COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

المسيح فيكم رجاء المجد

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي

مقدمة الرسالة إلى كولوسي

مدينة كولوسي

كانت كولوسي مدينة في فريجية، تقع في الجنوب الغربي من آسيا الصغرى، في وادي نهر ليكوس، الذي هو فرع من نهر مياندر عند حضيض جبل قدموس. وفي ذلك الوادي على بعد اثني عشر ميلاً كانت مدينتان، الأولى هيرابوليس، والثانية لاودكية.

كان لهذه المدن الثلاث في بادئ الأمر أهمية متساوية، ولكن على مر السنين صارت لاودكية المركز السياسي والمالي لكل الإقليم. وصارت هيرابوليس مركزاً صناعياً عظيماً. أما كولوسي فقد اشتهرت في القديم، بكونها مركزاً عسكرياً. ويقول المؤرخون أن أحشويرش الملك وكورش كلاهما توقفا بجيوشهما القادمة أمامها. وقد دعاها هيروديتوس المؤرخ مدينة فريجية العظيمة.

في السنة 66 بعد الميلاد، قلبت المدن الثلاث بالزلازل، ولكنها جددت سريعاً. وكانت فريجية في زمن بولس من أملاك الرومان الذين استولوا عليها سنة 133 قبل المسيح.

كنيسة كولوسي

لم يذكر لوقا في سفر أعمال الرسل كنيسة كولوسي، مع أنه ذكر كنيسة أفسس، وهي غير بعيدة عنها. ونستنتج من ذلك أن بولس لم يؤسسها بنفسه، ولم يزرها قبل كتابة رسالته إليها. وهو يضع أهل كولوسي في لائحة الذين لم يروا وجهه بالجسد (2: 1) ولكن الدلائل تشير إلى أنها تأسست بتوجيه منه، في أثناء السنوات الثلاث التي قضاها الرسول في أفسس، والتي زاره خلالها كثيرون من كولوسي، منهم أبفراس المذكور في الأصحاح (4: 12). ويستدل من نصوص الرسالة أن أبفراس، بعد أن آمن وتدرب على يدي بولس، أرسله إلى مدينته للتبشير. فإذا يمكن القول أن كنيسة كولوسي هي إحدى نتائج أعمال بولس بواسطة أبفراس.

ومن أعمدة كولوسي فليمون، وهو صديق بولس. والمرجّح أنهما التقيا في أفسس، وآمن فليمون بواسطة كرازة بولس. وكانت له يد في تأسيس الكنيسة ونموها.

كانت أكثرية أعضاء كنيسة كولوسي من أصل أممي، كما نلاحظ في الأصحاح الثاني والعدد الثالث عشر. وكانت الأقلية من أصل يهودي، كما نلاحظ في العدد السادس عشر. ويرجّح المؤرخون أنهم من أبناء اليهود الذين نقلهم الاسكندر الكبير من بلاد ما بين النهرين إلى مقاطعة فريجية.

رسالة كولوسي

يرجّح أن هذه الرسالة كتبها بولس من رومية، في أثناء سجنه حوالي العام 62 ميلادية (أعمال 28: 30-31) وذلك نحو الوقت الذي كتب فيه الرسالة إلى أفسس، والرسالة إلى فليمون (كولوسي 4: 3،10-18).

ويبدو أن الداعي لكتابة الرسالة مجيء أبفراس لزيارة بولس ومعه أنباء عن أحوال الكنيسة، التي كانت يومئذ قد انتشرت فيها بعض الضلالات المخيفة. الأمر الذي أحزن قلب الرسول، فكتب محذراً المؤمنين من قبول تعليم الرسل الكذبة، ومن الانحراف عن التعليم الإنجيلي الصحيح.

أما موضوع الرسالة فهو عظمة الرب يسوع المسيح، وكمال ما أتى به من الفداء. وأنه صورة الله غير المنظور، وأنه فيه حل كل ملء اللاهوت منذ الأزل. وإنه خالق كل البرايا، وهي به تقوم. وأنه رب كل ما في السموات وعلى الأرض ، كل ما يرى وما لا يرى. وإن كل المسيحيين متحدون به، اتحاد الأعضاء بالرأس. وإن الله به صالح الكل، وبه ينال المؤمنون السلام والحياة والخلاص والسعادة. وإنهم منه يحصلون على كل الفضائل والنعمة، حتى يقدروا على إتمام الواجبات بواسطة الإيمان به، والطاعة والشركة معه والصلاة له حتى يكون لهم وفيهم.

ثم حذّر الرسول المغبوط المؤمنين من بعض الضلالات التي انتشرت بومئذ، والتي هي خليط من الفلسفة اليونانية والأوهام اليهودية. المعروفة في تاريخ الكنيسة ببدع الغنوسيين. فإنهم اعتقدوا بوجود كائنات روحية بين الله والبشر تستحق العبادة. وقالوا بأنها دون الله، وأعظم من كل الملائكة والناس. وبأنها هي التي أبدعت المادة، التي هي علة الخطية. وعلموا بأن نيل القداسة يكون بقهر الجسد وممارسة شتى ألوان الإماتات وحفظ مجموعة من الفرائض اليهودية: السبوت والأهلّة، والتمييز بين الأطعمة وتحريم أكل اللحم والزواج.

لذلك حذّرهم الرسول من الفلسفة الباطلة، والسلوك بمقتضى المبادئ التي لم يدع الله إليها. وإنما هي من وضع الناس، وهذه الممارسات من الفريسيين تمسكاً بالفرائض الموسوية. وتقييم هذه الرسالة إلى خمسة أقسام:

  1. المقدمة (1: 1-12) وفيها التحية الرسولية والشكر لله، على ما أظهره الكولوسيون من الرجاء والمحبة والصلاة، بغية تقدمهم في المعرفة والإتيان بالثمر.

  2. القسم التعليمي (1: 13-29) وفيه يتكلم الرسول عن شخص المسيح وعمله، مبيناً أن في المسيح النجاة والفداء. وإن المسيح رأس كل شيء، في الخليقة وإن فيه كل الملء. وإنه صالَح كل شيء لنفسه بدم صليبه. وفيه أيضاً ذكر الرسول أنه سر بشدائده من أجل المسيح وأتعابه في خدمته. وإنه وكل إليه أن يعلن السر، الذي كان مكتوماً وهو خلاص الأمم بالإيمان بيسوع المسيح.

  3. القسم الاجتماعي (2: 1-23) وفيه بيان اهتمامه بأهل كولوسي، لكي يبقوا ثابتين في الإنجيل الذي تعلموه. وفيه أيضاً حذر من العدول عن التمسك بالمسيح الرأس، بانجذاب من الفلسفة الباطلة والأوهام اليهودية، التي غايتها هدم رئاسة المسيح. وفيه أيضاً تحذيرات خاصة، من الفروض الخارجية ومن عبادة الملائكة.

  4. القسم العملي (3: 1-4: 6) وفيه دعاهم لكي يعيشوا كما يحق للذين ماتوا مع المسيح للخطية. ودفنوا معه في المعمودية، وقاموا معه في حياة جديدة ممتنعين عن الشرور التي تختص بالإنسان العتيق. وأهاب بهم أن يمارسوا الفضائل المختصة بالإنسان الجديد. وأبان العلاقة الواجب أن تقوم بين الأزواج وبين الآباء والأبناء والسادة والعبيد. ثم حرّض المؤمنين على الصلاة والسهر وممارسة الشكر.

  5. الختام والبركة (4: 7-18) وفيه أنباء عن أحوال الرسول، والتنوية بفضائل تبخيكس وأنسيمس، وتحيات إلى بعض الإخوة. وأخيراً البركة الرسولية.

اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ

1 بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ ٱللّٰهِ، وَتِيمُوثَاوُسُ ٱلأَخُ، 2 إِلَى ٱلْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسِّي، وَٱلإِخْوَةِ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

مرّ في المقدمة أن الرسول بولس لم يزر مدينة كولوسي قبل كتابة هذه الرسالة. ولذلك كان عليه أن يصدر رسالته بذكر الحق الذي يخوله أن يكتب إلى أهل كولوسي. وقد فعل ذلك في عبارة واحدة، إذ قال: إنه رسول يسوع المسيح، وإن رسوليته بمشيئة الله.ومن نعمة الله، لا من عمله واستحقاقه. ولعل تصرف بولس على هذا النحو يعلّمنا أن المسيحي الحقيقي، يجب أن لا يكتب عبارة واحدة، دون أن يوضح العقائد الكبرى، التي تملأ كل تفكيره.

فبولس كتب بهذا الحق، معلناً أن الله أفرزه، ليكون سفيره إلى الأمم. ونفهم من العبارة أن الوظيفة الرسولية، ليست شيئاً اكتسبه بمقدرته، أو حصل عليه باجتهاداته الذاتية. بل هي امتياز أعطي له بالنعمة ومن الله. هذه الحقيقة تذكرنا بقول المسيح: «لَيْسَ أَنْتُمُ ٱخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 15: 16).

ولا ريب في أن المتأمل في فاتحة هذه الرسالة يرى تعليم النعمة بوضوح. فالمؤمن ليس هو، الذي ينشئ نفسه، بل هو عمل الله، مخلوق في المسيح، لأعمال صالحة، وقد سبق الله فأعدها لكي يسلك فيها (الرسالة إلى أفسس 2: 10) وكذلك الكتاب يؤكد لنا أنه في دائرة النعمة، لا يوجد أناس صنعوا أنفسهم، بل هناك أناس صنعهم الله.

بعد تعريف نفسه، أتى الرسول على ذكر تيموثاوس. ومع أنه رسول مفرز بمشيئة الله، بما في هذه الصفحة من عظمة، إلا أنه لم يأنف أن يدعو تيموثاوس أخاً، وإن كان حديث السن، وحديث الإيمان. وهذا يعلمنا أن النسبة ذات الشأن في المسيحية هي الإخاء. وإن الرسولية وغيرها من الرتب، ليست سوى أمور عرضية بالنسبة للإخاء. وقد عرف من تاريخ االكنيسة أن الخدمة المسيحية تتعزز وتصادف النجاح بانتشار الروح الأخوية بين المؤمنين. وعملاً بهذا المبدأ صار القول الرسولي: «قَدِّمُوا ... فِي ٱلتَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي ٱلْمَوَدَّةِ ٱلأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لأَنَّ هٰذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رسالة بطرس الثانية 1: 5-8).

ومن ميزات هذه الرسالة، أنها موجهة إلى القديسين والإخوة المؤمنين في المسيح، ومشفوعة بالدعاء أن ينالوا نعمة وسلاماً من الله بالمسيح يسوع، الذي هو سلام الوجه الأكمل. والسر في نجاحه أنه يعيش في المسيح، لهذا سعادته وفرحه وسلامه لا تتغير قط، لأنه في المسيح والمسيح فيه. بهذا الاتحاد بالمسيح يستطيع أن يقوم بأي عمل يسند إليه، حقيراً كان أم مرموقاً. وهو يؤدي الكل بأمانة واجتهاد وبدون تذمر. لأنه في المسيح يقوم بالعمل الموكول إليه، وكأنه يعمل للرب نفسه.

هل أنت في المسيح؟ وهل تستطيع أن تتمثل ببولس في التواضع ونكران الذات؟ وهل تعتبر الإخوة الصغار وتكرمهم، كما كان يفعل الرسول العظيم؟ ليس كافياً أن يكون لك إيمان فقط، لأن الإيمان قد يتعرض للتجارب والانجذاب، والتشبث بفرائض ناموسية توجد فيك الكبرياء الروحية، الأمر الذي يخالف مشيئة المسيح الذي قال «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (متّى 11: 29 و30).

الصلاة: أيها السيد الرب، إلهنا ومعبودنا، نشكرك من كل القلب على النعمة المخلصة التي علمتنا أن ننكر الخطية، ونقبل البر الذي هو منك بالإيمان. ونشكرك لأجل محبتك في يسوع، المحبة التي غفرت ذنوبنا وسترت عيوبنا. زد إيماننا يا إلهنا الصالح، وشدد رجاءنا، وقو محبتنا ولك شكرنا على الدوام آمين.

السؤال: 1 - ماذا تتعلم من بولس في تعامله مع الإخوة في كولوسي؟

3 نَشْكُرُ ٱللّٰهَ وَأَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، مُصَلِّينَ لأَجْلِكُمْ، 4 إِذْ سَمِعْنَا إِيمَانَكُمْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتَكُمْ لِجَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ، 5 مِنْ أَجْلِ ٱلرَّجَاءِ ٱلْمَوْضُوعِ لَكُمْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ

استهل بولس هذه الرسالة بالشكر، مثله في كل مرة يكتب إلى المؤمنين، حين تصله أخبار سارة عن نموهم في النعمة وفي معرفة المسيح. ففي الآية الرابعة أعلاه يشكر الرسول الكريم من أجل صفتين ظهرتا في حياة الكولوسيين، وأخبره بهما أبفراس. وهما الإيمان بالمسيح والمحبة لإخوتهم. وهاتان الصفتان، هما الركنان المميزان للحياة المسيحية. فقد كان المسيح موضوع إيمانهم ومنشئه فيهم. ولا مراء في أن علة استمرارهم عليه كانت نتيجة لاتحادهم بالمسيح.

في الحقيقة أن الحياة المسيحية يجب أن تعلن ولاءها للمسيح ومحبتها للناس، وإلا صارت كما يقول الرسول للكورنثيين نحاساً يطن أو صنجاً يرن. الإيمان هو عطية الله، وموضوعه يسوع المسيح، وفقاً لقول المسيح: «من يؤمن بي فله حياة أبدية» وهذا يعني أن على المسيحي أن يتصف بالإيمان وأن يعرف ما يؤمن به ويحب إخوته تمشياً مع الكلمة الرسولية القائلة: «وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، ويحب بعضنا بعضاً كما أعطانا وصية».

يا أخي اذكر هذا، إن المسيحية تلزمك بولاء مزدوج ولاء للمسيح، وولاء للناس. وإن الإيمان المسيحي ليس مجرد اعتقاد عقلي، بل هو قبل كل شيء انسكاب القلب على مذبح المحبة. والإيمان بالمسيح والمحبة للناس، يعتمدان على الرجاء الحي بقيامة يسوع من الأموات للميراث الذي أعد للقديسيين. هذه الفضائل ضرورية للمسيحي، لكي يحيا كما يحق للرب. فالإيمان ينظر بما مض، والمحبة تفعل في الحاضر، والرجاء ينظر إلى المستقبل.

إن الولاء للمسيح، قد يطلب من الإنسان تحمل آلام متنوعة في المجتمع. وقد عرف بالاختبار أن الذي يريد الاحتفاظ بولائه للمسيح يجب أن يكون مستعداً أن يتنازل عن أشياء كثيرة في هذا العالم. وأن يحتمل المضايقات والتعيير، حتى الاضطهاد أحياناً. وقد سبق للمسيح أن أنبأ تلاميذه بالصعاب والبغضاء، التي يتعرض لها المؤمنون من أجله. قال: «إِنْ كَانَ ٱلْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَٱعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ لَكَانَ ٱلْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلٰكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ، بَلْ أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ، لِذٰلِكَ يُبْغِضُكُمُ ٱلْعَالَمُ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 15: 18 و19).

ما أكثر المرات، التي فيها يواجه المسيحي هذه الأسئلة: لماذا تصرون على خدمة الآخرين، رغم العقوق الذي تقابلون به؟ وما الجدوى من الإحسان إلى من يسيء إليكم؟ ولماذا تصرفون معظم الوقت في خدمة لا منفعه شخصية منها؟ وما الفائدة من الاهتمام بالأخ الضعيف؟ الجواب إنه الإيمان بالمثل العليا، والانسجام مع المحبة، التي لا تطلب ما لنفسها والرجاء الموضوع أمامنا! والمرجو هو الحياة الأبدية، لأننا كا قال الرسول بالرجاء خلصنا.

ليكن المسيح موضوع رجائك، لأن المسيح هو رجاء المجد. وقال قال «كُنْ أَمِيناً إِلَى ٱلْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ ٱلْحَيَاةِ» (رؤيا 2: 10).

الصلاة: أيها الرب المبارك نشكرك لأجل الإيمان المسلم مرة للقديسين، والذي به نحيا. ومن أجل الرجاء الموضوع على يسوع للحياة الأبدية. ونعظم اسمك يا إلهنا، من أجل محبتك التي غفرت خطايانا، فصار لنا قدوم إليك لنعبدك بالروح والحق آمين.

السؤال: 2 - ما هو سبب فرح الرسول بكنيسة كولوسي؟

... ٱلَّذِي سَمِعْتُمْ بِهِ قَبْلاً فِي كَلِمَةِ حَقِّ ٱلإِنْجِيلِ، 6 ٱلَّذِي قَدْ حَضَرَ إِلَيْكُمْ كَمَا فِي كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً، وَهُوَ مُثْمِرٌ كَمَا فِيكُمْ أَيْضاً مُنْذُ يَوْمَ سَمِعْتُمْ وَعَرَفْتُمْ نِعْمَةَ ٱللّٰهِ بِٱلْحَقِيقَةِ. 7 كَمَا تَعَلَّمْتُمْ أَيْضاً مِنْ أَبَفْرَاسَ ٱلْعَبْدِ ٱلْحَبِيبِ مَعَنَا، ٱلَّذِي هُوَ خَادِمٌ أَمِينٌ لِلْمَسِيحِ لأَجْلِكُمُ، 8 ٱلَّذِي أَخْبَرَنَا أَيْضاً بِمَحَبَّتِكُمْ فِي ٱلرُّوحِ.

رجاء المؤمنين حرز حريز، أي كنز محفوظ في السموات، لا خوف عليه (الإنجيل بحسب متّى 6: 20). وقد وضع هنالك على سبيل الجعالة للمجاهدين (الرسالة إلى تيموثاوس 4: 8) ونعلم من التعليم الإنجيلي أن جودة الإيمان والمحبة برهان صريح على جودة الرجاء. وأن لا أساس لرجاء لم يقترن بالإيمان والمحبة.

ولا مراء في أن الرجاء المسيحي الحي يسلم بأن طريق الله أفضل الطرق. وإن السعادة والسلام والفرح والجزاء، هو ما نجده في طريق الله. قد يضحك أبناء هذا الدهر، ويحسبون رجاءنا جهالة وحماقة. ولكن ألم يقل الكتاب المقدس إن ما يحسبه الناس جهالة الله أحكم من كل حكمة بشرية. وعندنا القناعة بالروح القدس، إن الرجاء المسيحي فيه اليقين بأن الحياة مع الله، أفضل من الثقة في العالم.

هذه هي البشارة التي بشر بها الكولوسيون وقبلوها، إنهم يوم سمعوا أن المسيح مخلص سمعوا أيضاً نبأ السعادة السماوية الموضوعة لكل من آمن بالمسيح وتبعه، وفقاً لقوله له المجد للرئيس الشاب: «بِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي ٱلسَّمَاءِ وَتَعَالَ ٱتْبَعْنِي» (الإنجيل بحسب متّى 19: 21).

هذا هو حق الإنجيل، الذي سمعوه. وليس هو بشارة بالرحمة وحسب، بل هو أيضاً إعلان حقائق أزلية، لا تتغير كالحق نفسه. والمعنى في هذا كله أن رجاء المؤمنين ليس باطلاً بل حقاً أعلنه الله في إنجيله لكل من يؤمن.

ونتعلم من هذه الآيات المجيدة:

  1. إن الإنجيل هو أخبار الله السارة. وإن رسالة الإنجيل هي رسالة الآب المحب لنفوس الناس. وغايتها أن تضعنا في علاقة طيبة مع الله.

  2. إن الإنجيل هو الحق. وإن كل الأديان الأخرى، يمكن أن يقال عنها أنها تخمينات عن الله. أما إنجيل المسيح ففيه التأكيد واليقين عن الله.

  3. إن الإنجيل لجميع بني البشر. لا فرق بين شعب أو جنس، أو لسان، أو أمة. وإن رسالة الإنجيل للجميع، رسالة خلاص وفرح وسلام. وكل هذه تنبع من العطية المجانية، التي وهبها الله للناس بيسوع المسيح.

  4. إن للإنجيل قوة على تغيير حياة الناس، ورفع مستوى المجتمع الذي يعيشون فيه، روحياً وأدبياً. وقد عرف أن قوة الإنجيل تستيطع أن تغير الخاطي إلى إنسان صالح. إذ تنتزع مه الأثرة والقسوة، وتزرع مكانها المحبة التي هي رباط الكمال.

  5. إن الإنجيل يخبرنا عن النعمة. فهو لا يحدثنا بالأولى عما يطلبه الله من الإنسان، بل عما يقدمه الله للإنسان. وفي عبارة أخرى أن الإنجيل لم يأت ليضع علينا أثقالاً إضافية بل بالحري جاء لكي يرفع عنا وزر الخطية الثقيل.

  6. إن الإنجيل يحملنا مسؤولية إيصال الأخبار السارة إلى الآخرين. أي أنه يلزمنا بإشراك الآخرين معنا في فوائد الفداء المعلنة فيه.

تأكد من هذا، إن يسوع يدعوك إلى قبول النعمة، التي يقدمها لك مجاناً بقبول إنجيل الخلاص. وهو يحتاج إلى كل المؤمنين ليكونوا الأيدي والأقدام والشفاه، التي تحمل وتذيع الإنجيل إلى كل أقطار الأرض. فهل تريد أن تكون إحدى هذه الوسائل لنشر إنجيل الله؟

هكذا كان أبفراس، الذي نوّه الرسول بإيمانه، يبشر بالإنجيل على سنن الحق. وقد نعته بالخادم الأمين للمسيح. فليتك أنت أيضاً تقتدي بهذا التلميذ، الذي خدم الرب بمواهبه وسيرته الحميدة!

الصلاة: يا ربنا الصالح، تشكرك قلوبنا من أجل نور الإنجيل، الذي ما زال يعمل في العالم لتبديد الظلمة وظلال الموت عن كل نفس تقبله، فليتك أنت أيضاً تقتدي بهذا التلميذ، الذي خدم الرب بمواهبه وسيرته الحميدة!

السؤال: 3 - ما هي الصفات التي تميز بها أبفراس؟

9 مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ نَحْنُ أَيْضاً، مُنْذُ يَوْمَ سَمِعْنَا، لَمْ نَزَلْ مُصَلِّينَ وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ 10 لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ ٱللّٰهِ، 11 مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ، لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ

تعود بولس أن يصلي من أجل المؤمنين، لنموهم في الروحيات. وتمشياً مع هذه العادة، وبعد أن شكر الله على ما حصل عليه قديسو كولوسي سأل أن تزداد معرفتهم لمشيئة الله. وإنه لشيء مبهج أن نصغي إلى رسول الجهاد العظيم، وهو يصلي لأجل أحبائه. ويمكننا أن نقول ما كتبه هنا يرينا الصلاة في أبعادها، إذ ركز صلاته في أمرين عظيمين جداً:

  1. طلب من أجلهم الامتلاء باستمرار، من معرفة مشيئة الله. وأتى بثمل هذه الطلبة في مقدمة ثلاث رسائل أخرى: (أفسس 1: 17، فيلبي 1: 9، وفيلمون 6). ويقيناً إنه لا يوجد أمر أعظم من هذا، أن نعرف إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة؟

    لقد درجنا في الصلاة على أن نجعل الله يصغي إلينا، ولكن قلما نجعل أنفسنا نصغي إلى الله. وفي تعبير آخر إننا في صلواتنا نكلم الله أكثر مما نترك المجال لله أن يكملنا. هناك حكمة يجب أن يتعلمها كل مصل، وهي قول الجامعة « لاَ تَسْتَعْجِلْ فَمَكَ وَلاَ يُسْرِعْ قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلاَمٍ قُدَّامَ ٱللّٰهِ. لأَنَّ ٱللّٰهَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَأَنْتَ عَلَى ٱلأَرْضِ، فَلِذٰلِكَ لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً» (جامعة 5: 2).

  2. أراد الرسول أن تترجم معرفة إرادة الله، إلى مواقف حياتنا البشرية الخاصة. وحين سأل أن يمتلئ مختارو الله من هذه المعرفة، كان يلتمس من أجلهم ليس وسائل بشرية، بل مفعولات الروح القدس. وفي هذا بيان عظمة الفرقة بين حكمة الإنجيل وحكمة معلمي هذا الدهر. فإن حكمتهم ليست سوى حكاية حكمة (الأصحاح 2: 23) وفلسفة باطلة (الأصحاح 2: 18) أما حكمة الإنجيل فهي معرفة الحقائق العظمى للمسيحية.

قد يصل الإنسان بسهولة إلى درجة الأستاذية في علوم اللاهوت، ومع ذلك يمكن أن يفشل في حياته اليومية. وقد يكون مقتدراً في الكتابة والحديث عن الحقائق الأزلية العظمى. ولكنه يعجز عن تطبيق هذه الحقائق في حياته اليومية. أما المؤمن الحقيقي فالروح القدس يدرب حواسه لمعرفة مشيئة الله، لكي يسلك كما يحق للرب. بمعنى أن وعرفة إرادة الله والحكمة والفهم الروحي يجب أن تظهر نتائجها في السلوك المستقيم، كما يحق للرب المسيح.

ونتعلم هنا أن الصلاة ليست تأملاً منعزلاً في الله، وشركة انفرادية معه وحسب، بل الصلاة تقترن بصنع مشيئة الله. ونحن نصلي لا لكي نهرب من الحياة، بل نصلي لنحيا حياتنا في المجتمع كما ينبغي أن نحياها شهادة لعمل نعمة الرب فينا. هذا هو السلوك كما يحق للرب الذي دعينا إليه. وهو يقابل بالرضى الإلهي. الذي يثوب المؤمن. ومثال ذلك أخنوخ بدليل قول الكتاب: «بِٱلإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى ٱلْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ ٱللّٰهَ نَقَلَهُ إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى ٱللّٰهَ» (الرسالة إلى العبرانيين 11: 5).

والسؤال لك أيها القارئ الكريم: هل تسلك كما يحق للرب. وهل تشعر بالرضى الإلهي؟ طبعاً إن الرضى الإلهي لا ينال بالاجتهادات الذاتية، لأننا جميعاً في الطبيعة أبناء الغضب. ولكن في وسعك أن تنال هذا الرضى بقبول المسيح مخلصاً شخصياً. لأن المسيح ليس فقط ارضى الله نيابة عنك بل أيضاً سأل الآب السماوي في صلاته الشفاعية من أجل المؤمنين به قائلاً: «أَيُّهَا ٱلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هٰؤُلاَءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي» (الإنجيل بحسب يوحنّا 17: 24).

وهذا السلوك كما يحق للرب، يجب أن يقترن بالثمر في العمل الصالح. أي إن الثمر المطلوب هو الأعمال التي توافق مشيئة الله، ويطلبها الضمير، وتنبع من الإيمان بالمسيح والاتحاد به، بواسطة الروح القدس.

ومما لا مراء فيه أن الاتحاد بالمسيح، يتيح للمؤمن أن ينمو في معرفة الله. والنمو في معرفة الله دليل على وجود الحياة الروحية في الإنسان وإن هذه الحياة تنمو باستمرار وفقاً لقول يوحنا: «وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 16). والرائع في الأمر، هو أنه كلما ازداد الإنسان معرفة بالله، ازداد سعادة.

يختم الرسول طلباته، فيسأل الله أن يمنح أحباءه ثلاث بركات عظيمة، الصبر وطول الأناة والفرح... تعلم الصبر المسيحي، الذي معناه الروح التي لا يستطيع أي طرف في الحياة أن يهزمها. ولا يقدر أي حادث، أن يتغلب عليها. الصبر المسيحي هو القدرة على المواجهةت المنتصرة على كل ما تستطيع الحياة أن تبتلينا به.

مارس هذه الصفات بفرح. فالمؤمن الحقيقي فضلاً عن احتياجه إلى قوة إلهية ليحتمل أرزاء الحياة بالصبر وطول الأناة، يحتاج إلى قوة من الله لكي يحتفظ بفرح الله في قلبه. الفرح الذي يرفعه فوق المصائب جميعاً.

المؤمن الحقيقي يحتمل المشقات دون أن يفقد فرحه، تمثلاً بالمسيح «ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِٱلْخِزْيِ» (الرسالة إلى العبرانيين 12: 2). ولنا هذه الوصية منه «طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (الإنجيل بحسب متّى 5: 11 و12).

الصلاة: أيها الآب رب السماء. نسألك أن تهبنا طاقة من الصبر وطول الأناة لكي نحتمل كل مشقة من أجلك بفرح. ونلتمس غفرانك وتجاوزك عن نقائصنا الكثيرة في ضميرنا وعدم احتمالنا. أعطنا أن نمتلئ من معرفة مشيئتك. نحن نحتاج إلى حكمة التصرف في الظروف الصعبة. فانعم علينا من أفضالك، يا من تعطي الجميع بسخاء ولا تعير آمين.

السؤال: 4 - ماذا كان هدف الرسول من صلاته لأجل الكولوسين؟

12 شَاكِرِينَ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلنُّورِ، 13 ٱلَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ ٱلظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ٱبْنِ مَحَبَّتِهِ، 14 ٱلَّذِي لَنَا فِيهِ ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا.

ذكر الرسول ثلاثة أشياء تتعلق بالسلوك كما يحق للرب. وهي الأثمار والنمو في معرفة الله والتقوى. وأضاف إليها هنا شيئاً رابعاً وهو الشكر. والشكر فضيلة، يمتاز بها المؤمنون عن سائر فضلاء الناس. وفي الشكر لأجل بركات الله للمؤمن، نجد حقيقتين:

الحقيقة الأولى: إن الله أعطى الكولوسيين نصيباً في ميراث القديسين. وهذا كان من دواعي الشكر لله، الذي شاء فخلقهم جديداً بقوة الروح القدس. وأهلهلم لتلك البركة العظيمة. ليس لاستحقاق لهم، بل تمشياً مع نعمته الغنية باللطف.

يشعرنا الواقع بأننا لسنا كفاة من أنفسنا، بل كفايتنا من الله. والنعمة أعطيت لنا بالمسيح، الذي عيّن لكل مؤمن به نصيباً في ملكوت السموات، بدليل قول الرسول: «ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا نَصِيباً، مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ. مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ» (الرسالة إلى أفسس 1: 11 و18)، فالقديسون الذين نالوا هذا الميراث والذين سينالونه هم المؤمنون بالمسيح، الذين نظروا إليه واستناروا ووجوهم لم تخجل.

كم يجب أن نشكر الله لأجل الاختيار في المسيح، الذي أعطانا امتياز التبني ومعرفة الفداء والحصول على ميراث القديسين في النور! وهذا ما أشار إليه بطرس حين قال: «وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ... لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ» (رسالة بطرس الأولى 1: 3 و4).

وكم يجب أن نشكره لأجل إنارة عيون أذهاننا لنعلم ما هو رجاء دعوة إنجيل المسيح، وما هو غناء هذا الميراث الذي هو الحياة الأبدية، التي يرثها كل مؤمن لكونه متحداً بالمسيح وشريكاً له بالميراث، الذي استحقه باعتبار كونه ابن الله الحبيب.

أما كل البعيدين عن المسيح فهم عائشون في ليل الشكوك والجهالات. إلى هؤلاء أشار المسيح بقوله: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي ٱللَّيْلِ يَعْثُرُ، لأَنَّ ٱلنُّورَ لَيْسَ فِيهِ. وَٱلَّذِي يَسِيرُ فِي ٱلظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 11: 10 و12: 35).

حين قرأ بلني الشهيد أن يسوع جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة، قال إن مجيئه شبيه بنور الفجر، وهو يبدد غياهب الدجى، وفقاً لقوله: «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 8: 12).

والمسيح الذي جاء نوراً للعالم، لكي يبصر الذين لا يبصرون، دعانا إلى السلوك في النور، إذ قال: «ٱلنُّورُ مَعَكُمْ زَمَاناً قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ ٱلنُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ ٱلظَّلاَمُ... مَا دَامَ لَكُمُ ٱلنُّورُ آمِنُوا بِٱلنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ ٱلنُّورِ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 12: 35 و36).

وهناك امتياز عظيم للمستنرين بيسوع، وهو أن كل الذين أنارهم نقلهم من العبودية إلى حرية أولاد الله. لأن المسيح أعطي من الله حكمة وبراً وفداء. وكلمة فداء كما وردت في لغة الإنجيل الأصلية تستعمل لتحرير العبيد. هكذا قال له المجد: «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ... لأَنَّهُ أَرْسَلَنِي لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِٱلإِطْلاَقِ وَلِلْعُمْيِ بِٱلْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ ٱلْمُنْسَحِقِينَ فِي ٱلْحُرِّيَّةِ» (الإنجيل بحسب لوقا 14: 18 و19).

والاستنارة بالمسيح، تقترن بالانتقال من الدينونة إلى الغفران. هكذا قال رب المجد: «مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِٱلَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 5: 24).

صحيح أنه كتب في الشريعة الإلهية: «أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ» (الرسالة إلى رومية 6: 23)، أي هلاك أبدي. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يستحق إلا الدينونة من الله. ولكن الله لأجل ذبيحة المسيح الكفارية يهب الغفران لكل من يؤمن، ولا يعود يعتبره مجرماً محكوماً عليه بالموت الأبدي. بل ينظر إليه كابن محبوب كان ضالاً فوجد وكان ميتاً فعاش.

ولسعادة البشر، إن الله في المسيح صار منقذاً لهم. والحامل له على إنقاذهم هو حبه الفائق بدليل قول المسيح: «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 3: 16). وهو ينقذنا من سلطان الظلمة، الذي لا يعني فقط قوة إبليس، بل المراد به كل الشر المقترن بالحال، التي صار إليها الإنسان بسبب الخطية الخاطئة جداً. ومن فرط حبه لنا، لم يكتف الله بتحريرينا من العبودية، بل جعلنا ورثة ملكوته المجيد، الذي سماه ملكوت ابن محبته. لأن المسيح أنشأه، وجعله موضوع حبه الخاص. ولأن فيه تجري محبة الله إلى قلوب المؤمنين بدليل قول الرسول يوحنا: «بِهٰذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِينَا: أَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ» (رسالة يوحنّا الأولى 4: 9).

وهنا يجب أن نذكر أننا لم نفد أنفسنا، بل المسيح فدانا. فدانا من الخطية التي هيجت غضب الله علينا. وفدانا من جرم الخطية وسلطتها وعقابها. نعم فدانا بدمه، إذ صار حمل الله، وقدم ذاته ذبيحة كفارية، لكي يرفع عنا خطايانا وهو لم يعرف خطية.

قال إشعياء النبي: «كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ» (إشعياء 53: 6). ولكن يسوع أخذ وظيفة الراعي الصالح، واقتاد التسعة والتسعين إلى المراح، ثم ذهب لأجل الخراف، التي تشتتت في يوم الغيم والضباب. فما وجد ضالاً إلا هداه إلى سبل البر، ولا مطروداً إلا استرده، ولا كسيراً إلا جبره، ولا جريحاً إلا عصبه. في ذراعيه حمل الحملان وقاد المرضعات.

الصلاة: نشكرك اللهم، لأنك غفرت خطايانا، وأهلتنا لنرث الحياة الأبدية. وأنرت عيون أذهاننا، لنعلم ما هو رجاء دعوتنا وما هو غناء الميراث الذي اشتراه المسيح لنا بموته الكفاري على الصليب. ونشكرك لأجل يسوع الراعي الصالح الذي ما زال يجول في البرية مفتشاً عن كل خروف ضال. كمِّل عملك في حياتنا بيسوع المسيح ربنا، آمين.

السؤال: 5 - ما هو ميراث القديسين في النور، وكيف يناله الإنسان؟

15 ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. 16 فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ ٱلْكُلُّ: مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. 17 اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ ٱلْكُلُّ.

حين كتب بولس رسالته إلى أهل كولوسي، لم تكن غايته تمضية الوقت، وإنما أراد التصدي لأفكار الغنوسيين التي انسربت إلى الكنيسة، والتي لا تتفق مع حقائق الإنجيل. والمعروف عن أهل البدعة، أنهم لم يكتفوا بالبساطة الكاملة للمسيحية. بل أرادوا أن يحولوها إلى فلسفة تحاكي الفلسفات اليونانية، التي اشتهرت في ذلك الوقت. وقد زعم أولئك المضلون أن يسوع ما هو إلا واحد بين عدد عديد من الوسطاء. وإنه مهما بلغ من المكانة لدى الله، فليس هو إلا إعلاناً جزئياً عن الله.

ويقول بولس رداً على هذه الضلالة إن يسوع هو صورة الله غير المنظور. وقد جاءت هذه العبارة في لغة الإنجيل الأصلية بمعنى صورة طبق الأصل. وحين استعمل بولس هذه الكلمة، أراد أن يقرر أن يسوع أظهر للإنسان ما لا يظهر إلا في الله الآب. وإننا لكي نعرف الله على حقيقته يجب أن ننظر إلى يسوع. فيسوع يظهر الله كاملاً للناس، هكذا قال المسيح لفيلبس: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هٰذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا ٱلآبَ؟» (الإنجيل بحسب يوحنا 14: 9).

وهذه الكلمة صورة الله التي وصف بها المسيح جاءت لتفسر لنا قول الإنجيل: «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 18). ونقرأ أيضاً في رسالة العبرانيين 1: 3 «ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ». وهذه الآيات تؤكد لنا أن المسيح كان قبل كل خليقة. وقد سمي صورة الله، وكلمة الله وابن الله.

ويسوع ليس فقط صورة تقريبية لله، ولا هو خلاصة موجزة عن الله. بل هو الإعلان الكامل والنهائي لله، ولسنا في حاجة إلى أكثر من ذلك.

ويقول الغناسيون إن عمل الخليقة، قام به إله أقل مرتبة من الإله (الحقيقي) وهو في نفس الوقت جاهل به، وعدو له. لذلك فند الرسول زعمهم هذا بقوله: «فإنه فيه خلق الكل». فكلمة بكر كل خليقة، لا تعني أن الابن كان جزءاً من الخليقة، وإنه أول من خلق ولكنه دعي هكذا، بياناً لكونه الأول في محبة الآب واعتباره، ولكونه فوق كل الخلائق في العظمة ووقت الوجود، بمعنى أنه الابن الأزلي. وهو بالنسبة لشعبه رئيس وملك ومخلص. والدليل على أزليته نراه واضحاً في كلمة الإنجيل: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰه» وهذه العبارات تظهر أنه واحد مع الله، بدليل قول الإنجيل: «وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 1). وهناك دليل صريح على أزليته في قول الرسول: «اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ» (الرسالة إلى كولوسي 1: 17)، وهذا متفق مع قوله: «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 8: 58). فكلمة بكر إذن لا تحمل معنى الزمن، ولكنها لقب للشرف والكرامة.

فيه خلق الكل، قال الرسول، بوحي من الله الذي قال أيضاً بفم يوحنا الإنجيلي: «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 3). ويسوع ليس خالقاً فقط، بل هو أيضاً الهدف والغاية من الخليقة. وهذا معناه أن الخليقة خلقت لكي تكون له، ولكي تعطيه المجد.

ويستعمل بولس تعبيراً جميلاً عن عظمة يسوع إذ يقول: «وَفِيهِ يَقُومُ ٱلْكُلُّ» (الرسالة إلى كولوسي 1: 17)، أي أن كل الخلائق تستمر في النظام، الذي خلقها عليه. فالحقيقة لولاه تلاشت، ورجعت إلى العدم. إنه هو حافظها، أو كما قال الرسول إنه «حَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ» (الرسالة إلى العبرانيين 1: 3). وبهذا يفند الرسول زعم الغنوسيين بأن حافظ العالم قوة إلهية، أصغر من القوة التي خلقته. وفي تعبير آخر، إن الابن هو علة الخليقة من البداءة، وهو هدفها في النهاية. وبين البداءة والنهاية يمسك الابن بالعالم، ويجعله متماسكاً معاً. أو كما قال أحد الأتقياء، إنه وضع قوانين جعلت الكون موثوقاً به، يسير بانتظام عجيب، يعجز العقل البشري أن يدرك أسراره، ولكنه يبقى شاهداً لمجد الله. هكذا نقرأ في المزمور 19: 1 «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ». وهذا هو عقل الله المدبر، الذي جعل للكون معنى جميلاً. وبفضل هذا العقل الإلهي، يرتبط هذا الكون معاً، ويسير في اتساق وانتظام، ولا يدع مجالاً للفوضى.

فهلا تأملت في ما كتبه الرسول الملهم عن أمجاد الابن، الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء! الذي كوّن العالمين ما في السموات وما على الأرض. فهو أعظم من جميع المخلقوات بما لا يقاس. علّ التأمل في أمجاده يحملك على السجود له، والتمتع بسلامه، الذي يفوق كل عقل منذ الآن. وفي النهاية يعطيك الحياة الأبدية.

الصلاة: أشكرك اللهم، لأجل إعلاناتك لنا في المسيح، الذي صار لنا حكمة وبراً وفداء. نشكرك لأن هذا الفادي العظيم، أعلن لنا صفاتك في القدرة والمحبة. وأعطانا الروح القدس، معزياً ومرشداً إلى جميع الحق. وقد أرشدنا إلى المخلص الرب، لنطلبه بالإيمان ونقبل الخلاص من يمينه، آمين.

السؤال: 6 - ما هي الصفات والألقاب والكرامات التي رآها الرسول في يسوع المسيح؟

18 وَهُوَ رَأْسُ ٱلْجَسَدِ: ٱلْكَنِيسَةِ. ٱلَّذِي هُوَ ٱلْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّماً فِي كُلِّ شَيْءٍ. 19 لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ ٱلْمِلْءِ، 20 وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ ٱلْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً ٱلصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى ٱلأَرْضِ أَمْ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ.

في هذه الآيات يضع الرسول بولس أمام أعيننا مقام المسيح بالنسبة للكنيسة، التي هي خليقته الروحية الجديدة، وفي هلتها يوضح لنا أربع حقائق مهمة جداً، عن يسوع المسيح في صلته بالكنيسة:

  1. هو رأس الجسد الكنيسة. وهذا يعني أن الكنيسة هي الكائن الحي، الذي يعمل المسيح بواسطته، والذي يشارك المسيح في حياته كما يحق لله. وكما أن الجسد البشري في حد ذاته لا قوة له. وهو بدون الرأس ميت، هكذا يسوع هو الروح المرشد والموجه للكنيسة. ولا يجب أن يكون كل قول أو عمل للكنيسة إلا بإرشاد وسلطان المسيح. وقد عرف بالاختبار أن الكنيسة بدون المسيح لا تستطيع أن تفكر التفكير الحق، ولا تقدر أن تعمل العمل الصحيح وبدون المسيح، لا تستطيع معرفة الطريق المؤدي إلى الحياة الأبدية.

    وأي امتياز أعظم من هذا، أن يكون المسيح، الذي هو صورة الله رأس الكنيسة، ومصدر حياتها ونموها، وحاضر معها على الدوام؟ ويحبها كما يحب الإنسان جسده. وقد قال بولس هذا ليزيل ضلالات المعلمين الكاذبين، الذين نسبوا رئاسة الكنيسة إلى الملائكة، وإلى من جاورهم في القرب من حاضرة الله.

  2. هو البداءة أي بداءة الكنيسة، التي هي جزء من الكل الذي خلقه، وفقاً لما جاء في الآية السادسة. وليس المعنى هنا أن المسيح كان قبل الكنيسة فقط، بل إنه هو أبدعها، وهو مصدر حياتها، وهو رئيس خلاصها.

    ونفهم فكر بولس أكثر، عندما نذكر ما قاله عن العالم باعتباره خليقة المسيح. والكنيسة سُميت خليقة المسيح الجديدة، لأنه ولدها ثانية بالماء والكلمة. وباختصار أن يسوع المسيح هو ينبوع حياة الكنيسة وكيانها والموّجه لنشاطها المتواصل المستمر.

  3. بكر من الأموات. والمعنى أنه أول ما قام من الأموات لكي لا يموت أيضاً. فالرسول يعود بنا هنا إلى الحادث العجيب الذي هو قمة التاريخ. أي القيامة التي كانت مركز تفكير واعتقاد التاريخ. فالمسيح هو شخص قام من الأموات وهي حي إلى أبد الآبدين. وكم يجب أن نشكر الله لأن رجاءنا موضوع على إله حي، لم يستطع القبر أن يمسكه. فهو حي نلتقي به كل يوم، ونختبر حضوره الدائم معنا. ولنا الفرح بأن نقول إن مسيحنا ليس بطلاً ميتاً ولا هو مؤسس ديانة مضى عليها الزمان بل هو حي فينا وفقاً لقوله: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 14: 19).

    ولسعادة المؤمنين أن يسوع المقام هو عربون قيامتهم، ولهذا سمي «باكورة الراقدين» وقال هو نفسه «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 11: 25) وله شهد الرسل بأنه «أَبْطَلَ ٱلْمَوْتَ وَأَنَارَ ٱلْحَيَاةَ وَٱلْخُلُودَ» (الرسالة الثانية إلى تيموثاوس 1: 10).

  4. هو متقدم في كل شيء. هذا هو القصد الإلهي، أن يكون يسوع القائم من الأموات هو رأس الكنيسة، متقدماً في كل شيء. وقد أبان الرسول هذا الأمر في رسالته إلى الفيلبيين، إذ قال: «لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ» (الرسالة إلى فيلبي 2: 9). فهو أعظم من كل كنيسة، كما أنه أعظم من كل الخليقة.

  5. فيه سر أن يحل كل الملء. هذه الآية هي برهان على أن رئاسة المسيح مطلقة، وفاقاً لمسرّة الله بأن يحل فيه كل ملء اللاهوت. والمراد بالملء كل الصفات الإلهية، من عظمة وحكمة وقداسة وسطلة وقدرة ومجد ونعمة للكنيسة. والحلول هنا يعني السكنى المستمرة لا النزول الوقتي. وإنه لواضح أنه لا يمكن أن يحل في المسيح كل صفات الله، إن لم يكن هو صورة الله غير المنظور. لذلك وجب أن يحل في المسيح كل صفات الله. ولذلك وجب أن يحل فيه كل الملء، لكي يخلق الكل ويفدي شعبه ويقي كنيسته من أعدائها. ولولا ذلك التسحالت مصالحة الكنيسة مع الله ونجاتها من الهلاك.

  6. أن يصالح به الكل لنفسه. فهو واسطة الفداء، وقد فدى الكل بدم صليبه. وقد أوضح الرسول هذه المصالحة في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس، إذ قال إن الله كان في المسيح يسوع مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم. ونفهم من هذه الآيات البيّنات إن غرض المسيح من مجيئه هو المصالحة، بمعنى أن المبادرة في المصالحة كانت من الله. وهذا برهان على أن موقف الله من الإنسان، كان وما زال موقف المحبة. وشعوراً بهذه الحقيقة قال الرسول يوحنّا: «نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً» (رسالة يوحنّا الأولى 4: 19) فعمل المسيح في الفداء حوّل غضب الله إلى محبة.

فمما تقدم يمكنك أن تثق في محبة الله، التي تنتظرك لتقبل هذه المصالحة فتنال غفران الخطايا، إكراماً لدم المسيح، الذي أريق على الصليب. ولا غرو بذلك فدم حمل الله، هو القوة المحركة في المصالحة. واذكر ما قاله الرسول الكريم في رسالته إلى رومية 8: 32 «اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟».

هل فكرت في محبة الله لك، إلى أي مدى ذهبت؟ وهل رسخ في ذهنك أن قصد الله الوحيد أن يصالح كل إنسان لنفسه في يسوع المسيح؟ وأن الواسطة ما زالت قائمة وبوسعك الآن إذا شئت أن تتصالح مع الله؟!

الصلاة: أيها الآب القدوس، نعظم اسمك الكريم لأجل حبك الغني بالرحمة وكل لطف. ونشكرك لأجل هذا الحب العجيب، الذي شاء أن يصالحنا نحن الأشرار ويقربنا إليك بدم ابنك الحبيب، الذي قدّم نفسه فدية عنا. افتح أعين الأذهان في عالمنا هذا لكي يرى الناس مجدك في خلاصك بالصليب، ويقبل كل إنسان ما هو لسلامه آمين.

السؤال: 7 - ما هو مقام المسيح بالنسبة للكنيسة؟

21 وَأَنْتُمُ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي ٱلْفِكْرِ، فِي ٱلأَعْمَالِ ٱلشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ ٱلآنَ 22 فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِٱلْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ، 23 إِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى ٱلإِيمَانِ، مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ ٱلإِنْجِيلِ، ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ، ٱلْمَكْرُوزِ بِهِ فِي كُلِّ ٱلْخَلِيقَةِ ٱلَّتِي تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، ٱلَّذِي صِرْتُ أَنَا بُولُسَ خَادِماً لَهُ.

تكلم الرسول قبلاً في المصالحة بوجه عام، أما في هذه العبارات فتكلم بالنظر إلى تأثيرها في مؤمني كولوسي خاصة، مبيناً أن هذه المصالحة هي القداسة. فيسوع عمل الصلح بدم صليبه، لكي يحضرنا إلى الله قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. قد يشوّه بعضهم الحقيقية ويحرّفون فكرة محبة الله، ويسهل عليهم أن يقولوا: حسناً إن كان الله يحبنا بهذا المقدار، وإن كان لا يريد منا شيئاً إلا المصالحة معه، فالخطية إذن ليست أمراً مهماً. لذلك نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا، واثقين أن الله لن يكف عن محبتنا. هذا ضلال صارخ! لأن محبة الله للإنسان ليس معناها التحرر من قيود «ٱلْقَدَاسَةَ ٱلَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ ٱلرَّبَّ» (الرسالة إلى العبرانيين 12: 14). على العكس إن محبة الله تضع على الإنسان مسؤولية ضخمة، وهي الحياة كما يحق لهذه المحبة في البر وقداسة الحق. وفي تعبير آخر إن محبة الله تحرض المؤمن لكي يطيع الوصية القائلة: «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ» (رسالة بطرس الأولى 1: 15).

ويشاء الرسول تذكير الكولوسيين بالحال، التي كانوا عليها قبل أن يعرفوا المسيح: كنتم أصلاً من الأمم، بدون المسيح الفادي الوحيد ووسيط الصلح الفريد بين الله والناس. كنتم أجنبيين عن جماعة الله، بعيدين عن المواعيد التي أعطيت به للحياة الأبدية. وهذا الوضع جعلكم ليس غرباء فقط، بل أعداء في الفكر، أي أن أفكارهم كانت مركز الشر والعداوة.

هذه حالة كل إنسان بدون المسيح. إنه عدو في الفكر والأعمال الشريرة، التي هي ثمار القلب الشرير، وفقاً لقول المسيح: «ٱلإِنْسَانُ ٱلشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ ٱلشِّرِّيرِ يُخْرِجُ ٱلشَّرَّ» (الإنجيل بحسب لوقا 6: 45). ولكن الشكر لله لأجل كلمة المسيح، التي تنقي القلب وتجعله بحسب قلب الله.

ولكن يجب أن تعلم أن المصالحة مع الله، تضع عليك التزام الثبات والرسوخ في الإيمان، لكيلا تفقد رجاء الإنجيل. وكذلك المصالحة تتطلب منك الولاء لله، وتستلزمك الثقة في محبة الله، سواء كانت في ضوء الشمس المشرقة، أو في الظلال القاتمة.

والجدير بالملاحظة هو أن المصالحة مع الله، تمّت في جسم بشرية المسيح. ويبدو أن الرسول استعمل هذه العبارة دفعاً لتعليم الغنوسيين. القائل إن المصالحة هو عمل الملائكة، أو غيرهم من المخلوقات، التي ليس لها أجساد. وقد وضع خطاً بارزاً تحت كلمة «جسم بشريته». لكي يؤكد حقيقة ناسوت المسيح. لأنه لو لم يتخذ جسم البشرية، لما كان في وسعه أن يتألم، بالتالي يصير ذبيحة كفارية كما أوضح في مكان آخر لاهوته، لأنه لولا لاهوت المسيح، لم تكن قيمة لموته.

هل أدركت الآن أن المسيح، من أجلك صار ذبيحة كفارية، لكي يتيح لك منذ الآن امتياز التبرير بدمه الكريم، وبالتالي قبول الروح القدس، الذي يقدسك ويحضرك قدام الله بلا لوم ولا شكوى. أي أن المسيح إن قبلته مخلصاً، تنال باسمه غفران الخطايا، فتسقط عنك شكوى الناموس، الذي خالفته. لأن المسيح أوفى كل مطاليبه نيابة عنك. وتسقط عنك شكوى ضميرك الذي خالفته لأن الروح القدس ينشئ السلام في قلبك.

في الآية الثالثة والعشرين، بيّن الرسول للكولوسيين مسؤوليتهم تجاه الخلاص، فيجب أن يكونوا ثابتين في إيمان الإنجيل ورجائه. والثبات في إيمان الإنجيل، هو شرط أساسي لإحضارهم إلى الله قديسين وبلا لوم. ويجب أن يبنوا حياتهم على أساس كلمة الله، وفقاً للقول الرسولي: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لِإِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ». هذه الحقيقة أعلنت لداود في القديم فكتب لنا عبارته الخالدة: «بِمَ يُزَكِّي ٱلشَّابُّ طَرِيقَهُ؟ بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ» (مزمور 119: 9).

ويحذّر الرسول المؤمنين من قبول تعاليم المعلمين الكذبة، الذين يحاولون سبيهم بغرور الفلسفة العالمية والشهوات الجسدية، لئلا تبعدهم عن رجاء الإنجيل ولا سيما الخلاص بدم المسيح، فيخسرون ثباتهم.

الصلاة: اللهم أبانا السماوي نرفع إليك شكرنا القلبي من أجل دعوتك المقدسة، التي دعوتنا بها لنسلك في النور ونحيا في البر. نحن ليس لنا بر، ولكن نشكرك لأجل برّك الذي في المسيح. الذي تريد أن تهبه للناس، ألهم الجميع أن يتعقلوا ويقبلوا هذا البر المجاني، واعطنا أن نثبت في إيمان الإنجيل ورجائه الحي في يسوع الفادي والمخلص آمين.

السؤال: 8 - ما هي الحال التي كان عليها الكولوسيون قبل أن يعرفوا المسيح، ويقبلوا خلاصه؟

24 ٱلَّذِي ٱلآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ ٱلْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ: ٱلَّذِي هُوَ ٱلْكَنِيسَةُ، 25 ٱلَّتِي صِرْتُ أَنَا خَادِماً لَهَا، حَسَبَ تَدْبِيرِ ٱللّٰهِ ٱلْمُعْطَى لِي لأَجْلِكُمْ، لِتَتْمِيمِ كَلِمَةِ ٱللّٰهِ. 26 ٱلسِّرِّ ٱلْمَكْتُومِ مُنْذُ ٱلدُّهُورِ وَمُنْذُ ٱلأَجْيَالِ، لٰكِنَّهُ ٱلآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ، 27 ٱلَّذِينَ أَرَادَ ٱللّٰهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هٰذَا ٱلسِّرِّ فِي ٱلأُمَمِ، ٱلَّذِي هُوَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ ٱلْمَجْدِ.

حين كتب بولس هذه الرسالة كان مسجوناً في رومية، ويده مربوطة إلى يد عسكري روماني. وقد بدأ هذا الفصل بفكر جريء إنه رأى في سجنه وآلامه تكميلاً لنقائص شدائد يسوع المسيح. تخبرنا الكتابة المقدسة أن المسيح مات على الصليب، لكي يخلّص كنيسته، وقد خلّصها فعلاً. لكن الكنيسة في حاجة إلى الامتداد، ويجب أن تكون مقدسة لا عيب فيها ولا غضن. ولهذا فالرسول الذي خدم الكنيسة وعمل بكل قوة لتثبيتها وحفظها من الوقوع في الأخطاء، حسب نفسه عاملاً عمل المسيح. والواقع بما أن خدمة الرسول اقتضته الألم والتضحية والاضطهاد، فإن هذه النوازل الشديدة، تعتبر مكملة لآلام المسيح نفسه. ويقيناً أن الألم في خدمة المسيح ليس قصاصاً ولا مضاضة، إنه امتياز وشرف لأنه اشتراك في عمل المسيح.

في رسالته إلى أهل فيلبي قال بولس: «لأَعْرِفَهُ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ» (الرسالة إلى فيلبي 3: 10)، فهل تحاول اتباع خطوات الرسول الكريم في معرفة المسيح، في آلامه من أجلك؟ وكانت وصية بطرس للمؤمنين في الشتات أن يعرفوا المسيح المتألم، وأن يتخذوا من الألم لأجله سلاحاً فعالاً ضد الخطية، والتخلُّص من شهوات الجسد والعيش وفقاً لمشيئة الله.

والحقيقة أن عظمة محبة الرسل ليسوع، حملتهم على أن يفرحوا بأن اذن لهم أن يشتركوا في آلام المسيح. ويخبرنا لوقا الطبيب أن الرسل فرحوا لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسم يسوع.

ثم يضع بولس أمامنا جوهر الخدمة، التي سلّمت له من الرب يسوع، وهي خدمة كنيسة المسيح، التي تنادي بالإنجيل وتشهد له بسلوكها واحتمال الشدائد من أجله. وقد كشف أحد الأسرار حين صرّح بأن خدمة الإنجيل أُسندت له بتدبير من الله، الذي وهب له النعمة والسلطان لنشر الإنجيل. فتمم أمر المسيح: «ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ أَجْمَعَ وَٱكْرِزُوا بِٱلإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا»(الإنجيل بحسب مرقس 16: 15). وفي إكمال هذا الأمر، قال الرسول: «قَدْ أَكْمَلْتُ ٱلتَّبْشِيرَ بِإِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ» (الرسالة إلى رومية 15: 19).

أما السر الذي كان مكتوماً وأشار إليه الرسول فهو إن مجد رجاء الإنجيل ليس لليهود فقط، بل هو أيضاً لكل إنسان. وهذه خدمة جليلة أسداها بولس للإيمان المسيحي، بتقديم المسيح إلى الأمم. وهدم الفكرة القائلة بأن الله ومحبته ورحمته ملك لشعب واحد. لقد جابه اليهود بهذا الإعلان العظيم، إن المسيح هو لجميع بني البشر. وفي يقيني أنه لولا بولس لصارت المسيحية يهودية جديدة تعترف بيسوع، ولكان محرماً علينا أن نعتنقها إن لم نتهود.

ولكن الله كما قال الرسول، إنه بنعمته شاء أن يدخل الأمم مباشرة إلى بيت الله، ويجعلهم شركاء في الميراث السماوي. وكان ذلك من أعظم معلنات نعمة الله للعالم. لأنهم كانوا متوغلين في أودية الظلام والإثم. حتى لم يكن من رجاء لإنارة ذهنهم ونجاتهم. وكم يجب أن نشكر الرب الإله، الذي أظهر أن جوهر غنى مجده هو أن المسيح يسكن في قلوب المؤمنين، فيتحدون به بواسطة النعمة، ويصير فيهم رجاء المجد.

هذا هو التعليم الذي نادى به بولس، خلافاً للمعلمين الكذبة الذين حذّر الكولوسيين منهم. والواقع أن يسوع الفادي كان الموضوع الرئيسي لوعظ الرسول. ويدل علىذلك قوله: «إِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي ٱلْمَسِيحِ... فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هٰذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ... لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً» (الرسالة إلى فيلبي 2: 1 و5 ورسالة كورنثوس الأولى 2: 2).

ولا ريب أن الرسول أراد أن يترسخ فيهم فكر المسيح الذي جاء من الله معلماً، ولكنه ذهب في تواضعه إلى حد وضع النفس لأجل خلاص البشر. فهل تحذو حذو الرسول، فتحمل نير المسيح عليك، وتتعلم منه درس التواضع؟ إن فعلت فطوباك، لأن نير المسيح هين يعطي راحة للذين يحملونه.

قد يكون أبناء هذا الدهر حكماء في أمور كثيرة، ولكن حكمتهم لا تستطيع أن توجد لهم وسيلة الخلاص. هذه الوسيلة دبرتها حكمة الله بتجسد يسوع، الذي قال الرسول في موضع آخر، إنه أعطى لنا من الله حكمة وبراً وفداء. وهذه الحكمة أعطيت للرسول الكريم لكي يكرز بإنجيل الصليب الذي حسبه العالم جهالة، ولكنه صار بالنسبة للمؤمنين حكمة الله وقوة الله.

الصلاة: أيها السيد الرب، أنر قلوبنا لندرك مجدك في آلام يسوع المسيح الذي مات عنا، لكي يرفع خطايانا. أعطنا المحبة التي تصبر على كل شيء، وتحتمل وترجو كل شيء، حتى نحتمل الآلام مجداً للفادي، وشهادة لعمل نعمته آمين.

السؤال: 9 - ما هو السر المكتوم، الذي أشار إليه بولس في الآية 26؟

28 ٱلَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. 29 ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي لأَجْلِهِ أَتْعَبُ أَيْضاً مُجَاهِداً، بِحَسَبِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ.

في الآية 28 أبان الرسول موضوع تعليمه وتعليم رفقائه، وهو المسيح وإنجيله، الذي يختلف عن التعاليم المضلّة التي انتشرت في ذلك الزمن، والتي كانت خليطاً من الفلسفة اليونانية والأوهام اليهودية. أما تعاليم بولس ورفقائه فمحورها المسيح، وكلام الله عنه في العهد القديم والعهد الجديد. وهو المشار إليه بالرموز اليهودية ونبوات الأنبياء. كما أنه موضوع تاريخ الإنجيل وتعاليم الرسل.

ويتلخص تعليم بولس وزملائه بالمناداة، بأن يسوع ابن الله وابن الإنسان. وإنه هو الذي أعلن للناس كل ما يحتاجون إلى معرفته من صفات الله، وطريق الخلاص من الخطية والموت. وقد حرصوا على تحذير كل إنسان من التجارب والضلالات التي هم عرضة للسقوط فيها. وذلك تمشياً مع أمر المسيح اليومي لبولس: « أَنَا ٱلآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ ٱلشَّيْطَانِ إِلَى ٱللّٰهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِٱلإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا وَنَصِيباً مَعَ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (أعمال الرسل 26: 17 و18).

ولا ريب في أن المتتبع تعاليم بولس، يرى أن الرسول المغبوط كان بشيراً بالحق الذي في الإنجيل ونذيراً ومعلماً. وقد علّم الحق فعلاً، وراعي جانب الحكمة كما أر يسوع تلاميذه حين قال: «كُونُوا حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّاتِ» (الإنجيل بحسب متّى 10: 16).

ويوضح الرسول أن هدفه كان وضع كل إنسان يلتقي به في طريق هذا الحق الإنجيلي، الذي آمن به وكرّس حياته لأجل نشره في العالم. حتى يصبح كل إنسان مسؤولاً عن خلاص نفسه. فيصغي إلى الإنذار والتعليم، ويطلب الكمال في المعرفة والقداسة وسائر الفضائل الروحية. وهذا لا يمكن إلا للذين اتحدوا بالمسيح، والمسيح اقتادهم بروحه «إِلَى وَحْدَانِيَّةِ ٱلإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ ٱلْمَسِيحِ» (الرسالة إلى أفسس 4: 13)

هل تريد إحضار كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع، كان موضوعاً لاهتمام الرسول. ولأجله تعب وجاهد، كما أبان في قوله «فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي ٱضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ» (رسالة كورنثوس الثانية 6: 4 و5).

فبولس لم يكتف بالمناداة، بل تعب في جعلها فاعلة ومثمرة. وكان شديد المحبة والرغبة في تكميل المؤمنين. ولهذا كان يصرف أوقاتاً طويلة في الصلاة من أجل انتشار حق الإنجيل وتثبيت المؤمنين. وقد أعطانا صورة من جهاده بقوله للغلاطيين: «يَا أَوْلاَدِي ٱلَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضاً إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ» (الرسالة إلى غلاطية 4: 19).

ولعل الرسول الكريم أخذ المثال في جهاده بالصلاة عن الرب يسوع، حين جاهد في جثسيماني، إذ يقول الإنجيل إنه «كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ» (الإنجيل بحسب لوقا 22: 44).

ويشهد لنا الرسول أن الله أيّده وسانده في أتعابه بقوة، حسبما له حق أن ينتظر تلك القوة من المسيح، وفقاً لوعده الإلهي. ونفهم من الآية أن بولس لم يستند البتة على قوة نفسه بل كان يستمد القوة من الرب مرسله بدليل قوله: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَوِّينِي» (الرسالة إلى فيلبي 4: 13).

ولا بد للمتأمل في أقوال بولس وسيرته، أن يرى إشارة إلى النعمة الخاصة، التي أعطيت له، باعتبار كونه رسول الأمم. وقد ذكر هذا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، إذ قال: «بِنِعْمَةِ ٱللّٰهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ ٱلْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلٰكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي مَعِي» (رسالة كورنثوس الأولى 15: 10).

إن اختبار الرسول هنا، يذكرك بأن الباب قد فتح لك لأخبار الإنجيل السارة، التي تظهر محبة الله في المسيح، والقوة المغيرة التي تستطيع أن تعطي القداسة للحياة. وهذا الامتياز يضع عليك ضرورة إذاعة هذا الخبر السار في محيطك.

الصلاة: أبانا الذي في السموات، إننا نشكرك لأجل إعلاناتك بالمسيح، ولأجل محبتك الغنية باللطف، التي تغفر ذنوبنا وتستر آثامنا. ونشكرك لأجل حياة رسلك الأمناء، التي تركت لنا مثالاً لكي نتبع خطواتهم، في الغيرة على النفوس الضالة لردها إلى سبل البر. ارحم هذه النفوس انسجاماً مع رأفتك آمين.

السؤال: 10 - ما هو الأسلوب الذي اتبعه بولس في إنذار الناس، واقتيادهم إلى الكمال في المسيح؟

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي

1 فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّ جِهَادٍ لِي لأَجْلِكُمْ، وَلأَجْلِ ٱلَّذِينَ فِي لاَوُدِكِيَّةَ، وَجَمِيعِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَرَوْا وَجْهِي فِي ٱلْجَسَدِ، 2 لِكَيْ تَتَعَزَّى قُلُوبُهُمْ مُقْتَرِنَةً فِي ٱلْمَحَبَّةِ لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ ٱلْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ ٱللّٰهِ ٱلآبِ وَٱلْمَسِيحِ، 3 ٱلْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْعِلْمِ.

في هذه الآيات المجيدة يظهر لنا قلب بولس المفعم بالحب من أجل المؤمنين. إنه يجوز جهاداً عظيماً من أجل المسيحيين حتى الذين لم يرهم وجهاً لوجه من أهل لاودكية، الذي كانوا في خطر الضلال ولهذا جاهد.

وكلمة جهاد التي استعملها الرسول هنا، تحمل أيضاً معنى الكرب الشديد. وهذا يدل على أنه كافح شديداً من أجل الذين يحبهم، ويفكر فيهم بالرغم من قيوده في سجن رومية، وهو يتوقع المحاكمة التي قد تنتهي بالموت. فبأية صورة كان جهاده؟

كان جهاد صلاة، ولعله كان بدافع من شوقه الشديد إلى زيارة كولوسي. حيث كانت رغبته ملحة للوقوف في وجه المعلمين المضلين، ويفند آراؤهم دفاعاً عن الإيمان المسلّم للقديسين. ولكن هذا السجن الذي احتجزه، بحيث لم يبق لديه من وسيلة إلا الصلاة، ولأجل هذا اتخذت صلاته شكل الجهاد، لأجل الذي منعته القيود من الذهاب إليهم.

وكان عليه أن يجاهد أيضاً من أجل نفسه، لأنه كان ينتظر المحاكمة أمام نيرون الطاغية، ويتوقع أن يطيح هذا الظالم برأسه، فيما كان ذهنه مملوءاً بالمشاريع من أجل نشر الإنجيل.

كان من السهل عليه أن يتخلى عن حق الإنجيل حباً في البقاء، ولكن بولس كان أميناً حتى الموت. والأمانة عززت شجاعته، ليقف ويشهد للحق أمام عظماء رومية. وفوق هذا فإن بولس كان يعلم أن أي تخاذل من قبله، كان سيؤدي إلى ضياع المؤمنين في كولوسي وغيرها من الكنائس. لذلك لم يكن جهاده من أجل نفسه فقط، بل أيضاً من أجل أولئك الذين اعتبروه قائداً وأباً لهم في الإيمان.

ونحن نحسن صنعاً إذا ذكرنا عند اتخاذ أي موقف لنا في حياتنا، إن هناك أناساً يرمقوننا بحيث يتحتم علينا، أن نلاحظ سيرتنا، ونجاهد بقوة من أجل تجنيبهم العثرات، عالمين أن كرامة المسيح بين أيدينا.

ونلاحظ أن بولس حذا حذو يسوع حين بدا يعزي تلاميذه وهو مزمع أن يفارقهم. واستهل خطابه بالقول: «لا تضطرب قلوبكم». والتعزية من هذا النوع ليس فقط تدخل السلوان إلى القلب بل تقوي أيضاً الإيمان بالإنجيل، وفقاً لقوله لأهل رومية: «لِنَتَعَزَّى بَيْنَكُمْ بِٱلإِيمَانِ ٱلَّذِي فِينَا جَمِيعاً، إِيمَانِكُمْ وَإِيمَانِي» (رومية 1: 12). وقد قرن الرسول التعزية بالمحبة لأن المحبة رباط الكمال، وهي شرط الاتحاد. والكنيسة أو المؤسسة التي يبني أفرادها على المحبة، يتشدد رجاؤهم ويقاومون الضلال.

ونرى أن الرسول أراد أن يحلّق المؤمنون في أجواء الإعلان، حتى يتيقنوا أن سرّ الله الآب ليس سوى سرّ المسيح. وإن سّر المسيح ليس سوى سرّ الله الآب، بدليل أن جوهر الآب والابن واحد. فلولا مجيء يسوع في الجسد، لبقي الله بالنسبة لنا ذلك الإله المحتجب. ولكن لسعادتنا أنه أعلن بالمسيح، المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم الصحيح. وإنما هذه الكنوز مخفاة عن العقول الدنيوية مهما كان فهمها غزيراً ومعلنة لمن فتح الله عيون قلوبهم، مهما كانوا بسطاء بدليل قول المسيح: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ» (الإنجيل بحسب متّى 11: 25) ونلاحظ هنا أن المسيح لم يشكر أباه لأنه أخفى الحق عن بعض الناس، بل شكر على أنه أظهره للأطفال.

وقد عبّر الرسول عن فوائد الحكمة الروحية «بالكنوز» بياناً لقيمتها العظيمة لنفس الإنسان، إذ هي تؤكد له الخلاص من الخطية والموت، وتجعله سيداً إلى الأبد في السماء. وعلى هذا شبه يسوع ملكوت المسوات بكنز مخفي (الإنجيل بحسب متّى 13: 44).

هل عرفت يا أخي أن في ملكوت السموات فقط الغنى الحقيقي، لأن فيه رضى الله والحياة الأبدية، والميراث، الذي لا يفنى، ولا يتدنس ولا يضمحل. وهذا وحده يشبع نفس الإنسان؟ وأفضل ما في الكنز السماوي، «ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْعِلْمِ» (الرسالة إلى كولوسي 2: 3) فليتك تسارع إلى اقتناء هذا الكنز الثمين، متمثلاً بذلك التاجر الحكيم، الذي لما وجد لؤلؤة ثمينة، مضى وباع كل ما كان له واشتراها.

الصلاة: اللهم، لك الشكر والتعظيم، من أجل بركاتك المذخرة لنا في المسيح يسوع ربنا. نحن لا نستطيع أن نرد لك حسناتك. ولكن يطيب لنا أن نشكرك من أجل الفادي المحب، الذي حصل لنا الرضى. فثبتنا في هذا الرضى وليكن لك المجد في حياتنا إلى المنتهى آمين.

السؤال: 11 - كيف تجلّت محبة الرسول بولس من أجل المؤمنين؟

4 وَإِنَّمَا أَقُولُ هٰذَا لِئَلاَّ يَخْدَعَكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ مَلِقٍ، 5 فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ غَائِباً فِي ٱلْجَسَدِ لٰكِنِّي مَعَكُمْ فِي ٱلرُّوحِ، فَرِحاً، وَنَاظِراً تَرْتِيبَكُمْ وَمَتَانَةَ إِيمَانِكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ. 6 فَكَمَا قَبِلْتُمُ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ ٱلرَّبَّ ٱسْلُكُوا فِيهِ. 7 مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ، وَمُوَطَّدِينَ فِي ٱلإِيمَانِ، كَمَا عُلِّمْتُمْ، مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِٱلشُّكْرِ.

يبدأ الرسول الكريم هذا الفصل بتحذير الكولوسيين من الانقياد بخداع المعلمين الكذبة، الذي كانوا عرضة له، بغية أن ينقذهم من الخطر الذي كان يتربص بهم.

الواقع أنه من علامات الكنيسة الأمينة، أن تكون لها القدرة على مقاومة التعاليم المضلة، بحيث لا يقدر المبدعون أن يخدعوها بكلام التملق والمداهنة. ولعل الرسول أراد أن لا يؤخذ المؤمنون بأسرار أخرى وحكمة أخرى، وتكون النتيجة حملهم على مطاوعات ليست من الله الذي دعاهم والقصد منها التضليل. وغير ذلك من التعاليم التي تتعارض مع التعليم الذي كرز به الرسول، بدليل قوله: «وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ ٱلْحِكْمَةِ ٱلإِنْسَانِيَّةِ ٱلْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ ٱلرُّوحِ وَٱلْقُوَّةِ» (رسالة كورنثوس الأولى 2: 4).

المعروف بين الناس، أنه إذا غاب أحد عن غيره، يحرّر نفسه من كل مسؤولية تجاهه. ولكن الرسول بولس حقق للكولوسيين أن بعده عنهم لم يحمله على أن يغفل عنهم البتة. بل كان معهم في الأفكار وحاملاً إياهم في صلواته أمام الرب الإله. بمعنى أنه كان يسهر عليهم، كأنه حاضر معهم، ولا يفتأ يسأل عنهم ويجاهد من أجلهم لكي يعتبروه كأنه ناظر إليهم بسلطة رسول المسيح، الأمر الذي من شأنه أن يثبتهم ويمنحهم القوة لمقاومة المضلين.

ولا شك في أن الرسول سمع من أبفراس أنباء سارة عن حسن تصرفهم في الأمور الروحية، وإدارة الكنيسة بترتيب يدل على أنها ثابتة في المسيح الذي جعلته مصدر حياتها.

ويذكر الرسول الكنيسة بالماضي السعيد، حين المسيح يسوع الرب خلّصهم مشيراً إلى تمسكهم بالمسيح نفسه، باعتبار كونه حياً وحاضراً معهم، وإنهم متحدون به بالإيمان. وإنه لامتياز عظيم أنهم قبلوا ابن الله وجعلوه ملكهم وربهم ومخلصهم الوحيد ومصدر حياتهم الجديدة.

ومن هنا انطلق الرسول فأهاب بهم أن لا يتوقفوا عند حد قبول المسيح، بل أن يسلكوا فيه أيضاً، عاملين بمقتضى سيرته، وناظرين إليه كمثال في السلوك، كأولاد أحباء نظروا إليه واستناروا ولعله شدّد على هذه الناحية، لكي يثبتوا ضد فساد المضللين، ولا يتحولوا عن الإنجيل الذي بشروا به إلى تعليم آخر.

من علامات الكنيسة الأمينة أن تتمسك بالإيمان الذي تسلمته فلا تنسى التعليم الذي قبلته عن المسيح الفادي والمخلّص، والذي يرتكز على الحق الذي لا يعتبر، ولا يقبل التغيير. وهو أن يسوع المسيح، هو الله الذي ظهر في الجسد.

هل قبلت هذا الحق؟ إن كان نعم فطوباك، لأن «كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 12).

ومن علامات الكنيسة الأمينة، أن تكون متأصلة ومتأسسة في محبة المسيح، «لأَنَّ ٱلْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ وَيَعْرِفُ ٱللّٰهَ» (رسالة يوحنّا الأولى 4: 7).

أثبت فيه فتحصل على امتياز الصلاة المقتدرة كثيراً في فعلها. أثبت في كلامه فتعرف الحق، والحق يحررك من أوهام التعاليم المضلة، التي كثرت في زمننا، وأوقعت الكثيرين في الفسق والإلحاد، وكل أمر رديء.

ومن علامات الكنيسة الأمينة، امتلاؤها بروح الشكر. الشكر المتزايد والمتفاضل كل يوم. إن تقديم الشكر هو النغمة الأصلية في لحن الحياة المسيحية. ولا ريب أن تقديم الشكر هو من امتيازات السلوك المسيحي، وأجمل ألوان الشكر ما كان في الأعمال. ولعل أجمل ما قاله الرسول في موضوع الشكر، هو ما قاله لأفسسيين: «شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي ٱسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، لِلّٰهِ وَٱلآبِ» (الرسالة إلى أفسس 5: 20).

كن شكوراً لله مصدر البركات الروحية، مهتماً بكل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر على ما حصلت عليه من بركات، ولتعلم طلباتك لدى الله، الذي يستحق كل شكر وعبادة وتسبيح.

الصلاة: يا إلهنا الحي، يا مصدر الخير والسلام. نعظم اسمك أيها العلي القدير، ونرفع إليك شكرنا من كل القلب على صلاحك، وعلى عنياتك بنا. زد إيماننا يا سيدنا الرب، وقو محبتنا حتى نحبك من كل القلب، لأنك جدير بالحب. ثبتنا فيك، وأصلّنا في محبتك. أوجد فينا روح الشكر، لكي نشكرك لأجل جميع حسناتك آمين.

السؤال: 12 - أي موضوع تناول تحذير الرسول للكولوسيين؟ وعلام حضّهم في الآية السادسة؟

8 اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِٱلْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِلٍ، حَسَبَ تَقْلِيدِ ٱلنَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ ٱلْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ ٱلْمَسِيحِ. 9 فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً. 10 وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، ٱلَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ.

ما من شك في أن هذه الآيات بالنسبة للمتأمل، هي من أصعب ما كتبه بولس. ولكن ربما لم يكن الأمر هكذا بالنسبة لأهل كولوسي، الذين عرفوا المسيح من الإنجيل، الذي كرز به بولس. ووجه الصعوبة في فهم هذه الآيات، هو ازدحامها بإشارات إلى التعليم المضل، الذي كان يشكل خطراً على حياة المؤمنين في كولوسي.

إن الشيء الواضح لدينا من الآيات السابقة، هو أن المعلمين الكذبة أرادوا أن يدخلوا في عقول الكولوسيين ما يمكن تسميته إضافات للمسيح. إذ كانو يعلمون أن يسوع المسيح وحده ليس كافياً. لأنه حسب زعمهم كان واحدً بين مظاهر كثيرة لله. وإنه كان من الضروري عبادة وخدمة ومعرفة القوات الإلهية الأخرى بالإضافة إليه.

والمتأمل بعمق في الآية الثامنة، يرى أن معلمي الضلال اجتهدوا أن يعلّموا الإخوة فلسفة إضافية. وكان من رأيهم أن الحق البسيط الذي كرز به يسوع، ودُوِّن في الإنجيل لم يكن كافياً لذلك فهو يحتاج إلى تكملة بتعليم موسع من الفكر الفلسفي.

لهذا حذّر الرسول المؤمنين قائلاً: انظروا انتبهوا واسهروا لأن هناك خطراً يتربص بكم. لا يسبيكم المضلون بالفلسفة المبنية على غرور باطل أو خداع.

من المسلّم به أن الرسول هنا لم يشجب كل الفلسفات وإنما حذر الكولوسيين من نوع من الفلسفة كان شائعاً في كولوسي. وهو خليط من الفلسفة اليونانية والأوهام اليهودية وسمي في الكنيسة بتعليم الغنوسيين. ولكي يظهر البون الشاسع بين هذه الفلسفة وحكمة المسيح، قال إنها حسب تقليد الناس. لأن معلميها اتخذوا تقليد الناس، بدلاً من الإعلانات الإلهية. وكان في اليهود ثلاث فرق أساسية: الفريسيون والصدوقيون والأسينيون. فالصدوقيون نفوا الوحي والتقليد، والفريسيون تمسكوا بالتقليد. أما الأسينيون فهم الباطنيون الذين بالغوا في التمسك بالتقاليد. والذي شاع في كولوسي هو تقاليد الآسينيين الذين ادعوا أن لهم كتباً تتضمن كل كنوز الحكمة المخفية عن عامة الناس.

ولكن الرسول الذي ائتمن على إنجيل الله، أبان أصل الفلسفة الباطلة بقوله، بحسب تقليد الناس. وأبان موضعها بقوله بحسب أركان العالم، وليس حسب المسيح. أي أن المسيح ليس هو مصدر تلك الفلسفة، التي نادوا بها ولا موضوعها. فهم وضعوا بدلاً منها رسوماً خارجية ووسطاء من الملائكة.

أما المسيح فخلافا لما علّم به الغنوسيين، ليس هو أحد القوات الكثيرة، التي دعوها أيونات، والتي تختلف بالقدرة، بل هو الكائن الذي حلّ فيه كل ملء اللاهوت في صورة بشرية. وبتعبير آخر إن الله بملء لاهوته حلّ في الكلمة الذي هو الأقنوم الثاني، بدليل قول يوحنا: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 1) وحين تجسد الكلمة، كان فيه الملء جسدياً بدليل قول يوحنا الإنجيلي: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 14).

ومن امتياز المؤمنين بالنعمة، أنهم مملؤون في المسيح. وفي تعبير آخر إن المواهب الروحية تجري من المسيح إلى النفس المؤمنة المتحدة به وفقاً لقول الإنجيل: «وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ» (الإنجيل بحسب يوحنّا 1: 16) فمما تقدم يتضح أن كل الذين ظنوا أنهم يحتاجون فضلاً عن المسيح إلى شفعاء كالملائكة وغيرهم من الوسطاء المخلوقين هم مبتدعون.

تأكد يا أخي أن المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس. ومع أنه فوق الكل ورأس كل رياسة وسلطان، إلا أنه في نعمته وتمشياً مع حبه الفائق يقبلك ويصالحك مع الله إن آمنت به. فهو الذي قال: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً.. اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَٱخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ» (الإنجيل بحسب متّى 11: 28 والإنجيل بحسب يوحنّا 6: 37 و إشعياء 45: 22).

«هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ.. هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي» ( إشعياء 1: 18 ورؤيا يوحنّا 3: 20).

الصلاة: لك الحمد والشكر. أيها السيد الرب لأنك أحببتنا أولاً، وأحببتنا فضلاً. وبالمحبة، تتنازل وتقبلنا وتتشفع بنا أمام الآب السماوي، وتصالحنا معه. اقبل منا الشكر. واحفظنا في محبتك غير عاثرين آمين.

السؤال: 13 - ما هي التعاليم التي حاول المعلمون المضلّون إدخالها إلى كنيسة كولوسي؟

11 وَبِهِ أَيْضاً خُتِنْتُمْ خِتَاناً غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا ٱلْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ ٱلْمَسِيحِ. 12 مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، ٱلَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ ٱللّٰهِ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ.

كان معلمو الضلال يطالبون المسيحيين من أصل أممي أن يختتنوا. وكان الختان علامة الانتساب إلى الله. واستندوا في أمر الختان على قول الله لإبراهيم: «هٰذَا هُوَ عَهْدِي ٱلَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» (تكوين 17: 10). وفي كل أجيال العهد القديم، انقسم الناس إلى فريقين في موضوع الختان. قال فريق منهم، إن الختان في حد ذاته كاف ليصلح أمور الإنسان مع الله، وأن الختان الجسدي هو المطلوب. وذهبوا إلى القول: لا يهم أن يكون الإنسان صالحاً أو شريراً، طالما كان يهودياً ومختوناً. أما القادة الروحيون وكبار الأنبياء، فكان لهم رأي آخر يختلف كل الاختلاف عن الرأي السابق. واستعملوا نفس كلمة الختان بمعنى جديد وجريء، فتكلموا عن الشفاه الغلفاء والقلب المختون (لاويين 26: 11 حزقيال 44: 7 و9، 30: 6) وفي تعبير آخر لم يكن الختان عندهم مجرد إجراء عملية في جسد الإنسان، بل حدوث تغيير في قلبه وفي حياته كلها. كان الختان فعل علامة إنسان مكرّس لله، ولكن التكريس لم يكن في ختان الجسد، بل في استئصال أي شيء يتعارض مع مشيئة الله، من حياة الإنسان.

من هذه الحقيقية، انطلق جواب بولس إلى معلمي الضلال، قال: أنتم تطالبون بالختان ولكن يجب أن يستقر في خواطركم، أن الختان في مفهومه الروحي، لايقصد به إزالة قطعة من جسد الإنسان. إنما المعنى الحقيقي له، هو تكريس الحياة كلياً لله، وترك كل الأشياء التي تتعارض مع إرادة الله. ويؤكد بولس أن يسوع المسيح هو وحده القادر أن يجري ختان القلب فينتزع من كل الذين قبلوه كل الأمور المخالفة لحياة الإيمان.

ويتابع الرسول إرشاداته فيقول: إن الختان ليس نظرياً، بل واقعياً يختبره كل مؤمن مولود من الله، وهو يتم لكم في المعمودية.

وعندما نتأمل في العمودية يجب أن نذكر أن المسيح نائب الإنسان، فلما مات، مات عنه. فمات شعبه معه، عن الخطية وعن الدينونة . فلما دُفن، دُفن شعبه معه، عن العالم وعن الخطية. والدفن مع المسيح يشير إلى شدة الاتحاد به، والأشتراك في نتيجة عمله.

قيل سابقاً «إننا مملؤون فيه» وإننا «مختونون بختانه» وزاد على ذلك هنا «إننا مدفونون معه». وهذا إثبات لانفصال المؤمن عن حياته القديمة في الخطية وانفصالاً أشد من الانفصال الذي أشار إليه بالختان. وقال إن هذا الانفصال قد تمّ بالمعمودية، لأن كل مؤمن يعترف عند المعمودية بإيمانه بالمسيح، وموته ودفنه للخطية. ولأنه حصل في وقت المعمودية بواسطة إيمانه بالمسيح والاعتراف بذلك الإيمان جهراً على فوائد كل ما عمله المسيح، واشتراه لشعبه بالفداء.

ويشير الرسول إلى أن المؤمن، الذي اتحد بالمسيح بواسطة المعمودية الروحية التي رمز إليها بمعمودية الماء. وكما قام المسيح بعد دفنه هكذا يُقام روحياً بقوة إيمان عمل الله.

والإيمان هنا ليس سوى اليد التي يمسك بها الله. وعمل الإيمان هنا هو إنارة عيون أذهاننا، لنعلم ما هو رجاء دعوة يسوع المسيح، «وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ ٱلْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ ٱلَّذِي عَمِلَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ» (الرسالة إلى أفسس 1: 18-20).

وكثيراً ما ذكر في الإنجيل أن قيامة المسيح أصل رجاء المؤمنين. لأن إيمانهم بأن الله أقام المسيح، يتضمن اليقين بأن الله قادر ومستعد أن يقيمهم معه من الموت في الخطية، إلى الحياة الروحية. وحياته في السماء عربون قيامة كل المتحدين معه وغلبتها.

ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الرمز يصبح حقيقة مباركة، إن كان الإنسان المعمد يؤمن أن القوة التي ساندت يسوع المسيح في الصلب وإقامته من الأموات، تستطيع أن تفعل معه ما فعلت مع يسوع.

كأن بولس يقول لأولئك المعلمين، أنتم تتحدثون عن الختان، ولكن الختان الحقيقي الوحيد، هو عندما يموت الإنسان ويقوم ثانية مع المسيح في المعمودية وليس بانتزاع جزء من جسده، ولكن بانتزاع طبيعته الخاطئة كلها، والامتلاء بجدة الحياة، وبقداسة الله.

الصلاة: يا إلهنا الصالح، نسبّح اسمك، ونعطيك المجد والإكرام، ولا ننسى كل حسناتك. ونشكرك بنوع خاص من أجل موت وقيامة المسيح. أعطنا أن نتشبه بموته وقيامته، فنموت عن الخطية، ونقوم معه لنسلك في جدة الحياة ونحيا للبر آمين.

السؤال: 14 - كيف يتم ختان القلب، وما هي نتيجته؟

13 وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فِي ٱلْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ ٱلْخَطَايَا، 14 إِذْ مَحَا ٱلصَّكَّ ٱلَّذِي عَلَيْنَا فِي ٱلْفَرَائِضِ، ٱلَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ ٱلْوَسَطِ مُسَمِّراً إِيَّاهُ بِٱلصَّلِيبِ، 15 إِذْ جَرَّدَ ٱلرِّيَاسَاتِ وَٱلسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ.

يستعمل بولس سلسلة من الصور، ليبيّن ماذا عمل الله في المسيح للبشر. فليست هناك حاجة إلى أي وسطاء آخرين لتخليص الناس، خلاصاً كاملاً. وقد استخدم الرسول الكريم ثلاث صور:

  1. صورة الأموات في الخطايا. هذا بيان حال الكولوسيين قبل إيمانهم بالمسيح، وهكذا كانت حال الأفسسيين (أفسس 2: 1) وهكذا كانت حالك أنت وحالي أنا، قبل أن نعرف المسيح. كنا مغلوبين من الخطية، عاجزين عن تحطيم سلاسلها. لم تكن لنا قوة أكثر من قوة إنسان ميت للانتصار على الخطية. فهب يسوع لنجدتنا وبعمله حرّرنا من سلطة الخطية ومن عقاب الخطية، وأعطانا حياة جديدة و