تصالحوا مع الله |
دراسة في رسالة كورنثوس الثانية
- مقدمة
- الجزء الأول: خدمة المصالحة (أصحاحات 1 - 7)
- 1 - مقدمة لرسالة كورنثوس الثانية (2 كورنثوس 1 : 1 - 11)
- 2 - تأكيد الضمير الصالح (2كورنثوس 1: 12 - 2: 4)
- 3 - نداء في صالح الخاطئ التائب (2كورنثوس 2: 5 - 13)
- 4 - نصرنا يستمر عندما نعلن معرفة الله (2كورنثوس 2: 14 - 17)
- 5 - الخدمة الحقيقية تثمر تغييراً (2كورنثوس 3: 1 - 5)
- 6 - مجد خدمة الإنجيل أعظم من مجد خدمة الناموس (2كورنثوس 3: 6 - 18)
- 7 - رسالة خدمة الإنجيل (2كورنثوس 4: 1 - 6)
- 8 - قوة خدمة الإنجيل (2كورثنوس 4: 7 - 15)
- 9 - رجاء خدمة الإنجيل (2كورنثوس 4: 16 - 5: 10)
- 10 - دوافع خدمة الإنجيل (2كورنثوس 5: 11 - 16)
- 11 - طبيعة خدمة الإنجيل (2كورنثوس 5: 17 - 21)
- 12 - تجارب خدمة الإنجيل (2كورنثوس 6: 1 - 10)
- 13 - دعوة للإنفصال (2كورنثوس 6: 11 - 7: 1)
- 14 - فرح الرسول بسلوك أهل كورنثوس (2كورنثوس 7: 2 - 16)
- المسابقة الأولى في دراسة رسالة كورنثوس الثانية
- الجزء الثاني: خدمة العطاء (أصحاحا 8 ، 9)
- 1 - مثل طيب من أهل مكدونية (2كورنثوس 8: 1 - 6)
- 2 - مَثَلٌ أعظم من المسيح (2كورنثوس 8: 7 - 9)
- 3 - نصائح عن العطاء (2كورنثوس 8: 10 - 9: 5)
- 4 - نتائج حلوة للعطاء (2كورنثوس 9: 6 - 15)
- الجزء الثالث: خدمة بولس الرسول (أصحاحات 10 - 13)
- 1 - بولس يوضح سلطانه الرسولي (2 كورنثوس 10: 1 - 18)
- 2 - سبب توضيح سلطان بولس (2 كورنثوس 11: 1 - 15)
- 3 - آلام بولس لأجل المسيح تبرهن رسوليته (2كورنثوس 11: 16 - 33)
- 4 - إعلان المسيح لبولس يبرهن رسوليته (2كورنثوس 12: 1 - 10)
- 5 - محبة بولس لأهل كورنثوس تبرهن رسوليته (2كورنثوس 12: 11 - 18)
- 6 - بولس سيظهر سلطانه الرسولي عند زيارته القادمة (2كورنثوس 12: 19 - 13: 10)
- 7 - الخاتمة (2كورنثوس 13: 11 - 14)
- المسابقة الثانية في دراسة رسالة كورنثوس الثانية
مقدمة | ||
يحتوي العهد الجديد على 21 رسالة كتبها خمسة من الرسل. والرسالة خطاب يرسله الرسول إلى شخص أو إلى جماعة من الناس بقصد خاص. ورسائل العهد الجديد نجد فيها:
-
رسالة مرسَلة الى شخص، مثل رسالة بولس إلى تلميذه تيموثاوس أو تيطس أو إلى فليمون.
-
رسالة مرسلة إلى كنيسة واحدة، مثل رسائل بولس إلى فيلبي أو كورنثوس، وهي رسالة خاصة تعالج حالة خاصة.
-
رسالة مرسَلة الى عدة كنائس، واسمها رسالة دورية، بمعنى أنها تدور على كنائس مختلفة، فتقرأها كنيسة ثم ترسلها إلى كنيسة أخرى.
والرسالة إلى كنيسة كورنثوس تردّ على مجموعة من الأسئلة وجّهها أعضاء الكنيسة إلى بولس، وتعالج بعض المشاكل التي كانت في كنيسة كورنثوس.
كاتب الرسالة | ||
كاتب هذه الرسالة هو بولس الرسول، الذي كان قبلاً يحمل اسم شاول الطرسوسي. وشاول معناه المطلوب أو المرغوب فيه. أما بولس فمعناه «صغير». وقد جرى التغيير العظيم في حياة شاول، حتى صار بولس، في لقاءٍ شخصي مع المسيح عندما قابله في الطريق إلى دمشق وتحدث معه وغيّر حياته. وقد ورد ذكر قصة تجديد شاول ثلاث مرات في سفر الأعمال في أصحاحات 9 ، 22 ، 26.
ويقولون إن شاول الطرسوسي أخذ اسم بولس من اسم أول شخص ربحه للمسيح، كما يأخذ القائد اسم المدينة التي انتصر عليها، أو الموقعة التي كسبها في الحرب. وكان بولس اسم أول من تجدد على يدي بولس، وهو والي جزيرة قبرص واسمه الكامل «سرجيوس بولس» ولذلك أخذ شاول اسم «بولس». ونجد قصة تجديد سرجيوس بولس في سفر الأعمال الأصحاح 13.
مدينة كورنثوس | ||
-
مدينة كورنثوس هي إحدى بلاد اليونان، وهي قائمة على برزخ ضيق يتصل ببحرين، فكانت ميناءً بمعنى مزدوج. وأهل الموانئ يتعرضون لفساد الأخلاق أكثر من أهل المدن الأخرى بسبب الغرباء الذين يزورونهم، وبسبب البحارة والمسافرين الذين يملأون طرقات بلدهم. وحين يتغرب الناس عن بلادهم ويعيشون في مدينة غريبة قد يفرِّطون في الأخلاق، لأنهم غير معروفين لأحد، فهم لا يقيمون وزناً للرأي العام، ولا يشعرون بالضوابط التي تسيطر عليهم في بلادهم. كانت كورنثوس أشبه بميناء تجاري في العصر الحديث، يمتلىء ميناؤها المزدوج بخليط من الغرباء، لا يردعهم إلا القليل من الموانع التي تمنع الفساد.
-
وهناك صفة ثانية في كورنثوس، وهي أنها كانت تمتلئ بعدد كبير من العبيد الذين كان العالم الوثني القديم يحسبهم أفضل قليلاً من البهائم، ويعاملهم معاملة الأمتعة يتبادلها في الأسواق، فعاشوا غير مسئولين عن أعمالهم، وخلقوا أبشع أنواع الفساد.
-
ثم كانت كورنثوس مدينة جديدة لم يمض على إنشائها أكثر من مائة عام. فقد بُنيت مكان مدينة قديمة تدمّرت، فلم يكن بها قيادة نابعة من البيئة، ولا تقاليد قديمة صالحة، ولا رأي عام قوي. وأقامت فيها طوائف من الناس لا يهتمون إلا بكسب المال فقط. والأخلاق تنحطّ حين تكون الثروة هي الهدف الوحيد للإنسان.
-
وكان هناك عنصر رابع في كورنثوس يزيد الشر فيها، وهي أنها كانت مركزاً لعبادة الزهرة - ربَّة الشهوة - والتحق بهيكلها ألفٌ من الراقصات اللواتي كنّ يخرجن ليلاً لإغواء الناس وجذبهنّ إلى حياة الفساد، باسم العبادة الوثنية الفاسدة.
ونتيجة لهذه المؤثرات الأربعة انحدر أهل كورنثوس الى كثير من الخطأ والشر. واشتهرت المدينة بالخلاعة حتى أصبحت مضرباً للمثل، فإذا قالوا «عاش فلان في كورنثوس» كانوا يعنون إنه فاجر. وإذا قالوا «امرأة كورنثية» يقصدون أنها سيئة الأدب والسيرة.
كيف ابتدأت الكنيسة في كورنثوس | ||
زار الرسول بولس مدينة كورنثوس سنة 53 م، (نجد هذه القصة في سفر أعمال الرسل أصحاح 18). وزارها مرة ثانية سنة 54 - 57 م، ولو أن هذه الزيارة لم تُذكر في سفر الأعمال. غير أننا نستنتج أنها حدثت من قراءتنا لكورنثوس الأولى 16: 6 ، 7. وغالباً زار بولس كورنثوس زيارة ثالثة حدثت أثناء بقائه ثلاثة أشهر في بلاد اليونان، (أعمال 20: 2 ، 3) وكانت الزيارة الثالثة في شتاء سنة 57 - 58.
فماذا قال بولس؟ وماذا علّم في كورنثوس ليترك أثراً عظيماً؟ هناك حقائق تاريخية تثبت فساد المدينة قبل وصول بولس. وهناك حقائق تاريخية تبرهن لنا عن التغيير العظيم الذي حدث فيها.
ماذا علّم بولس حتى استطاع أن يُصلح أولئك الناس ويجدّد حياتهم الفاسدة؟ لا شك أن بولس علَّم عن المسيح المخلّص، الفادي، فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، الذي يطهر قلب كل من يؤمن به، فتخرج من حياته خميرة الخطية، ليملأه الإخلاص والحق. وهو ما قاله في رسالته الثانية «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (2كورنثوس 5: 17).
ولذلك قال الله لبولس عن كورنثوس «لا تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلا تَسْكُتْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلا يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْباً كَثِيراً فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ» (أعمال 18: 9 ، 10). وقد منح الله هذا الشعب الكثير حياة جديدة، نتيجة لقوة المسيح الحي المغيّر الذي يملأ الحياة بالرجاء.
قضى الرسول بولس ثلاث سنوات ونصف في أفسس، ومنها كتب الرسالة الأولى لكورنثوس - وقد بارك الرب خدمته هناك فآمن كثيرون بالمسيح. كما واجهته مصاعب قاسية جعلته يقول «فَإِنَّنَا لا نُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ ضِيقَتِنَا ٱلَّتِي أَصَابَتْنَا فِي أَسِيَّا، أَنَّنَا تَثَقَّلْنَا جِدّاً فَوْقَ ٱلطَّاقَةِ، حَتَّى أَيِسْنَا مِنَ ٱلْحَيَاةِ أَيْضاً» (2كورنثوس 1: 8).
وسافر بولس من أفسس إلى ترواس حيث كان يتوقَّع أن يقابل تيطس - وكان بولس قد أرسل تيطس الى كورنثوس ليطمئنه على أحوال الكنيسة فيها. ولكنه لم يجد تيطس في ترواس، فانشغل عليه للغاية، فسافر إلى مكدونية حيث قابله. وقد قال لأهل كورنثوس «وَلٰكِنْ لَمَّا جِئْتُ إِلَى تَرُوَاسَ... لَمْ تَكُنْ لِي رَاحَةٌ فِي رُوحِي، لأَنِّي لَمْ أَجِدْ تِيطُسَ أَخِي. لٰكِنْ وَدَّعْتُهُمْ فَخَرَجْتُ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ» (2كورنثوس 2: 12 ، 13).
والتقى بولس بتيطس في مكدونية، وسمع منه أخباراً حسنة عن أهل كورنثوس، فامتلأت نفس بولس بالفرح، كما فرح بسبب فرح تيطس، لأن نفس تيطس استراحت بأهل كورنثوس (2كورنثوس 7: 5 - 11).
كتب بولس الرسالة الأولى لأهل كورنثوس لتصحيح بعض الأخطاء، وكان تقرير تيطس أن هذه الأخطاء قد أُصلحت - ولكن بولس فكرَّ أن يرسل لأهل كورنثوس رسالة ثانية لعدة أسباب. وأغلب الظن أن بولس كتب الرسالة الثانية في أواخر سنة 57م، وعالج المواضيع التالية:
-
كان بولس يخاف أن يكون أهل كورنثوس قد استخدموا الشدة المتناهية مع الشخص الذي أخطأ في الكنيسة. وكان قد طلب منهم في الرسالة الأولى (أصحاح 5) أن يشتدّوا في معاملة شخص تزّوَج من زوجة أبيه. فكتب في هذه الرسالة يقول إنه يكفي هذا الرجل من العقاب الذي أنزله به العدد الأكثر من أهل الكنيسة، وإنه خيرٌ لهم أن يصفحوا عنه ويشجعوه لئلا يبتلعه الغم الشديد. فهو يطلب منهم تقديم المحبة لذلك الشخص.
-
أراد الرسول بولس أن يقدم تعليمات بشأن ما يجمعه أهل كورنثوس للفقراء المؤمنين في أورشليم، فقد كان يخاف أن يجئ هو مع بعض أهل مكدونية ليجمعوا تبرع أهل كورنثوس فيجدونهم غير مستعدين، فيخجل الرسول ويخجل أهل كورنثوس. لذلك طلب منهم أن ينظّموا جَمْع ما وعدوا به من إحسان ليكون جاهزاً، لا عن تقتير بل عن سخاء (2كورنثوس 9: 1 - 5).
-
رأى بولس الرسول نفسه مضطراً أن يدافع عن رسوليته ضد المعلّمين الكذبة الذين كانوا يريدون أن يحتلوا مركزاً سامياً على حساب انتقاد الرسول بولس. فقد قال بعض أولئك المعلمين الكذبة إن رسائل بولس قاسية عنيفة، ولكنه عندما يحضر بنفسه سيكون شخصاً ضعيفاً، وسيكون كلامه سخيفاً (2كورنثوس 10: 10). ويعيب بولس على أهل كورنثوس أنهم يقبلون أولئك المعلّمين رغم أنهم يقدمون لهم رسالة تختلف عن الرسالة الحقيقية، ويقدّمونها بروح شيطاني إذ يظهرون بمظهر رسل المسيح، فيشبهون الشيطان الذي يظهر بمظهر ملاك نور (2كورنثوس 11: 4 ، 13 - 15).
ويبدو أن أهل كورنثوس طلبوا برهاناً على أن المسيح هو الذي أرسل بولس (2كورنثوس 13: 3) فكتب لهم هذه الرسالة الثانية ليقنعهم بصدق رسوليته وبصدق رسالته، فهو رسول من الله، أرسله الله برسالة من عنده، فهو لا يبشر بنفسه بل بيسوع المسيح رباً، ويخدم أهل كورنثوس من أجل المسيح (2كو 4: 5). ويقول إنه سفير المسيح ، كأن الله يعظ بواسطته مناشداً المستمعين باسم المسيح أن يتصالحوا مع الله (2كو 5: 20).
لهذه الأسباب الثلاثة، ولأسباب أخرى، كتب الرسول بولس رسالته الثانية الى أهل كورنثوس. وسوف ندرس على صفحات هذا التفسير بقية الأهداف التي لأجلها كتب الرسول هذه الرسالة.
* * *
على أن مفتاح الرسالة الثانية لكنيسة كورنثوس موجود في القول «فَإِنَّنَا لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبّاً، وَلٰكِنْ بِأَنْفُسِنَا عَبِيداً لَكُمْ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ ٱلْمَسِيحِ، كَأَنَّ ٱللّٰهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ ٱلْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ ٱللّٰهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللّٰهِ فِيهِ» (2كورنثوس 4: 5 ، 5: 20 ، 21).
ومن هذه الآيات الثلاث، مفتاح الرسالة الثانية، يمكن أن نقول إن الرسالة تتحدث عن الخدمة الحقيقية للمسيح.
ونرى فيها ثلاثة أقسام رئيسية:
-
خدمة المصالحة (أصحاحات 1 - 7)
-
خدمة العطاء (أصحاحا 8 ، 9)
-
خدمة بولس الرسول (أصحاحات 10 - 13)
فلنطلب بركة الرب علينا ونحن ندرس هذه الرسالة.
الجزء الأول: خدمة المصالحة (أصحاحات 1 - 7) | ||
-
مقدمة للرسالة (1: 1 - 11)
-
تحية (آيتا 1 ، 2)
-
شكر على تعزيات الله (3 - 7)
-
شكر على النجاة (8 - 11)
-
-
تأكيد الضمير الصالح (1: 12 - 2: 4)
-
ضمير بولس مستريح (1: 12 - 14)
-
قَصَد بولس أن يزورهم (1: 15 - 17)
-
يؤكد بولس أمانته (1: 18 - 22)
-
يوضح بولس سبب عدم زيارته لهم (1: 23 - 2: 4)
-
-
في صالح الخاطئ التائب (2: 5 - 13)
-
انتصار معرفة الله (2: 14 - 17)
-
الخدمة الحقيقية مُغيِّرة (3: 1 - 5)
-
خدمة الإنجيل أمجد من خدمة الناموس (3: 6 - 18)
-
رسالة خدمة الإنجيل (4: 1 - 6)
-
قوة خدمة الإنجيل (4: 7 - 15)
-
رجاء خدمة الإنجيل (4: 16 - 5: 10)
-
دوافع خدمة الإنجيل (5: 11 - 16)
-
طبيعة خدمة الإنجيل (5: 17 - 21)
-
تجارب خدمة الإنجيل (6: 1 - 10)
-
دعوة للانفصال (6: 11 - 7: 1)
-
فرح الرسول بسلوك أهل كورنثوس (7: 2 - 16)
1 - مقدمة لرسالة كورنثوس الثانية (2 كورنثوس 1 : 1 - 11) | ||
في هذه الآيات نجد ثلاثة أقسام:
-
تحية (آيتا 1 ، 2)
-
شكر على تعزيات الله (3 - 7)
-
شكر على النجاة (8 - 11)
(أ) تحية | ||
|
1بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ ٱللّٰهِ، وَتِيمُوثَاوُسُ ٱلأَخُ، إِلَى كَنِيسَةِ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، مَعَ ٱلْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ ٱلَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ. 2 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ (2كورنثوس 1: 1 ، 2). |
يقدّم الرسول بولس نفسه لأهل كورنثوس باعتبار أنه رسول يسوع المسيح، وذلك بمشيئة الله، لأن المسيح نفسه عيّنه ليعلّم الدين المسيحي وليؤسس الكنيسة. وهو رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله (غلاطية 1: 1).
ويقول الرسول بولس إن تيموثاوس الأخ يكتب معه. لم يكن تيموثاوس أخاً لبولس، لكنه كان ابنه في الإيمان (أعمال 16: 1 - 3). ولكن بولس يعتبره أخاه. وهذا يعلمنا ضرورة احترام المؤمنين لبعضهم، إذ يقدّمون بعضهم بعضاً في الكرامة. وهذا يعلمنا أننا نحتاج لأن نتكمَّل بواسطة الإخوة، فليس أحد كاملاً بذاته - وهذه هي خدمة شركة المؤمنين.
ويدعو بولس كنيسة كورنثوس «كنيسة الله» لأن الله دعا أعضاءها من العالم لينضمّوا إليه ويصبحوا هيكله المنظور في العالم، وأعضاء جسده. فالله سيد الكنيسة وصاحب الكنيسة والذي تنتمي إليه الكنيسة. وكل شركة للمؤمنين بالمسيح هي الكنيسة، لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه فهناك يكون في وسطهم، ويحل الروح القدس في قلوبهم. فهل أنت عضو إيجابي عامل في عائلة أبيك السماوي؟
ويكتب الرسول بولس إلى «القديسين أجمعين الذين في أخائية». وليس إنسان قديساً من نفسه، ولكنه يتقدس في قوة الروح القدس عندما يحل روح الرب في المؤمن، فيثبت في مصالحة المسيح ويتجدد بواسطة النعمة. إن دم المسيح يطهر من كل إثم، والروح القدس هو الذي يقدس الإنسان للمسيح.
يكتب الرسول بولس هذه الرسالة إلى أهل كورنثوس وإلى جميع المؤمنين في أخائية. كانت اليونان منقسمة إلى قسمين: القسم الشمالي المعروف بمكدونية، والقسم الجنوبي المعروف بأخائية. ولما كانت كورنثوس عاصمة الإقليم الجنوبي «أخائية» فالرسول يوجّه هذا الخطاب إلى أهل كورنثوس وإلى أهل أخائية.
ويعبّر الرسول بولس عن تحيته لمؤمني كورنثوس عندما يقول «نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح». والنعمة هي جمال الحياة، مجاناً، لشخص لا يستحق. فالله يُنعِم علينا من محبته وصلاحه، ثم يمنحنا سلامه نتيجة لهذه النعمة التي تضمن لنا المصالحة مع الله. النعمة والسلام من الله أبينا الذي خلقنا، ولكنه أبونا بنوعٍ خاص لأنه ولدنا ثانية بعمل الروح القدس، فصرنا أولاده بالتبنّي وورثة الملكوت السماوي.
والنعمة والسلام لنا من يسوع المسيح ربنا لأنه صاحب السلطان المطلق، ولأنه اشترانا بدمه الثمين، ولأننا قدّمنا نفوسنا له، وفتحنا قلوبنا لشخصه، حباً فيه وشكراً له.
كانت «النعمة» التحية المعتادة لليونانيين وكان «السلام» التحية المعتادة لليهود. والرسول بولس يحيّي الاثنين معاً. ونلاحظ أن الرسول يضع يسوع المسيح في نفس المستوى الذي يضع فيه الله أبانا، ذلك أن المسيح مساوٍ للآب في الجوهر، فقد قال «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30).
(ب) شكر على تعزيات الله | ||
|
3مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَبُو ٱلرَّأْفَةِ وَإِلٰهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، 4 ٱلَّذِي يُعَّزِينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَّزِيَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِٱلتَّعْزِيَةِ ٱلَّتِي نَتَعَّزَى نَحْنُ بِهَا مِنَ ٱللّٰهِ. 5 لأَنَّهُ كَمَا تَكْثُرُ آلامُ ٱلْمَسِيحِ فِينَا، كَذٰلِكَ بِٱلْمَسِيحِ تَكْثُرُ تَعْزِيَتُنَا أَيْضاً. 6 فَإِنْ كُنَّا نَتَضَايَقُ فَلأَجْلِ تَعْزِيَتِكُمْ وَخَلاصِكُمُ، ٱلْعَامِلِ فِي ٱحْتِمَالِ نَفْسِ ٱلآلامِ ٱلَّتِي نَتَأَلَّمُ بِهَا نَحْنُ أَيْضاً. أَوْ نَتَعَّزَى فَلأَجْلِ تَعْزِيَتِكُمْ وَخَلاصِكُمْ. 7 فَرَجَاؤُنَا مِنْ أَجْلِكُمْ ثَابِتٌ. عَالِمِينَ أَنَّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ شُرَكَاءُ فِي ٱلآلامِ، كَذٰلِكَ فِي ٱلتَّعْزِيَةِ أَيْضاً (2كورنثوس 1: 3 - 7). |
تتكرر كلمة تعزية عشر مرات في هذه الآيات الخمس. والتعزية هي عمل الروح القدس، فهو الروح المعزي (يوحنا 16: 7) بمعنى الشخص الذي يقف إلى جوار إنسان يسنده ويقويه. الله أبونا هو إله كل تعزية وهو أبو الرأفة، بمعنى أنه مصدر الرحمة ومصدر كل تعزية.
ويؤكد الرسول بولس أنه كما تكثر آلام المؤمنين تكثر تعزيتهم بالمسيح، لأن آلامهم هي في سبيل المسيح، فإن كل من يشترك في الألم لأجل المسيح سيشترك في التعزية التي يهبها المسيح. وهكذا يستطيع المؤمنون أن يشاركوا غيرهم في نعمة التعزية التي يمنحها الله لهم. ولا يذكر لنا الرسول بولس كيف يعطي الله تعزيته لأولاده. لا شك أن الله يستخدم طرقاً متنّوعة مع أبنائه المختلفين بحسب الظروف التي يجدون أنفسهم فيها. كثيراً ما تجيئنا التعزية من قراءة الكتاب المقدس. وأحياناً يعّزينا بأن يرفع عنا الضيقة. وفي بعض الأحيان يعطينا قوة من الروح القدس تمكّننا من مواجهة المصاعب والآلام. وفي بعض الأحيان يرسل إلينا واحداً من المؤمنين بكلمة تشجيع من اختبار مرَّ به أو من تعليم علَّمه الله له. على أنه مهما كانت الطريقة التي نجد تعزيتنا بها، فإن الله من خلف هذه كلها صاحبُ القلب المحب الذي في رأفته يعزي ويشجع ويقوي وسط الآلام.
هل أخذت تعزية من الرب؟ هل تحاول أن تشارك فيها غيرك؟
إن تعزيات الله لنا تكفينا في كل أنواع آلامنا، فتكثر تعزيتنا أيضاً. ويقول الرسول «إن رجاءنا من أجلكم ثابت». نعم إن لنا رجاءً عظيماً في المسيح لا يتزعزع أبداً مهما كانت المتاعب، وهو يعلم يقيناً أن الذين يشتركون في الآلام يشتركون في التعزية.
(ج) شكر على النجاة | ||
|
فَإِنَّنَا لا نُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ ضِيقَتِنَا ٱلَّتِي أَصَابَتْنَا فِي أَسِيَّا، أَنَّنَا تَثَقَّلْنَا جِدّاً فَوْقَ ٱلطَّاقَةِ، حَتَّى أَيِسْنَا مِنَ ٱلْحَيَاةِ أَيْضاً. 9 لٰكِنْ كَانَ لَنَا فِي أَنْفُسِنَا حُكْمُ ٱلْمَوْتِ، لِكَيْ لا نَكُونَ مُتَّكِلِينَ عَلَى أَنْفُسِنَا بَلْ عَلَى ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ، 10 ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنْ مَوْتٍ مِثْلِ هٰذَا، وَهُوَ يُنَجِّي. ٱلَّذِي لَنَا رَجَاءٌ فِيهِ أَنَّهُ سَيُنَجِّي أَيْضاً فِيمَا بَعْدُ. 11 وَأَنْتُمْ أَيْضاً مُسَاعِدُونَ بِٱلصَّلاةِ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يُؤَدَّى شُكْرٌ لأَجْلِنَا مِنْ أَشْخَاصٍ كَثِيرِينَ، عَلَى مَا وُهِبَ لَنَا بِوَاسِطَةِ كَثِيرِينَ (2كورنثوس 1: 8 - 11). |
يقدم الرسول شكراً لله لنجاته من الضيقة التي أصابته في أسيا. لقد كان ضيقه ثقيلاً جداً فوق قدرته على الاحتمال حتى يئس من الحياة، بل شعر أنه محكوم عليه بالموت. وعندما وصل إلى هذه الدرجة من الضيق، تعلَّم أن لا يتكل على نفسه، بل على الله الذي يُقيم الأموات. ويقول «إن الله أنقذنا من هذا الموت وسينقذنا منه». إن له رجاءً في الله!
لا ندري ما هي الضيقة التي أصابت بولس. هل كان يقصد آلاماً أخرى صادفته هناك؟ ظن البعض أن هذه الضيقة الشديدة التي جعلت بولس ييأس من الحياة هي المرض الذي أصاب جسمه، وقال عنه إنه شوكة في الجسد (2كورنثوس 12: 7). مهما كان ذلك الضيق فقد كان أكثر من طاقة بولس، حتى انه اقتنع أنه لن يعيش، كأن عليه حكماً بالإعدام. على أن هذا لم يجعل بولس يفشل أو ييأس، بل علّمه كيف يلقي اتكاله تماماً على الله، الذي أقامه من موت خطيته وأقامه من ضيقات كثيرة سابقة. فالذي نجّاه من موت مثل هذا هو ينجي من الموت الحاضر، وسينجي من كل ضيقة قادمة.
عزيزي القارئ، هل تجوز في ضيقة؟ أرجو أن تتذكر ضيقة سابقة مررْتَ بها وأنقذك الله منها... وأرجو أن يمتلئ حاضرك بالسلام وأنت ترى معاملة الله الماضية معك. وأرجو أن تمتلئ بالرجاء في المستقبل، واثقاً بالمسيح وأنت تتأمل في إله الماضي الذي سندك، وتتطلع إلى إله المستقبل الذي يسندك، الذي هو إله الحاضر الواقف إلى يمينك.
ويقدم الرسول بولس شكراً لأهل كورنثوس لأنهم ساعدوه بالصلاة من أجله، فقد رأى لصلوات الكنيسة فعالية عظيمة، فطلب أن يصلّوا من أجله، وأن يرفعوا صلاة شكر لله من أجل نجاته من الخطر. وهذا يعلمنا أن نصلي لأجل الآخرين، وأن نطلب صلواتهم لأجلنا.
آية للحفظ
الرب «نَجَّانَا مِنْ مَوْتٍ مِثْلِ هٰذَا، وَهُوَ يُنَجِّي. ٱلَّذِي لَنَا رَجَاءٌ فِيهِ أَنَّهُ سَيُنَجِّي أَيْضاً فِيمَا بَعْدُ» (2كورنثوس 1: 10).
صلاة
أبانا السماوي، نقدم إليك شكرنا لأنك إله كل تعزية، فعندما تكثر ضيقتنا تكثر تعزيتنا، وعندما تزيد آلامنا تزيد رحمتك علينا. أعنّا لنعترف بفضلك علينا في الماضي، فنراك الآن واقفاً إلى جوارنا. أما المستقبل فإنك تضمنه لنا، فيسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد. ساعدنا لنرفع شكر قلوبنا على النجاة الدائمة التي تمنحها لنا.
سؤال
1 - كيف يعزي الله المؤمنين؟
2 - تأكيد الضمير الصالح (2كورنثوس 1: 12 - 2: 4) | ||
في هذه الآيات يؤكد الرسول بولس أن ضميره مستريح لأن لديه ضميراً صالحاً. استمع الرسول إلى هجوم البعض ضده، الذين قالوا إن كلامه غير صحيح وإنه خفيف، يَعِدُ ولا يفي الوعد - يقول إنه سيزور كورنثوس ولكنه لا يزورها. وهذا الشخص الطائش لا بد أن تعاليمه الدينية ستكون طائشة وخفيفة. ولذلك كتب الرسول هذه الآيات دفاعاً عن نفسه وعن رسالته.
أحياناً نستمع انتقاداً، من الأفضل أن نحتمله في سكوت. لكن في مرات أخرى يجب أن نجاوب، لأن عدم الإجابة يعطل خدمة الله.
كان الرسول قد وعد بزيارة كورنثوس وتأخر، فهاجمه الأعداء بأنه غير مُخْلص في كلامه. وفي هذه الآيات يذكر بولس التهمة، ويوضح سبب التأخير بأنه لم يكن يريد أن يُخجلهم لو جاء. نجد في هذا الجزء أربعة أقسام:
-
ضمير الرسول مستريح (1: 12 - 14)
-
قَصَد الرسول أن يزورهم (1: 15 - 17)
-
يؤكد الرسول أمانته (1: 18 - 22)
-
يوضح الرسول سبب عدم زيارته لهم (1: 23 - 2: 4)
(أ) ضمير الرسول مستريح | ||
|
12لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هٰذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاصِ ٱللّٰهِ، لا فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ ٱللّٰهِ، تَصَرَّفْنَا فِي ٱلْعَالَمِ، وَلا سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ. 13 فَإِنَّنَا لا نَكْتُبُ إِلَيْكُمْ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوَى مَا تَقْرَأُونَ أَوْ تَعْرِفُونَ. وَأَنَا أَرْجُو أَنَّكُمْ سَتَعْرِفُونَ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ أَيْضاً، 14 كَمَا عَرَفْتُمُونَا أَيْضاً بَعْضَ ٱلْمَعْرِفَةِ أَنَّنَا فَخْرُكُمْ، كَمَا أَنَّكُمْ أَيْضاً فَخْرُنَا فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ (2كورنثوس 1: 12 - 14). |
يؤكد الرسول أن ضميره مستريح في هذا الموضوع، وقد سبق أن قال لمجمع اليهود «إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ لِلّٰهِ إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ» أعمال 23: 1). وهو هنا يقول إن ما يفتخر به هو شهادة ضميره، فضميره يشهد له بأن سيرته في هذا العالم، وخصوصاً بين أهل كورنثوس، هي سيرة مقدسة وتقوى، لا بحكمة بشرية بل بنعمة الله. ففي كورنثوس - كما في كل مكان في العالم - قدَّم الرسول رسالة الإنجيل بوضوح وبساطة في قوة الروح القدس. وفي كورنثوس قام بخدمة نفسه ولم يثقل عليهم في شيء من الماديات، ولذلك فإنه يرجو أن يعرفوه حتى النهاية فيفرحوا به، ويفرح هو بهم في يوم يسوع المسيح (الذي هو يوم الاختطاف) عندما يقف كل المؤمنين في حضرة الله.
الذي يستريح ضميره يفرح حتى إذا ذمّه الناس! والذي يتعب ضميره يحزن حتى إن مدحه الناس! فليكن شعارنا قول بولس «أَنَا أَيْضاً أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِماً ضَمِيرٌ بِلا عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ ٱللّٰهِ وَٱلنَّاسِ» (أعمال 24: 16).
ويقول الرسول إن أهل كورنثوس يفهمونه الآن بعض الفهم، لكن عندما سيفهمونه تماماً سيفتخرون به كما سيفتخر هو بهم في يوم الاختطاف.
عزيزي القارئ، هل يمكن أن تكون أنت موضع ثقة رجل الدين في كنيستك، وهل تصلي من أجله منتظراً أن تفتخر به في يوم الاختطاف - يوم الرب يسوع؟
(ب) قَصَد الرسول أن يزورهم | ||
|
15 وَبِهٰذِهِ ٱلثِّقَةِ كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ أَّوَلاً، لِتَكُونَ لَكُمْ نِعْمَةٌ ثَانِيَةٌ. 16 وَأَنْ أَمُرَّ بِكُمْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، وَآتِيَ أَيْضاً مِنْ مَكِدُونِيَّةَ إِلَيْكُمْ، وَأُشَيَّعَ مِنْكُمْ إِلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ. 17 فَإِذْ أَنَا عَازِمٌ عَلَى هٰذَا، أَلَعَلِّي ٱسْتَعْمَلْتُ ٱلْخِفَّةَ، أَمْ أَعْزِمُ عَلَى مَا أَعْزِمُ بِحَسَبِ ٱلْجَسَدِ، كَيْ يَكُونَ عِنْدِي نَعَمْ نَعَمْ وَلا لا؟ (2كورنثوس 1: 15 - 17). |
كان بولس ينوي أن يسافر بحراً من أفسس إلى كورنثوس في طريقه إلى الجزء الشمالي من اليونان المعروف باسم مكدونية، وقد ذكر الرسول هذا القصد في كورنثوس الأولى 16: 5. وغالباً يكون قد أبلغهم بهذا شفوياً بواسطة تيطس. كان بولس يريد أن ينتهي من خدمته بمكدونية، ويتَّجه بعد ذلك إلى اليهودية في الجنوب، ماراً بكورنثوس مرة أخرى. ولكن بولس سافر من أفسس إلى مكدونية مباشرة دون أن يمرّ بهم، ونتيجة لذلك فقد اتهمه أهل كورنثوس بالخفَّة، وقال آخرون إنه يقوم بتخطيط خدمته لله حسب رغبته الجسدية، وليس بحسب إرادة الله. وقال البعض إنه غير مُخْلص يقول: نعم! نعم، ولكنه يقصد: لا! لا.
(ج) يؤكد الرسول أمانته | ||
|
18لٰكِنْ أَمِينٌ هُوَ ٱللّٰهُ إِنَّ كَلامَنَا لَكُمْ لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلا. 19 لأَنَّ ٱبْنَ ٱللّٰهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ، ٱلَّذِي كُرِزَ بِهِ بَيْنَكُمْ بِوَاسِطَتِنَا، أَنَا وَسِلْوَانُسَ وَتِيمُوثَاوُسَ، لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلا، بَلْ قَدْ كَانَ فِيهِ نَعَمْ. 20 لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ ٱللّٰهِ فَهُوَ فِيهِ ٱلنَّعَمْ وَفِيهِ ٱلآمِينُ، لِمَجْدِ ٱللّٰهِ، بِوَاسِطَتِنَا. 21 وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي يُثَبِّتُنَا مَعَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ، وَقَدْ مَسَحَنَا، هُوَ ٱللّٰهُ 22 ٱلَّذِي خَتَمَنَا أَيْضاً، وَأَعْطَى عَرْبُونَ ٱلرُّوحِ فِي قُلُوبِنَا (2كورنثوس 1: 18 - 22). |
يؤكد بولس أنه كان أميناً تماماً معهم، وأن الاتهامات التي وجَّهوها ضده باطلة، ويذكّرهم بأن المسيح المخلّص الذي كرز هو لهم به، وكرز معه سلوانس وتيموثاوس، ليس فيه «نعم ولا»، بل فيه «نعم» فقط. أي أن المسيح كله حق. وقد تبرهن لهم صدق ما قاله المسيح، لأنه أنجز ما وعدهم به. ولما كان المسيح هو الحق، فلابد أنه يختار آلات إعلان حقِّه للبشر من أهل الحق، وليس من أهل الخفَّة والتقلُّب. فالمسيح الأمين، الشاهد الأمين الصادق (رؤيا3: 14) يختار أشخاصاً يجعلهم أمناء وشهوداً صادقين. وبهذا يؤكد بولس أنه ليس خفيفاً ولا منافقاً لكن حياته ثابتة في الله، الأمر الذي يَصدُق مع كل المؤمنين. لذلك فإنه يقول «الذي يثبّتنا معكم في المسيح، ومسيحنا هو الله».
لقد مسحنا الله (كما مَسَحَ الأنبياء والكهنة والملوك في القديم) ليؤكد أنه منحنا قوة الروح القدس. ويقول الرسول إن الروح القدس ختمنا. والختم يعني أن المختوم مُلْك لصاحب الختم، كما يعني إثبات صحة الرسالة، وحفظ الشيء المختوم على حاله. وقد ختم الروح القدس كل المؤمنين ليُثِبت صحة ملكيَّتهم للرب، وليحفظهم دوماً ملكاً للرب. ولذلك يقول الرسول «لٰكِنَّ أَسَاسَ ٱللّٰهِ ٱلرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، إِذْ لَهُ هٰذَا ٱلْخَتْمُ. يَعْلَمُ ٱلرَّبُّ ٱلَّذِينَ هُمْ لَهُ» (2تي 2: 19).
ثم أن الله أعطى عربون الروح في قلوبنا. والعربون أول جزء من الثمن، ومعناه أن بقية الثمن سوف يُدفَع. وسكَنُ الروح القدس في قلوب المؤمنين علامة على تأكيد خلاصهم الأبدي، بدليل أن الروح القدس في قلوبهم، ولذلك يقول الرسول «اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضاً يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلادُ ٱللّٰهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاداً فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضاً، وَرَثَةُ ٱللّٰهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضاً مَعَهُ» (رومية 8: 16 ، 17).
(د) يوضّح الرسول سبب عدم زيارته لهم | ||
|
23وَلٰكِنِّي أَسْتَشْهِدُ ٱللّٰهَ عَلَى نَفْسِي أَنِّي إِشْفَاقاً عَلَيْكُمْ لَمْ آتِ إِلَى كُورِنْثُوسَ. 24 لَيْسَ أَنَّنَا نَسُودُ عَلَى إِيمَانِكُمْ بَلْ نَحْنُ مُوازِرُونَ لِسُرُورِكُمْ. لأَنَّكُمْ بِٱلإِيمَانِ تَثْبُتُونَ. اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي1وَلٰكِنِّي جَزَمْتُ بِهٰذَا فِي نَفْسِي أَنْ لا آتِيَ إِلَيْكُمْ أَيْضاً فِي حُزْنٍ. 2 لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُحْزِنُكُمْ أَنَا، فَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يُفَرِّحُنِي إِلا ٱلَّذِي أَحْزَنْتُهُ؟ 3 وَكَتَبْتُ لَكُمْ هٰذَا عَيْنَهُ حَتَّى إِذَا جِئْتُ لا يَكُونُ لِي حُزْنٌ مِنَ ٱلَّذِينَ كَانَ يَجِبُ أَنْ أَفْرَحَ بِهِمْ، وَاثِقاً بِجَمِيعِكُمْ أَنَّ فَرَحِي هُوَ فَرَحُ جَمِيعِكُمْ. 4 لأَنِّي مِنْ حُزْنٍ كَثِيرٍ وَكَآبَةِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، لا لِكَيْ تَحْزَنُوا، بَلْ لِكَيْ تَعْرِفُوا ٱلْمَحَبَّةَ ٱلَّتِي عِنْدِي وَلا سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ (2كورنثوس 1: 23 - 2: 4). |
كان الرسول قد عزم فعلاً على زيارتهم، لكنه غيّر الخطة، لأنه أشفق عليهم. فلو أنه ذهب اليهم في حالة خطئهم لأحزنهم واشتدّ عليهم، ولذلك أجّل الزيارة حتى يُصلحوا الخطأ الموجود فيهم. وهو يقول إنه ليس رئيساً عليهم ولا مشرفاً على إيمانهم، فإن الإيمان أمر شخصي بين الفرد وبين الرب، والرب هو الذي يجعلهم بالإيمان يثبتون. ليس الخادم الحقيقي لله سيداً للذين يخدمهم، لكنه يعاونهم ليحبوا الله وليجدوا فرحهم فيه. والإنجيل يوصي رجال الدين بالقول « ٱرْعَوْا رَعِيَّةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّاراً، لا عَنِ ٱضْطِرَارٍ بَلْ بِٱلاخْتِيَارِ، وَلا لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ» (1بطرس 5: 2). لقد أراد الرسول أن يزورهم، ولكنه لم يكن يريد لزيارته أن تكون ثقيلة محزنة، بل مفرحة لهم وله، ولذلك أخّر الزيارة ليمنحهم فرصة ليصلحوا أخطاءهم. إذاً لم يرفض الرسول زيارتهم ثانية، لكنه لم يكن يريد زيارته الثانية أن تكون زيارة حزينة.
وفي 2: 4 يكشف الرسول بولس عن مشاعره وهو يكتب لهم الرسالة الأولى - كان فيها توبيخ شديد، لكن هذا التوبيخ كان مليئاً بالدموع والمحبة. يقول «كتبت إليكم وقلبي يفيض بالكآبة والضيق، وعيني تسيل منها الدموع، لا لتحزنوا بل لتعرفوا كم أنا أحبكم». وهكذا يجب أن يوبخ المعلّم المسيحي سامعيه، فلم يكن بولس يقصد أن يُخِجل أهل كورنثوس أو أن يُحزِنهم، لكنه في محبته الكاملة لهم أراد أن يصلح أمورهم.
آية للحفظ
«لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ ٱللّٰهِ فَهُوَ فِيهِ ٱلنَّعَمْ وَفِيهِ ٱلآمِينُ، لِمَجْدِ ٱللّٰهِ، بِوَاسِطَتِنَا» (2كورنثوس 1: 20).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك تريد أن تعطينا الضمير الصالح، من نحوك ومن نحو الآخرين. ارفع عيوننا إلى المسيح الذي فيه النَّعَم وفيه الآمين، وفيه كل بركة نحتاج إليها، لأن فيه المواعيد الصادقة والأمينة. ساعدنا لتكون مواعيدنا صادقة و كلماتنا أمينة.
سؤال
2 - اذكر آية عن الضمير الصالح.
3 - لماذا أجَّل بولس زيارته لأهل كورنثوس؟
3 - نداء في صالح الخاطئ التائب (2كورنثوس 2: 5 - 13) | ||
|
5وَلٰكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَدْ أَحْزَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْزِنِّي، بَلْ أَحْزَنَ جَمِيعَكُمْ بَعْضَ ٱلْحُزْنِ لِكَيْ لا أُثَقِّلَ. 6 مِثْلُ هٰذَا يَكْفِيهِ هٰذَا ٱلْقِصَاصُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلأَكْثَرِينَ، 7 حَتَّى تَكُونُوا - بِٱلْعَكْسِ - تُسَامِحُونَهُ بِٱلْحَرِيِّ وَتُعَّزُونَهُ، لِئَلا يُبْتَلَعَ مِثْلُ هٰذَا مِنَ ٱلْحُزْنِ ٱلْمُفْرِطِ. 8 لِذٰلِكَ أَطْلُبُ أَنْ تُمَكِّنُوا لَهُ ٱلْمَحَبَّةَ. 9 لأَنِّي لِهٰذَا كَتَبْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ تَزْكِيَتَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ طَائِعُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ 10 وَٱلَّذِي تُسَامِحُونَهُ بِشَيْءٍ فَأَنَا أَيْضاً. لأَنِّي أَنَا مَا سَامَحْتُ بِهِ - إِنْ كُنْتُ قَدْ سَامَحْتُ بِشَيْءٍ - فَمِنْ أَجْلِكُمْ بِحَضْرَةِ ٱلْمَسِيحِ، 11 لِئَلا يَطْمَعَ فِينَا ٱلشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لا نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. 12 وَلٰكِنْ لَمَّا جِئْتُ إِلَى تَرُوَاسَ، لأَجْلِ إِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ وَٱنْفَتَحَ لِي بَابٌ فِي ٱلرَّبِّ، 13 لَمْ تَكُنْ لِي رَاحَةٌ فِي رُوحِي، لأَنِّي لَمْ أَجِدْ تِيطُسَ أَخِي. لٰكِنْ وَدَّعْتُهُمْ فَخَرَجْتُ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ (2كورنثوس 2: 5 - 13). |
في الأصحاح الخامس من الرسالة الأولى تحدَّث الرسول عن شخص بينهم ارتكب خطية الزنا، وقال لهم «ٱعْزِلُوا ٱلْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ» (1كو 5: 13). وقد قام أهل كورنثوس بعزل هذا المؤمن الذي أخطأ، وأبعدوه عنهم وابتعدوا عنه. كان الرسول بولس حزيناً على هذا المؤمن الذي أخطأ، كما كان هو سبب حزن للكنيسة كلها. ويبدو أن مقاطعة أعضاء كنيسة كورنثوس لهذا المؤمن الذي أخطأ كانت شديدة، حتى أنه حزن على خطيته. فطلب الرسول بولس منهم أن يغفروا له، ليؤكدوا له - بمحبتهم - أن الله قبل توبته وأعاده الى الشركة مع المؤمنين. عندما طلب الرسول بولس من أهل كورنثوس أن يعزلوا الرجل الخاطئ كان يريد له أن يتعلم الطاعة، وها هو الآن يطلب منهم أن يغفروا له وأن يقبلوه لأنه تاب. وإنْ كانوا هم قد غفروا له فإن بولس يغفر له أيضاً، كما في محضر المسيح. وعلى المسيحيين أن يكونوا حذرين لئلا يغتنم الشيطان فرصة، فإننا نعرف أفكاره، وأفكار الشيطان هي كالآتي:
-
يحاول الشيطان أن يجرب المؤمن بشهوة الجسد، وهو يرجو أن يدمّر حياته الروحية، ويدمر شهادته للمسيح.
-
عندما يخطئ المؤمن يبدأ الشيطان يذكرّه بأن خطيته كبيرة، وأن حالته ميئوس منها، ويقول له إنه قد ابتعد عن الرب، ولا يستحق أن يعود للرب، و لا أمل في توبته.
-
والشيطان يأتي إلى الكنيسة ويحاول أن يجعل الناس يأخذون طريقاً من اثنين: إما أن يهملوا المخطئ ويتسامحوا معه في خطيته.. أو أنهم يَقْسون على المخطئ ويكونون باردين من نحوه ومتعالين عليه. عادة يحاول الشيطان أن يبعد الخاطئ عن الإحساس بالذنب لئلا يتوب، ولكنه يزيد على المؤمن الإحساس بالذنب حتى ييأس ويفشل تماماً.
بعد أن تحدث بولس عن غفران المؤمنين في كورنثوس وقبولهم للزاني الذي تاب، يمضي فيتحدث عن زيارته لترواس بعد أن ترك أفسس. فقد منحه الله فرصاً عظيمة للكرازة، ولو أنه لم يستمتع بذلك، لأنه كان حزيناً بسبب عدم لقائه بتيطس الذي كان يرجو أن يتقابل معه في ترواس ويسمع منه عن أحوال كنيسة كورنثوس. ولذلك سافر بولس شمالاً الى مكدونية وهو يرجو أن يقابل تيطس هناك. وسوف نقرأ أكثر في الأصحاح السابع عن اللقاء الذي جرى بين تيطس وبولس.
آية للحفظ
«لِئَلا يَطْمَعَ فِينَا ٱلشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لا نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ» (2كو 2: 11).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك تريدنا أن نتوب و نرجع إليك. وعندما نرجع فإنك تغفر لنا وتنسى الماضي وتقبلنا وتجعلنا أبناء في العائلة السماوية. أعطنا رحمة على الخطاة التائبين، وأعطنا أن نفرح بخاطئ واحد يتوب.
سؤال
4 - اذكر فكرة واحدة من الأفكار التي يهاجمنا الشيطان بها.
4 - نصرنا يستمر عندما نعلن معرفة الله (2كورنثوس 2: 14 - 17) | ||
|
14وَلٰكِنْ شُكْراً لِلّٰهِ ٱلَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي ٱلْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. 15 لأَنَّنَا رَائِحَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱلذَّكِيَّةِ لِلّٰهِ، فِي ٱلَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي ٱلَّذِينَ يَهْلِكُونَ. 16 لِهٰؤُلاءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولٰئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ. وَمَنْ هُوَ كُفْؤٌ لِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ؟ 17 لأَنَّنَا لَسْنَا كَٱلْكَثِيرِينَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ، لٰكِنْ كَمَا مِنْ إِخْلاصٍ، بَلْ كَمَا مِنَ ٱللّٰهِ نَتَكَلَّمُ أَمَامَ ٱللّٰهِ فِي ٱلْمَسِيحِ (2كورنثوس 2: 14 - 17). |
في هذه الآيات ينقل إلينا الرسول بولس صورة ما يحدث للقائد المنتصر في روما. فعندما كان القائد الروماني يعود منتصراً من بلد بعيدة وقد هزم الاعداء وكسب الأرض، كان كبار رجال روما يحكمون أنه بطل منتصر، ويقيمون له احتفالاً عظيماً، ويعلنون يوم رجوعه يوم أجازة عامة يتجمَّع الناس فيها من كل مكان ليحتفلوا بالنصر. وكنت ترى صفاً طويلاً من الأسرى يمثلون الشعب الذي هُزم وهم مقيَّدون بالسلاسل، يحملون في أيديهم المباخر ينبعث منها البخور العطر، ثم يجئ القائد ومن خلفه صف طويل آخر من الأسرى يحملون المباخر. كان الصف الأمامي هو صف الأسرى الذين ينالون الحرية، وكانت رائحة البخور بالنسبة لهم رائحة حياة. أما الذين يجيئون بعدهم فهم صفّ الموت، يرمونهم إلى الوحوش لتفترسهم، فكانت رائحة البخور بالنسبة لهم رائحة موت... يسير القائد منتصراً، أمامه رائحة حياة لمن ينالون الحياة، وخلفه رائحة موت لمن سيهلكهم الموت.
والفكرة التي يريد بولس أن يوضحها هنا هي أن الله يقودنا في النصر. فالمسيح هو القائد المنتصر. ونحن الذين نسير مع المسيح أسرى محبته (لأن صليبه قد جذبنا إليه) نحمل رائحة حياة، لأن المسيح الفادي وهبنا الحياة. وكل من يحيا يُظِهر المسيح به رائحة معرفته، الرائحة التي تنبعث من الشهادة له. أما الذين يرفضون الإنجيل فسيكون لهم ذلك رائحة موت، فإنهم يسمعون عن شخص عاش في زمن بعيد ومات في الماضي السحيق، ولا يفتحون قلوبهم له، فيهلكون!
ويدرك بولس أهمية الرسالة العظيمة التي يعلنها، فهي تجلب الحياة لمن يقبلها، وتتسبَّب في الهلاك لمن يرفضها. ثم يتساءل «ومن هو كفؤ لهذه الأمور؟» فما أكبر المسئولية ونحن نعلن الرسالة، لأننا إما أن نقود الناس إلى الموت، أو نقودهم إلى الحياة! ويقول بولس إنه بكل أسف جاء معلمون كذبة غشّوا كلمة الله عندما خلطوا الحق بالضلال، ولو أنه هو بكل إخلاص تكلم أمام الله في المسيح. ويجاوب الرسول على سؤاله «من هو كفؤ لهذه الأمور؟» في 2كورنثوس 3: 5 عندما يقول: «ليس أننا كُفاة من أنفسنا.. بل كفايتنا من الله».
آية للحفظ
«لأَنَّنَا رَائِحَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱلذَّكِيَّةِ لِلّٰهِ، فِي ٱلَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي ٱلَّذِينَ يَهْلِكُونَ» (2كورنثوس 2: 15).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك تعرض علينا الحياة. أعطنا أن نقبل الحياة فنحيا. أبعدنا عن الهلاك بنعمة وحكمة الروح القدس فينا. ساعدنا لنقدم رسالة الحياة للذين يعيشون في الموت.
سؤال
5 - ما معنى موكب انتصار المسيح؟
5 - الخدمة الحقيقية تثمر تغييراً (2كورنثوس 3: 1 - 5) | ||
|
1أَفَنَبْتَدِئُ نَمْدَحُ أَنْفُسَنَا، أَمْ لَعَلَّنَا نَحْتَاجُ كَقَوْمٍ رَسَائِلَ تَوْصِيَةٍ إِلَيْكُمْ، أَوْ رَسَائِلَ تَوْصِيَةٍ مِنْكُمْ؟ 2أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. 3ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ ٱلْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لا بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ، لا فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ. 4 وَلٰكِنْ لَنَا ثِقَةٌ مِثْلُ هٰذِهِ بِٱلْمَسِيحِ لَدَى ٱللّٰهِ. 5 لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئاً كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ ٱللّٰهِ (2كورنثوس 3: 1 - 5). |
واضح من هذه الآيات أن بعض الذين انتقدوا الرسول بولس اتهموه بأنه يفتخر بنفسه، ولذلك ختم الأصحاح الثاني بأن قال إنه يتكلم من الله أمام الله في المسيح، ثم تساءل في بداية الأصحاح الثالث «أفنبتدئ نمدح أنفسنا؟».
لا! انه لا يمدح نفسه، وهو لا يحتاج الى رسائل توصية لا من أهل كورنثوس ولا إليهم، كما اقترح البعض وطلبوا ذلك. إنَّ حياة المؤمنين في كنيسة كورنثوس هي شهادة كافية لفعالية عمل الرسول بولس، الذي عمله الله به في وسطهم. حياتهم التي تغيرت واضحة للجميع، ونحن نشكر الله أنه حيثما تُعلَن رسالة الإنجيل بقوة الروح القدس فإن النفوس تخْلُص وتتغيّر. ان المسيح هو كاتب الرسالة ومؤلفها بواسطة قلم بولس الرسول، أما الحبر فهو الروح القدس. والشيء الرائع الذي نراه في هذه الرسائل هو أنها ليست مكتوبة على ألواح من حجر كما كُتبت الوصايا العشر، ولكنها كُتبت على ألواح قلب من لحم. ويقول الرسول بولس إن هذه الثقة التي له في أن حياة الناس تتغير بفعالية كلمة الإنجيل، هي أكبر برهان على صدق إرساليته، والمسيح هو الذي ينشئ هذه الثقة فيه لدى الله.
لقد سأل الرسول بولس في نهاية الأصحاح الثاني: «من هو كفؤ لهذه الأمور؟» وهو يعلم أن الكفاية هي في عمل المسيح الذي سوف يحكم على أعمال الناس. لا بولس ولا إنسان آخر عنده الكفاءة في نفسه، ولكنه ينال الكفاية من عند الله. ولذلك فإن المؤمن يُلقي نفسه في أحضان الله باعتماد كامل على الله.
عزيزي القارئ، هل كتب الروح القدس الرسالة على قلبك؟ هل صرت رسالة حية للمسيح؟ ماذا يقرأ الناس فيك؟ هل تحاول أن تنشر رسالة المسيح للآخرين؟ هذا ما ينتظر الله منك أن تفعله من أجله.
آية للحفظ
«أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ» (2كور 3: 2).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من أجل الكلمة المقدسة التي تكتب في قلوبنا رسالة محبتك. ساعدنا يا أبانا لنذيع الكلمة بحياتنا وبسلوكنا وبتصرفاتنا، واجعل القراءة واضحة للجميع، معروفة لكل من يقرأها، حتى أن من يرانا يرى المسيح فينا.
سؤال
6 - كيف يكون كل مؤمن رسالة للمسيح في محيطه؟
6 - مجد خدمة الإنجيل أعظم من مجد خدمة الناموس (2كورنثوس 3: 6 - 18) | ||
|
6ٱلَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لا ٱلْحَرْفِ بَلِ ٱلرُّوحِ. لأَنَّ ٱلْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلٰكِنَّ ٱلرُّوحَ يُحْيِي. 7 ثُمَّ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ ٱلْمَوْتِ، ٱلْمَنْقُوشَةُ بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ، قَدْ حَصَلَتْ فِي مَجْدٍ، حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِ مُوسَى لِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ ٱلّزَائِلِ، 8 فَكَيْفَ لا تَكُونُ بِٱلأَوْلَى خِدْمَةُ ٱلرُّوحِ فِي مَجْدٍ؟ 9 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ ٱلدَّيْنُونَةِ مَجْداً، فَبِٱلأَوْلَى كَثِيراً تَزِيدُ خِدْمَةُ ٱلْبِرِّ فِي مَجْدٍ. 10 فَإِنَّ ٱلْمُمَجَّدَ أَيْضاً لَمْ يُمَجَّدْ مِنْ هٰذَا ٱلْقَبِيلِ لِسَبَبِ ٱلْمَجْدِ ٱلْفَائِقِ. 11 لأَنَّهُ إِنْ كَانَ ٱلّزَائِلُ فِي مَجْدٍ، فَبِٱلأَوْلَى كَثِيراً يَكُونُ ٱلدَّائِمُ فِي مَجْدٍ. 12فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هٰذَا نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً. 13 وَلَيْسَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَضَعُ بُرْقُعاً عَلَى وَجْهِهِ لِكَيْ لا يَنْظُرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى نِهَايَةِ ٱلّزَائِلِ. 14 بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى ٱلْيَوْمِ ذٰلِكَ ٱلْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ ٱلْعَهْدِ ٱلْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، ٱلَّذِي يُبْطَلُ فِي ٱلْمَسِيحِ. 15 لٰكِنْ حَتَّى ٱلْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، ٱلْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ. 16 وَلٰكِنْ عِنْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى ٱلرَّبِّ يُرْفَعُ ٱلْبُرْقُعُ. 17 وَأَمَّا ٱلرَّبُّ فَهُوَ ٱلرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ ٱلرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. 18 وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ (2كورنثوس 3: 6 - 18). |
أشار الرسول في 2كورنثوس 3: 3 الى أن رسالة المسيح ليست مكتوبة في ألواح حجرية. وهو يذكّر المسيحيين من أصل يهودي بمجد رسالة المسيح. لأنهم كانوا قد طالبوا غيرهم من المؤمنين أن يحفظوا الناموس ويكملوا الطقوس. ولا ينكر بولس مجد الناموس، لكنه يرى أن الكنيسة استلمت في العهد الجديد مجداً أعظم. لقد حاولوا أن يرجعوا الى القديم الذي هو أقل (أعمال 15: 1 ، 24) وحاولوا أن يربطوا بين الناموس وبين النعمة. ولكن الرسول بولس يقول إن الله جعلنا كفاة (قادرين) لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي. فالذين يخدمون الإنجيل لا يخدمون العهد القديم، ولكنهم يخدمون عهداً جديداً، قال عنه السيد المسيح «هٰذَا هُوَ دَمِي ٱلَّذِي لِلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ ٱلَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا» (متى 26: 28) فلسنا تحت عهد قديم لكننا تحت عهد جديد. العهد القديم هو الحرف، والجديد هو الروح. القديم هو الناموس، والجديد هو النعمة.
تحت العهد القديم كان الناس تحت دينونة الموت، فقد أعلن لهم الناموس خطاياهم دون أن يمنحهم قوة للانتصار عليها. أما العهد الجديد فهو الروح - روح الرب - الذي يسكن في قلب المؤمن ويُنتِج حياة جديدة، مانحاً قوة جديدة. هذا العهد الجديد ليس جديداً من ناحية الزمان فقط، لكن من ناحية نوعه وصفاته، فهو ينتج شركة جديدة بين الانسان والله، من نوع مختلف تماماً.
كان العهد القديم مؤسساً على وثيقة مكتوبة، فقد أخذ موسى كتاب العهد وقرأه على مسامع الشعب، فوافقوا عليه وقالوا «كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له». أما العهد الجديد فإنه مؤسس على قوة الروح الذي يهب الحياة.
القانون دائماً شيء خارجي يُفرَض من الخارج على الإنسان الذي يوافق عليه، بينما عمل الروح القدس يغيّر قلب الإنسان من الداخل. قد يحرص الإنسان على طاعة القانون المكتوب، ولكنه في أعماق نفسه يريد أن يكسره. لكن عندما يدخل الروح القدس قلبه ويتحكم فيه ويسود عليه، فإنه لا يُحرص على طاعة القانون في الظاهر فقط، بل يطيعه من كل قلبه، لأنه تغيَّر وأصبح إنساناً جديداً. قد يغير العهد المكتوب تصرفات الإنسان من الخارج، لكن الروح القدس وحده هو الذي يغيّر قلب الإنسان وطبيعته البشرية.
سمَّى الرسول العهد القديم «خدمة موت». فقد قال العهد القديم «إذا كنت أيها الإنسان ترغب أن تحتفظ بعلاقة مع الله، نفِّذ القانون. أما إذا عصيت فإن علاقتك بالله تضيع». بذلك أنشأ وضعاً يقف فيه الله موقف القاضي، ويقف الإنسان دائماً موقف المذنب. لقد شخَّص العهد القديم المرض لكنه لم يقدم العلاج!.
أما في العهد الجديد فيختلف الأمر تماماً. العلاقة فيه علاقة محبة «لأنه هكذا أحب الله العالم». العلاقة فيه بين أب وأبنائه. لم يعد الإنسان مجرماً مقصِّراً في قفص الاتهام، لكنه صار ابناً لله، حتى لو كان ابناً عاصياً.
وقد غيّر العهد الجديد حياة الإنسان بتغيير القلب وخلق إنساناً جديداً، ولذلك لم يقتصر على مجرد إعلان ما ينبغي أن يفعله الناس، بل أعطى القوة لعمله. أي أنه قدّم مع الوصايا القوة التي تمكّن الناس من اتّباعها. ومن الغريب أن أكثرية اليهود فضَّلوا العهد القديم - عهد الناموس والقانون - ورفضوا العهد الجديد، عهد العلاقة الجديدة في المسيح.
لم يكن العهد القديم رديئاً، لكنه كان مرحلة على الطريق. ولكن عيون أغلب اليهود كانت مربوطة فلم يدركوا المسيح. وهم يشبهون موسى الذي وضع برقعاً (حجاباً) على وجهه. لقد انتهى مجد العهد القديم بالمجئ الأول للمسيح لأن الابن هو الإله، فمن يرفض المسيح يرفض الله!
وكثير من الناس اليوم عميٌ كاليهود، لا يقدرون ولا يريدون أن يروا المسيح، لأنهم يظنون أنهم على حق، فيظلون بلا مجد الله، غارقين في الخطية.
لقد كانت خدمة موسى في مجد، فعندما كان موسى يلتقي بالله على جبل سيناء كان وجهه يلمع، ولكن هذا اللمعان كان يزول. وعلى هذا فإن مجد العهد القديم كان لابد أن يزول لأنه خدمة دينونة، وخدمة موت، وخدمة حرف. ويقول سفر الخروج 34: 33 «وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ ٱلْكَلامِ مَعَهُمْ جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعاً». ويفسر الرسول بولس ذلك بقوله إنه كان يضع البرقع حتى لا يرى بنو إسرائيل أن مجده يزول. ويسمِّي الرسول مجد العهد الجديد المجد الفائق، الدائم، الخالد، ولذلك فإنه يتحدث عنه بكل مجاهرة.
وبالرغم من مجاهرة إعلان بولس فإن اليهود يضعون على عيونهم برقعاً (حجاباً) يمنعهم من رؤية المعنى الحقيقي. ولا زالت عيون الكثيرين يغطيها برقع التعصب للفكر الذي يجعلهم يرفضون قبول الحقائق الإلهية. والبعض الآخر يغطون عيونهم بحجاب التفكير في رغباتهم الشخصية، فكثيراً ما يتركون كلمة الله لأنها توبخهم وتعلن عيوبهم. والبعض يضعون على عيونهم برقع رَفْض تعلُّم شيء جديد.
ويختم الرسول بولس هذا الجزء بقوله «إننا ننظر مجد الرب بوجه مكشوف. ولهذا السبب نتغير من مجد إلى مجد». والرسول يقصد أنه إذا كنا نُطيل النظر في المسيح، فإن صورته في النهاية تنطبع فينا وتظهر في حياتنا. فإذا كنا ننظر الى المسيح ونثبّت عيوننا عليه، فسنجد أننا قد بلغنا مجد الحياة المسيحية، التي هي انعكاس شخصية المسيح في حياتنا.
يقول الرسول إن الرب هو الروح. ويقصد هنا بالرب «المسيح» مشيراً إلى ما قاله في 2كورنثوس 3: 6 «الروح يحيى» وما قاله في 1كو 15: 45 «صَارَ آدَمُ ٱلإِنْسَانُ ٱلأَّوَلُ نَفْساً حَيَّةً، وَآدَمُ ٱلأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً».
عزيزي القارئ، دعنا نرى أنه حيث روح الرب فهناك حرية، لأن المحبة هي التي تدفع الإنسان وتربطه ليعمل بسرور وسعادة. عندما نعمل عملاً متواضعاً بسيطاً لشخص عزيز علينا، نعتبر هذا امتيازاً. ان المحبة تُلبِس أقل الأعمال ثوباً من المجد، فدعنا نملأ قلوبنا حباً للمسيح، لنستطيع أن نتحرر من الخوف، ونحيا في ثقة ومحبة وطاعة.
آية للحفظ
«وَأَمَّا ٱلرَّبُّ فَهُوَ ٱلرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ ٱلرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ» (2كورنثوس 3: 17).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من كل القلب لأجل العهد الجديد الذي لنا بيسوع المسيح ربنا، الذي بذل نفسه عنا ليغّير حياتنا، وليكتب على قلوبنا بروحه القدوس رسالة محبته. أبانا، أعطنا أن نقدّر مجد الحرية التي لنا في المسيح فنسعى لنحرر كثيرين بالحرية التي حررتنا بها.
سؤال
7 - لماذا نقول إن الخدمة في العهد الجديد أمجد من الخدمة في العهد القديم؟
8 - لماذا كان موسى يغطي وجهه ببرقع (راجع 2كورنثوس 3: 13)؟
7 - رسالة خدمة الإنجيل (2كورنثوس 4: 1 - 6) | ||
|
1مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ، إِذْ لَنَا هٰذِهِ ٱلْخِدْمَةُ كَمَا رُحِمْنَا، لا نَفْشَلُ. 2بَلْ قَدْ رَفَضْنَا خَفَايَا ٱلْخِزْيِ، غَيْرَ سَالِكِينَ فِي مَكْرٍ، وَلا غَاشِّينَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ، بَلْ بِإِظْهَارِ ٱلْحَقِّ، مَادِحِينَ أَنْفُسَنَا لَدَى ضَمِيرِ كُلِّ إِنْسَانٍ قُدَّامَ ٱللّٰهِ. 3 وَلٰكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُوماً، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي ٱلْهَالِكِينَ، 4 ٱلَّذِينَ فِيهِمْ إِلٰهُ هٰذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلا تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ. 5 فَإِنَّنَا لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبّاً، وَلٰكِنْ بِأَنْفُسِنَا عَبِيداً لَكُمْ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ. 6 لأَنَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللّٰهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ (2كورنثوس 4: 1 - 6). |
يجاوب بولس في هذا الجزء الذين اتهموه بالغش والخداع، وفي الوقت نفسه يشرح رسالة خدمة الإنجيل. والخدمة التي يتحدّث عنها في بدء هذا الأصحاح هي التي تكلَّم عنها في 2كورنثوس 3: 8 ، 9 ، خدمة الروح، خدمة البر، خدمة المجد. وكلما تذكر بولس رحمة الله عليه امتلأ بالشجاعة وأخذ ينبذ كل تصرُّف خفي شائن، ولا يسلك في المكر ولا يغش كلام الله - كما يفعل كثيرون من المعلمين الكذبة الذين يهاجمون بولس (2: 17). والذين يغشون كلام الله هم الذين يضيفون اليه تعاليم ليست منه (1كور 15: 12)، وهم الذين يحاولون أن يفسروا كلمات الإنجيل بطريقة خاطئة، بغير المعنى الأصلي الذي يقصده (2بطرس 3: 16).
على أن الخادم الحقيقي هو الذي يقدّم حق الله بأمانة ووضوح، بدرجة تجعل الذين يسمعونه يقبلون ما يقول، لأنه يمدح نفسه لدى ضمير كل إنسان بفضل صدق الكلمة المقدسة التي يعلنها.
ويتساءل الرسول: إن كان يقدم رسالة الإنجيل بمثل هذا الوضوح، فلماذا لا يفهمها البعض؟
والإجابة هي: إن بعض الناس يرفضون الإيمان بالإنجيل، ويبتعدون بمحض إرادتهم عنه، لأن الشيطان أعمى أفكارهم، فلم يعودوا يرون جمال الإنجيل ولا قوته. ويسمِّي الرسول بولس الشيطان «إله هذا الدهر» بمعنى أنه صاحب السلطان على أغلبية البشر. والذين يرفضون إنجيل المسيح هم الذين يخدمون إبليس ويتعبّدون له، سواء شعروا بذلك أو لم يشعروا. فإن إبليس لا يريد لنور الإنجيل أن يشرق على قلوب الناس.
وعندما يشرق نور الإنجيل على قلب إنسان، يقدر أن يرى مجد المسيح، فالمسيح هو صورة الله (آية 4) ومن رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9). وهو بهاء مجد الله ورسم جوهره (عبرانيين 1: 3) وهو معادل لله (فيلبي 2: 6) وباعتبار أنه إله متجسد فهو صورة الله، لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2: 9) وعلى هذا فإن رسالة خادم الإنجيل هي عن حق الله، وعن إنجيل مجد المسيح. وخادم الله الأمين لا يعظ بأفكاره، ولا يقدم نفسه، ولكنه يعظ بيسوع المسيح المصلوب. ويعتبر نفسه خادماً للجميع لأجل خاطر المسيح.
وكما حدث في اليوم الأول من الخليقة عندما أشرق نور الله وسط الظلام (تكوين 1: 1 - 5) هكذا يشرق االله على قلب الذي يؤمن بالإنجيل، ويعلن له معرفة مجد الله. وهذا المجد موجود في وجه يسوع المسيح. لما كنا لا نستطيع أن نرى وجه الله ونحيا (خروج 33: 20) فإن الله يعلن لنا نفسه بواسطة ابنه المتجسد. «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 1: 18) وبدون المسيح لا نقدر أن نعرف الله حق المعرفة، لأن كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضاً (1يوحنا 2: 23).
آية للحفظ
«فَإِنَّنَا لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبّاً، وَلٰكِنْ بِأَنْفُسِنَا عَبِيداً لَكُمْ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ» (2كورنثوس 4: 5).
صلاة
نشكرك أيها الآب الصالح لأنك أشرقت على قلوبنا فعرفنا مجدك، الذي ظهر واضحاً في وجه المسيح. ساعدنا لننظر إلى المسيح باستمرار لندرك مجدك أكثر، ولنعيش في نورك.
سؤال
9 - لماذا لا يدرك كثيرون جوهر المسيح؟
8 - قوة خدمة الإنجيل (2كورثنوس 4: 7 - 15) | ||
|
7وَلٰكِنْ لَنَا هٰذَا ٱلْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ ٱلْقُّوَةِ لِلّٰهِ لا مِنَّا. 8مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لٰكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لٰكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. 9 مُضْطَهَدِينَ، لٰكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لٰكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. 10 حَامِلِينَ فِي ٱلْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا. 11 لأَنَّنَا نَحْنُ ٱلأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِماً لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا ٱلْمَائِتِ. 12 إِذاً ٱلْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا، وَلٰكِنِ ٱلْحَيَاةُ فِيكُمْ. 13 فَإِذْ لَنَا رُوحُ ٱلإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ ٱلْمَكْتُوبِ «آمَنْتُ لِذٰلِكَ تَكَلَّمْتُ» - نَحْنُ أَيْضاً نُؤْمِنُ وَلِذٰلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضاً. 14 عَالِمِينَ أَنَّ ٱلَّذِي أَقَامَ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ. 15 لأَنَّ جَمِيعَ ٱلأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِكَيْ تَكُونَ ٱلنِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِٱلأَكْثَرِينَ، تَزِيدُ ٱلشُّكْرَ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ (2كورنثوس 4: 7 - 15). |
يمتلك خادم المسيح الأمين كنزاً هو نور معرفة مجد الله، لكن هذا الكنز يكون في آنية من خزف. وكأن بولس يقول: «وما نحن إلا آنية من خزف تحمل هذا الكنز، ليظهر أن تلك القدرة الفائقة هي من الله لا منّا». فجسد الرسول ضعيف. وكما كان القدماء يخبئون كنوزهم من ذهب وجواهر في أوان من خزف، هكذا أودع الله كنوزه في صدور البشر من المؤمنين به الذين يخدمونه. وربما كان بولس يفكر في الأواني الخزفية التي وضع فيها رجال جدعون المصابيح. وعندما انكسرت الأواني ظهر النور واضحاً (قضاة 7). وعندما يتحمّل المؤمنون الآلام من أجل المسيح في جسدهم، فإن نور محبة الله سيشرق من حياتهم. وهكذا تظهر قوة الإنجيل المجيدة من الله لا من البشر.
ويمضي الرسول فيقول إن هذه القوة الإلهية التي تحل عليه تجعل الضيق يشتد عليه من كل جانب، ولكنه لا ينسحق. يحار في أمره ولكنه لا ييأس. يضطهده الناس ولكن الله لا يتخلى عنه. يسقط في الصراع ولكنه لا يهلك. يحمل في جسده كل حين آلام موت يسوع لتظهر حياة يسوع في جسد هذا المتألم من أجل المسيح.
هذه الأواني الخزفية ضعيفة ولكن قوة الله تسندها. ويصّور بولس نفسه كجندي يمرُّ بأصعب المعارك، ولكن نعمة الله تنقذه. وهو يشرح أنواع المعارك التي جاز فيها. فهو مُحاصَر تحت ضغوط، يُطرَد من حقل خدمته، يضربه سيف عدوه، يكاد يصل الى الموت، ولكن في كل مرة ينقذه صديق غير منظور.
كان بولس وأصحابه دوماً في خطر من أن يقتلهم أعداؤهم، ولكن الرب في كل مرة نجَّاهم لتستمر شهادتهم للرب (أعمال 23: 11). ويقول الرسول إن الموت يعمل فيه حتى تعمل الحياة في غيره من أمثال أهل كورنثوس الذين يقدم لهم رسالة الإنجيل. وهو مستعد أن يتألم من أجل نشر الإنجيل، وهو يمرُّ في ذات الاختبار الذي مرَّ به صاحب مزمور 116 عندما قال في الآية العاشرة التي اقتبسها الرسول هنا «آمنتُ لذلك تكلمت». إنه يثق تماماً في كل كلمة يقولها، ولذلك يعلنها بكل قوة. وحتى لو أن أعداءه أخذوا منه حياته وقتلوه، فإنه واثق أن الرب سوف يقيمه من بين الأموات كما قام المسيح. وسوف يجئ اليوم الذي يكون فيه بولس وجميع المؤمنين عروس المسيح التي تُحضَر إليه في مجده، بعد أن تكون قد تطهرت بالآلام والاضطهادات. وبولس يحتمل كل الألم من أجل الذين يؤمنون بالمسيح عن طريقه، حتى تزيد النعمة ويزيد الشكر لله ولمجد الله.
آية للحفظ
«آمَنْتُ لِذٰلِكَ تَكَلَّمْتُ» (2كورنثوس 4: 13)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من كل القلب لأنك معنا. في وسط ضيقنا تنقذنا وترفعنا. نشكرك لأننا نثق أن الذي أقام المسيح من الأموات لابد أنه يقيمنا، حتى لو حل بنا الموت.
سؤال
10 - ما هو موضوع إيمان بولس الذي جعله يتكلم عنه؟
9 - رجاء خدمة الإنجيل (2كورنثوس 4: 16 - 5: 10) | ||
|
16لِذٰلِكَ لا نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا ٱلْخَارِجُ يَفْنَى، فَٱلدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْماً فَيَوْماً. 17 لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا ٱلْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيّاً. 18وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى ٱلأَشْيَاءِ ٱلَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى ٱلَّتِي لا تُرَى. لأَنَّ ٱلَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا ٱلَّتِي لا تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ. اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ 1لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا ٱلأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ ٱللّٰهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. 2فَإِنَّنَا فِي هٰذِهِ أَيْضاً نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ. 3وَإِنْ كُنَّا لابِسِينَ لا نُوجَدُ عُرَاةً. 4فَإِنَّنَا نَحْنُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ ٱلْمَائِتُ مِنَ ٱلْحَيَاةِ. 5وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي صَنَعَنَا لِهٰذَا عَيْنِهِ هُوَ ٱللّٰهُ، ٱلَّذِي أَعْطَانَا أَيْضاً عَرْبُونَ ٱلرُّوحِ. 6فَإِذاً نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي ٱلْجَسَدِ فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ ٱلرَّبِّ. 7لأَنَّنَا بِٱلإِيمَانِ نَسْلُكُ لا بِٱلْعَيَانِ. 8فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِٱلأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ ٱلْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ ٱلرَّبِّ. 9 لِذٰلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضاً مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ. 10 لأَنَّهُ لا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعاً نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ ٱلْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِٱلْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْراً كَانَ أَمْ شَرّاً (2كورنثوس 4: 16 - 5: 10). |
لما كنا نعلم أن الله معنا يباركنا وينقذنا فإننا لا نفشل ولا تضعف عزائمنا. فمع أن الإنسان الظاهر - الذي هو جسدنا - يضعف ثم يفنى، الا أن إنساننا الباطن (الذي هو النفس) يستمر ويبقى، لأننا كلما نسير مع الرب يوماً بعد يوم نتجدد وتزداد نفوسنا نجاحاً، ونرى أن ضيقتنا الحاضرة خفيفة ومؤقتة، إنْ نحن قارناها بما ننتظره من ثقل مجد أبدي لا ينتهي. ولقد صّور الرسول بولس خفة ضيقتنا الوقتية في 2كورنثوس 11: 23 - 29 ، ولكنه يعلم أن نتيجة هذه الضيقات الوقتية الخفيفة ثقل مجد أبدي لا ينتهي. ونستطيع أن نرى ثقل المجد الأبدي عندما نحّوِل أنظارنا عن الأشياء التي تُرى لنرفعها الى الأشياء التي لا تُرى، فننتقل من التركيز على الماديات إلى رؤية الروحيات، لأن الماديات وقتية أما الروحيات فهي أبدية.
وما هي الروحيات الأبدية؟ الإجابة: المسيح المخلص - الله الآب - الروح القدس - السماء - المحبة - الحياة الأبدية - الخلاص بالمسيح - وكثير من أمثال هذه الأبدية الباقية.
ويمضي الرسول بولس في الأصحاح الخامس ليتكلم عن خيمة الجسد التي يسكن فيها، وهي الإنسان الخارج الظاهر (الجسد). ويتطلع إلى بناءٍ من الله، بيتٍ غير مصنوع بيد، أبدي - هو الإنسان الداخل الروحي الذي يتجدد يوماً فيوماً. واضح أن الرسول يعاني من ضعفات جسدية جعلته يرى أن الإنسان الخارجي يفنى، لكنه واثق أنه حتى إذا سقطت هذه الخيمة ونُقضت بالموت فإن بناءً ينتظره، هو جسده المقام الذي سيبقى إلى الأبد. والجسد المقام لا يشبه مباني الناس المصنوعة باليد، لكنه صنعة الله. ولذلك فإن الرسول في هذا الجسد يئن كما يئن غيره من المؤمنين، يتوقعون جسد القيامة. هذا الأنين ليس شوقاً للموت، لكنه شوق لأن نلبس فوق خيمتنا مسكناً من السماء، عندما تتحول أجسادنا بغير موت وقت الاختطاف (1تسالونيكي 4: 17، 1كورنثوس 15: 51 ، 52) عندئذ تصبح أجسادنا وأرواحنا خالدة باقية. يتطلع بولس الى الجسد الممجد الذي يعطيه المسيح للمؤمنين به عندما يجئ ثانية، فإن الذهاب للوجود في حضرة المسيح من هذا العالم أفضل من البقاء في هذه الأرض (فيلبي 1: 13)، ولكن لا زال جسد المجد هو أروع الأمور على الاطلاق. وسيغيّر المسيح شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده.
كان بولس يعلم أنه سوف يموت ويمضي الى حضرة الرب، حيث ينتظر مجئ المسيح ثانية ليقيم جسده من التراب وليعطيه جسداً ممجَّداً (2تيموثاوس 4: 6).
لقد عمل الله فينا وخلصنا وأرشدنا لحياتنا المسيحية لذات الهدف الذي يكتبه بولس في هذه الآيات، وهو مستقبلنا المجيد مع الله. وسوف يحقق الله وعده لنا في المجد القادم. أما الآن فقد أعطانا الروح القدس عربوناً لهذا المجد العظيم (والعربون معناه أن بقية الثمن سوف تجئ) فقد وهبنا الله مجداً، وبقية المجد ستتبع هذا المجد الأول الذي نلناه. ولذلك فإننا نحيا في شجاعة وسعادة، ونحرص أن نُرضي الرب، سواء كنا في هذا الجسد أو سواء كنا عنده. ونحن هنا في الجسد متغرِّبون عن الرب، ولو أن الرب موجود معنا وجوداً روحياً. وعندما نموت ونترك هذا الجسد نكون في محضر الرب في السماء، ولهذا السبب نحرص على أن نرضيه، سواء أُخذنا بدون موت لنكون معه، أو متنا وانتقلنا روحياً الى محضره، حتى إذا جاء المسيح ثانية نقف أمام كرسيه بدون خوف، لينال كل واحد جزاء ما عمله وهو في الجسد (1كورنثوس 3: 11 - 15).
آية للحفظ
«لِذٰلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضاً مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ» (2كورنثوس 5: 9).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من أجل الرجاء الذي لنا هنا والذي لنا هناك، فإذا سلمناك حياتنا تمتعنا بمجد عظيم هنا، ونتوقع أن ننال مجداً عظيماً معك. ساعدنا لنكون مرضيين عندك، حتى إذا وقفنا أمام كرسي المسيح العادل ننال جزاء الخير الذي صنعناه.
سؤال
11 - ماذا يقصد الرسول بولس بالخيمة وبالبيت؟
10 - دوافع خدمة الإنجيل (2كورنثوس 5: 11 - 16) | ||
|
11فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ ٱلرَّبِّ نُقْنِعُ ٱلنَّاسَ. وَأَمَّا ٱللّٰهُ فَقَدْ صِرْنَا ظَاهِرِينَ لَهُ، وَأَرْجُو أَنَّنَا قَدْ صِرْنَا ظَاهِرِينَ فِي ضَمَائِرِكُمْ أَيْضاً. 12 لأَنَّنَا لَسْنَا نَمْدَحُ أَنْفُسَنَا أَيْضاً لَدَيْكُمْ، بَلْ نُعْطِيكُمْ فُرْصَةً لِلٱفْتِخَارِ مِنْ جِهَتِنَا، لِيَكُونَ لَكُمْ جَوَابٌ عَلَى ٱلَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِٱلْوَجْهِ لا بِٱلْقَلْبِ. 13 لأَنَّنَا إِنْ صِرْنَا مُخْتَلِّينَ فَلِلّٰهِ، أَوْ كُنَّا عَاقِلِينَ فَلَكُمْ. 14 لأَنَّ مَحَبَّةَ ٱلْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هٰذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ ٱلْجَمِيعِ. فَٱلْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا. 15 وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ ٱلْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ ٱلأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لا لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ. 16 إِذاً نَحْنُ مِنَ ٱلآنَ لا نَعْرِفُ أَحَداً حَسَبَ ٱلْجَسَدِ. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَسِيحَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ، لٰكِنِ ٱلآنَ لا نَعْرِفُهُ بَعْدُ (2كورنثوس 5: 11 - 16). |
عندما يذكر بولس أننا لابد أن نقف أمام كرسي المسيح العادل لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع، يتذكر دافعَيْن للخدمة المسيحية الصالحة:
1 - الدافع الأول هو مخافة الله، أي احترام الرب (آيات 11- 13) فإن المؤمن الذي يحب الله لا يريد أن يُحزِنه، لكنه يريد أن يرضيه. فنحن لم نأخذ روح العبودية للخوف، بل أخذنا روح التبني الذي به نصرخ: يا أبا الآب (رومية 8: 15).
قال واحد من رجال الله إنه كان يخاف أن يَمْثُل في حضرة الله لأنه خاطئ، ولكن عندما فتح قلبه للمسيح وصار إنساناً جديداً كان يخاف الله إنما بطريقة أخرى، فقد كان يخاف أن يبتعد عن إرادة الله.
لقي الرسول بولس كثيراً من الهجوم، ولم يكن محتاجاً أن يدافع عن نفسه أمام الله، لأن الله كان يعرف دوافعه. كما أنه لم يكن محتاجاً إلى دفاع أمام أهل كورنثوس، لأنه لم يكن يطلب مدح نفسه، بل كان يريد أن يخبر بما فعل الرب معه وبواسطته. وكان يجب على أهل كورنثوس أن يفتخروا بكرازة بولس وهم يدافعون عنه أمام الذين يقاومونه، فقد افتخر مقاومو بولس بأشياء خارجية سطحية مثل الحكمة

