COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

امتلئوا بالروح

التمهيد لرسالة أفسس

تتبوأ هذه الرسالة مكاناً رفيعاً في كتابات بولس. وهي إحدى الرسائل التي أُطلق عليها اسم «رسائل الأسر»، لأن بولس كتبها حين كان أسير المسيح في سجن رومية. وهي كقارورة طيب، تضوعت منها رائحة زكية خاصة فيما هي تكتب بيد مقيدة بالسلاسل. وقد أجاد لوردلدج وصفها حين قال: انها أسمى كتاب في سجل الوحي، لأنها تتضمن بين دفتيها خلاصة العقائد المسيحية. ومن ميزاتها أنها ملتقى مطاليب الدين المسيحي بمطالب الناموس الطبيعي.

وقال مونتانوس: ان نفس كاتب الرسالة، تشبه قيثارة ذات أوتار حساسة. فلما هبت عليها نسمات نعمة الله المتنوعة، انطلقت منها نغمات متعددة. فتارة نسمع منها دوي رعد قاصف، كما في الرسالة إلى غلاطية. وطوراً نصغي إلى ترجيع أناشيد عذبة رخيمة، كما في الرسالة إلى فيلبي. وحيناً نستمع إلى تسبيح ملائكي يرتفع إلى السماوات، كما في الرسالة إلى أفسس.

كان الرسول يتألم في قيوده، ولكنه كان يعلم بأنه قُيّد لكي تصبح كلمة الله طليقة. هكذا قال في رسالته إلى الفيلبيين: ثم أريد أن تعلموا أيها الإخوة أن أموري قد آلت أكثر إلى تقدم الإنجيل. حتى أن وثقي صارت ظاهرة في المسيح، في كل دار الولاية، وفي باقي الأماكن أجمع. وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقي، يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف (فيلبي 1: 12-14).

لقد نادى بولس في أفسس نحواً من ثلاث سنين وأسس فيها كنيسة مجيدة. وفي البداية ربح بعض النفوس للمسيح. منهم أبلوس الذي اعتمد بمعمودية يوحنا للتوبة (أعمال 19: 1-17). وبعدئذ لاقى بولس معارضة شديدة من مجمع اليهود. ولكن هذا كان للخير. لأن الرسول الكريم اعتزل اليهود وتحول إلى الأمم واتخذ من مدرسة تيرانس مكاناً لنشاطاته خلال سنتين، حتى سمع كلمة الرب جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين (أعمال 19: 8-12). وكانت النتائج لكرازته:

  1. انضمام عدد عديد من اليهود والأمم إلى الكنيسة.

  2. انتشار معرفة الإنجيل في كل آسيا.

  3. تأثر عام في القلوب حتى أن بعض السحرة، اقتنعوا بوعظ بولس بأنهم خطاة وجهلة، وأحرقوا كتب السحر التي كانت في حوزتهم.

  4. قلة اعتبار الوثنيين للآلهة أرطاميس التي شيدوا لها في أفسس هيكلاً كان يُعد من عجائب الدنيا.

  5. تأسست كنيسة هناك.

موضوع الرسالة ومضمونها

إن المتأمل في هذه الرسالة، يرى أن موضوعها هو الكنيسة جسد المسيح، التي جعلها الله واسطة لإظهار أمجاد عمل الفداء لكل الخليقة. وقد أعلن الرسول أن الكنيسة مختارة في المسيح، ومفدية بدمه متحدة به مقدسين متحدين بعضهم ببعض، وسالكين كما يليق بأعضاء كنيسة المسيح التي هي جسده الروحي. أما مضمون الرسالة فهو:

  1. تقديم الشكر لله، لأنه اختار الكنيسة بمقتضى القصد الأزلي، لكي تكون مقدسة ومحبوبة ومفدية بابنه يسوع المسيح، ومتحدة به باعتبار كونه رأسها الحي. وهذا الاتحاد كان سراً مجيداً، أُخفي عن الأجيال الغابرة وأُعلن الآن. وان كل هذه الامتيازات، صدرت عن النعمة (1: 3-14).

  2. صلاة من أجل زيادة معرفة احباء الرب في أفسس، باتحادهم بالمسيح والبركات المتوقفة على موته وقيامته وصعوده في المجد (1: 15-23).

  3. دعوة الأمم لكي يشتركوا بواسطة الإيمان بالمسيح في فوائد الفداء، الذي اشتراه الرب بدمه. ووصف ذلك الفداء بأنه نجاة من موت الخطية وسلطة الشيطان. وانه منح لهم حياة جديدة في المسيح ومعها القوة لممارسة أعمال صالحة. وانه بواسطة فداء المسيح، اتحد الأمم بأتقياء العهد القديم، لأن المسيح بفدائه نقض حائط السياج المتوسط (2: 1-3: 13).

  4. الصلاة من أجل أعضاء الكنيسة، لكي يحل المسيح بالإيمان في قلوبهم، لكي يؤسسهم ويؤصلهم في المحبة، ويعطيهم أن يمتلئوا إلى كل ملء الله (3: 14-21).

  5. حث المؤمنين على السلوك كما يليق بأعضاء كنيسة المسيح، متذكرين أن الكنيسة جسد واحد، مملوءة بروح واحد، وخاضعة لرب واحد، لها إيمان واحد، ومعمودية واحدة، و إله وآب واحد على الكل وبالكل وفي الكل (4: 1-16).

  6. حض أعضاء الكنيسة على القيام بالواجبات الختصة بالذين يسلكون حسب الروح. والطلب إليهم أن يعتزلوا الخطايا التي اعتادوها يوم كانوا وثنيين. كالكذب والغضب والانتقام والخداع والسكر والنجاسة على أنواعها. وأن يسلكوا أولاد نور (5: 1-21).

  7. تعيين واجباب مسيحية خاصة، منها واجبات النساء لرجالهن، وواجبات الرجال لنسائهم، وواجبات الأبناء والآباء، وواجبات العبيد والسادة (5: 22-6: 9).

  8. ارتداء الأسلحة الروحية، لكي يتقووا في الرب، ويجاهدوا ضد قوات الظلمة... وفي خاتمة الرسالة سأل الرسول أن يصلوا من أجله، وأن يهتموا بالأخ تيخيكوس. وأخيراً الوداع والبركة (6: 10-24).

اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ

1بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ ٱللّٰهِ، إِلَى ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَٱلْمُؤْمِنِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. 2نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

«بولس» كلمة يونانية الأصل معناها صغير. وقد عرف رسول الأمم بهذا الاسم، بعد تجديده وقبوله يسوع المسيح رباً ومخلصاً وكان قبلاً معروفاً باسم شاول. وقد أطلق الرسول الكريم اسم بولس على نفسه بعيد اهتداء الوالي سرجيوس بولس، الذي قبل الإيمان على يديه (أعمال 13: 5-7) ومن هنا نستنتج أن بولس الرسول اتخذ لنفسه اسم أول رجل تجدد على يديه.

«في المسيح» هذه الكلمة هي مفتاح رسائل بولس. وهي تحدد بإيجاز مكان المؤمن بوضعه في أعلى مستوى.

في نظري أن كلمة «مسيحي» تعني أكثر من السلوك بتهذيب، وأكثر من التمرس الخارجي في عضوية الكنيسة، وأكثر من التردد على بيت العبادة. إنها حياة المسيح فينا. ودعوة المسيحي بحسب العهد الجديد، أكثر من الحصول على الصفح عن الخطايا، وأكثر من امتلاك الفرح بالمصالحة مع الله. دعوة المسيحي أن يكون المؤمن في المسيح. أن يكون له الأمتياز الذي أشار غليه الرب يسوع حين قال: في ذلك اليوم تعرفون أني في أبي وأنتم فيّ وأنا فيكم (يوحنا 14: 20).

وفي تعبير آخر أن المسيحية الصحيحة ترينا النعمة معتبرة في يسوع المسيح. وهذا ما أوضحه بولس في رسائله. ففي رسالته إلى أهل رومية. يرينا المؤمن مبرراً في يسوع المسيح (رومية 2: 19-26) وفي رسالتيه إلى أهل كورنثوس، يرينا المؤمن مقدساً في يسوع المسيح (1 كورنثوس 1: 2، 3: 17 و2 كورنثوس 7: 1) وفي رسالته إلى أهل غلاطية يرينا المؤمن مصلوباً في يسوع المسيح (غلاطية 2: 20 و6: 14) وفي رسالته إلى أهل أفسس يرينا المؤمن ممجداً في يسوع المسيح (أفسس 1: 3 و15-23) وفي رسالته إلى أهل فيلبي يرينا المؤمن مكتفياً في يسوع المسيح (فيلبي 1: 31 و4: 19) وفي رسالته إلى أهل كولوسي يرينا المؤمن مكملاً في يسوع المسيح (كولوسي 2: 9-10) وفي رسالتيه إلى أهل تسالونيكي يرينا المؤمن منتصراً في يسوع المسيح (1 تسالونيكي 1: 9-10 و4: 13-15، و2 تسالونيكي 1: 4-13 و2: 13).

فالمسيحية الصحيحة بالنسبة لك، هي أن تدرك أن يسوع بالنعمة التي وهبها لك، لا يخلصك فقط من دينونة جهنم، بل أيضاً يعطيك أن تحيا بحياته. وبهذا المعنى تتجدد هويتك، فيراك الله في المسيح. يراك قريباً منه قرب ابنه الحبيب بالذات.

هذا هو وضع المؤمن المخّلص بالنعمة تجاوباً مع الإيمان. وأنه لمن البديهي، أن يكون الحاصل على هذا الامتياز مدعواً لكي يتمم خلاصه بخوف ورعدة (فيلبي 2: 12) بمعنى أن هذا الوضع الممتاز يتطلب من المؤمن أن يشدد السهر لكي تكون تصرفاته على الأرض منسجمة مع هذا الوضع السماوي الذي صار إليه في المسيح يسوع.

«القديسين في أفسس والمؤمنون في المسيح يسوع» إن العبارتين قديسين ومؤمنين، لا تعينان صنفين من الناس. بل تعنيان فريقاً واحداً.

فكلمة قديس تصف المسيحي في سموا دعوته واختياره. وكلمة مؤمن تصفه في علاقته بالمسيح. ويستفاد من إيراد العبارة في المسيح، بعد كلمة المؤمنين أن المسيح هو موضوع الإيمان. وتدل على ما بين المؤمنين والمسيح من اتحاد حيوي وثيق في روح واحد.

«نعمة لكم وسلام» هذا هو المناخ الذي يحيا فيه أولاد الرب. وقد صاروا إليه بالنعمة الإلهية التي في يسوع وفقاً لقوله: «سَلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي ٱلْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا» (يوحنا 14: 27). المعروف بالاختبار أن العالم، لا يعطي شيئاً إلى ويسترجعه. ولكن النعمة الإلهية، تفعل خلاف ذلك. فهي ليس فقط ترفع حكم الدينونة عن المؤمن،بل أيضاً تفيض عليه بالخيرات السماوية دون أن تسترجع شيئاً، سوى صدى المحبة والتعبد من الأبناء الذين وهبم الله كل شيء.

الصلاة: أيها الرب، إننا نعظم اسمك الكريم، ونرفع إليك قلوبنا بالشكر والحمد، لأجل النعمة التي صيرتنا قديسين وبلا لوم قدامك في المحبة ونسألك باسم المحبوب أن تزداد النعمة فينا لكي نتمم خلاصنا بخوف ورعدة. آمين.

3مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ فِي ٱلْمَسِيحِ، 4كَمَا ٱخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ،

(3-4) إن كانت الرسالة تصعدنا إلى قمة الإعلان، فإن هذا المقطع منها يعين موضوع الرسالة كلها. وهو يبدأ بالتسبيح لله. لكأن التسبيح عندئذ يصبح سلاحاً روحياً فعالاً ليبدد من الذهن كل ضباب القلق.

هذا ما اختبره داود وشهد به، حين قال: «أَدْعُو ٱلرَّبَّ ٱلْحَمِيدَ فَأَتَخَلَّصُ مِنْ أَعْدَائِي» (مزمور 18: 3) وأوصي به حين قال: «اِذْبَحْ لِلّٰهِ حَمْداً، وَأَوْفِ ٱلْعَلِيَّ نُذُورَكَ، وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مزمور 50: 14 و15).

ولا أدل على أهميته من كون إعلان المسيحية بدأ به. فحين أعلنت السماء تجسد ابن الله صدحت جماهير من الجند السماوي بأروع تسبيحة عرفها الزمان: «المجد لله في الإعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة». وأيضاً ابن الله نفسه لما أكمل عمل الفداء وعاد إلى مجده الأسنى (يوحنا 6: 62) كان السرور الموضوع أمامه أن يقتاد إلى ذلك المجد كثيرين من الأبناء، ليشتركوا في تسبيحة المجد. وقد أخبرنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن المسيح يدعوهم أخوة، قائلاً للآب: «أُخَبِّرُ بِٱسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ ٱلْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ» (مزمور 2: 12).

هكذا بولس حين تراءت لعيني ذهنه هذه الامتيازات التي للمؤمنين في المسيح، ومن فرط ما أخذ به من الإعلان. انفصل عن كل ما حوله وطفق يسبح الله ويحمده بهذا النشيد المجيد المؤلف من مقطعين: يبدأ كل منهما بالبركة، ويختم بذكر اسم المسيح.

في الأول يبارك المؤمنون الله بالحمد له والشكر على البركات، التي وهبت لهم بواسطة المسيح. وفي الثاني يبارك الله المؤمنين بإغداق كل بركة روحية في السماويات في المسيح عليهم.

لدى التأمل في الآية الكريمة نرى أن الرسول أضفى على بركات الله المهداة لنا ثلاثة أوصاف.

  1. طبيعة البركات: قال: «بكل بركة روحية» وفي تمتاز عن البركات التي وُعد بها متقو العهد القديم، في كون البركات الموهوبة لنا روحية خالدة، وتلك زمنية زائلة. فقد قال الله لأتقياء العهد القديم: «مُبَارَكاً تَكُونُ فِي ٱلْمَدِينَةِ، وَمُبَارَكاً تَكُونُ فِي ٱلْحَقْلِ. وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ» (تثنية 28: 3 و4) أما البركات المهداة لأتقياء العهد الجديد، فهي أرقى وأسمى، بقدر ما الروح أسمى من المادة. فقد قال الرب: «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰهَ. طُوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ يُدْعَوْنَ» (متى 5: 3-9).

  2. دائرة هذه البركات: قال: في السماويات فمع أن مختاري الرب يعيشون على الأرض، إلا أن سيرتهم في السماويات (فيلبي 3: 20) وهم يطلبون ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله (كولوسي 3: 1) وهذه البركات محفوظة في السموات بحيث لا يمكن أن تفنى أو تتدنس أو تضمحل (1 بطرس 1: 4). واهتماماتهم ليست أرضية بل سماوية. لأن حياتهم مستترة مع المسيح في الله (كولوسي 3: 3).

  3. أساس هذه البركات: قال: «في المسيح» وهنا نرى أن الرسول قد ركز تفكيره في المسيح، الذي آمن واعترف به «أنه ظهر في الجسد» (1تيموثاوس 3: 16) وحين جمع هذه البركات في المسيح، أوضح لنا أنها ليست مستحدثة، بل هي ب ركات معدة منذ الأزل. ولذلك فهي أكيدة محققة في المسيح. وكما أن الله وبهنا في المسيح كل البركات الروحية، «هكذا اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة» ومعنى هذا أن اختيار المفديين لم يكن اتفاقاً، أو بناء على استحقاقهم، بل بمقتضى قصد الله الأزلي. ويقيناً أنه لعظيم سر التقوى الذي كان في قلب الله وأعلنه لنا كمن فيه اختيارنا قبل تسيس العالم. وهذا يزيد خلاصنا قيمة، ويستلرم ثباتنا في القداسة والتواضع. وبكلمة أخرى أن الاختيار كما علمه بولس هو رسالة خاصة بعث بها الله إلى أبنائه لكي يثبتهم في الإيمان ويحفظهم من كل ارتداد. وفي ذات الوقت لميقصد به قد حجر صدمة يعثر به الذين لم يؤمنوا. صحيح أنه مبني على مسرة الله، إلا أنه لا يمكن أن يلغي الإرادة البشرية. لأن الناس ليسوا دمى صماء، يدفعون إلى أعمالهم دفعاً. بل هم خلائق عاقلة مدركة، بحيث يستطيع أي منهم أن يقبل يسوع بالإيمان، فيخلص به، ويصير قديساً وبلا لوم قدامه في المحبة.

الصلاة: يا رب إلهنا الصالح شكراً لك وحمداً لأجل البركات الموهوبة لنا في المسيح. اسكب علينا روح الشكر لأجل حسناتك التي أغدقتها على البشر بغناء كثير. نسألك أن تنير أذهان مواطنينا حتى يدركوا أبعاد محبتك للخاطئ الأثيم الذي تشاء أن يرجع إليك ويحيا. آمين.

5إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، 6لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ ٱلَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي ٱلْمَحْبُوبِ.

(5) في هذه الآية، يتكلم الرسول عن حلقة ثانية سلسلة البركات الروحية، وهي التبني. فالله في مجده شاء أن يتبنانا له بواسطة المسيح. قد يبدو هذا التبني متعارضاً مع طرق الله التي تعامل بها مع جماعة العهد القديم، الذين قامت بنوتهم على انتسابهم إلى رجال تعاهدوا مع الله. بخلاف بنوة العهد الجديد القائمة على الإيمان بالمسيح، وفقاً لقول الإنجيل: «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ ٱللّٰهِ» (يوحنا 1: 12 و13).

إن قصد الله من هذا التعيين أن يصير المؤمنون إلى صورة المسيح كما نقرأ في الرسالة إلى رومية: «لأَنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ» (رومية 8: 29).

أجل هكذا صارت المسرة أمام الله أنه بعد ما نقض إسرائيل عهده مع الله برفض المسيح، أن الله افتقد أولاً الأمم ليأخذ منهم شعباً على اسمه (أعمال 15: 14). وفي كلمة أخرى أن الله بهذا التعيين أزال الامتيازات العرقية، معطياً فصاعداً امتياز التبني لكل الذين يغتسلون من خطاياهم بدم ابنه الحبيب مهما كان ماضيهم ملوثاً. هذا هو التدبير ا لإلهي الوحيد، وخارجه لا يوجد أي رجاء للأمم، ولا خلاص للعالم، ولانجاة للهالكين. فليكن اسم الرب مباركاً، «لأنه باركنا بكل بركة روحية في السماويات» من حيث يأتي روحه القدوس، ليمكث في قلوبنا. وبالمناسبة يجب أن نذكر: (أ) أن الله اختارنا للقداسة، لأنه عيننا للتبني. فالقداسة إذن شرط للتبني، ويستحيل بدونها. (ب) أن وسيط التبني هو يسوع المسيح. ففيه اختارنا الله وعيننا للتبني. فيه رآنا الله منذ الأزل، أي قبل أن نوجد. فأحبنا واخترانا للقداسة، وتبنانا لنفقسه. متعجباً: «أُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ! مِنْ أَجْلِ هٰذَا لاَ يَعْرِفُنَا ٱلْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ» (1 يوحنا 3: 1) باعث التبني، «حيث سرة مشيئته» فكما أن المحبة الإلهية هي باعث الاختيار، كذلك المسرة الإلهية هي باعث التبني. وهذا مطابق لقول المسيح «نَعَمْ أَيُّهَا ٱلآبُ، لأَنْ هٰكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ» (متى 11: 26).

ولكن هذه المسرة ليس فيها شيء من الظلم لأحد. ونحن نؤمن بأنها مبنية على غاية من الحكمة والمحبة الإلهيتين، فإذا علمنا أن الله حكم بأمرها، كفانا أن نعتقد بأنه عن عدل، وأنه أ فضل ما يمكن حدوثه. لأن الله منزه عن الشطط في أعمال قضائه. وحين يتعذر علينا إدراك مقاصد الله، فلنذكر أن أفكار الله تعلو جداً عن أفكارنا (إشعياء 55: 9).

حين قال الرسول: «لاَ تُشَاكِلُوا هٰذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ» (رومية 12: 2) كان يرسخ في الأذهان أن كلا من الاختيار والتعيين للبنوة هو من النعمة. بمعنى أنه ليس لأحد حق أن يختاره الله، أو يعينه للتبني.

ومما يجب ملاحظته هو أن الاختيار لم يلحق ضرراً بأحد من بني البشر. لكنه أسعد الملايين الكثيرة، الذين لولاه لكانوا أشقياء إلى الأبد. وإن كان للمفديين أن يفرحوا بالاختيار لأنه أ صل سعادتهم. وإنما علة هلاكهم الخطايا التي ارتكبوها باختيارهم، ولم يشاءوا الخلاص من مغبتها بقبول المخلص.

(6) في هذه الآية بيان لغاية الاختيار الأخيرة العظمى وهي مدح مجد نعمة الله، فإنه عين المختارين للتبني، ليجدوا في شرفهم وسعادتهم سبباً كافياً لمدح نعمة الله.

إن نعمة الله في أساسها مجانية، وليس لها من دافع خارجي. بمعنى أنها لا تنال بالاستعطاف والدموع والأنات، بل دافعها من ذاتها. وهي مجانية تماماً، بحيث لا يمكن شراؤها، لا بالذهب ولا بالأعمال الحسنة، ولا بالصلوات الحارة، فهي ينبوع كل الحسنات، ومبعث كل الصلوات. والذي يستحق الاعتبار هنا، هو أن ما تبين من كون مسرة الله وحده لأن هذه المسرة، تعم أتقياء الناس والملائكة أيضاً، إذ يجدون في ذلك علة للتسبيح والحمد.

وكذلك الاختيار يظهر عظمة النعمة، باعتبار كونها صفة اإلهية، تملأ قلوب جميع الذين يرون أثرها من الملائكة والقديسين فرحاً. وتطلق ألسنتهم بالمديح لمجد الله، لما فيها من الجلال والجمال واللطف غير المحدود. ومما يجب الإشار إليه، هو أن الأسباب التي تحمل الملائكة والقديسين على مدح عمل نعمة الله كثيرة جداً، منها:

  1. أنه موضوع رجاء وحيد للخاطي، فلو لم يختره الله للخلاص، بل تركه لنفسه لهلك لا محالة.

  2. أنه ينبوع كل البركات، التي صارت إلى أبناء البشر، في الماضي والحاضر والمستقبل وإلى الأبد.

  3. إن غايات الاختيار والتبني جديرة بتقديم المديح لله، لأن منها ينبع الصفح فالغفران، فالقداسة فالسماء.

أما وسيط النعمة فهو المحبوب يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية عن الجميع. لذلك فالله لا يظهر رحمته للناس، إلا لأجل يسوع المسيح وبواسطته. لأننا بالنظر لأنفسنا نحن جميعاً أبناء الغضب، ولكن كمتبنين صرنا بالنعمة أبناء الرضى.

الصلاة: أبانا الذي في السموات، نشكرك لأجل وسيط النعمة، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية عن الجميع. حتى الجميع ينالوا باسمه غفران الخطايا، ويصيروا أبناء لك. تقبل شكرنا باسمه.

7ٱلَّذِي فِيهِ لَنَا ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ، 8ٱلَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ، 9إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ ٱلَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، 10لِتَدْبِيرِ مِلْءِ ٱلأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ، مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، فِي ذَاكَ .

(7-8) في الأزلية، حين اختار الله للقداسة الذين سيؤمنون بابنه، كان ينظر إليهم من خلال الحجاب «المشقوق من أعلى إلى أسفل» ومن خلال دم الابن، الذي به فقط يمكن أن يفتدي الخاطي. ومعنى هذا أن الله تبنانا لنفسه بثمن فائق. لقد دفع حياة ابنه الوحيد، لكي يشترينا. لذلك فجميع المستهينين بذبيحة المسيح سيضربون بدينونة الله العادلة. لأنهم باستهانتهم داسوا ابن الله، وحسبوا دم العهد الذي قدس به دنساً، وازدروا بروح النعمة (عبرانيين 10: 29) بل كيف ننجو نحن إن أهلمنا خلاصاً هذا ثمنه؟ وهل يظن أحد أن الله في نعمته، أقل قداسة منه في ناموسه؟ وهل يعتبر احتقار دم ابنه الذي عينه للفداء جريمة، أقل من التعدي على الوصايا المنقوشة في ألواح حجر؟ لا!!! أنه لا يتوجد إهانة يمكن أن توجه إلى الله الحي، أكبر من إهانة ابن محبته، واعتبار عمله الكفاري باطلاً!

لهذا حري بك أن تفكر ملياً في ما ينطوي عليه رفض المسيح. إنه أكبر من كل الشرور المنهي عنها. بدليل قول المسيح: «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلدَّيْنُونَةُ: إِنَّ ٱلنُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَحَبَّ ٱلنَّاسُ ٱلظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً» (يوحنا 3: 19) فاحذر من الأفكار الباطلة التي يحاول أعداء المسيح أن يدسوها في هذه الأيام. للتشويش على الإيمان المسلم مرة للقديسين.

إنهم يقولون أن إنجيل نعمة الله المؤسس على دم المسيح. يصلح بالأولى أن يكون ديانة الجزارين، وليس ديانة المفكرين. آه! يا صديقي كم هو مهين لجلال الله أن يقال شيء كهذا! أنه الجحود عينه، والجاحد سيرجفه الله بغضبه، وسيوقفه للدينونة، ومخيف هو الوقوع في يدي الله الحي!

تأكد أن الخلاص لا يرتكز على الشعور بالبركة، أو الانفراج، بل على ذبيحة المسيح التي قدمها، «وأكملت إلى الأبد كل المقدسين» بحيث لم تعد ثمة حاجة إلى تكرارها، لأن الآب السماوي قبلها وأيدها بقيامة ابنه. وارتفاعه بالجسد الجريح إلى السماء وجلوسه على عرش الله، حيث يشفع فينا بجراحاته، لنكون مقبولين من الآب. وهكذا صارت الكلمة «فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا» فيا للفداء من نعمة فائفة! لأن به نلنا ليس فقط غفراناً كاملاً عن خطايانا، بل أيضاً نلنا الحرية. لأن المسيح إذ افتدانا، محا عنا صك العبودية وصيرنا من أحبائه (يوحنا 15: 15). كنا قبلاً مبيعين تحت الخطية، مستعبدين للعالم وملكاً للشيطان. فجاء يسوع يطلبنا في سوق النخاسة. ولكي يفتدينا الله، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب (فيلبي 2: 7 و8). وهكذا اختيارنا الذي رآه الله في الأزلية صار حقيقة في جلجثة، حين قال المسيح: «قد أكمل» ومنذئذ دخل الله في اختبار كل من آمن بالفداء العظيم.

(9-10) في هاتين الآيتين يذهب الرسول إلى موضوع، يتجاوز خلاص المؤمن. إذ ينقلنا إلى الأبدية، إلى سر إرادة الله في قصده المترئف من أجل الإنسان. ليخبرنا أن الله شاء أن ينفذ هذا القصد في ملء الأزمنة بالمسيح يسوع، الذي فيه جمع كل ما في السموات وما على الأرض، ليكون الكل على نسق واحد، وتحت رأس واحد. هذا هو القصد النهائي في الفداء، أن يجمع الله كل شيء في المسيح. صحيح أن الفداء في فعله الابتدائي، يقصد به خلاص المؤمنين، إلا أنه في معناه الكمالي، يتناول جميع الأشياء ما في السماء وما على الأرض. «لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (فيلبي 2: 10 و11).

الصلاة: أيها الرب الإله والقدوس الحق. إن قلوبنا تطفح بالتسبيح لجلالك الأقدس. لأنك لم تفتدنا بأشياء تفنى، بل مما لا يفنى، بدم المسيح يسوع ربنا. ونشكرك لأنك لأجل هذا الدم الثمين غفرت لنا خطايانا. ونسألك باسم هذا الفادي أن تثبتنا في حريتنا التي اشتراها لنا المسيح. آمين.

11ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا نَصِيباً، مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، 12لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ ٱلَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي ٱلْمَسِيحِ.

(11) بهذه الآية يبلغ بولس قمة المعلنات السماوية، التي شرع يفضي بها إلى الأفسسيين. فبعد أن بين ما يحصل عليه المؤمن من امتيازات: الاختيار والتبني ومعرفة الفداء والشركة في فوائده وبركاته، بدأ الكلام عن الميراث الذي يناله مختاروا الله. وقد عبر عنه هنا بكلمة نصيب، وعبر عنه في كولوسي بميراث القديسين في النور (كولوسي 1: 12).

والفكرة الأساسية التي ركز عليها الرسول، هي أن يذكر المؤمنين، ويرسخ في أذهانهم الامتياز الذي لهم في السماويات. وتلتقي هذه العبارة بالكلمات التي كتبها بطرس للمؤمنين في الشتات، إذ قال: «مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ» (1 بطرس 1: 3 و4) وهذه هي ميزات ميراث القديسين: (أ) لا يفنى، أي لا يزول كالميراث الأرضي وقد أشار إليه الرسول بكلمة «إكليل لا يفنى» فهو أبدي يستحق أن نجاهد من أجله ونضبط أنفسنا (1 كورنثوس 9: 25) (ب) لا يتدنس، لأن وارثه، يتقدم دائماً في سبيل المعرفة والقداسة والرغبة في خدمة الله (ج) لا يضمحل، لأنه مجيد لا يزول بهاؤه، خلافاً للمقتنيات الأرضية التي يعتريها البلى فيزول جمالها. (د) محفوظ في السموات، لأنه عين من الله من أجلنا، والذي عينه حافظه، منذ الأزل، المسيح قال أنه يمضي لكي يعده (يوحنا 14: 2).

يقول الكتاب العزيز أن المسيح وارث لكل شيء (عبرانيين 1: 2) وارث هذه الخليقة، التي نقيم فيها، وكل الكون التابع الله. وهذا الوارث لكل شيء قال: «مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلٰهاً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ٱبْناً» (رؤيا 21: 7).

وإننا نجد فكر الميراث موصوفاً وصفاً جميلاً في رسالة رومية، حيث يقول الرسول: الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً. فإننا ورثة أيضا. ورثة الله، وارثون مع المسيح. فالوراثة تسير جنباً إلى جنب مع النبوة. ولكن الروح القدس يحدثنا هنا عن الوراثة، قبل الحديث عن أي شيء آخر، سوى ذكر الآب والابن. فيا لها من فكر جميل! فقبل أن يصنع الله شيئا ، وقبل أن يكون في الوجود شيء سواه، وفي كماله المطلق كان له وارث. وارث يرث كل مجده، الذي سيعلن، وكل ممتلكاته التي ستخلق. وارث لكل العصور الآتية، واحدها بعد الآخر. كل شيء يجب أن يتركز في هذا الوارث الإلهي. وكل شيء يجب أن يكون في سلطانه. وفي تلك الأزلية عينها، شاء الله أن يرث المؤمنون الحقيقيون هذا المجد المعد عن طريق اتحادهم بالوارث الأوحد، يسوع ابن الله.

هكذا يعلم الكتاب، أن كل الذين يشتركون الآن في روح المسيح كإخوت. سوف يشتركون معه في مجده كإخوة. وذلك وفقاً لإرادته حي قال في صلاته الشفاعية: «أَيُّهَا ٱلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هٰؤُلاَءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 17: 24). هؤلاء لهم وعده بامتياز الجلوس معه في عرشه، وفقاً لقوله: «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضاً وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ» (رؤيا 3: 21) وشكراً لله لأن عرش المسيح عظيم عال ومتسع بحيث يكفي لجلوس جميع الظافرين الممجدين.

ثق بهذا يا أخي لأنه ليس أعظم من مواعيد المسيح! وليس من أحد غير المسيح يستطيع أن يحقق المواعيد. فإن فيه قد وهبت كل المواعيد العظمى والثمينة. وهو يملك حق إجلاس المؤمنين معه في عرشه، لأنه افتداهم بدمه، وغلب عنهم. فهم فيه منتصرون.

(12) هللويا شكراً وحمداً وتسبيحاً للغالب المجيد الذي شاءت مبحبته أن يقتادنا في موكب نصرته. وشاءت نعمته الغنية باللطف أن نجلس معه في عرشه المجيد! وغايته أن نكون منذ الآن خلائق جديدة، تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعة مع إلهها. وبذلك تتم الكلمة «لنكون لمدح مجده» أي نكون بسلوكنا كأولاد نور واسطة لمدح جلاله. وفقاً لقوله: «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5: 16).

هذا هو ميراث مختاري الله، وقد رآه داود بعين الإيمان قبل انتقاله، فكتب لنا هذه العبارة: «ٱلرَّبُّ نَصِيبُ قِسْمَتِي وَكَأْسِي» (مزمور 16: 5) وأنت أيضاً إن قبلت يسوع نصيباً صالحاً، يصير لك الله ميراثاً. وكم يطيب لك عندئذ أن تسبح قائلاً: مبارك الله ميراثي، حصتي نصيبي!

الصلاة: أيها الآب رب السماء والأرض، إني أبارك اسمك القدوس وأحمدك من كل قلبي لأجل هذه الحقيقة التي أعلنها رسولك، وهي أنني كنت في فكرك قبل تأسيس العالم، وشاءت نعمتك أن يكون الرب يسوع نصيبي وقسمة حياتي. اقبل شكر قلبي لأجل خاطره. آمين.

13ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ ٱلْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ ٱلْمَوْعِدِ ٱلْقُدُّوسِ، 14ٱلَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ ٱلْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ.

ما أن فرغ الرسول من كلامه عن المؤمنين من أصل يهودي، «الذين سبق رجاؤهم» وهو واحد منهم، حتى انتقل حالاً إلى المسيحيين من أصل أممي، الذين لهم أيضاً في المسيح رجاء حي. صحيح أنهم لم يتعلموا أمور المسيح من النبوات كاليهود. ولكن الله أرسل من بشروهم بالإنجيل وقد سمى الإنجيل «كلمة الحق» لأن كل ما تضمنه من تعليم هو حق سماوي، وليس فيه شيء من التقاليد اليهودية، أو الفلسفة اليونانية. وقد عبر عنه بولس في مكان آخر «بقوة الله للخلاص» (رومية 1: 16) وشهد له المسيح نفسه، حين قال في صلاته الشفاعية: «قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ» (يوحنا 17: 17) فكلمة الحق هذه أتت سامعيها بنبأ الخلاص العظيم، ليس في زمن بولس وحسب، بل أيضاً في كل زمان. وصيرت كل من قبلها شريك الميراث السماوي.

وكم هو جميل أن تكون البركة الإلهية الممنوحة للمؤمنين الذين قبلوا إنجيل الله، ختم الروح القدس. هذه البركة تعطينا ثلاثة امتيازات: (أ) برهان اختيار الله لنا (ب) عربون التبني والميراث (ج) ضمان الفداء العظيم الذي به نصير مشابهين صورة ابن الله (رومية 8: 29).

وهذا الختم المبارك يناله المؤمن، حالما يقبل يسوع مخلصاً. أي أنه جواب الله على الإيمان. وهناك حقيقة بجي أن نلاحظها، وهي أن للفداء الذي أكمله يسوع بالنسبة لكل مؤمن من قيمة عند الله عظيمة بمقدار أن الله طبعه بخاتمه الإلهي، كامتياز لا يمكن أن يزول. وعلى سبيل المثال أذكر أنه إن كان خاتم أحشويرش ملك فارس الذي وضعه على مرسوم صيره شرعة لا يمكن أن ترد (أستير 8: 8) فكم بالحري يكون ختم الله، حين يوضع على حياة إنسان فداه المسيح يطبع بسمة أبدية، بحيث لا يمكن أن تزول ملكية الله عنه؟!

هذا الختم الإلهي، لا تبصره أعيننا، ولكننا موقنون بوجوده، لأن الله الصادق الأمين وعد بأن «تَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِٱلإِيمَانِ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ» (غلاطية 3: 14) وهذا ما أشار إليه بطرس ف يخطابه يوم الخمسين حين قال: «لأَنَّ ٱلْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ ٱلَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا» (أعمال 2: 39).

تأمل في هذا الأصحاح الأول من رسالة أفسس، تر أنه مفعم بمعاني الضمان التي تجعل المؤمن ثابتاً. وفي نفس الوقت تحول نظره عن ذاته وتضع في صميمه أكثر من شعور شخصي بالهدوء والسلام، إذ تثير فيه اليقين بسلامة وضعه الروحي الآتية إليه من الله.

(14) لقد آمنا بالمسيح فختمنا بختم الله، وأحيطت السماء علماً أننا أصبحنا ملكاً لله، وصرنا محفوظين في عنايته الأبوية. هذا «هو عربوت ميراثنا» أن الله أعطانا روحه ضامناً الحق الذي صار إلينا في المسيخ. وفي هذا الصدد يقول الرسول أيضاً: «أَخَذْتُمْ رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا ٱلآبُ!» (رومية 8: 15) فإن كان اله قد أعطانا هذا الامتياز العظيم، فالأحرى بنا أن نرد له صدى محبته إجابة لاختيارنا.

حين مد أعداء يسوع فخاخهم، للإيقاع به عن طريق أسئلة ماكرة حول دفع الجزية لقيصر، طلب إليهم السيد الرب أن يروه عملة الجزية، فقدموا له ديناراً. فتأمل قطعة النقود ملياً، ثم سألهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فأجابوه إنها لقيصر. فقال لهم: إذا أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! وأنت يا أخي حامل ختم الله، هلا أعطيت ما لله لله!!!

قد تؤدي تصرفاتنا أحياناً إلى أحزان أو إطفاء الروح القدس. ولكن نبقى مختومين بالختم الإلهي، الذي هو عربون المستقبل الموضوع أمامنا، هنا على الأرض، وفي أبدية السماء. فهو ثابت لا يمكن أن يضمحل. لانه منذ أن وضع الرب سمته علينا، صرنا في يده الحافظة، بحيث لا تستطيع قوة ولا سلطة في الوجود أن تأخذنا من يده (يوحنا 10: 38). قد تمر بنا فترات ضعف فلا نكون بلا لوم، لهذا أوصانا بطرس قائلاً: «لِذٰلِكَ بِٱلأَكْثَرِ ٱجْتَهِدُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَٱخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ» (2 بطرس 1: 10) وقال بولس: «يَعْلَمُ ٱلرَّبُّ ٱلَّذِينَ هُمْ لَهُ. وَلْيَتَجَنَّبِ ٱلإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي ٱسْمَ ٱلْمَسِيحِ» (2 تيموثاوس 2: 19).

هل ادركنا الآن لماذا اختارنا الله، وعيننا للتبني؟ الكلمة الرسولية أوضحت ذلك. فمقابل ما أعده الله لنا من بركات روحية في المسيح، يجب أن نحيا في البر وقداسة الحق. لأنه بدون قداسة، لا يقدر أحد أن يرى الرب. ولكن للاسف، فمع وجود هذه الامتيازات الروحية، إلا أن معظم المدعوين مسيحيين لا يتمتهون بها. لأنهم بنوا حياتهم الإيمانية على الحكمة البشرية والتقليد، الأمر الذي عطل فيهم عمل النعمة.

وأما أنت أيها الأخ فابن نفسك على إيمانك الأقدس واحفظ نفسك في محبة لاله منتظراً رحمة ربنا يسوع للحياة الأبدية (يهوذا 20 و21).

الصلاة: أيها السيد رب الكل، القادر على كل شيء. أسألك متوسلاً أن تحفظني في عنايتك. وأن تنزع مني كل ما يحزن الروح القدس، أو يطفئ عمله في حياتي. آمين.

15لِذٰلِكَ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ، 16لاَ أَزَالُ شَاكِراً لأَجْلِكُمْ، ذَاكِراً إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، 17كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلٰهُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَبُو ٱلْمَجْدِ، رُوحَ ٱلْحِكْمَةِ وَٱلإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ،

(15) في الآيات السابقة تكلم الرسول عن الأمور الموجودة في السماء. أما في الآيات التالية، فيتكلم عن الأمور الآتية من السماء، لتعمل في حياتنا هنا على الأرض. وقد أتاح لنا في ما تقدم أن نعلم بأن وضعنا في المسيح مضمون تماماً. وقد برز هذا الضمان في أربع كلمات: مختارون في المسيح لنكون قديسين وبلا لوم، معينون بالنعمة للتبني، مفديون بدم المسيح، مختومون بالروح القدس. وهذا الضمان المربع باق معنا إلى أن نرى الرب كما هو.

لقد ظن اليهود أن مجرد كونهم من ذرية إبراهيم، يعطيهم حق بنوة الله، متجاهلين بذلك دعوة الإيمان، التي تلقاها إبراهيم وأطاعها، فصار له إيمانه براً (رومية 4: 21-23). صحيح أنهم كمتعاهدون مع الله، صارت لهم المواعيد. ولكن هذه المواعيد كانت في المسيح. فلما رفضوا المسيح وصلبوه، ضحوا ليس فقط بامتيازاتهم الأرضية، بل أيضاً بحقوقهم في التعاهد مع الله وكل الوعود الإلهية. ونجم عن ذلك أن قلب الله جرح برفض ابنه، كان لا بد أن يعبر عن حبه في اتجاه آخر. ففاض كنهر نعمة في اتجاه جميع الأمم. مبتدأ من أورشليم (لوقا 24: 47). وفي المسيح أعطي للجميع خلاصاً كاملاً مجيداً مضموناً، للحاضر والمستقبل وإلى الأبد. وهذا الخلاص يشركهم في كل البركات المعدة في المسيح. صارت الكلمة: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (2 كورنثوس 5: 17).

أمام كل هذا الغنى المعلن، يقف الرسول بولس ويضع توسلاته بين هلالين، مصلياً بكل طلبة لأجل الذين كتب إليهم. وكان الداعي إلى هذه الصلاة الحارة، هو الأخبار السارة التي تلقاها عن عمل إيمانهم المثمر لمجد الرب. مما أبهج قلبه، وحمله على رفع آيات الشكر التي فرحت قلب الرسول، كانت محبتهم لجميع القديسين، والتي هي وليدة إيمانهم بالمسيح، الذي أحبهم وبذل نفسه فدية عنهم.

وتتألف صلاة الرسول من عنصرين: العنصر الأول هو الشكر المستمر لأجل إيمانهم العامل بالمحبة. والعنصر الثاني هو الذكر الدائم في صلواته، لأجل تقدمهم ونموهم في المسيح. هذا مثال رائع في المحبة يليق بنا أن نتبعه. أن نصلي من أجل الآخرين. وكم هو جميل في الواقع أن نقتدي بالرسول الكريم مفتتحين أدعيتنا بكلمات الشكر التي تجعل الصلاة مقتدرة كثيراً في فعلها.

هذا النوع المتشفع من الصلاة يمت بصلة إلى صلاة الرب يسوع التي رفعها إلى الآب في وادي قدرون، باعتبار كونه ر ئيس كهنتنا العظيم. وقد همس بها في اذني الآب من أجل خاصته الذين أعطوا له من العالم. لقد سأل أن يكونوا معه في المجد الذي له مع أبيه قبل كون العالم (يوحنا 17: 24) بهذا الروح جثا بولس ورفع من أعماقه آيات الشكر لله لأجل أحباء الله في أفسس، وسأل بركات جديدة من أجلهم. وهذا الروح عينه حرك عواطف الشكران في قلب الرسول الكريم مرات عديدة منها: رومية 1: 8، 1 كورنثوس 1: 4، أفسس 1: 15-16، فيلبي 1: 3-5، كولوسي 1: 3-5، 1 تسالونيكي 1: 2-3، 2 تسالونيكي 1: 3، فليمون 4-5.

(16) كأني بالرسول المغبوط وهو متخذ صورة الكاهن راح يذكر أحباءه أمام عرش النعمة، شاكراً وسائلاً كي يعطيهم أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته. لاحظ أنه هنا يتقدم إلى أبي المجد. وإذا ما تتبعنا هذا الفكر من خلال ما قاله الروح القدس عن رب المجد (1 كورنثوس 2: 8) نرى رب ا لمجد نفسه يصلي لأجلنا، بتقديم الطلبة إلى أبي المجد (يوحنا 17) ومتى أقرنا الطلبة بما قاله بطرس: لأن روح المجد والله يحل عليكم (1 بطرس 4: 14) يظهر لنا امتياز فائق، وهو أن ثالوث المجد يهتم بالأبناء المتبنين والمفديين بدم المسيح، والمختومين بالروح القدس، والمدعوين الآن لكي يحققوا ميراثهم.

(17) قال الرسول الكاهن «أن يعطيكم...» هذا هو الواقع في ظل النعمة، أن الله يعطي أبناءه، تجاوباً مع الإيمان. والأبناء في تجاوبهم مع النعمة يتيحون لها أن تتفاضل في حياتهم فتنمهيم في معرفة الله. هذه الحقيقة أعلنت لبطرس، فأوصى المؤمنين قائلاً انموا في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح (2 بطرس 2: 18). فالله أبو المجد في محبته ينزل المن الجديد من السماء في اتجاه حاجة المؤمنين، وقد قال الرسول يعقوب أنه يعطي الجميع بسخاء ولا يعير (يعقوب 1: 5) ونلاحظ في طلبة بولس أن العطايا الصالحة تنبع من المسيح المدخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم... والذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2: 3 و9).

الصلاة: أيها الرب سيدنا، ما أعظم اسمك في كل الأرض. اللهم نشكرك من صميم قلبي لأجل رسلك الأطهار الذين أنذرونا وعلمونا، وبلغونا رسالتك. أعطنا أن نقتدي بسيرتهم وأن نسلك بموجب إرشاداتهم.

18مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ.

تتكلم هذه الآية عن الغاية القصوى والكمالية في صلاة الرسول. وهي أن يحاط المؤمنون علماً برجاء دعوة أن الله العليا في المسيح يسوع. ما هي إذاً هذه الدعوة التي يعلق الرسول عليها رجاء، هذا مقداره بالنسبة للمستقبل. وهذه قوته بالنسبة للحاضر؟ إنها الدعوة الإلهية، التي تتيح لنا الاشتراك في مواعيد وقوة الإنجيل، وفي غنى المسيح، الذي لا يستقصى، والذي دعانا نحن لكي نكرز به بين الأمم. إن الرجاء المتعلق بهذه الدعوة، مؤكد ومضمون لنا. لأن الله بواسطة غنى مجده، يمنحنا أن نتأيد بالقوة بروح الله في الإنسان الباطن. ليحل المسيح بالإيمان في قلوبنا لؤصلنا في المحبة، فندرك مع جميع القديسين إبعاد محبة الله الفائقة المعرفة. وهكذا يستطيع الله بقوته العاملة فينا أن يعمل بلا نهاية، فوق ما نطلب أو نفكر.

وعلاوة على ذلك، فهذه الدعوة مع الرجاء المتصل بها، ستلمع أكثر فأكثر في كفاحنا ضد قوات الظلمة، التي تتصدى لسير المسيحي. وتحاول أن تعرقل نمو ونضوج الكنيسة. لأن هذه الدعوة السماوية تظهر وتتثبت في أبان الكفاح، الذي يكبر ويتسع أكثر فأكثر، إلى حين يرن البوق الأخير. حينئذ نترك السيف، لكي نأخذ الإكليل. وعندئذ تنال الجراحات والإهانات جزاءها، لأن نظرة الإيمان إذ ذاك تترك المكان للحقيقة. وفقاً لقول الرسول: «قَدْ جَاهَدْتُ ٱلْجِهَادَ ٱلْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ ٱلسَّعْيَ، حَفِظْتُ ٱلإِيمَانَ، وَأَخِيراً قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ ٱلْبِرِّ، ٱلَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ ٱلرَّبُّ ٱلدَّيَّانُ ٱلْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ» (2 تيموثاوس 4: 7 و8).

هكذا كان مبحث صلوات رئيس كهنتنا العظيم في المجد أنه يثير فينا الشوق لامتلاك ميراثنا والتمتع به، وبانتظار ذلك ينبغي أن نسلك هنا بصورة تليق بدعوتنا، التي دعينا بها بكل تواضع ووداعة.

وتتكلم الآية عن غنى مجد الميراث الإلهي في القديسين. ومما تجب ملاحظته في هذا المقام، هو أن كل كتبابات العهد الجديد، تغوص جذورها في العهد القديم. ففي سفر الخروج يقول الله لأتقيائه: أنتم لي خاصة (خروج 19: 5) وهذا القول يماثله ما أوحى إلى بطرس: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ ٱقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ ٱلْعَجِيبِ» (1 بطرس 2: 9).

فكلمة الرسول بولس إذاً، ترمي إلى ما هو أهم من ميراث الله في القديسين. لأنه أي شيء في البشر، يليق بأن يكون ميراثاً لله؟ ولكن الله في حبه العجيب، افتدى الإنسان بدم المسيح، وبرره وقدسه وأعطاه امتياز الشركة في القداسة الإلهية. وهذا القداسة المجيدة المكتملة، هي مجد ميراث الله في القديسين. ولعل هذا ما أراده الرسول الكريم بكلمة «حرية مجد أولاد الله» (رومية 8: 11) إذ يكونون حينئذ قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة، فمن اليديهي إذا أن المؤمنين الذين جملهم الله بالخلاص (مزمور 49: 4)، واختارهم للقداسة وعينهم للتبني بالنعمة، وختمهم بالروح القدس، يكونون ميراثه وهو ميراثهم.

لا نبخس ربنا يسوع حقه الذي له علينا لأجل أكلة عدس، كما فعل عيسو الذي حسب مستبيحاً. ولا نزدري بأي من امتيازاتنا المتعلقة ببكوريتنا. في هذا الاتجاه، يحض بولس أهل كولوسي، قائلاً لهم: «شَاكِرِينَ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلنُّورِ، ٱلَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ ٱلظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ٱبْنِ مَحَبَّتِهِ» (كولوسي 1: 12 و13).

هل عرفت غنى مجد ميراث الله في القديسين؟ إنني أتمنى بتوق الروح أن تكون منهم. وهذا ميسور لك، بقبول يسوع مخلصاً. لأن الكتاب العزيز يقول: أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله.

الصلاة: أيها السيد رب الجنود. أعترف أمامك بجهالتي ولا أكتم إثمي، سائلاً ومتوسلاً أن تقبل توبتي. وتنير عيني ذهني لكي أعلم ما هو رجاء دعوتي. أعطني قوة لكي أسلك كما يحق للدعوة التي دعوتني بها. آمين.

19وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ ٱلْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ 20ٱلَّذِي عَمِلَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ، 21فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ ٱسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هٰذَا ٱلدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي ٱلْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً.

(19) جميل من الرسول أنه طلب لأجل أحبائه الأفسسين أن يعرفوا ما هو رجاء دعوة الله، وغنى مجد ميراثة في القديسين، «وعظمة قدرته الفائقة نحوهم». ولكن الأجمل أنه سأل من أجلهم ضارعاً أن يعرفوا كل هذه الأشياء في صلتها بالمؤمنين. إنها فعلاً طلبة عظيمة، ولعل أعظم ما فيها بالنسبة لنا كمؤمنين هي علاقتها بنا.

إن رؤى الرسول المغبوط، والوساطة الناجمة عنها بلغت هنا ذروة الإعلانات التي يرغب في أن نحاط علماً بها. وحين صلى هكذا، كان يحذر من خطر محدق بكل الذين يتفاخرون بكونهم الأقرب من الحقيقة. لأن الحقائق الأكثر علواً وقداسة بالنسبة لهم يمكن أن تجمد بأبسط المعارف العقلية التي حشوا بها أدمغتهم. مما يجعل كل شيء في خدمتهم مجرد كليشهات أو مجموعة أقوال بلا قوة. وقد أشار صاحب الإعلان إلى هذا الفخ حين قال لكنيسة اللاودكيين، إن الذهب، أي ذهب المعرفة الكتابية، يجب أن يصفى بالنار (رؤيا 3: 18).

فالله في اهتمامه بنا لا يريد أن تكون معرفتنا عقلية بسيطة، وإنما يشاء أن تكون معرفة حقيقية روحية. لندرك ما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا المؤمنين، التي لم يعرف الرسول سوى بعضها (1 كورنثوس 13: 9) ولكن الله يشاء أن نعرفها ددرجة تلو درجة، إلى أن تغمرنا هذه المعرفة، وتوجهنا في حياتنا العملية أحسن توجيه.

في هذه الأيام، حيث تعمل القوى البشرية متحالفة مع قوى الشر، يحسن بك أن تلاحظ دعوتك منجهة المعرفة. فلا تصدق كل روح تعليم، بل امتحن الأرواح، هل هي من الله، لأن أنبياء كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرف روح الله: «كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ ٱللّٰهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ» (1 يوحنا 4: 2 و3).

كل شاب مسيحي حصل على توجيه نقي، يعلم بأن الإنسان ليس مجرد جسد ونفس. أي أنه ليس حياة جسدية، ولا حياة نفسانية، بل هو قبل كل شيء كائن روحي، وقد قال الرسول إنه هيكل للروح القدس (1 كورنثوس 6: 9) فالروح المبارك الساكن في قلب المؤمن (يوحنا 14: 17) يدخل المؤمن في شركة المسيح (1 كورنثوس 6: 17) هذا هو المناخ الروحي الذي دعينا لكي نعيش فيه، والذي فيه يشعر المؤمن بأن الله فعلاً اختاره. ولهذا فهو يحرص على أن يجعل دعوته واختياره ثابتين. وقد عرف بالاختبار أن كل مسيحي أخذ روح التمييز تنفصل حياته شيئاً فشيئاً عن الجسدانيات والنفسانيات لتحلق في عالم الروح. لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله، لأن عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه (1 كورنثوس 2: 14-16).

(20) إن قيامة المسيح هي الحجر المركزي في المسيحية. ومن هذه الزاوية يجب أن نذكر أن في قيامة جسد المسيح، التي هي عربون قيامة جسدنا عملاً روحياً، أقام المسيح به كل المتحدين به، من فساد إلى مجد ومن اللعنة والانكسار، إلى البركة والانتصار. وكلما تأملنا في قيامة المسيح من بين الأموات، وجلوسه في يمين الآب، نرى في ذلك مثال التغيير الذي حدث لنا في حالنا الروحية منذ أن قبلنا المسيح مخلصاً، والذي سيتم في المجد، حين بالبر ننظر وجهه ونستيقظ بشبهه (مزمور 17: 15).

(21) هذه الآية تصف المسيح في سمو رفعته «فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة واسم». وقد أتى بولس بهذا الوصف، ليحقق للمؤمن فوائد الفداء التي ينالها كل مؤمن باتحاده بالمسيح.

وبقوله: «ليس في هذا الدهر فقط، بل في المستقبل أيضاً» أراد الرسول أن يتحدى الأجيال بسلطان المسيح المطلق. وهذا يوافق قوله في رسالة فيلبي: «لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (فيلبي 2: 9-11).

فعرش المسيح متعال جداً فوق كل رياسة، وسلطته واسعة جداً، فوق كل سلطان. ورفعته أزلية أبدية، في الحاضر والمستقبل وإلى الأبد.

الصلاة: عظيم أنت يا رب في ذاتك. كل شيء في سلطانك. من قدم أسست الأرض وهي عمل يديك. لك ينبغي التسبيح. وباسمك يليق الحمد اقبل شكر قلوبنا لأجل مراحمك التي هي لنا كل يوم. أدم لنا هذه المراحم لأجل خاطر يسوع. آمين.

22وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، 23ٱلَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ ٱلَّذِي يَمْلأُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ.

(22) في هذه الآية يصف الرسول الملهم بالروح القدس، الدرجة الثالثة في رفعة المسيح «إخضاع كل شيء له» وكأنه يقول: هكذا حقق فادي البشرية ذلك النصيب الأكمل، الذي أراده وأعده الله للإنسان الكامل، الملخوق على صورة الله في البر وقداسة الحق. وذلك وفقاً للكلمة الإلهية: «وَبَارَكَهُمُ ٱللّٰهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلأُوا ٱلأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا» (تكوين 1: 28) هذا الامتياز تكشف ذات يوم لرجل الله داود، فقال متعجباً: «فَمَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَٱبْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ... تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ» (مزمور 8: 4-6).

ورب سائل يقول: إن ان الله قد أعطى هذه الامتيازات للإنسان. فلماذا يسمح للتجارب والضيقات أن تقع على أولاده؟ لأنه يريد أن نعرف ربنا يسوع المسيح في «قُّوَةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ» (فيلبي 3: 11) ولكي نشترك في قداسته (عبرانيين 12: 10). بهذا التدريب الذي سماه كاتب الرسالة إلى العبرانيين تأديباً، ندرك ماذا يعني العمل الكامل الذي أتمه فادينا على الصليب. هذا ما أشار إليه الرسول حين قال: «إِذْ جَرَّدَ ٱلرِّيَاسَاتِ وَٱلسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ» (كولوسي 2: 15). وهذا يوافق قول يوحنا: «لأَجْلِ هٰذَا أُظْهِرَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ» (1 يوحنا 3: 8).

اذكر هذا أن المسيح لكي يكسر القيود التي كبلك بها سلطان الشر، ويرسلك في الحرية، احتمل موت الهوان على الصليب. لذلك فالمناسبة تهيب بك أن تلاحظ دعوتك فلا تتجاهل قوة عدو النفوس ولا تترك الكفاح ضده، سواء كان ذلك حباً بالنوم، أم بسبب نفسير خاطئ لبعض نصوص الكتاب المقدس. فهذا معناه الاستسلام لانجذابات العدو، التي إن لم نصدها تقودنا إلى الغفلة والتحجر في الشكليات.

يا أولاد الله، لا تخافوا من الجهاد؟ لأن الجهاد يعلمكم، أن تعرفوا عظمة إلهكم الفائقة نحوكم. ويقودكم إلى معرفته الكاملة في شركة الود مع مخلصكم، الذي ديعتم لتكونوا متشابهين صورته. وبالتالي لتكونوا معه لتنظروا مجده. لأنكم بفدائه صار لكم الوعد بالشركة في ميراثه. هذا الاختبار الروحي، في حياة الذي يسلك كما يليق بالرب، يتيح لنا أن يثبت في الرب ويكون لنا وعد يسوع للمنتصرين في لاودكية: «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي» (رؤيا 3: 21).

(23) يختم الرسول المغبوط صلاته، متكلماً لأول مرة عن هذا السر العظيم الذي لكنيسة يسوع المسيح. فيعلن لنا أنها كاملة في فكر الرب. وعليها أن تكون كذلك في أفكار أولاده. وما أجمل مناخ «كنيسة الله التي اقتناها بدمه» الذي فيه نتنفس هواء السماء البالغ النقاوة! هذا المناخ متأت عن كون يسوع هو الرأس والكنيسة أعضاء جسده. ونحن كأعضاء في هذا الجسد ا لمقدس، دعينا لكي نحفظ وحدانية الروح برباط السلام.

في الأصحاح الثاني من هذه الرسالة، يمتد بنا الرسول إلى حقيقة الخراب الأرضي، الذي يشاء الرب أن نسلك حياله بطريقة لائقة بالدعوة التي دعينا بها. وكأولاد نور علينا أن نحيا كما يحق لهذه الرؤى السماوية التي وضعها الرسول أمامنا، متحملين في ذات الوقت قسطنا من الآلام ووضع النفس، التي تنتابنا ونحن نرى الخراب والشكوك والظنون التي يعاني منها العالم الذي نعيش فيه، والذي دعينا لكي نسلك فيه كأولاد نور متمسكين بكلمة الحياة.

وهناك حقيقة تجب الإشارة إليها وهي إن كنا قد ارتدينا القوة التي سألها الرسول في صلاته من أجل أحبائه الأفسسيين، وإن كنا قد اختبرناها فعلاً، فإن الجدير بنا أن نتخلص من الشكليات السائدة في المسيحية الاسمية، والتي جمدت نشاط الكنيسة لأجل نشر ملكوت المسيح. وأن لا نتساهل أمام أي فكر يتجنى على الحق والاستقامة اللذين في المسيح.

الصلاة: أيها السيد الرب إلهنا. نشكرك للدعوة التي دعوتنا بها، لكي نكون أعضاء في كنيسة المسيح التي هي جسده وهو رأسها. أعطنا القوة لكي نعيش في نقاوة قلب وطهارة سيرة كما يليق بقديسين. آمين.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي

1وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِٱلذُّنُوبِ وَٱلْخَطَايَا، 2ٱلَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هٰذَا ٱلْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ ٱلْهَوَاءِ، ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ ٱلآنَ فِي أَبْنَاءِ ٱلْمَعْصِيَةِ، 3ٱلَّذِينَ نَحْنُ أَيْضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ ٱلْجَسَدِ وَٱلأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِٱلطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ ٱلْغَضَبِ كَٱلْبَاقِينَ أَيْضاً.

(1-3) بعد أن تكلم الرسول في الأصحاح السابق عن أفكار وطرق الله نحو المؤمنين، وبعد أن صلى لأجلهم، بدا يهبط بنا إلى جب هلاكنا. قال: «وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا». والموت المقصود هنا هو الموت الروحي. الذي هو بعد النفس عن الله. لأنه كما أن الموت الجسدي ينشأ عن ا نقطاع الصلة بين الجسد وأسباب الحياة كالماء والهواء والغذاء. كذلك يقع الموت الروحي عند انقطاع الصلة بين النفس والإله الحي، الذي هو مصدر حياتها.

في الحقيقة أن الإنسان ليس مجرد ضحية، جنى عليها المجتمع. بل هو نفسه جان ومسبب ألماً للآخرين. وحين نتأمل الناس حولنا نرى أن كثيرين أشرار، وكلهم بالطبيعة أرديا. وكل واحد يتهم قريبه. وهذا ما أشار إليه الرسول إذ قال: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ ٱلنَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ ٱلْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ ٱللّٰهِ... إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِٱلْفِدَاءِ» (رومية 3: 19، 23، 24).

فالإنسان في حالته الطبيعية، لا يحتاج إلى إصلاح بل إلى تجديد. قد يظن بعضهم أن التدين، يستطيع أن يحل المشكلة. ولكن التدين مهما بلغ الإخلاص فيه، لا يستطيع أن يخلص، لأنه مبني على تقاليد من صنع الناس حسبها المسيح عبادة باطلة (مرقس 7: 9). الإنسان كما هو يحتاج إلىكلمة الله المعلنة، التي تحرره وتنقي قلبه من الشوائب (يوحنا 15: 3). لذلك يجب أن ندرسها لكي تدخل النور إلى نفوسنا. لأن كلمة الحق إنجيل الخلاص، تعبير للحياة الإلهية في الإنسان، بدليل قول المسيح: «اَلْكَلاَمُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يوحنا 6: 63).

لما كان لكلمة الله الحية هذا التأثير الفعال في حياة الناس، فقد نشط الشيطان وأعوانه من بين البشر ضدها. فتناولوها بالنقد والتجريح وقصدهم إبعاد الناس عنها وصدهم عن مطالعتها.

ونلاحظ في هذا الفصل من رسالته، أن بولس، حرص على أن يقتاد المؤمنين إلى قمة الإعلان الإلهي. ولكنه قبل كل شيء أراد أن نتأمل في طبيعتنا الساقطة: ولهجة الرسول هنا ترتدي طابع الخصوصية، لأنه يتكلم عن كل إنسان كما هو في الطبيعة «ابن الغضب» ويقرر مسؤوليتنا الفردية. وبكلمة أخرى أن الرسول أراد أن يذكر كل إنسان أنه كائن أدبي، وأن العدل الإلهي يجعله مسؤولاً أمام الله عن تدعور أدبياته. لأن الله جعل في كل منا ضميراً حياً، يحكم على الأمور ويميز خيرها من شرها. بمعنى أن الإنسان حتى الطبيعي، يشعر بمذنوبيته. ولكن للأسف فإن بعض الناس يستسلم إلى طغيان الجسد، وبعض آخر ينجرف في تيار هذا العالم، الذي وضع كله في الشرير. والجميع مع أنهم يتعلمون ويتفقهون، إلا أنهم بسبب تفضيل أعمال الظلمة لا يستطيعون أن يقبلوا إلى معرفة الحق (2 تيموثاوس 3: 7).

ولعل أشر ما في حالة أبناء هذا الدهر، هو أنهم في ممارستهم الدينية والاجتماعية صاروا ألعوبة في يد الحكمة البشرية والتدين الشكلي، الذي له صورة التقوى ولكنه خال من قوتها. وهكذا أوجدوا أنفسهم بلا خلاص وبلا رجاء في العالم.

صحيح أن يد الرب لم تقصر عن أن تسمع (إشعياء 59: 1) ولكن الرب لا يخلص إنساناً رغم إرادته! وصحيح أن الرب رحوم، ولكن رحمته لا تتدخل، إلا إذا أقر الإنسان بذنبه وقبل خلاص الله الذي أعده في المسيح يسوع.

الصلاة: أعترف أمامك يا إلهي، بأنني بالطبيعة ابن الغضب ولكنني أطرق باب نعمتك باسم الفادي يسوع، متوسلاً أن تقبل توبتي وتغفر آثامي وتجعلني ابناً للرضى. آمين.

4اَللّٰهُ ٱلَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي ٱلرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ ٱلَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، 5وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِٱلْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ ٱلْمَسِيحِ - بِٱلنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ -

(4-5) من المناخ المليء برائحة الموت بالخطايا، انتقل بنا الرسول إلى جو نقي مفعم برائحة المبحبة والنعمة، وقد استهل قوله باسم الجلالة «الله» وهل من كلمة يتلفظ بها الإنسان لتعبر عن اطمئنانه وبهجة قلبه مثل هذه الكلمة الله؟! ثم يعقب الرسول الكريم على اسم الجلالة بثلاث كلمات رائعة: الرحمة والمحبة والنعمة.

  1. الرحمة: في رومية 9: 20-23 نقرأ هذه العبارات: «مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي تُجَاوِبُ ٱللّٰهَ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هٰكَذَا؟» أَمْ لَيْسَ لِلْخَّزَافِ سُلْطَانٌ عَلَى ٱلطِّينِ أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟ فَمَاذَا، إِنْ كَانَ ٱللّٰهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُّوَتَهُ، ٱحْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ - وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ» ففي كلتا الرسالتين شاء الرسول أن يوجه الأنظار إلى البون الشاسع بين حالين: حال طبيعة كان عليها المفديون قبل إيمانهم، وحال أٰخرى أوصلتهم إليها النعمة الإلهية بعد أن آمنوا. وما أشبه هذا التطور في حياتهم بعمل الخليقة، حين كانت الظلمة على وجه الغمر، فقال الله: «لِيَكُنْ نُورٌ» فَكَانَ نُورٌ... وَفَصَلَ ٱللّٰهُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ» (تكوين 1: 1-4).

  2. المحبة: المحبة جوهر صفات الله، كما هو مكتوب: «الله محبة» (1 يوحنا 4: 16) وقد بين لنا محبته، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لاجلنا (رومية 5: 8). هذا هو سر الفداء، محبة الله. «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16). قال أحد الأتقياء بمكن للناس أن يتبينوا آيات يدي الله مطبوعة على سفر عنايته، إلا أنهم يحسون بنبضات قلبه المحب حين يلقون نظرة على الصليب.

    إن المحبة التي أشار إليها بولس هنا ليست محبته العامة لجميع الخلائق المعبر عنها بإحسانه ولطفه (تيطس 3: 4) وإنما هي عاطفته القلبية نحو أبنائه المؤمنين، الذين اختارهم ليكونوا قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة.

  3. النعمة: قال الرسول: بالنعمة أنتم مخلصون. وقال في رسالته إلى أهل كورنثوس: «فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ ٱفْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ» (2 كورنثوس 8: 9). فالنعمة المشتقة عن هذا الحب العظيم، تعبر عن قلب الله الغني بالرحمة، التي تتغعاضى عن جهالات الماضي، وتبدل الحاضر من فاسد إلى طاهر، وتعطي المؤمن ضماناً أكيداً للمستقبل. لأجل ذلك يحضنا بطس لننمو في الروحيات، إذ يقول: «ٱنْمُوا فِي ٱلنِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2 بطرس 3: 18).

كل هذا من أجلنا، ولكن ليس لاستحقاق فينا، ولا لبر في أعمال عملناها. بل بمقتضى رحمته الغنية، ولأجل محبته الكثيرة، التي أحبنا بها. فنعمة الله تلك القبة السماوية التي لا يمكن أن تستقصي أبعادها، والتي أنوارها مركزة على يسوع وإياه مصلوباً. وفي كلمة أخرى أنه فيما العالم يقبع في قلب الظلمة البغيضة، أشرق الله بنوره حب ابنه على كل ابن ضال، صمم على العودة إلى حضن أبيه. وقوة هذا الحب العجيب الذي كلف الله موت ابنه الحبيب، عملت وما زالت تعمل بالنعمة من أجل الجنس البشري، من أجلنا نحن. إنها تحاصرنا من خلف ومن قدام من وفوق ومن أسفل، وتجاهد فينا لكي تصيرنا إلى صورة ابن الله.

لقد أحيانا مع المسيح بالولادة الروحية، واهباً لنا المواعيد العظمى والثمينة، التي بها صيرنا شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة (2 بطرس 1: 3-4) لقد أعطانا طبيعة جديدة وأفكاراً جديدة تتيح لنا السلوك فصاعداً بحسب ناموس روح الحياة في المسيح يسوع، محطماً عنا قيود ناموس الخطية والموت (رومية 8: 1 و2).

إذا فبقدر ما أنمو في المسيح بواسطة كلمته العاملة فيّ تتلاشى طبيعتي العتيقة، تاركة المكان للحياة الإلهية، وفقاً لقول يوحنا المعمدان: «يَنْبَغِي أَنَّ ذٰلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ» (يوحنا 3: 30).

من جهة اختباري أقول: إن من أهم الأدلة على محبة الله التي تفوق كل عقل هو النعمة التي أتاحت لي القدرة على حياة جديدة عليها ملامح المسيح. وفي تعبير آخر، إني قبلت خلاص المسيح فحدث تغيير في حياتي، وكان نموي في المسيح يسير تبعاً لما أتحت لمخلصي أن يعمل في حياتي. وذلك استجابة لإيماني وطاعتي.

الصلاة: أشكرك ايها الرب المسيح، لأنك رحمتني وتغاضيت عن ذنوبي وسترت عيوبي بالفداء، كما عملك الصالح في حياتي منعماً، إكراماً لمحبتك. آمين.

6وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، 7لِيُظْهِرَ فِي ٱلدُّهُورِ ٱلآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ ٱلْفَائِقَ بِٱللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ.

(6) القيامة مع المسيح: هي انعتاق وتحرر للمؤمن، وفاقاً للقول الرسولي: «لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ» (رومية 8: 2). فمخلصنا له المجد قطع ربط الموت، التي نجمت عن حب العالم الحاضر، والتي كانت تقيدنا. وقد قطع هذه الربط لكي يقيمنا معه، ويجلسنا معه في السماويات منذ الآن. لأنه بإقامتنا معه روحياً جعل سيرتنا في السماء، وفقاً لإرادة الآب رب السماء.

لقد عرف بالاختبار أن عمل المسيح، يتيح لنا أن نسير قدماً في مرحلة جديدة من حياتنا تختلف عن مراحل الماضي. صحيح أننا ما زلنا في العالم، ولكننا في حياة الشركة مع فادينا، نبدو وكأننا لسنا من العالم لأننا نعيش منتظرين ذلك اليوم الذي فيه تتم لأجلنا طلبة المسيح حين قال في صلاته الشفاعية: «أَيُّهَا ٱلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هٰؤُلاَءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 17: 24).

لقد وصف الرسول الذين أجلسهم المسيح معه في السماويات بالغرباء والنزلاء (عبرانيين 11: 13) وأهاب بهم أن يتصرفوا وفقاً لذلك إذ قال: «إِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فَٱطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ ٱلْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ. ٱهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱللّٰهِ» (كولوسي 3: 1-3).

إن كلمة «أجلسنا معه في السماويات» ترفع أفكارنا إلى صعود المسيح بعد أن أكمل الفداء. وكأن الرسول يقول، نحن شركاء المسيح في القيامة والصعود باعتبار اتحادنا به وكونه رأسنا ورئيسنا وفادينا وولينا ونائبنا وبكلمة أخرى أننا بقيامة المسيح، قمنا من موت الخطية وانتقلنا من حال الدينونة والشقاء، إلى حال الغفران والسعادة.

اذكر هذا. أن المسيح إذ كنت في حالة العداوة مع الله صالحك بموته على الصليب. فبالأولى كثيراً وأنت مصالح به الآن أن تخلص بحياته (رومية 5: 10) وبانتظار أن تراه كما هو، أعطاك امتياز وشركة القديسين لتكون سفير عنه كأن الله يعظ بك، تطلب عن المسيح تصالحوا مع الله (2كورنثوس 5: 20).

(7) إن غاية الله من عمل الفداء، إظهار محبته غير المحدودة وغنى معمته الفائق ولطفه الذي لا يستقصى لمن لا يتسحقون. بحيث نرى في خلاص كل خاطئ آية جديدة تدل على نعمة الله، كما أوضح الرسول نفسه حين قال: «لِهٰذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَّوَلاً كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالاً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ» (1 تيموثاوس 1: 16).

إن لطف الله علينا في المسيح ظاهر من كوننا غير مستحقين تلك النعمة. وقد قال المسيح أن الله منعم على غير الشاكرين والأشرار (لوقا 6: 35).

صحيح أن لطف الله نحو البشر ظاهر في الطبيعة، حيث أعد الله للإنسان كل أسباب التمتع. إلا أن الطبيعة مشوبة بأمور قاسية كالزلازل والبراكين والإعصارات المدمرة. ولكن في المسيح، ظهر لطف الله غير مشوب بقساوة. ففي حياته وتعليمه وموته عنا دليل على عناية فائقة وحب لا نظير له.

الصلاة: الشكر لك أيها السيد رب الخلاص للحب العجيب الذي أحببتنا به قبل تأسيس العالم. ولأنك في ملء الزمان عبّرت عن هذا الحب بالفداء العظيم، فخلصتنا بالنعمة. ثبتنا في هذه النعمة ولك كل الشكر.

8لأَنَّكُمْ بِٱلنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِٱلإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ ٱللّٰهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.

يختم الرسول هذا المقطع من رسالته بهذا الإعلان المجيد، «الخلاص بالنعمة» وبكلمات وجيزة بيّن أعظم حقيقة سماوية. وهل من حقيقة أمجد من هذه، أن يكون عدد لا يحصى من المؤمنين، قد حصلوا على خلاصهم بالاستناد إلى هذه العبارات، وتأكدوا من إيمانهم؟!

ومن دواعي غبطة المخلص بالنعمة أن الله في غنى لطفه خلص المؤمن من الخطية ومن إثمها ومن سلطانها. وخلصه من قوات الظلمة، التي تلف العالم، وتدير حياة البشر. كما قال الرسول بولس آنفاً أن الإنسان الساقط، قد خلص، لكي يمتلك هنا على الأرض صحة أدبية كاملة. ولكي يستطيع أن يعيش لأجل يسوع المسيح ويخدمه. وفقاً للكلمة الرسولية القائلة: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلّٰهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ!» (عبرانيين 9: 14).

«بالنعمة مخلصون» كلمة معناها أنه ليس إنسان يمستطيع أن يخلص نفسه. لأن الخلاص من الله، وهو يعبر عن نعمته ورحمته، التي لا تستقصى، وحبه الذي ظهر في تجسد المسيح وموته النيابي عن الخاطي على الصليب، الذي هو النقطة الفاصلة في خلاص العالم. مات عن خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا. وهذا يعني أن كل ما يمكننا أن نرجوه من الله أو نناله، إنما يصدر من النعمة فقط.

تقول الكلمة الإلهية أنه أمام الله لا يتبرر ذو جسد. فلا أعمال الإنسان ولا اجتهاداته الذاتية بمستيطعة أن تخلصه. والكلمة الإلهية لفظت حكمها، قائلة: «لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِٱلْفِدَاءِ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً بِٱلإِيمَانِ بِدَمِهِ، لِإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ ٱلصَّفْحِ عَنِ ٱلْخَطَايَا ٱلسَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 22-25).

أمام الفداء يقر الإنسان بأن الدينونة التي تهدده هي حق. ولكن قصاصه قد رفع لأن يسوع دفع أجرة الخطية عنه، وبذل نفسه لأجل خلاصه. هكذا «ظَهَرَتْ نِعْمَةُ ٱللّٰهِ ٱلْمُخَلِّصَةُ لِجَمِيعِ ٱلنَّاسِ... وَلٰكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللّٰهِ وَإِحْسَانُهُ - لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا» (تيطس 2: 11، 3: 4 و5).

إن النعمة التي يوزعها الله لا تتضمن أي التزام من قبله تعالى. فهو يخلص بكل بساطة كل من يؤمن، لأنه يحب خليقته وإن كانت ساقطة (يوحنا 3: 16) ومن أعمال النعمة أنها تشعر الإنسان بمذنوبيته وبحقيقة الحكم عليه، بحيث تثير فيه القناعة بأنه لا يمكن أن يتبرر بوسائله الذاتية. فيقبل إلى المخلص.

«بالنعمة مخلصون بالإيمان» هذه الكلمة تبين أنه مقابل حبه الفائق ورحمته الغنية باللطف، يطلب الله من الإنسان شيئاً واحداً أن يؤمن! هكذا نقرأ: «لأَنَّكَ إِنِ ٱعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ ٱللّٰهَ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ ٱلْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَٱلْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ» (رومية 10: 9 و10).

فالإيمان الخلاصي هو عطية الله الكاملة للإنسان. والرسول إذ يشدد على هذه النقطة يظهر خطورة جنون الإنسان، الذي يدعى بأنه يخلص بأعماله الذاتية، أو باستحقاقاته الشخصية. وبهذا يتحدى الله ببره الذاتي. فهلا فكرنا في ادعاء كهذا! وهلا وزناه في ميزان الحقيقة!

أنا لست مخلصاً بأعمالي الحسنة، أو باستحقاقاتي، بل أنا مخلص بفداء مخلصي وباستحقاقاته. وهذا بالنعمة الإلهية الغنية بالغفران.

في الحقيقة لو كان الخلاص من الأعمال لكان أجرة يجب على أن أن يؤديها. وللخاطي حق أن يطلبها، أو يطلبها بفخار. وعندئذ تشطب كلمة نعمة من معاجم اللغة، ويكون موت المسيح باطلاً.

كلا! أنه يستحيل على الله أن يرضى بأن يقف الخاطي أمامه معجباً بنفسه، ناسياً خلاصه إلى استحقاقه. لقد دفع الرسول ذلك بما أتى بن من الاحتجاج المفصل إلى أهل رومية. وقد استهله بالقول أين الافتخار قد ا نتفى (رومية 3: 27).

الصلاة: اللهم أبا الرأفة، وإله كل تعزية، إنني أشكرك لأجل النعمة المخلصة، ولأجل الإيمان الذي وهبتني ليتجاوب مع نعمتك الغنية بالصفح. قوني في إيماني حتى أثبت في خلاصي. آمين.

10لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.

«بالنعمة أنتم مخلصون... أنتم عمله، مخلوقين في المسيح» عبارات تدل على أن الخلاص عمل الله وعطية منه. والمطلوب من الإنسان أن يقبل بالإيمان ما أعده الله له. بمعنى أن الذي نال خلاص الله بكليته عمل مخلصه. وكأنه كتلة من الطين في يدي الخزاف فصنع منها آنية للمجد. أو كأنه خشبة في يدي النجار الإلهي عمل فيها، فأزال قشورها الطبيعية وهذبها ووشاها بذهب طبيعته السماوية واستعملها في بناء بيته الروحي. هذا ما أشار إليه بطرس بقوله: «قُدْرَتَهُ ٱلإِلٰهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَٱلتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ ٱلَّذِي دَعَانَا بِٱلْمَجْدِ وَٱلْفَضِيلَةِ، ٱللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا ٱلْمَوَاعِيدَ ٱلْعُظْمَى وَٱلثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلإِلٰهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ ٱلْفَسَادِ ٱلَّذِي فِي ٱلْعَالَمِ بِٱلشَّهْوَةِ» (2 بطرس 1: 3 و4).

إن الكلمة «نحن عمله» حين نقابلها بما ورد في رسالة رومية 1: 20 يتضح لنا أن المسيحي مدعو لأن يكون فصيدة الله أمام العالم. أو كما عبر عنه بولس في مكان آخر: «أنتم رسالة المسيح»... «أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ ٱلْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ» (2 كورنثوس 3: 2 و3).

في هذا الإعلان حقيقة عظيمة وحافز ملهم، ولكن في الوقت عينه تحذير خطير. فكل إنسان هو رسالة مفتوحة ليسوع المسيح. وكل مسيحي سواء أراد أم لم يرد هو إعلان للمسيح والمسيحية. أي أن كرامة الكنيسة ومجد المسيح يتركزان في أيدي تابعيه. فالعالم يحكم على المسيح من خلال ما يرونه من سلوك تابعيه. فقد شهد ديك شبرد الذي ظل سنين عديدة يعظ الناس أنه اكتشف أن أكبر معطل يعرقل عمل الكنيسة في العالم هو الحياة غير اللائقة وغير المدققة التي يعيشها عدد كبير ممن يزعمون أنهم مسيحيون. فليتنا عندما نخرج إلى العالم يكون فينا الإحساس بالمسؤولية التي علينا، وهي كوننا رسائل أو إعلانات عن المسيح.

«نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع» أي أن كل مؤمن بالمسيح، هو في المسيح خلقة جديدة. والله يوضح لنا بهذه الكلمة أننا لسنا فقط مخلوقين لنتم عمله. بل نحن قبل كل شيء وجدنا لكي يعمل فينا، ثم ليعبر عن ذاته للآخرين بواسطة حياته فينا. وفي كلمة أخرى أننا قبل أن نخدم الله، يجب أن نكون عمله. هكذا يكيف الذين اختارهم، ليكونوا قديسين وبلا لوم، وفقاً لمخطط الاختيار الذي سبق فأعده قبل تأسيس العالم لأجلهم. أنه بقدرته الخالقة يجعلهم أكفاء للدخول في الخدمة التي وجدوا لكي يقوموا بها. وهذا ما ينتظر من كل مسيحي مخلص بالنعمة.

«مخلوقين في المسيح يسوع» كلمة تعني أنه في الماضي الأزلي رآنا الله، وأنه الآن يرانا أيضاً، ويقيمنا على خدمته في المجتمع! إنه يرى أيضاً إلى أبعد جداً، إلى ما في المستقبل الأبدي. ولكن هناك معارك وانتصارات تفصلنا عن أبواب السماء الذهبية. وعلينا أن نذكر أن الحياة المسيحية والمسيحي نفسه هما نتيجة خلق إلهي جديد، يبدأ منذ الولادة من الله. وينمو إلى صورة ذاك الذي افتدانا.

في الواقع أن الخلاص في المسيح هو عمل إلهي، ولكنه مضوع في أوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا (2 كورنثوس 4: 7) ولكي يؤول هذا العمل الإلهي إلى رفع أصواتنا بالتسبيح لمجده العظيم.

وبإيجاز أن ما قيل هنا يستلزم أن الأعمال الصالحة نتيجة الاختيار والتبرير لا علتها. وهذا يستأصل من المؤمن كل افتخار بها. ولا يستلزم أن المختار للخلاص معفى من الأعمال الصالحة، بل يقتضي أن يكون الذي يخلص غيوراً أمام الله مجتهداً في السلوك في طريق القداسة. كما جاء في قول بولس: «أَنَا أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ ٱلْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ ٱللّٰهِ ٱلْعُلْيَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 3: 13 و14) وعلينا أن نلاحظ أن الله أعد الأعمال الصالحة لكي نسلك فيها لا لكي نخلص بها.

الصلاة: نشكرك يا ربنا، لأنك تريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون. افتح البصائر في هذه الأيام لكي يرى الناس مجدك في الخلاص الذي أعددته بالنعمة، ويقبلوا إلى المخلص الرب. آمين.

11لِذٰلِكَ ٱذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ ٱلأُمَمُ قَبْلاً فِي ٱلْجَسَدِ، ٱلْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ ٱلْمَدْعُوِّ خِتَاناً مَصْنُوعاً بِٱلْيَدِ فِي ٱلْجَسَدِ، 12أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ ٱلْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلٰهٍ فِي ٱلْعَالَمِ.

كانت الكنيسة الأولى التي تأسست في أورشليم تواجه صعوبة كبرى، في موضوع الاعتراف بأن المؤمنين من أصل أممي، لهم ذات الامتيازات للمؤمنين من أصل يهودي. وقد لاقى هذا الموضوع اهتمام كتبة الوحي، فأفرزوا له فصلين من العهد الجديد:

  1. أعمال 15، الذي فيه وصف للمجمع الكنسي الأول، الذي عُقد في أورشليم. وكان جوه في البداية مشحوناً بتضارب الآراء حول مساواة الأمميين، الذين قبلوا يسوع باليهود الذين انضموا إلىالتلاميذ.

  2. كذلك في الأصحاح الثاني من رسالته إلى أهل غلاطية، يشير بولس إلى انقسام كان ناشباً بين المعتبرين في الكنيسة حول الموضوع نفسه. وكان الشق واسعاً بمقدار أن القادة لم يستطيعوا التخلص كلياً من آثاره. ونتج عن ذلك أن بولس اضطر لأن يتخذ مركزاً لعلمه المرسلي خارج أورشليم، إذ جعله في مدينة أنطاكية، حيث كانت له الفرصة للشهادة دون نزاع. ومن هناك انطلق مع برنابا للكرازة بين الأمم. وأتيح له أن يؤسس عدة كنائس في بلدان مختلفة، على الحق الذي في يسوع. وفي كتاباته وعظاته وصلواته، كان يجاهد لرأب الصدع، الذي أحدثه وجود صوتين في الكنيسة حول المساواة بين اليهود والأمم. وقد أعلن للمؤمنين ما سمعه من المسيح «أن الأمم لهم حرية القدوم إلى الله والتمتع بغنى المسيح الذي لا يستقصي وشركة الروح القدس».

(11) أستهل بولس هذا القسم من رسالته بتذكير الأفسسيين بالماضي. وكم هو جميل أن نذكر كيف كنا في الطبيعة، وكيف عملت نعمة الله المجيدة لأجلنا وفينا. لقد صيرتنا في المسيح خلائق جديدة، «ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً»