4)
-
على الحفظ الإلهي (1: 5-12)
-
الله يحفظنا بالرغم من تجاربنا (آيتا 6،7)
-
الله يحفظنا ونحن لانراه (آية 8)
-
الله يحفظنا للخلاص الكامل (آيات 9 - 12)
ترتيلة شكر (1 بطرس 1: 3-12)
3 مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، 4 لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، 5 أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ بِقُّوَةِ ٱللّٰهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي ٱلّزَمَانِ ٱلأَخِيرِ. 6 ٱلَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ ٱلآنَ - إِنْ كَانَ يَجِبُ - تُحْزَنُونَ يَسِيراً بِتَجَارِبَ مُتَنَّوِعَةٍ، 7 لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ ٱلذَّهَبِ ٱلْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِٱلنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَٱلْكَرَامَةِ وَٱلْمَجْدِ عِنْدَ ٱسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، 8 ٱلَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذٰلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ ٱلآنَ لٰكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، 9 نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ ٱلنُّفُوسِ. 10 ٱلْخَلاَصَ ٱلَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، ٱلَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ ٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي لأَجْلِكُمْ، 11 بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا ٱلْوَقْتُ ٱلَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِٱلآلاَمِ ٱلَّتِي لِلْمَسِيحِ وَٱلأَمْجَادِ ٱلَّتِي بَعْدَهَا. 12 ٱلَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ ٱلَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ ٱلآنَ بِوَاسِطَةِ ٱلَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُرْسَلِ مِنَ ٱلسَّمَاءِ. ٱلَّتِي تَشْتَهِي ٱلْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا (1بطرس 1: 3-12).
يبدأ الرسول بطرس هذا الجزء بقوله: «مبارك الله». انه يبارك الله بالشكر والحمد له. ويصف الله بأنه «أبو ربنا يسوع المسيح». لقد عُرف الله في التوراة بأنه «إله إبراهيم وإسحق ويعقوب» ولكنه عُرف في الإنجيل بأنه «أبو ربنا يسوع المسيح» لأننا في المسيح نرى قرب الله منا «عمانوئيل: الله معنا».
وفي المسيح ننال كل بركة بغنى. والمسيحيون وحدهم هم الذين يشكرون الله أبا ربنا يسوع المسيح، الله المتجسد، الذي قام من الأموات. يصف الرسول بطرس المسيح بأنه ربنا، كما وصفه بأنه قام من الأموات .. هو الله وهو الإنسان في ذات الوقت، ويدعوه «ربنا» لأن هناك صلة شخصية بيننا وبينه. نحن له، وهو إلهنا.
ويقدم الرسول شكره لله «أبي ربنا يسوع المسيح» بسبب أربع بركات أعطاها لنا:
(1) بركة الميلاد الجديد «الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية». فالله الغني في الرحمة، الذي رأى عظمة شقائنا وبؤسنا، أرسل الينا ابنه ليجددنا وليعطينا الميلاد الثاني، وليجعلنا خليقة جديدة (2 كورنثوس 5: 17). هو الذي يمنحنا الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس (تيطس 3: 5). ونحن نحصل على الميلاد الثاني بفضل كفارة المسيح التي أظهر بها رحمته الكثيرة، عندما قدّم نفسه عوضاً عنّا على الصليب، فافتدانا بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولادنس، دم المسيح (1: 19) «ٱلَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ ٱلْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. ٱلَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ» (2: 24).
ويقدم الرسول بطرس شكره لله لأن المؤمنين الذين يكتب اليهم قد نالوا الحياة الجديدة بفضل إيمانهم بالمسيح.
عزيزي القارئ، لكي نعمل تعريفاً للولادة الثانية أرجو أن ترجع معي إلى يوحنا 1: 12 ، 13 حيث نقرأ: «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا مِنَ ٱللّٰهِ» ...فالذين وُلدوا من الله، هم الذين آمنوا باسمه، فصاروا أولاد الله، لأنهم قبلوا المسيح. فعندما تفتح قلبك للمسيح تصير ابناً لله، لأنك آمنت باسمه، تصبح مولوداً من الله.
اسأل نفسك: هل اخترت الحياة الجديدة في المسيح؟ لقد مات المسيح على الصليب ليدفع عنا أجرة الخطية، وتستطيع أن تحصل على الحياة الجديدة إن فتحت قلبك للمسيح. أرجوك أن تفتح قلبك له، لتتأكد أنك وُلدت الولادة الجديدة.
(2) ويرتّل الرسول بطرس ترتيلة شكر لله لأنه أعطى المؤمنين رجاءً حياً مبنياً على الصلة الشخصية التي بين المؤمنين وبين الله بالولادة من فوق. وضع المؤمنون إيمانهم وثقتهم في الله الحي الى الأبد الذي قام من بين الأموات، منتصراً على أكبر عدو يهدد البشر وهو الموت. وقبل الله ذبيحة المسيح الكفارية، فبعد موته قام من بين الأموات، فجعلنا نقول: «ٱلَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا» (رومية 4: 25).
ورجاؤنا حي لأنه مؤسس على مخلّص حي. كنا قبل الميلاد الثاني بلا رجاء، أما الآن - وقد اتحدنا بالمسيح الحي - فإن لنا هذا الرجاء الحي الذي لايموت أبداً.
(3) ويرتل الرسول بطرس ترتيلة شكر لله على بركة الميراث المجيد الذي للمؤمنين. فالذي يُولد من الله ينال ميراثاً. «فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَداً فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضاً، وَرَثَةُ ٱللّٰهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ» (رومية 8: 17). ويقول المؤمن: «نَصِيبِي هُوَ ٱلرَّبُّ قَالَتْ نَفْسِي» (مراثى 3: 24) فالله نفسه ميراثنا.
والميراث الذي يناله المؤمن بالحياة الأبدية هو ميراث «لايفنى» ولا يزول كالميراث الأرضي، فميراث الأرض ننفقه فينتهي أو يسرقه اللصوص فيضيع. وهو ميراث «لا يتدنس» لأننا نستخدمه في كل ما هو طاهر وكل ماهو مُسِرّ، وكل ما صيتهُ حسن، لأن معرفة الله تجعلنا نصل الى درجة النقاوة الخالصة. ووارثُهُ يتقدم دوماً في المعرفة والقداسة والرغبة في خدمة الله. وهو ميراث «لايضمحل» بمعنى لايزول مجده ولابهاؤه، ولاتنقص قيمته بمرور الزمن، فالميراث الأرضي كالورد والأعشاب يجفّ وينتهي. ولكن شكراً لله فإن نهر الفرح الالهي يروي العطشان.
ثم أن هذا الميراث محفوظ في السماوات لأجل المؤمنين، فقد قال المسيح «أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً» (يوحنا 14: 2) هو موضوع لنا في السموات (كولوسي 1: 5) حيث لايستطيع لص أن يسرق. وعندما يدخل أولاد الله الى ميراثهم الأبدي يكونون مثل المسيح لأنهم سيرونه كما هو (1 يوحنا 3: 2).
نال المؤمنون ختم الروح القدس كعربون للميراث العظيم الذي ينتظر المؤمنين، وكضمان للوصول الى هذا الميراث الكامل (أفسس 1: 13 ، 14).
آية للحفظ
«حَسَبَ رَحْمَتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً» (1 بطرس 1: 3).
صلاة
أبي السماوي، أشكرك لأجل الولادة الجديدة التي جعلتني ابناً، ووارثاً، ولي رجاء حي لأن مخلصي حيّ قام من الأموات. املأني بهذا الرجاء الحي دائماً، لتكون حياتي مشرقة دائماً.
* * * *
(4) ويقدم الرسول بطرس ترتيلة شكر لله على الحفظ الإلهي للمؤمنين. (آيات 5 - 12).
مع أن المؤمن يمتلك رجاء حياً وميراثاً مجيداً بعد أن نال الميلاد المجيد، إلا أنه لم يمتلك بعد هذا الميراث الذي لايفنى، غير أن الله يحفظ المؤمن هنا على الأرض، الى أن يجئ الوقت الذي يدخل فيه المؤمن الى ميراثه السماوي. ويتولى الله نفسه حفظ المؤمن، لأن المؤمن في ذاته ضعيف، تحيطه التجارب الكثيرة، فيحرسه الله الى أن ينعم عليه بالخلاص الكامل، بعد كل ما وقع عليه من متاعب واضطهادات، ليتحقق معه قول المسيح: «لاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي... لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي» (يوحنا 10: 28، 29). نعم. يحرس الله المؤمن الواثق به، الى أن يجيء الوقت الذي يقف فيه أمام أبيه السماوي وقد أكمل خلاصه تماماً.
ويقدم الرسول بطرس في هذه الآيات ثلاثة أفكار:
-
(الله يحفظنا بالرغم من تجاربنا (آيتا 6 ، 7)
-
(الله يحفظنا ونحن لانراه (آية 8)
-
(الله يحفظنا للخلاص الكامل (آيات 9-12)
أ - الله يحفظنا حتى في وقت التجارب: (آيتا 6 ، 7) من السهل على المؤمن في وقت التجارب والضيقات أن ينسى أن الله حافظه فيحزن، ولكن الرسول يقول: إن المؤمن يحزن «يسيراً» بتجارب متنوعة .. يحزن يسيراً لأن المدة قصيرة بالنسبة الى زمن الأبدية، فإن «خِفَّةَ ضِيقَتِنَا ٱلْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيّاً» (2 كورنثوس 4: 17).
وهي تجارب «متنوعة» من أشكال وألوان مختلفة: من إبليس ومن أعداء الإيمان المسيحي، ومن داخل المؤمن نفسه.
ولكن الله يُدخل المؤمن في وسط هذه التجارب المتنوعة كما تمتحن النار الذهب (آية 7). وإيمان المؤمن أثمن من الذهب الفاني. عندما يمتحن الله إيماننا بالتجارب كالنار، يصبح المؤمن الثابت الواثق الصابر أهلاً للمدح والمجد والإكرام يوم ظهور يسوع المسيح.
عزيزي القارئ، هل تمر في تجارب متنوعة ؟ اشكر الرب لأنها يسيرة، سرعان ماتنتهي، وسيحفظك الله في وسطها. وسوف تكون هذه التجارب امتحاناً لإيمانك، تقّويه كما تتقوى عضلات الجسم بالتدريبات الرياضية وبحَمْل الأحمال الثقيلة. هذه التجارب تُنَقّيك كالذهب الذي يتَنَقى في النار فتستحق المجد والكرامة يوم ظهور المسيح.
زُرت شيخاً عجوزاً أحبه جداً، وكان قد أصابه الشلل. كان يتكلم بصعوبة. وكنت لا أدري ماذا أقول لأشجعه. ولكنه ابتدرني بالقول: «اشكر الله. الشلل خير. لو كان الشلل شراً ما أعطاه الله لي. فإنّ كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق، من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران». وامتلأت عيناي بالدموع، فقد كنت أحب هذا الشيخ الذي قال لي هذه الكلمات. انه يشكر الله من أجل الالم الذي جاز فيه امتحاناً لإيمانه، فوُجد الرجل للمدح والكرامة والمجد. لقد اعتبر ألمه ومرضه هدية من الله الذي يحبه. فقبل الشلل بالشكر، فاستحق مدح السماء له.
(ب) ويقول الرسول بطرس إن الله يحفظك وأنت لا تراه (آية 8). صحيح أن بعض المؤمنين قد رأوا المسيح حسب الجسد، لكن أغلبية المؤمنين لم يروه. ومع أنهم لم يروه إلا أنهم يحبونه. انهم يرونه بعيون الإيمان فقط، فيبتهجون بفرح لايُنطق به ومجيد، لأن «ٱلإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى» (عبرانيين 11: 1). وهذا الفرح يملأ قلب المؤمن وسط تجاربه لأن الله يحرسه، وهو «عربون» للمجد السماوي.
(ج) والله الحافظ يحفظنا حتى في وسط التجارب، حتى ونحن لانراه، ليكمل لنا خلاصنا (آيات 9-12). وهكذا يثق المؤمن ببلوغ غاية إيمانه وهو «خلاص نفسه». يفرح المؤمن بخلاص نفسه هنا والآن، ويتوقع إتمام خلاصه في المستقبل.
ويناقش الرسول بطرس فكرة الخلاص، فيقول إن أنبياء العهد القديم كثيراً ماتساءلوا وفتشوا وبحثوا عن الخلاص الذي يقدمه بطرس لقرائه، كما قال المسيح لتلاميذه: «طُوبَى لِلْعُيُونِ ٱلَّتِي تَنْظُرُ مَا تَنْظُرُونَهُ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ وَمُلُوكاً أَرَادُوا أَنْ يَنْظُرُوا مَا أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَلَمْ يَنْظُرُوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا» (لوقا 10: 23 ، 24). ويقول الرسول بطرس إن هؤلاء الأنبياء حاولوا أن يعرفوا موعد وطريقة مجئ هذه النعمة التي دلَّ عليها روح المسيح فيهم، حين شهد الروح القدس من قَبْل بآلام المسيح، وما يتبع هذه الآلام من مجد .. إذاً لم يكتب أنبياء العهد القديم نبواتهم من حكمتهم أو ذكائهم أو من عندهم، لكن الروح القدس هو الذي قادهم الى أن يكتبوا ما كتبوا. وقد أوضح الرسول بطرس شيئاً عن هذا حين قال: «عَالِمِينَ هٰذَا أَّوَلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُّوَةِ ٱلْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُّوَةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2 بطرس 1: 20، 21). لم يكن أنبياء العهد القديم يعرفون موعد تحقيق هذه النبوات عن آلام المسيح وعن مجده، ولكن بطرس الذي رأى تحقيق هذه النبوات في إنجيل يسوع المسيح، أعلن ووعظ وبشَّر مع غيره من سائر الرسل عن هذه الحقائق العظيمة التي تمّت في ملء الزمان، فتحقق في أنبياء العهد القديم القول: «فَهٰؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُوداً لَهُمْ بِٱلإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوْعِدَ، إِذْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئاً أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا» ( عبرانين 11: 39، 40).
ونتيجة لإعلان رسل العهد الجديد وعمل الروح القدس في قلوب السامعين، نتج خلاص لكثيرين في أيام بطرس. ولازال الخلاص يحدث في حياة الكثيرين اليوم.
وفي آية 12 يتحدث الرسول بطرس عن أن الملائكة أيضاً مهتمون بمعرفة هذا الخلاص الذي ناله المؤمنون بالمسيح، فقد اشتهوا أن يطَّلعوا عليه، فهم يفرحون بخاطئ واحد يتوب (لوقا 15: 10) لأنهم جميعاً أرواح خادمة، مُرسَلة لخدمة الذين سيرثون الخلاص ( عبرانيين 1: 14). يهتم الملائكة بعمل الله وسط الناس على الأرض، وفي هذا يقول الرسول بولس: «إِنَّنَا صِرْنَا مَنْظَراً لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَٱلنَّاسِ» (1كورنثوس 4: 9).
ينقسم الملائكة الى قسمين: قسم لم يسقط في العصيان مع الشيطان، وهؤلاء لايحتاجون إلى خلاص. وقسم سقط مع الشيطان، وهؤلاء لا رجاء لهم في خلاص. عن هؤلاء يقول الرسول يهوذا: «ٱلْمَلاَئِكَةُ ٱلَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ ٱلْيَوْمِ ٱلْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ ٱلظَّلاَمِ» (يهوذا 6). وأما البشر وحدهم فهم الذين دبّر لهم الله الخلاص بالمسيح. وعلى هذا فإن الملائكة يشتهون أن يطّلعوا على هذا الخلاص العظيم.
* * * *
عزيزي القارئ، هذا الجزء الأول من رسالة بطرس الرسول الأولى هو أساسٌ للرسالة كلها، فهو يعلمنا أن الله وهب البشر فداءً وميلاداً جديداً، وكل من يقبل خلاص المسيح ينال رجاءً حياً مبنياً على المخلّص الحي، ويصير له ميراث محفوظ في السماوات. وخلال أيام حياته هنا على الأرض يحافظ الله عليه، ويحرسه وسط التجارب والضيقات. حقاً ما أعظم الخلاص الذي دبّره الله لنا. هل حصلت عليه؟ هل أنت واحد من ضمن السعداء الذي يرفع الرسول بطرس من أجلهم ترتيلة شكر؟ لا تَنْسَ قول الإنجيل: «كيف ننجو نحن إنْ أهملنا خلاصاً هذا مقداره ؟».
آية للحفظ
«نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ ٱلنُّفُوسِ» (1 بطرس 1: 9).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من أجل كفارة المسيح. نشكرك من أجل دمه المسفوك لأجلنا، الذي ضَمِنَ لنا القبول أمامك والسلام معك، وضَمِنَ لنا الرجاء الحي والميراث الذي لا يفنى ولا يتدنس. إقبل شكري على كل الآلام التي أمرّ بها، وعلّمني كيف أنتصر خلالها بنعمتك. ساعدني لأساعد غيري لنخلص ولنجد خلاص نفوسنا.
ثالثاً - السلوك أمام الله (1 بطرس 1: 13 - 2: 12) | ||
في هذا القسم الثالث من الرسالة يتحدث الرسول بطرس عن سلوك رباعيّ يسلكه المؤمن أمام الله:
-
سلوك القداسة (1: 13 - 16)
-
سلوك المحبة (1: 17 - 25)
-
سلوك النمو (2: 1 - 8)
-
سلوك الشكر (2: 9 - 12)
1 - سلوك القداسة
13 لِذٰلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِٱلتَّمَامِ عَلَى ٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ ٱسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 14 كَأَوْلاَدِ ٱلطَّاعَةِ لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ ٱلسَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، 15 بَلْ نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. 16 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (1 بطرس 1: 13 - 16).
يبدأ الرسول بطرس هذا الجزء بقوله «لذلك» أي بناءً على كل ما سبق أن ذكره عن خلاصنا ورجائنا في يسوع المسيح ربنا. كانت هذه المواضيع محل اهتمام الأنبياء والرسل والملائكة والقديسين، لذلك يطلب أن نحيا حياة القداسة.
ويطالبنا الرسول أن «نمنطق أحقاء ذهننا» وهذا تعبير يعني تهيئة العقول وتنبيهها، وهو تعبيرٌ مأخوذ من فكرة ملابس الناس الواسعة التي كانت تعطل حركتهم، فكانوا يلبسون حزاماً عريضاً في وسطهم. فإذا أرادوا أن يعملوا عملاً يحتاج إلى نشاط، كانوا يقصّرون الثوب الطويل بجَذْبه إلى فوق، تحت الحزام، لتسهيل حركتهم. والتعبير «منطقوا أحقاء ذهنكم» يعني شدُّوا ملابسكم تحت حزامكم، لتكونوا مستعدين لحياة القداسة. هذا يشبه التعبير الذي نستعمله اليوم عندما نقول: «شمَّر عن ساعد الجدّ».
وكأن الرسول يقول: لذلك هيّئوا عقولكم وتنبّهوا. «لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً» (لوقا 12: 35) صاحين في حالة الانتباه. لاتسكروا بخطية هذا العالم بل كونوا متيقظين، فما أكثر ما يصيبنا الفشل عندما تهاجمنا الشكوك، ويقاومنا الأعداء، ويرتدّ أصحابنا. علينا أن نلقي رجاءنا بالتمام على النعمة التي ستجيئنا عند مجئ المسيح ثانيةً. فإن رجاءنا في المجد القادم يساعدنا أن نتحمل كل تجارب الحاضر. يجب أن يُصاحب تجديد الروح القدس تيقُّظ فكري وتنظيم وإدراك روحي، ولذلك يطالبنا الرسول بولس بطرس أن نكون صاحين متنبهين للخطأ، فنضبط أنفسنا في كل شيء، حتى يوم مجئ ربنا يسوع المسيح. فإذا جاء يجدنا ساهرين.
ولما كان رجاء المؤمن رجاءً كاملاً، فإنه يستطيع أن يتأكد أن المسيح آت ثانية ليكمل له قداسته.
وفي آية 14 يطالب الرسول بطرس المؤمن أن يكون مطيعاً، لايتبع الشهوات التي كان يتبعها من قبل أن يعرف المسيح، فلقد تغيرت الحياة بعمل الروح القدس، ويجب أن يصاحب التغيير الداخلي تغيير خارجي في السلوك. ويسمّي الرسول المؤمنين «أولاد الطاعة» لأنهم وُلدوا ثانية (آية 3) ولأنهم ورثة (آية 4). والأولاد يطيعون آباءهم ويحترمون كلامهم. لقد سلكوا من قبل في الجهل لأنهم كانوا يجهلون الله، ويجهلون خطورة الخطية، ويجهلون طريق الخلاص .. أما الآن فقد عرفوا نعمة المسيح، وعليهم أن يسلكوا بموجبها.
ويقدم الرسول بطرس لنا نموذجاً للقداسة هو الله نفسه - «نظير القدوس» يعني أن يكون الله مثالاً لنا نقتدي به، كما قال المسيح: «كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5: 48) وكما قال الرسول بولس: «كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِٱللّٰهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ» (أفسس 5: 1) وكما قال الرسول يوحنا: «وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هٰذَا ٱلرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ» (1 يوحنا 3: 3). هذا الاله القدوس هو الذي دعانا لنكون قديسين في كل سيرة أمام الله وأمام الناس. ان الله نور وليس فيه ظلمة البتة، وهو منفصل تماماً عن الخطية، وعلى أولاد الله أن يشابهوه.
عزيزي القارئ، هل يمكن أن نكون مثل الله ؟ اننا نقرأ في الانجيل أن الجسد فينا يشتهي ضد الروح، وأن الروح فينا يشتهي ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر. فهل هذا يعني أن نتوقف عن أن نتشبَّه بالله ؟ مستحيل! اننا لا نستطيع أن نحقق القداسة الكاملة في هذه الحياة، لكننا ينبغي أن نجاهد. ان الله يطالبنا بكمال النية وكمال القصد، فننوي أن نكون مثله، وألاَّ نفشل عندما نخطئ، وعندما نسقط نقوم ( ميخا 7: 7 ، 8). عندما نفتح قلوبنا لعمل الروح القدس فإنه يقدسنا، وعندما نكون راغبين أن نطيع الله يعطينا النعمة التي تجعلنا نحاول من جديد لنتشبَّه بصورة أبينا. كلما جلسنا في محضر الله أمكن أن نتطلع إلى قداسته، ونحاول أن نكون مثله. لقد طالب العهد القديم جماعة الله أن يكونوا قديسين لأن الله قدوس ( لاويين 24: 19 ، 20) وعلى جماعة العهد الجديد أن تفعل الشيء نفسه.
آية للحفظ
«كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ» (1 بطرس 1: 15).
صلاة
أشكرك يا رب لأنك تضع أمامي نموذجاً عظيماً للقداسة، وهو قداستك أنت. ساعدني لأحبك وأتطلع إليك فأريد أن أكون مثلك، لأكون مشابهاً الصورة التي خلقتني عليها. ارفع عينَيَّ دائماً إليك، ولا تسمح أن أفشل، بل في كل مرة أسقط أعطني النعمة لأقوم وأعاود المحاولة من جديد.
2 - سلوك المحبة
17 وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَباً ٱلَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ، 18 عَالِمِينَ أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلآبَاءِ، 19 بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ ٱلْمَسِيحِ، 20 مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ، وَلٰكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي ٱلأَزْمِنَةِ ٱلأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، 21 أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِٱللّٰهِ ٱلَّذِي أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْداً، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي ٱللّٰهِ. 22 طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ ٱلْحَقِّ بِٱلرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ ٱلأَخَوِيَّةِ ٱلْعَدِيمَةِ ٱلرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. 23 مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيَّةِ ٱلْبَاقِيَةِ إِلَى ٱلأَبَدِ. 24 لأَنَّ كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. ٱلْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ، 25 وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱلرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى ٱلأَبَدِ. وَهٰذِهِ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا (1 بطرس 1: 17 - 25).
في هذه الآيات يتحدث الرسول بطرس عن محبة الله التي ظهرت في تدبيره للفداء، فقد فدى الله الإنسان بثمن عظيم. إن الله يحاكم الناس جميعاً بدون محاباة، لأنه لاينظر إلى الوجوه. يميل البشر إلى أن ينظروا إلى المنظر الخارجي من الملابس والزينة، ولكن الله يعامل الناس على ما هم عليه بالحقيقة. ولما كان الله قاض عادل، يحاكمنا حسب حالة نفوسنا الحقيقية، فإننا يجب أن نقضي زمان غربتنافي خوف الله وفي احترامه، لأن الله أبونا، ونحن ندرك محبته لنا، فعلينا أن نحترمه ونكرمه بكل قلوبنا. والمؤمن لايخاف الله الخوف الذي له عذاب بل بدافع المحبة. لايخاف المؤمن من نتائج الخطية، لكنه يخاف من أن يُحزِن أباه، أو أن يفوته شيء من إعلانات محبة أبيه. يسافر المؤمن نحو المدينة السماوية، وأيامه هنا غربة .. قليلة. فعليك أن تضع قلبك على الأمور الآتية، لأنها أبدية وباقية.
لقد أظهر الله محبته المذهلة لنا في فدائنا الذي دبره لنا بدم المسيح، الذي افتدانا لا بأشياء فانية من فضة وذهب، ولكن بدمه، إذ قدم حياته من أجلنا على الصليب.
والفادي هو الشخص الذي يحرر الأسير ويطلقة حراً. في أيام كتابة هذه الرسالة كانت تجارة العبيد متفشّية. كان التاجر الشرير يقيّد العبيد ويسوقهم أمامه. فكان الشخص الذي يريد أن يفدي عبداً يدفع ثمنه ليطلقه حراً. ولقد دفع المسيح ثمن فدائنا عندما مات هو نفسه عنا، وأخذ مكاننا وحل محلنا لكي يطلقنا أحراراً.
عزيزي القارئ، ان المسيح هو المحرر الأعظم الذي قال لنا: «إِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً». والذي قال: «وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يوحنا 8: 32 ، 36). عندما تفتح قلبك للمسيح، وعندما تفتح قلبك للحق الذي جاء به الإنجيل عن المسيح، تتحرر من أجرة الخطية لأن المسيح دفعها، وتتحرر من قوة الخطية، لأن الروح القدس الساكن فيك يطهر قلبك ويقدس أفكارك. تتحرر لتنطلق في خدمة الله، بعد أن تستريح من قيود الخطية التي تذلُّك وتأسرك، لأن المسيح الفادي هو الذي يعطيك الحرية.
كانت الموعظة الأولى التي ألقاها المسيح في الناصرة تدور حول هذا الموضوع نفسه، فقد دُفع اليه سفر إشعياء من العهد القديم ليقرأ فيه. وكانت قراءة ذلك اليوم من إشعياء 61 «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ ٱلْمُنْكَسِرِي ٱلْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِٱلإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِٱلْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ ٱلْمُنْسَحِقِينَ فِي ٱلْحُرِّيَّةِ» (إشعياء 61: 1 - 3 ، لوقا 4: 16 - 18).
ويقول الرسول بطرس إن موت المسيح من أجلنا كان معروفاً سابقاً «قبل تأسيس العالم». وكان الرسول بطرس قد قال في موعظته يوم الخمسين عن المسيح: «هٰذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ» (أعمال 2: 23). وهذا برهان على عظمة خلاص المسيح، فإن الله دبّر هذا الخلاص منذ الأزل، وقضى أن يكون فداء البشر بذبيحة المسيح. لم تكن بشارة الفداء بالمسيح أمراً اخترعه بولس أو بطرس أو تلاميذ المسيح من نفوسهم، لكنه أمر علّمه الله للبشر جميعاً في العهد القديم . فما أن رأى يوحنا المعمدان المسيح حتى قال: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 1: 29 ، 36). وأنت تقرأ قصة الصليب واضحة في سفر المزامير 22 وفي نبوة إشعياء 53 ، فمن قبل خَلْق العالم ومن قبل وسقوط آدم ومن قبل خلق أي شيء، دبرّ الله أن يموت المسيح لأجلنا، ولو أن موت المسيح تحقق في الأزمنة الأخيرة. كان الله قد اختار المسيح قبل إنشاء العالم فادياً ومخلصاً لنا، وعندما جاءت ساعة الصليب رُفع المسيح مصلوباً من أجل فدائنا، فأخذ مكاننا، وحل محلّنا، وتحمّل عقوبتنا.
وقد أعلن الله موافقته على قبول ذبيحة المسيح عندما أقامه من بين الأموات بمجد عظيم، ووهبه المجد، إذ أصعده إلى السماء وأجلسه عن يمينه.
عزيزي القارئ، أنت كمؤمن يمكن أن تجيء الى الله لسببين:
1 - لأن المسيح مات لأجلك
2 - لأن الله أقام المسيح من بين الأموات لأجلك
وعليك أن تجئ إلى المسيح لأنك تدرك أن الله قد قبل عمل المسيح الفدائي الكفاري، وذات يوم ستكون شريك مجد المسيح. وقد قال الرسول بولس عن المسيح: «ٱلَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا» (رومية 4: 25).
عزيزي القارئ، سادت الأرض ظلمة وقت الظهر يوم الجمعة العظيمة بسبب آلام وعذاب الصليب، ولكن نور الفجر العظيم شعّ من قبر المسيح الفارغ، بعد أن ترك الأكفان وقام منتصراً صباح يوم الأحد، ليؤكد لنا المجد العظيم الذي يكون لنا عندما نتحد به في موته وفي قيامته. بموت المسيح نتحرر من العبودية والموت، وبقيامة المسيح ننال حياة مجيدة لايسود عليها الموت.
وينتقل الرسول بطرس في آية 22 ليقول إن هذه المحبة العظيمة التي بيّنها الله في الصليب تأسر قلبك وتنشيء فيه صدى لتحب الله. ويمكن أن تبيّن محبتك لله عندما تحب الإخوة. «إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ ٱللّٰهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ ٱللّٰهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً» (1يوحنا 4: 20، 21). نحن لانستطيع أن نقيس محبتنا لله، ولكننا نستطيع أن نقيس محبتنا للإخوة. ومقياس حبنا لله سيتضح من محبتنا للذين نعرفهم من البشر. فالمحبة التي نبيّنها للإخوة يجب أن تتصف بمجموعة صفات، (أ) أنها محبة بلا رياء، بدون تظاهر ولا نفاق، لكنها محبة قلبية. (ب) ثم أنها محبة طاهرة، لأن القلب الذي تطهّر بمحبة المسيح وفدائه يعيش حياة الطهارة. (ج) ثم هي محبة شديدة لا تتزعزع ولا تتغير نتيجة أي طارئ، لكن لها ثباتاً واستمراراً.
عزيزي القارئ، ارجوك أن تفحص قلبك لترى مقدار محبتك للمحيطين بك. هل تحبهم كما أحبك الله؟ هل محبتك بلا رياء؟ هل هي قوية؟
ويمضي الرسول بطرس فيقول في آية 23: إن المؤمن يُظهر هذه المحبة الحقيقية لأنه اختبر الولادة الجديدة «بكلمة الله الحية الباقية الى الأبد» فكلمة الله «حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ ٱلنَّفْسِ وَٱلرُّوحِ وَٱلْمَفَاصِلِ وَٱلْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ ٱلْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عبرانيين 4: 12). وهي البذار الذي يقع على القلوب فتأتي بثمر.
والميلاد الثاني هو تجديد القلب، الذي يقبل كلمة الله، بإقناع الروح القدس. والروح القدس هو الذي ينشئ التغيير داخل المؤمن.
وكلمة الله الحية محيية فالذين يقبلونها سيحيون بها الى الأبد.
وكلمة الله باقية الى الأبد، فحياة النعمة التي تنتج عن عمل الكلمة لا تزول، لكنها بداية الحياة الأبدية.
ويقارن الرسول بطرس بين دوام الكلمة الإلهية وبين بُطل الحياة الجسدية، فكل بشر كالعشب، وكل مجد البشر كزهر العشب. ييبس العشب ويسقط زهره، أما كلام الله فيبقى إلى الأبد، وهذا هو الكلام الذي وصلنا عن طريق الانجيل (قارن مع إشعياء 40: 6 - 8).
عزيزي القارئ، إن فتحت قلبك لكلمة الله، وسمحت للمسيح أن يغيّر حياتك، سوف يطلقك حراً لأنه فاديك، وعندها تستطيع أن تحب الله من كل قلبك، وتحب المحيطين بك كما أحبك الله، وكما يحبهم الله.
آية للحفظ
«أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ» (1 بطرس 1: 22).
صلاة
أبي السماوي أشكرك من كل القلب لأن موت المسيح الكفاري هو أكبر برهان على محبتك، وهو الذي يطلقني حراً بعد أن فديتني بدم المسيح. أطلقني حراً من النجاسة والكراهية، وأعطني نعمة المحبة والطهارة، وسيطر على قلبي وفكري لأكون ابناً لك، عاملاً مشيئتك على الدوام.
3 - سلوك النمو
1 فَٱطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَٱلرِّيَاءَ وَٱلْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، 2 وَكَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ ٱلآنَ ٱشْتَهُوا ٱللَّبَنَ ٱلْعَقْلِيَّ ٱلْعَدِيمَ ٱلْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ - 3 إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ ٱلرَّبَّ صَالِحٌ. 4 ٱلَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَراً حَيّاً مَرْفُوضاً مِنَ ٱلنَّاسِ، وَلٰكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ ٱللّٰهِ كَرِيمٌ، 5 كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ ٱللّٰهِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 6 لِذٰلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضاً فِي ٱلْكِتَابِ: «هَئَنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَاراً كَرِيماً، وَٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى». 7 فَلَكُمْ أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تُؤْمِنُونَ ٱلْكَرَامَةُ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ فَٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلّزَاوِيَةِ، 8 وَحَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ. ٱلَّذِينَ يَعْثُرُونَ غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْكَلِمَةِ، ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي جُعِلُوا لَهُ (1 بطرس 2: 1 - 8).
واضح أن حديث النمو موجَّه للمولودين ثانية (1 بطرس 1: 3، 23). فالمؤمن المولود من الله يدخل ملكوت الله كطفل، فيجد نفسه في جّوِ جديد، ينمو فيه في القداسة. وعندما يمارس المؤمن قداسة الحياة، ويمارس محبته لله وللبشر، فإنه ينمو. وينمو المؤمن في حبه لله والناس عندما (1) يطرح عنه بعض الخطايا التي تعطله، (2) وعندما يتغذى بلبن كلمة الله فيختبر مقدار صلاح الرب!
وهناك خمس خطايا تعطل النمو، يجب أن يطرحها المؤمن، وهي:
-
خطية الخبث: وهي تصف كل الطرق الشريرة التي يتبعها الإنسان الأعوج البعيد عن الله. ويظهر الخبث في محاولة الإنسان أن يؤذي غيره، لأنه يكرهه، أو لأنه يريد أن ينتقم منه.
-
المكر: والشخص الماكر هو صاحب الوجهين، الخادع الذي يخدع الآخرين ليحقق أغراضه الشريرة.
-
الرياء: وهو ادّعاء الإنسان ما ليس فيه من الفضيلة والقداسة، كالممثل الذي يلعب دور الغني وهو مفلس.
-
الحسد: وهو غضب الانسان على غيره، لأن غيره حصل على ما لم يحصل عليه هو.
-
المذمَّة: وهو الحديث السيء عن الآخرين، وحكاية القصص الحاقدة عليهم.
وعلى كل واحد من المؤمنين أن يطرح هذه الخطايا الخمس من حياته.
ثم يطلب الرسول بطرس من المؤمنين أن يشتهوا كلمة الله. والشهوة تعني الرغبة القوية «كَمَا يَشْتَاقُ ٱلإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ» (مزمور 42: 1) وكما يشتاق المؤمن لخلاص الرب (مزمور 119: 174). لقد خَلُصَ المؤمن ووُلد ولادة ثانية بكلمة الله، وبالكلمة ينمو. وكما يشتاق الطفل الى اللبن هكذا يجب أن يشتاق أولاد الله الى كلمته. وكما لا يستطيع أن يَشبع الطفل إلا باللبن هكذا لا يُشبع جوع المؤمن إلا لبن كلمة الله.
عزيزي القارئ، هل هذه الكلمات تثير في نفسك رغبة أن تقرأ الكتاب المقدس؟ هل حقاً تشتاق إلى كلمة الله كما يشتاق الطفل إلى اللبن؟ إن نضوجك الروحي يزيد كلما زدت نصيبك من الكلمة المقدسة التي تملأ قلبك كل يوم.
ويقول الرسول: إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح فعليكم أن تجتهدوا في النمو في خلع تلك الخطايا وتركها، وفي الامتلاء بكلمة الله التي تُشبع قلوبكم.
ثم يقدم الرسول بطرس أمرين يوضحان ضرورة المحبة الطاهرة في قلب المؤمنين وضرورة نموهم:
(1) المؤمنون بناء من أحجار حية: لايعيش المؤمن منفصلاً عن غيره من المؤمنين، فهو يحتاج إلى الشركة الروحية. إنه ليس جزيرة منفصلة عن غيره، لكنه حجر حي في مبنى روحي مقدس. وترتبط الأحجار معاً لتكّون المبنى. والمحبة هي التي تربط المؤمنين معاً.
والمؤمن الذي يشتهي الكلمة وينمو بها يقترب من الله، ويريد أن يصبح أكثر قرباً منه ليتمتع بالشركة معه. وهكذا يصبح حجراً حياً، لأن المسيح الحي الذي قام من الأموات يقيم من هذا الميت بخطاياه إنساناً جديداً، ويحقق معه قوله: «إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (يوحنا 14: 19).
عزيزي القارئ، طالما الحجر بعيد عن غيره من الأحجار لايمكن أن يدخل في البناء. فليست المسيحية الفردية مسيحية، لأن المسيحية رابطة أخوية داخل نطاق مجتمع الكنيسة. هذا يعني بوضوح أن المسيحية مجتمع. والمسيحي كفرد يجد مكانه اللائق به فقط عندما يكون مبنياً في بناء الكنيسة.
وللبناء المكوَّن من الحجارة الحية أساس هو المسيح نفسه. فالمسيح هو حجر الزاوية، أهم أحجار البناء، الذي يربط البناء معاً. وقد تذكر بطرس قول المسيح له: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» (متى 16: 18) وهذا يعني أن إعلان بطرس عن المسيح أنه ابن الله هو الأساس للخلاص. وبطرس هنا يقول إن المسيح هو الصخرة التي تُبنى الكنيسة عليها، والذي لا يمكن أن يقوم البناء الروحي إلا عليه، فقد سبق أن أعلن الله ذلك كما جاء في مزمور 118: 22 وإشعياء 8: 14 ، 28: 16. فالمسيح حجر الأساس، حجر صدمة وصخرة عثرة لبعض الناس - هم الذين لا يقبلونه. وهكذا انقسم الناس بالنسبة الى هذا الحجر العظيم قسمين:
1 - الذين آمنوا، فنالوا بسب هذا الإيمان كرامة (آية 7).
2 - الذين لا يطيعون، بل يتعثَّرون في هذا الحجر، وهم سيجوزون دينونة مُرَّة. ولقد أعلن المسيح في متى 21: 42 أن ما جاء في مزمور 118: 22 عن حجر الزاوية ينطبق عليه هو، فأعلن أنه هو الأساس، وأنه هو الطريق الوحيد الذي به يلجأ الناس الى الله .. فكل الذين يقبلون المسيح ينالون الفداء، وكل الذين يرفضونهُ يُعَرِّضون نفوسهم للهلاك، ولذلك فإن الحجر يكون لبعض الناس حجر عثرة، يتعثرون فيه، يكون للبعض الآخر حجر زاوية مختاراً كريماً، والذي يؤمن به لن يخزى.
عزيزي القارئ، كيف ترى المسيح؟ هل هو بالنسبة لك حجر الزاوية المختار الكريم؟ أو هل هو صخرة عثرة تتعثر به وترفض لاهوته وصليبه؟
(2) ويقدم الرسول بطرس صورة أخرى لجماعة المؤمنين، وهي أنهم كهنوت مقدس (آية 5). والكاهن شخصٌ قريب من الله، وظيفته أن يقرّب الناس إلى الله، وأن يصلي من أجل الناس. وقد أعطى الله في العهد الجديد كل واحد من المؤمنين هذه الامتيازات: إمتياز القرب منه، وامتياز تقريب البعيدين إليه، وامتياز الصلاة لأجل الآخرين. وهذا ما نجده في سفر الرؤيا: «ٱلَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً لِلّٰهِ أَبِيهِ» (رؤيا 1: 5، 6). فالمؤمنون جميعاً هم الكهنوت المقدس الذين يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح.
كانت ذبائح العهد القديم ذبائح حيوانية. لكن ذبائح المسيحي ذبائح روحية، فالمسيحي يقدم عمله ذبيحة لله، وكل ما يعمله لمجد الله. ولقد أمرنا الرسول بولس: «قَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللّٰهِ» (رومية 12: 1) وعلينا كجماعة مؤمنين أن نكلّم العالم بإحسانات الله لنا، بحياتنا وكلماتنا، لنشهد عما عمله الله معنا في المسيح.
عزيزي القارئ، أنت كاهن تقدم لله ذبيحة طاعتك (رومية 12: 1 ، 2) وتقدم لك ذبيحة شكرك (عبرانيين 13: 15) وتقدم للناس الخدمة التي يحتاجون اليها (عبرانيين 13: 16) فهذه هي الذبائح المقبولة عند الله.
آية للحفظ
«كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً» (1 بطرس 2: 5).
صلاة
أشكرك يا أبي السماوي لأنك فَتَحت عينيّ لأرى أن يسوع المسيح هو حجر الزاوية، الذي لا يمكن أن يقوم غيرُه ببناء حياتي. أشعِرْني أنني حجر حي لأنك وهبتني الحياة. علّمني أن أكون متَّحداً بغيري من الأحجار لنبني ملكوتك على الأرض، وساعدني لأقدم دوماً ذبائح روحية مقبولة، إذْ أقدم لك جسدي ونفسي في تكريس ومحبة، وإذ أقدم الخدمة لك ولغيري من البشر. ساعدني لأكون الحجر الحي حتى أضع ثقتي وإيماني بك، فلا أخزى.
4 - سلوك الانتماء
9 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ ٱقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ ٱلْعَجِيبِ. 10 ٱلَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْباً، وَأَمَّا ٱلآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ ٱللّٰهِ. ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا ٱلآنَ فَمَرْحُومُونَ. 11 أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ ٱلشَّهَوَاتِ ٱلْجَسَدِيَّةِ ٱلَّتِي تُحَارِبُ ٱلنَّفْسَ، 12 وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُكُمْ بَيْنَ ٱلأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرٍّ يُمَجِّدُونَ ٱللّٰهَ فِي يَوْمِ ٱلٱفْتِقَادِ، مِنْ أَجْلِ أَعْمَالِكُمُ ٱلْحَسَنَةِ ٱلَّتِي يُلاَحِظُونَهَا (1 بطرس 2: 9 - 12).
يوضح الرسول بطرس في هذا الجزء أن كل مؤمن بالمسيح ينتمي للمسيح، سواء كان من أصل يهودي أم من أصل وثني. وهناك ثلاثة أشياء تبيّن انتماءنا لله:
-
صفاتنا الجديدة - ويقدم الرسول أربع صفات.
-
ما عمله الله معنا - ويذكر ثلاثة أعمال.
-
امتناعنا عن الخطايا - ويذكر سببين لهذا الامتناع.
-
جنس مختار: فالذين يؤمنون بالمسيح هم الذين سمعوا صوت الله وحفظوا عهده (خروج 19: 5). وكل مؤمن اختاره الله لثلاثة أشياء:
اختاره لامتياز خاص هو الصلة مع الله.
واختاره للطاعة، فامتياز الاختيار يجلب معه مسئولية الطاعة. واختاره للخدمة، فله شرف خدمة الله.
-
وهم كهنوت ملوكي، بمعنى أن لهم حق الاقتراب من الله، وهم يقدمون نفوسهم وعملهم وعبادتهم تقدمةَ ذبيحةٍ لله، فيكونون للرب مملكة كهنة وأمة مقدسة (خروج 19: 6)
-
وهم أمة مقدسة، فهم مختلفون عن العالم - اختارهم الله ليكونوا مختلفين لأنهم مكرَّسون لتنفيذ إرادة الله وخدمته. فجماعة المؤمنين هم جماعة مخصَّصة لله، منفصلة عن العالم ومختلفة عنه.
والقداسة صفة داخلية لها مظهر خارجي هو نقاوة الحياة، كما صلى داود: «قَلْباً نَقِيّاً ٱخْلُقْ فِيَّ يَا اَللّٰهُ» (مزمور 51: 10).
-
شعب اقتناء، وترجع قيمة الشيء إلى الشخص الذي يمتلكه، فإذا امتلكه شخص مشهور يصبح ذا قيمة عظيمة: والمؤمنون مِلْكٌ للمسيح، وقد جعلهم مالكهم وسيدهم ذوي قيمة عظيمة، فقد كسبوا شرفاً وامتيازاً لأنهم ملك الله. والمؤمنون مِلْك لله لأنه اشتراهم بدم المسيح (أعمال 20: 28).
ويثور في ذهننا سؤال: لماذا أعطى الله أولاده هذه الامتيازات الأربعة؟
ونجد الإجابة في الآية 9 «ليخبروا بفضائل الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب». لقد دعاهم الله إلى هذه الامتيازات ليمجدوه، وليعلنوا للبشر صفات الرب العظيمة.
-
دعاهم من الظلمة إلى نوره، بعد أن أشرق المسيح نور العالم على قلوبهم، فما عادوا يسلكون في الظلمة، بل صار لهم نور الحياة.
-
جعل منهم شعباً له بعد أن كانوا غرباء، فأصبح انتماؤهم لله. وهذا المعنى موجود في سفر هوشع 2: 1 ، 23 واقتبسه الرسول بولس في رومية 9: 25 ، 26.
-
أنعم عليهم برحمته، فقد كانوا غير مرحومين بسبب خطيتهم. أما الآن فقد حلّت عليهم محبة الله التي أزالت الخوف من نفوسهم.
وبناءً على هذه الامتيازات العظيمة يطلب الرسول بطرس منهم أن يمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس. وخطايا الجسد هي الخطايا التي تنتج عن الطبيعة البشرية البعيدة عن الله، لأنها غير متجددة، وبدون نعمة المسيح. وخطايا الجسد هي الزنا والكبرياء والحقد والكراهية والفكر الشرير.
ويقدم سببين يجعلان المسيحي يمتنع عن خطايا الجسد:
(أ) انه غريب ونزيل: فالمؤمن غريب في العالم، ولا يجب أن يقبل قوانين العالم وطرقه، التي تناقض تعاليم ملكوت الله. ثم أن المسيحي غريب بمعنى أن إقامته على الأرض مؤقّته، وهو يسير نحو وطن سماوي أفضل، فلا يجب أن يخضع لعادات وطرق تؤثر في شخصيته، تجعله غير نافع لملكوت الله. إن المسيحي يمتنع عن الشهوات الجسدية لأنه يتبع قانون ملكوت السموات، وغايته الفرح الأبدي في حضرة الله.
(ب) أما السبب الثاني الذي يمنع المؤمن عن شهوات الجسد فهو الاضطهاد: كانت هذه اتهامات كاذبة موجَّهة ضد المسيحيين، والطريقة الوحيدة للقضاء على هذه الإشاعات هي أن يبرهن المسيحيون بحياتهم المقدسة كذب الاتهامات «أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة» بمعنى جذابة تقرّب البعيدين إلى المسيح.
مرة قالوا لأفلاطون إن شخصاً يرّوج ضده إشاعات سيئة، فقال: «إن سلوكي سيثبت لهذا الشخص كذبه». قال المسيح: «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5: 16).
لقد أثبت المسيحيون الأولون أن الاتهامات التي كانت موجَّهة إليهم كاذبة، وذلك بفضل حياتهم الطيبة التي كانت رداً على هذه الاتهامات التي وُجِّهت إليهم. وهكذا تمموا فكرة بطرس، إذْ كانت سيرتهم بين الأمم حسنة. وعندما اتهموهم بأنهم أشرار، رأوا أعمالهم الصالحة، ومجدوا الله.
آية للحفظ
«كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا ٱلآنَ فَمَرْحُومُونَ» (1 بطرس 2: 10).
صلاة
أشكرك أيها الآب الصالح لأنك نقلتني من الظلمة إلى النور، وقد جعلتني من ضمن شعبك. ساعدني لأمتنع عن كل شهوة جسدية حتى يتمجد اسمك بين الذين لايؤمنون بالمسيح، ولتكن حياتي شهادة مقدسة للمسيح مخلصي.
رابعاً - السلوك أمام الناس (1 بطرس 2: 13 - 4: 19) | ||
حياة المسيح عبارة عن سلوك أمام الله بالصلة الشخصية به، ينتج سلوكاً أمام الناس. وقد تكلمنا في الجزء الثالث من هذه الرسالة عن السلوك أمام الله. وفي هذا الجزء نتحدث عن السلوك أمام الناس الذي ينبع من السلوك أمام الله. ونرى في هذا الجزء:
1 - سلوك المسيحي مع الحكومة (2: 13 - 17)
2 - سلوك المسيحي في العمل (2: 18 - 25)
3 - سلوك المسيحي مع عائلته (3: 1 - 7)
-
سلوك الزوجة 3: 1 - 4
-
نموذج للسيدات 3: 5 ، 6
-
سلوك الزوج 3: 7
4 - سلوك المسيحي في المجتمع (3: 8 - 22)
-
السلوك المسيحي المطلوب 3: 8 - 12
-
جواب المؤمن على الذين يسألونه 3: 13 - 17
-
مثال من المسيح 3: 18 - 22
5 - مثال المسيحي الصالح (14: 1 - 9)

