COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

في موكب انتصار المسيح

تفسير سفر أعمال الرسل

كيف انطلق موكب انتصار المسيح؟

التمهيد لسفر أعمال الرسل

إن الرب يسوع المسيح حي، وجسده لم يفسد في القبر، بل قام حقاً من بين الأموات، وظهر لتلاميذه أربعين يوماً، حتى صعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه، حياً ومالكاً معه، في وحدة الروح القدس، إلهاً واحداً، من الأزل إلى الأبد.

ومنذ صعوده إلى السماوات، يبني المسيح كنيسته بهدوء وتخطيط، وينميها رغم كل القوى المضادة لله، لأن كنيسته هي ثمر ونتيجة انتصاره على الصليب. فكل أعمال الرسل مبنية على المصالحة الكاملة مع الله. وكل أعضاء المسيح هم مشتركون في موكب انتصاه. فالصليب هو أساس الحق الشرعي لأعمال الرسل وكنيسة المسيح كلها.

وقبل صعوده إلى السماء أمر يسوع تلاميذه بأن ينتظروا موعد الآب في أورشليم ليملأهم بقوة الروح القدس، هذا الروح الذي يمكنهم لنشر الإنجيل من أورشليم إلى روما عاصمة الحضارة العالمية آنذاك. فوصية المسيح للرسل بتبشير العالم تعني إرسالهم وفويضهم، كما أن الروح القدس الحال فيهم هو القوة الدافعة في التبشير والكنيسة. وليس قوة غيرها.

شعار سفر أعمال الرسل

من يقرأ هذا الكتاب الفريد يجد سريعاً أن الكتاب لا يقصد أعمالاً صادرة من الرسل بقوتهم الذاتية، بل أعمال المسيح التي مكنهم من فعلها. ونسمع القليل عما عمله الرسل، إلا ما كان من بطرس. وبابتداء الأصحاح الثالث عشر نقرأ عنه كثيراً. أما مته فلم نعلم عنه شيئاً. وحتى أن خدمات بولس المذكورة بالتفصيل تنتهي أخبارها بمجرد وصوله إلى روما، حيث يصمت الكاتب عنه، لأن غايته ليست وصف سيرة الرسل بدقة وتتابع وتفصيل، بل يقصد الأخبار عن انتشار انجيل المسيح وإنشاء كنائس من أورشليم إلى روا. فأصبح خدام الرب كفرقة السباق، إذ يسلم كل منهم إلى الآخر مشعل الإنجيل إلى أن تصل بشرى الخلاص إلى العاصمة. فشعار سفر أعمال الرسل هو سيرة إنجيل الخلاص في إرشاد المسيح الحي من أورشليم إلى روما.

تنظيم الكتاب

لم يعدّ الرسل تخطيطاً للمعركة الروحية بالتفصيل لينشروا ملكوت الله، بل الرب الحي تدخل شخصياً في حياة الكنيسة الأولى مرة بعد الأخرى، حتى تشددت أخيراً، وانتشرت أولاً إلى سماريا وإنطاكية، ثم إلى روما. واختار الرب بولس العبراني بالذات،المتكلم باللغة اليونانية، ليحقق موكب نصرة إنجيله إلى روما. وبمدة قليلة قبل اختيار بولس كان تأثير الشماس استيفانوس وزملائه اليونانيين، ذوي الاصل العبراني، كبيراً على المسيحيين من الأصل اليهودي، المتوطنين في بلادهم فلسطين، فنشب في زمن بول صراع جهري بين الفرقتين. لهذا جمع الرب رسله بروح المحبة ليعقدوا اجتماعهم الرسولي الأول في أورشليم (الأصحاح 15). إذ قبلوا النعمة سبباً للخلاص وحده، ورفضوا البر الصادر من الأعمال. وبهذا التطور تحررت كنائس الأمم من الصبغة اليهودية وقيود الاموس. فأصبحت معرفة محبة المسيح ديناً عالمياً معداً للإنطلاق العام.

وبنفس الوقت أسس الرب الحي في انطاكية مركزاً ثانياً للمسيحية بجانب المركز الأول الذي في أورشليم. وابتدأ من انطاكية نشر الإنجيل، حتى عم آسيا الصغرى. وفي هذه القوة قفز الإنجيل إلى أوروبا، واقتحم المدن والمحافظات اليونانية، ووصل نهائيً إلى روما. فنجد في سفر الأعمال ثلاثة أقسام:

  1. الكنيسة الأصلية في أورشليم الأصحاح 1-7

  2. انتشار الإنجيل في سماريا حتى انطاكيا الأصحاح 8-12

  3. التبشير في آسيا الصغرى واليونان حتى وصول بولس إلى روما الأصحاح 13-28

من هو الكاتب

لم يسم كاتب السفر ذاته البتة، ولم يعطنا دليلاً واضحاً عن نفسه، لأنه لم يعتبر ذاته مهماً. ولكن من البداية كان إجماع مؤكد عند كل الكنائس، أن لوقا الطبيب اليوناني، الذي من انطاكية، هو كاتب هذا السفر الفريد من نوعه، لأنه يعرف الأحوال ي هذا المركز المسيحي بدقة. وكان هو نفسه أحد اليونانيين الماهرين باللغة، وكتب أخباره بمحبة ولطف، وذكر أقوال وخطب الرسل ببلاغته البارزة. وفي كتابه يشير إلى وجود أتقياء بين الأمم، لأنه كان منهم قبل أن ولد ثانية بشهادة الإنجيل. وقد التقى معبولس في رحلته الثانية ورافقه من مدينة ترواس إلى فيلبي، واشترك بالتبشير في هذه المدينة العسكرية. وفارقه بولس هناك، ليبني ويرعى الكنيسة الجديدة بعد انصرافه. وأخذه الرسول معه مرة أخرى في عودة سفره إلى أورشليم، حيث ترك لوقا معلمه بولس، ليجم مصادر إنجيله وسفره عن أعمال الرسل. ونجد أن لوقا كان يزور بولس دائماً اثناء اعتقاله في قيصرية بعدئذ. ويلازمه ويخدمه، ويتأثر بروحانيته، ويسجل دفاعه عن نفسه. ولم يفارقه في سفره الطويل والمخيف، حتى وصل إلى العاصمة روما نهائياً. وهذه الأخبا التي اختبرها مع بولس كشاهد عيان يصفها بصيغة «نحن».

لمن كُتب السفر؟

كتب البشير لوقا بوضوح أن مستلم هذا الكتاب هو ثاوفيلس، نفس الشخص الذي كتب لأجله إنجيله الشريف. فسفر أعمال الرسل هو الجزء الثاني والمكمل لإنجيل لوقا. وقد عرفنا شيئاً عن شخصية ثاوفيلس هذا في الاصحاح الأول: 1-2 من إنجيل لوقا. فثاوفيل سمعناه محب الله. وقد كان يتبوأ مركزاً عالياً في الدولة الرومانية. وخلال خدمته في انطاكية ابتدأ إيمانه بالمسيح. فأراد الحصول على تفصايل أكثر دقة عن تطور المسيحية روحياً وتاريخياً، وكيف عامل الموظفون الرومان الكنائس بالعدالة أو المظلمة، ولي مقدار تستطيع مبادئ الإنجيل أن تكون أساساً لعالم جديد. فجمع لوقا أثناء رفقته للرسول بولس وإرشاد الروح القدس كل التفاصيل من ولادة المسيح إلى دخول الرسول بولس روما. وقدم لثاوفيلس هذا التاريخ المتتابع لسيرة قوة الله ليثبت الذي آمن ويقوي يينه، كما قال بولس للسجان في فيلبي: آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك.

تاريخ التأليف

حيث كان وصول بولس إلى روما على الأغلب في السنة 61 ب.م، وحيث كان الوضع بعدئذ مضطرباً، ووجد في زمن كتابة إنجيل لوقا أناجيل عديدة، فمن المرجح أن الطبيب لوقا كتب سفر أعمال الرسل كجزء ثانٍ لإنجيله في السنوات ما بين 62-70 ب.م، بعدما استهم عن الحقائق بدقة واجتهاد وصلوات وتكلم مع شهود عيان لحياة المسيح ومع أمه مريم والشماس فيلبس، وكتب من المصادر المكتوبة أهم النصوص، التي اعتبرها ضرورية لوصف شخصية المسيح وأعماله ورسله، وقدمها للوالي ثاوفيلس.

ونشكر الرب يسوع المسيح من كل قلوبنا، لأنه دعا الطبيب اليوناني، وأرشده ألا يقف بكتابته في نهاية إنجيله، بل أناره بالمعرفة، أن الرب الحي لا يأتي مباشرة، إنما يريد تبشير الأمم قبل وصوله. وبينما كان الرسل الاثنا عشر ينتظرون في أورشليم مجيء المسيح مع الكنيسة الأصلية، التي كانت حولهم، فقد حصل المسيحيون في انطاكية على بصيرة من الروح القدس، لينشروا إنجيل الخلاص في العالم كله وليدفعوا مسيرة الإنجيل نحو روما. ولو لم يشتغل لوقا باجتهاد ودقة، ما كنا عرفنا تماماً كيف نشر المسح ملكوته في العالم اليوناني. أما الآن فإن الرب قد كتب لنا في هذا السفر نموذجاً للتبشير وإنشاء الكنائس، نستطيع حتى اليوم أن نتعلم منه، كيف يجدد الروح القدس المؤمنين ويدفعهم للخدمة، وينتصر في ضعفهم. فليس تدريب لخدام الرب أفضل من دراستهم سر أعمال الرسل، حيث يرون يد الرب يسوع عاملة مع المنطلقين بدعوته.

الجزء الأول: تأسيس كنيسة يسوع المسيح في أورشليم واليهودية والسامرة وسوريا برعاية الرسول بطرس المنقاد من الروح القدس الأصحاح 1 - 12

أولا: نشأة ونمو الكنيسة الأصلية في أورشليم (الأصحاح 1 - 7)

1 - افتتاحية السفر وآخر مواعيد المسيح (1: 1 - 8)

1 : 1 اَلْكَلامُ ٱلأَّوَلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ، 2 إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ فِيهِ، بَعْدَ مَا أَوْصى بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلرُّسُلَ ٱلَّذِينَ ٱخْتَارَهُمْ.

كثير من الناس كتبوا كتباً شتى. ولو رصفناها جميعاً لصارت جبلاً ضخماً كبيراً، يحترق ملتهباً في غضب الله لأن كل كلام الناس باطل مستكبر فارغ.

ولكن الكتابين اللذين كتبهما الطبيب لوقا، سيلمعان يوم الدين أعظم بهاء من الشمس ولا يزولان، ويرتفعان عالياً أمام عرش الله، لأن البشير لوقا وصف في كتابه الأول أعمال وكلام المسيح، علماً أنه ذكر عمله قبل أقواله، لأن المسيح ما جاء معلما فقط، بل مخلص العالم جميعاً، فإياه أراد البشير أن يمجد. وأرانا كيف تاب الخطاة قرب يسوع معترفين بخطاياهم، ومتبررين بإيمانهم في نعمة الرب، كما اختبر اللص الذي صُلب مع يسوع، حين دخل مع يسوع مباشرة نعيم الفردوس. فإنجيل لوقا هو كتاب الفرح الظيم، مثلما بشرنا الملاك عند ميلاد الطفل في المذود، لأن الرب بالذات تجسد إنساناً، ليطلب ويخلص ما قد هلك. بواسطة إنجيل لوقا. وأن أحرفه السوداء هذه، تنبع منها قوة الحياة الأزلية إلى عقول وقلوب المؤمنين.

وقد اختبر ثاوفيلس الموظف الروماني العالي هذا الخلاص العجيب من المسيح، فوكل صديقه الطبيب لوقا اليوناني، أن يجمع كل التفاصيل عن حياة يسوع الناصري، ويدون تاريخ انتشار بشرى الخلاص في الأمبراطورية الرومانية بدقة، لأن الوالي الروماني لميكتف بالشعور العاطفي، بل أراد أسساً تاريخية لإيمانه الحي. فلوقا الرجل المثقف كتب لهذا الوالي كتابيه ليثبته في حياته الروحية، وليجهزه كمؤمن لوظيفته وكخادم مهم في الدولة الرومانية. فشهد له، ألا رجاء لعالمنا القلق إلا في المسيح يسوع الحي.

كل دول عالمنا تزول، وكل فلاسفة باطلون، حتى إذا قدموا لنا أبنية فكرية من عقولهم العبقرية. فإن المسيح لم يبن مملكته على ذكاء مفكرين بارزين، ولم يستند على قدرة جيوش جبارة، بل اختار أناساً عاديين وصيادين غير مثقفين ودعاهم رسلاً. وهذا لاختيار للبسطاء يعني رفض كل ما هو كبير وقوي وذكي في العالم، لأن الله يقاوم المستكبرين، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة.

وهذا ينسجم تماماً مع مقاصد الروح القدس الذي يقوي الغير مقتدرين ويحي الفانين. ولم يحقق المسيح كل أعماله مستقلاً، بل دائماً في الوحدة مع الروح القدس ثابتاً في مشيئة أبيه، لأن الله الآب والروح القدس والمسيح يسوع، وحدة كاملة أكثر مما عرف ونعلم. والثالوث القدوس قد عزم منذ الأزل أن يبني كنيسته وسط العالم الضال، وينشر السماء بين أموات الأرض. وتاريخ خلاص الله هذا، ابتدأ بدعوة الرسل حيث دعاهم المسيح ودربهم وفوضهم لتبشير الناس. والبشير لوقا هو الوحيد الذي وصف حركة هؤلاء امنطلقين، لأنه قد أدرك أن قوة محبة الله الحالة في الصيادين البسطاء، هي المعجزة الجديدة في العالم، والرجاء الحق لمستقبل أفضل.

والتمهيد لهذه المعجزة كان أن المسيح المقام من بين الأموات لم يبق بين تلاميذه في العالم، ليدبر كملك انتشار ملكوته بطريقة استراتيجية منظمة، بل صعد إلى السماء. فلم يخف الرب ويضطرب خوفاً من خطأ يقع فيه الرسل، لأنه عرف أن الروح القدس سحل فيهم مكملاً عمله. وقد صعد إلى السماء مطمئناً، وارتفع إلى أبيه، وجلس عن يمين المجد واحداً ومالكاً معه وبانياً في العالم الشرير كنيسته المقدسة، غالباً كل القوى المضادة لله، ومخلصاً ملايين الناس. فبهت لوقا من أعجوبة نمو ملكوت الله المستر على الأرض. ووصف في كتابه الثاني هذه الحركة من نقطة انطلاقها أورشليم إلى هدفها روما.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح الحي، نسجد لك ونبارك محبتك ومجدك العامل مستتراً في كنيستك حتى اليوم. ونشكرك لأن لطفك قد وصلنا أيضاً، علمنا إدراك أعمالك في أعمال الرسل الكرام. ونعظمك في تنفيذ أفكارهم في حياتنا العملية تعظماً كثيراً.

1: 3 اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضاً نَفْسَهُ حَيّاً بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ ٱلأُمُورِ ٱلْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ. 4 وَفِيمَ هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ ٱلآبِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، 5 لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِٱلْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ بِكَثِيرٍ».

إن إشراق ملكوت الله ابتدأ بقيامة المسيح من بين الأموات! تصور إنساناً ميتاً يقوم من القبر، ويري نفسه أربعين يوماً بين أصدقائه، ويجلس معهم هادئاً ويأكل أمامهم، ويأتي بلا صوت عابراً الجدران، ويخرج هادئاً بلا خبط الباب. فهذه الحوادث م المسيح المقام الحي فجرت عقول التلاميذ، لأنهم قد اختبروا سابقاً، كيف حُكم على يسوع بالظلم والعار. فمات مسكيناً على الصليب، مستهزءاً به من الرؤساء والعامة. ودفن حقاً في يوم الجمعة، وكأن في موته ودفنه نهاية لرجائهم.

وابتدأ اليوم الأول مشعلاً لعصر جديد، بدخول الأزلية في الزمن. وبرهن المسيح بحضوره أن مملكته ليست من هذا العالم بل أنها دولة روحية، غير قابلة للفناء، مفعمة الفرح والبر والمحبة والحق والتواضع والعفة والفرح. فرسائل الرسل ممتلئة بوصف هه الحقيقة السماوية، وسط البغضة والنجاسة والاستكبار والكذب والحروب والظلم. والمسيح فسر لتلاميذه طيلة أربعين يوماً من التوراة والمزامير والأنبياء ما هو سر الحركة العجيبة، التي أشارت إليها النبوة الحقة الصادرة من كل الأنبياء الصالحين، الذي اشتاقوا وترقبوا إشراق ملكوت الله. أما الآن فقد حضرت الدولة السماوية، وظهر الملك الأزلي واقفاً ملموساً بين أتباعه.

وملكوت الله هذا ابتدأ في أورشليم، قاتلة الأنبياء وساحقة ابن الله. أما الرب فأخرج سلامه من مدينة السلام هذه، وأمر الصيادين الجليليين، ألا يعودوا إلى مهنة الصيد في بحيرة طبريا، بل يبقوا مصلين في المدينة العدائية، منتظرين بإيمانهم تحقيق موعد الله فيهم.

والمسيح صرح منذ البداية لتلاميذه معنى هذا الوعد الإلهي، إنهم سيدركون الله كما هو، ولا يخافون بخساً ولا رهقاً من المهلك الجبار والقاضي المجهول، بل أنه يعلن لهم نفسه أباً يجعلهم أولاداً له آمنين. هذه هي رسالة المسيح الخصوصية أن اللهالقدوس، هو آب حنون. فمن هذا الإعلان تتغير حضاراتنا، ونفهم أن الملكوت الآتي هو ملكوت أبوي وأولاده هم أمراء خدام، وقضاة مصلون حسب قدوة يسوع، الذي مات لأجل الجميع، وفداهم من غضب الله العادل.

وبهذا سجل لنا لوقا إحدى الكلمات الأخيرة من فم يسوع: قد سمعتم مني موعد الآب. وهذه الجملة تعني خلاصة كل تعاليم ابن الله، أن القدوس العظيم، يتبنانا ويملأنا بجوهره ويجعلنا أولاده. هذا بالصواب هو هدف موت يسوع على الصليب. فغفر لنا خطاياا وقدسنا، لنجد الدخول إلى الله، ونحب الآب، ويتقدس اسمه بسلوكنا.

وقبل هذا علم يوحنا المعمدان الانقلاب الآتي المحرك السموات والأرض، ولكن الساعي للمسيح في البرية علم أيضاً أن ملكوت الله لا يقدر أن يأتي إلى الناس الأشرار والبشر الطبيعيين مباشرة، بل ينبغي قبل ذلك فلح القلوب المتحجرة وتغيير الأذهان لمرفوضة. فعمد التائبين في مياه نهر الأردن رمزاً لاستحقاقهم الموت. وفد دلت إقامتهم من المياه على ظهورهم خليقة جديدة ولكن يوحنا علم واعترف جهراً، أن معموديته لا تغير الإنسان حقاً، وأن الغمر بالماء هو رمز ألا إنسان يقدر أن يصلح نفسه، ولا يذب غيره، ولا ينقي ذاته متقشفاً. فكلنا أشرار طبيعيون خبثاء.

وأشار النبي في تلك البرية إلى حمل الله، الذي يعمد التائبين بالروح القدس، لأنه هو المولود من روح الله، وثبت بلا خطية، فبذل نفسه لله بهذا الروح بلا عيب، وصالح كل المؤمنين مع أبيه، لننال نصيباً في هذا الروح المبارك اللطيف. هل أدركت معد الآب؟ فإن الروح القدس يعزم أن يحل فيك. والمسيح ذاته يتمركز في قلبك. ويصبح جسدك هيكلاً لله الحي. فهل أنت مستعد لاستقبال الله اليوم؟

تواضع مستعداً لموعد الله، كما أن المسيح كان دائماً متواضعاً. فلم يقل «أنا» أعمدكم بروح القدس، كما أنبأ المعمدان عنه، بل يسوع ترك هذا المجد لأبيه، وعلم أن الروح القدس نفسه عزم أن يأتي إلينا. هكذا يهبنا الآب والابن والروح القدس ذاتهبوحدة كاملة، لأن هذا الروح من الآب والابن ليس إلا المحبة الإلهية. فهل أدركت مشيئة الله، وتستعد مصلياً لقبوله، كما أمر المسيح رسله بالانتظار والصلوات؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت القدوس وتعمد التائبين في وحدتك مع الآب بروحك القدوس، لكيلا نخاف فيما بعد من الله العظيم ودينونته، بل نحبه كأبينا الحق ونطيعه بفرح، وننطق باسمه ونصح في جوهرنا. نشكرك لأنك سمحت لنا أن نطق بهذا اللفظ الفريد: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك الأبوي. آمين.

1: 6 أَمَّا هُمُ ٱلْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ: «يَا رَبُّ، هَلْ فِي هٰذَا ٱلْوَقْتِ تَرُدُّ ٱلْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» 7 فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا ٱلأَزْمِنَةَ وَٱلأَوْقَاتَ ٱلَّتِي جَعلَهَا ٱلآبُ فِي سُلْطَانِهِ، 8 لٰكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُّوَةً مَتَى حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى ٱلأَرْضِ».

ما كان التلاميذ قد حصلوا على الروح القدس بعد، لما تقدموا بهذا السؤال الدنيوي السياسي إلى يسوع، حيث كانوا لا يزالون مفتكرين بوطنيتهم اليهودية، ومركزهم في القدس. وتصوروا أن المسيح الملك المقام من الأموات سيملك في مجد وبهاء ويحكم من ناك الشعوب كلها. وللعجب فإن المسيح لم يرفض هذا السؤال مطلقاً، بل أثبت المملكة الإلهية الآتية بلا شك، ولكنه أوضح لرسله، أن إنشاء هذه المملكة السماوية لا يتم حسب تصوراتهم البشرية، وليس في زمنهم الحاضر.

إن لله تخطيطاً خاصاً. وأنه أبصر منذ الأزل تاريخ الشعوب أمامه. وأعطى لكل قبيلة وأمة وقتاً للتوبة النصوحة والإيمان الحي. وحدد زمن صبره تحديداً. ولكن مسيرة التاريخ هذه المعينة، لا تقف أمامنا كقضاء مهلك وقدر مخيف. لأننا عالمون أن أبان هو الذي عين مسيرة الأزمنة المكتوبة. فنعرف أن محبته عملت وتعمل الخير للعالم، ولأن محبته هي مالكة للأزمنة، لا نخاف شيئاً. فأبونا هو الحاكم والسلطان الحق. وكل الأعمال الثورية وجمع الأسلحة، لا تنفع فتيلاً، ولا تغير تنفيذ خطته، لأن ملكوته سأتي ليس روحياً مستتراً فقط، بل ظاهراً مجيداً قاهراً. وسلطان الله هذا مبني على المحبة والحق، لا على اللامبالاة والظلم. فمن يعرف الله أباً يفرح للمستقبل.

فقد حذف المسيح كل الأفكار السياسية من عقول تلاميذه، وأعد أتباعه لموعد الآب الجوهري، وسمى تنفيذه تناولاً للقوة. هل أدركت أنك ضعيف؟ أنك ستموت ككل الناس، لأنك فانٍ غبي قبيح شرير بنسبة مجد الله وقداسته وحكمته. فلا تحل قدرته على إنسان بيعي، ولا تستطيع إصلاح ذاتك بذاتك، لأنك ضعيف ككل الناس وعبد للخطية. فعمل المسيح الأول لإنشاء مملكته المستترة، هو إعطاء قوة لأتباعه. والكلمة اليونانية للقوة تعني ديناميت. فقوة الله تفجر قلوبنا المتحجرة، وتجعل فينا قلوباً رحيمة، وتغلب أذهننا القاسية، لنفكر أفكار الله. فهبة الله السماوية لأجل المؤمنين بالمسيح، هي قوته الخاصة، التي خلق بها العوالم، الظاهرة في يسوع.

فهل حصلت على قوة الله أو لا تزال ميتاً في الخطية؟ هل تعيش في محبة الآب، وتستطيع كل شيء، في الذي خلصك؟ إن قوته تكمل في ضعفك. وصلاة البار تقتدر كثيراً في فعلها.

وقوة الله ليست سراً، بل انها الروح القدس بالذات، الروح الذي هو من الأزل إلى الأزل، أحد الأقانيم الثلاثة في الله الواحد، مستحق سجودنا وتسليمنا. فنسجد لهذا الروح الإلهي بكل فرح وشكر، ونعظم هذا النور من الآب والابن. لأنه حل حقاً فينا نحن المساكين، وأكد لنا خلاصنا في المسيح، وفتح لنا أعيننا الباطنية لحقيقة الله، إنه أبونا السماوي. فليس إنسان طبيعي هو حامل هذا الجوهر الإلهي في ذاته تلقائياً، بل إنه يأتي من خارج دنيانا، وينير أحباء المسيح، ويملأهم بحياته ومحبته وسلامه.

فليس أحد يقدر أن يسمي المسيح رباً، إلا من يرشد من روح الحق، الذي يؤسس فينا الإيمان الصحيح. وروح الابن يفتح لنا أفواهنا ويعلمنا نطق اللغة السماوية، ويشجعنا لنقول: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في لسماء كذلك على الأرض. فهل انفتحت لهذا الروح الصالح؟ إنه حاضر وعازم، أن يملأك.

والروح القدس هو الذي أقدر الرسل الغير قادرين أن يدركوا المسيح في ألوهيته. وأنشأ الإيمان فيهم، وقادهم ليشهدوا بكلماتهم لحقيقته، وقواهم ليعملوا إرادته بتواضع. فالروح القدس يجعلنا شهوداً للمسيح. فليس ضرورياً أن نبرز تجديدنا الخاص، ونبختر في ولادتنا الثانية، بل ندل على مخلصنا ومجددنا. فنعترف بفسادنا ونشهد بسلطان يسوع لغفران خطايانا. وندل كل الناس على أن المولود من الروح القدس هو ابن الله الحق، الذي قدسنا بدمه ويقوينا بروحه. ونعلم ونؤمن أن الرب يسوع يغير اليوم كثيرين بروح إنجيله، ويخرج منهم الأرواح الشريرة بكلمته، ويبني ملكوته بقلوب منكسرة. ولا ننسى أن كلمة «الشهود» مشتقة من كلمة شهداء. فلا نتعجب إن قام روح هذا العالم ضدنا، لأنه صلب ربنا قبلاً.

إن بزوغ روح الله ابتدأ في أورشليم، وجرى كنار بين اليهودية ووصل إلى السامرة. وتقدم إلى أنطاكية، وغطى آسيا الصغرى. وانتشر بنفس الوقت إلى أفريقيا الشمالية، وأثيوبيا والعراق. ودخل اليونان، وفتح العاصمة روما. فلقد أدرك لوقا البشير سيرةنار محبة الله، وسجلها لنا في كتابه. وها نحن الآن نضع اليوم باسم المسيح مشعل الإنجيل في يدك. ونقول لك: أنر محيطك بمحبة ابن الله، لأنكم أنتم نور العالم. ولكن امتحن نفسك أولا، فهل حصلت على قوة الله ويسكن الروح القدس فيك؟ وإلا فانتظر موعد اآب، واطلبه مصلياً في الإنجيل، حيث تجده موضوعاً مفتوحاً أمامك.

الصلاة: أيها الآب، نسجد لك ونحبك، لأنك جعلتنا بموت ابنك أولاداً لمجدك المتحقق فينا بروحك القدوس. احفظنا في محبتك. أنت أبونا. نسلم لك حياتنا شكراً، طالبين امتلاءنا بروحك القدوس، ليستنير محيطنا باسم المسيح.

2 - صعود المسيح إلى السماء (1: 9 - 12)

1: 9 وَلَمَّا قَالَ هٰذَا ٱرْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. 10 وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيضَ 11 وَقَالا: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هٰذَا ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ سَيَأْتِي هٰكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى ٱلسَّمَاءِ». 12 حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ ٱلْجَبَلِ ٱلَّذِي يُدْعَى جَبَلَ ٱلّزَيْتُونِ، ٱلَّذِي هُوَ بِٱلْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ.

أدرك التلاميذ أن المسيح حي، وله جسد روحي، غير خاضع للقوانين الطبيعية. لقد كان إنساناً حقاً وإلهاً حقاً. وقد أرشد أتباعه طيلة الأيام الأربعين، لينيرهم بمعاني النبوة من العهد القديم الدالة على موته وقيامته. وكلل تعليمه أخيراً بموعد انسكاب الروح القريب عما قليل، ليمتلئ الرسل بقوة الله.

وهذا الإعلان كان آخر ما تكلم به يسوع على الأرض. وما كان هناك ضرورة لأكثر من ذلك. فالروح القدس أتم وأكمل عمل المسيح. وبعد ذلك مضى نهائياً، فليس كما اختفى مدة الأربعين يوماً الماضية اختفاءاً مفاجئاً ودخل عبر الجدران والأبواب المغلقة كلا بل أن المقام من بين الأموات ارتفع ظاهراً رويداً رويداً، في هدوء وجلال، أمام أعين التلاميذ. لقد غلب جاذبية الأرض. وكان أخف من النور. واجتذب بقوة المحبة إلى أبيه مصدره.

والسحابة التي تحيط الله المجيد القدوس. غطته بلطف. قد أكمل المسيح عمله، فترك كونه الإنساني. ودخل مجد الله أبينا الغير المنظور.

إن الخالق الأزلي لا يسكن من فوق في السماء، لأن كرتنا الأرضية تدور حول نفسها. فمرة الفوق تحت. كما التحت فوق. وحتى الشمس ليست هي فوق، لأنه تصبح ككرة نارية هائلة في الفضاء بين مجموعات من الشموس هاربة الى المجهول. فأين الله وأين المسيح؟ أن ربنا جاوب على هذا السؤال بصواب قاطع قائلاً: وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.

فليس الله فوق أو تحت، بل هو حاضر حولنا، وفي كل مكان، لأنه غير مقيد بالزمن والمكان. فلا يستطيع إنسان أدراك عظمة مجد الله. فاستخدم المسيح طرق التفكير في تلاميذه، وارتفع ظاهراً، لأنهم فكروا أن السماء فوق. وهكذا علم المسيح أتباعه بهذه الصورة. إنه يتركهم الآن نهائياً، ويرجع إلى أبيه، ويجلس عن يمينه. ويملك معه في وحدة أبدية. إن المسيح والآب واحد. والابن في الآب، والآب في الابن. ومن ير المسيح ير الله. فنؤمن بالثالوث القدوس إله واحد، الآب والابن والروح القدس. ولا يقدر إنان أن يوضح سر هذه الوحدة الذاتية كافياً. أما الإنجيل فيعلمنا أن المسيح قد انطلق بعد قيامته من بين الأموات بأربعين يوماً، وترك كياننا البشري، ودخل السماء كون الله. ويجلس الآن على عرش النعمة مع أبيه ذي المجد الكامل والمحبة العظمى والسلطان الأكبر.

وشعر التلاميذ أن صعود يسوع إلى السماء سبب تغييراً جذرياً في حياتهم وتاريخ خلاصهم. فشخصوا إلى الأعلى، حيث ارتفع ربهم محجوباً بالسحاب. ومن الخير العميم لنا، أن ننظر إلى فوق، ونرفع قلوبنا إلى المسيح، حيث يكون المسيح عند الآب. لأن سيرنا في السماء. ووطننا عند الله أبينا.

والرب الحي ما أراد من تلاميذه، أن يتخيلوا السماوات والأمور الآخرة، ويتخذوا بسراب ديني، بل ثبتهم على الأرض، وارسل لهم ملاكين حقيقين. وهذان الملاكان أقبلا فجأة من خلف ستار العالم اللامنظور، وظهرا بطهارة عظيمة. وأثبتا للتلاميذ أن يسو قد ارتفع حقاً ونهائياً إلى السماء. فصعوده ليس خداع النظر، بل حقيقة ثابتة.

وبنفس الوقت شهد المرسلان من المسيح، أن رجاء المؤمنين لم ينته، بل أن الرب سيأتي ثانية شخصياً ظاهراً في السحاب كما انطلق. وبهذا الاعلان تركز هدف تاريخ العالم. أن الرب يسوع المسيح يأتي للمرة الثانية. والمسيحية تتمسك بهذه العقيدة بلا زعزع: ربنا حي وآت لأنه يحبنا ويشتاق إلينا. لا نعلم زمن مجيئه، ولكننا نعرف أنه يأتي سريعاً وأكيداً مبيناً. هل تترقب يسوع؟ هل هو هدف أفكارك؟ هل تحب المسيح؟ كم مرة يومياً تفكر فيه؟ وكيف تنطلق صلواتك نحوه؟ انتظر مجيئه؟ لا يعيش إنسان حقاً واياً إلا منتظرو الرب.

وبفرح عظيم من قلوبهم نزل التلاميذ الى وادي قدرون، ومشوا إلى أورشليم، لأنهم كانوا واقفين مع ربهم على جبل الزيتون، غير بعيدين من جنينة جثسيماني، حيث نام الكل لما كافح ربهم قبلئذ الموت وغضب الله، حتى قبضوا عليه بالقيود. أما الآن، فهملا يفزعون من كابوس تلك الحادثة المرعبة، بل امتلأت قلوبهم بفرح انتصار المسيح. وبشرى الملاكين رنت في عقولهم وقلوبهم كرعد أجراس كبيرة: الرب يأتي. أنه يأتي. الرب آت عن قريب.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنتحي وأعداؤك يعرفون صعودك. وأنت المنتصر والثابت في الله الآب. وإنك تأتي، علمنا انتصارك في فرح وحرك ايدينا وقلوبنا بواسطة كلمتك، لنعمل في عالمنا حتى تأتي.

3 - النخبة الذين انتظروا الروح القدس (1: 13 - 14)

1: 13 وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى ٱلْعِلِّيَّةِ ٱلَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ ٱلْغَيُورُ وَيَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ. 14 هٰؤُلاءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى ٱلصَّلاةِ وَٱلطِّلْبَةِ، مَعَ ٱلنِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ.

لقد أمر يسوع تلاميذه باكتساح العالم كله. ولكن يا للعجب! لم ينطلقوا في قوتهم الشخصية، ولم يتكلموا بكلمات فارغة ببلاغة بشرية، بل اعتزلوا للصلاة، وأتموا أمر المسيح الثاني، وهو انتظار موعد الآب. فضيق العالم فظيع. وجماهير الأموات في الخطايا كطوفان. ولكن ويل للمؤمنين، الذين يقصدون تبشير العالم في حكمتهم الشخصية. انهم يسقطون إلى تيار زمننا، ويغرقون حتماً. أما من يصلي فيثبت. ومن ينتظر قوة الله، يغلب. فلا تظنن أنك تستطيع إصلاح إنسان واحد، أو إرشاده إلى المسيح بفن قدرتك الخصية، إو باحتيال ذكائك، بل اصمت وصل، منتظراً عمل الله. وأدرك أن تاريخ أعمال الرسل ابتدأ بالصلوات، وليس بكلام جهوري منتفخ. فأول عمل قام به رسل المسيح هو الصلاة والانتظار، لأنهم قد أدركوا، ألا نتيجة من قدرتنا، فنحن ضالون سريعاً. ولكن يكاف لأجلنا الرجل الحق المختار من الله. هل تسأل من هو المنتصر الوحيد؟ اسمه يسوع المسيح! هو الذي يخلص ويفدي ويغلب وحده. أما نحن فنتبع خطواته، ونشهد بظفره.

لم ينعزل التلاميذ إلى مغارة أو صحراء، ولم يتأملوا في أسرار الكون، متشائمين ومحتقرين عالم البغضاء، بل اجتمعوا وصلوا في شركة، وواظبوا على الصلوات معاً. فمضمون اجتماعاتهم كانت الصلوات المشتركة. فسبحوا الله لأعمال يسوع التي اختبروها. تابوا توبة نصوحا عن فشلهم الخاص، وجعلوا من اختباراتهم وآمالهم صلوات. وتكلموا مع أبيهم السماوي عن كل أمور حياتهم، شاكرين معترفين طالبين ومبتهلين. فالصلاة كانت عملهم ومهنتهم وجهدهم.

ولربما كانت العلية هي مقر الاجتماعات، المكان الذي تناول يسوع فيه الفصح مع تلاميذه قائلا، كما أن الخبز يدخل إلى جوفهم، فهكذا يحل هو فيهم. وكما أن الخمر يجري في عروقهم، هكذا ينقي دمه دماءهم، ويطهرهم تطهيراً كاملاً، حتى يتجدد كيانهم جديداً حقاً بواسطة ارتكازه فيهم.

ومن هم الرجال الذين اتحدوا مع المسيح في هذه الغرفة بعهد جديد، والذين واظبوا على الاجتماعات في هذا المقر المقدس لهم؟ نميز أولاً بطرس الصياد النشيط المتسرع، الذي أنكر ربه، وحصل على غفرانه بالتقاء شخصي مع المقام من بين الأموات، فهو مذكور أولاً من بين أسماء الرسل، لأنه كان المفوض من ربه، ليترأس زملاءه. ويتكلم عنهم. ونرى مقارباً له يوحنا الوديع الهادئ اللطيف الفتي، الذي كان يتكئ على صدر يسوع. إنه أبصر وشهد بمجد الرب أكثر من أي إنسان آخر. وإلى جانبه صلى أخوه يعقوب، الذي رجا الجلوس عن يمين ابن الله في ملكوته. وقد صار الشهيد الأول من هؤلاء الحضور، الذي مجد المسيح بموته. وقد كان صديقاً لأندراوس، ذلك الرجل الكبير، الذي آمن بالمسيح قبل الجميع، وأرشد رأساً أخاه بطرس إلى المخلص (يوحنا 1: 40-41) وكان بين المصلن فيلبس أحد التلاميذ الأولين، الذي بحث يسوع عنه، ووجده، ودعاه بكلمة واحدة: اتبعني (يوحنا 1: 43-45). فهو الذي ذهب رأساً مفتشاً عن صديقه نثنائيل، المسمى أيضاً برتولماوس. وهو كان جالساً تحت التينة، ساكباً قلبه لله، فرآه المسيح من البعيد، وداه إلى صلوات مستمرة، ليرى هو وزملاؤه السماء مفتوحة والملائكة نازلة وصاعدة آتية إلى ابن الإنسان وأتباعه.

ونجد في هذه الحلقة من التلاميذ الستة الأول الذين من بيت صيدا الجليلية، توما جالساً مطمئناً، هذا المشكك السابق والنقاد، الذي حصل بأسئلته المخترقة على أعمق معرفة بالله من بين كل التلاميذ، حتى سجد ليسوع صارخاً «ربي ربي». ونرى من منتظي الروح القدس هؤلاء أيضاً متى العشار المرابي التاجر الجابي الحسابي والمترجم الماهر، الذي لبى دعوة المسيح مطيعاً، وجمع كلماته ووصف أعماله، ومجد المسيح بإنجيله المجيد، فنمتلئ من القوة الموهوبة له حتى اليوم. ولا نعرف كثيراً عن سيرة الرسل الثلاثة الأخر. فقد حصلوا كالبقية على سلطان من يسوع ليشفوا الأمراض، ويخرجوا شياطين، وفرحوا لأن أسماءهم كانت مكتوبة في السماء. فمجدوا يسوع ببشرى الخلاص في محيطهم. ولا نعلم تفاصيل كثيرة عن حياتهم. ولكن هذا ليس مهماً، لأن لوقا لم يرد وصف أعما الرسل كلها، بل أبرز عمل المسيح الحي في رسله الكرام. إنهم فتحوا قلوبهم لهداه وصلوا معاً.

وللعجب فإننا نجد في شركة المصلين أيضاً مصليات اللواتي اشتركن في سلسلة هذه الاجتماعات. لقد وقفن منفردات قرب الصليب. وهن اللواتي فوضهن الرب ليبشرن بقيامته في أول يوم من الأسبوع. وانتظرن مع الجميع حلول قوة الروح القدس، الذي ليس معداًللرجال فقط بل سواسية للنساء أيضاً.

ومريم أم يسوع كانت في شركة المنتظرين لموعد الآب. وهنا يرد اسمها لآخر مرة في العهد الجديد. ولم تظهر كملكة السماء، بل مصلية متواضعة محتاجة إلى قوة الروح القدس.

ولوقا البشير، الذي عرف الأم شخصياً، واستفهم منها عن ابنها، شهد أيضاً بوضوح، أن ليسوع إخوة، حاولوا في السابق منعه من وظيفة عمله كمخلص، لكيلا ترفض العائلة كلها من الأمة (متى 13: 55 ، مرقس 3: 21 و31-35 والأصحاح 6: 3 ويوحنا 7: 3-8). ولكن عد قيامته من الموت ظهر يسوع لأخيه يعقوب (1 كورنثوس 15: 7). فتزعزع هذا تزعزعاً فظيعاً من ألوهية يسوع، حتى جلب كل إخوته الباقين إلى حلقة الرسل. فصلوا معاً، وتغيروا في ذهنهم، وانتظروا موعد الآب. وامتلأ يعقوب بعدئذ من الروح القدس، فصار قدوة لمصلين، وأحد الأركان في كنيسة المسيح. وأصبح مع بطرس ويوحنا اللب القائد في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 12: 17 و15: 13 وغلاطية 2: 9).

إن المقام من بين الأموات وحد نخبة أتباعه والنساء المؤمنات وعائلته حسب الدم بكنيسة مصليه. فاصبحوا جميعاً قلباً ونفساً واحدة، واجتهدوا معاً في الصلاة. فهل أنت مصل، طالب شركة الإخوة بكل اشتياق وعزم، أو تنعزل منفرداً؟ إن نخبة المصلين ي نقطة الانطلاق لأعمال الرسل والكنيسة كلها.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأن رسلك لم يبنوا ملكوتك بقوتهم وحكمتهم الخاصة، بل صلوا معاً، منتظرين موعد الآب وقوة سلطانك. علمنا الصلاة والانتظار لقدرتك، مؤمنين خاضعين بعضاً لبعض.

4 - اختيار رسول بديل عن يهوذا الخاطئ (1: 15 - 26)

1: 15 وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ ٱلتَّلامِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعاً نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ: 16 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هٰذَا ٱلمَكْتُوبُ ٱلَّذِي سَبَقَ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا ٱلَّذِي صَارَ دَلِيلاً لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ، 17 إِذْ كَانَ مَعْدُوداً بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هٰذِهِ ٱلْخِدْمَةِ. 18 فَإِنَّ هٰذَا ٱقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ ٱلظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ ٱنْشَقَّ مِنَ ٱلْوَسَطِ، فَٱنْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. 19 وَصَارَ ذٰلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حَتَّى ُعِيَ ذٰلِكَ ٱلْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ). 20 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ ٱلْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ، وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ.

شركة تلاميذ يسوع الحيوية تزعزعت خلال أيام قليلة بحادثتين مرعبتين، فقد انقض عليهم موت سيدهم على الصليب في سبيل الفداء لكل الناس مؤلماً. وبنفس الوقت اهتزوا لانتحار يهوذا يأساً من خيانته. فالأول سكن فيه ملء اللاهوت جسدياً، وفي الثاني حل الشيطان ولبسه. فيا أيها الأخ، اختر طريقك. هل تريد تضحية حياتك في سبيل روح الله لأجل خطاة كثيرين، أو تريد أن تموت خاطئاً يائساً وخائفاً في دينونة الله الغاضبة؟

وقد شعر الرسل أن موت يهوذا، أنقصهم واحداً من العدد اللازم. لأن الرب دعاهم ليبشروا الأسباط الإثني عشر لأمتهم، ويدينهم في اليوم الأخير إن لم يؤمنوا. فاجتمعوا واختاروا عوضاً عن ذلك الخائن، أحد أتباع يسوع الأمناء الذين كانوا شهود عيانليحل محله. وهكذا جمعوا قرابة المائة والعشرين رجلاً، الذين كانوا يعرفون بعضهم. فاجتمعوا للصلاة، وانتظروا موعد الآب. ما أروع ذلك الاجتماع!

ووقف بطرس في وسطهم لقيادة الاجتماع. والكل عرفوه كمنكر المسيح، وبينوا إنكاره صراحة في الأناجيل الأربعة. ولكنهم عرفوا أيضاً أن يسوع غفر للتلميذ، الذي انسحق بالتوبة كل ذنوبه، وأثبته قائداً عليهم بعد قيامته من الأموات. وإن في ذلك لدليل بارز على وجود روح الحق في الكنيسة الأولى، إنهم لم يداهنوا إنكار كبيرهم، ويصمتوا عنه وبنفس الوقت تجلى روح المحبة فيها، لأنهم قبلوه كمسؤول عن الرعية. ويا للعجب! فها هوذا بطرس قائم وسط الاجتماع الكبير، بلا عقد نفسية ولعله قال: أنا موقن بأن المسيح قبلني، وأنا أكبر خاطئ، وطهرني من كل ذنوبي وفوضني لخدمته، أنا الفاشل. فلم يتكلم بطرس باسمه الخاص فيما بعد، ولم يعمل لنفسه، بل كل ما عمله وقاله كان لتمجيد ربه الحي.

لم يتكلم بطرس كأسقف أو بابا، بل كشيخ أكبر مع شيوخ آخرين بنفس المستوى. فسمى الرجال المجتمعين إخوة، لأن الله أبوهم، فليس لقب أعظم لا في السماء ولا على الأرض من هذا اللقب الفريد «أخ» رمزاً للعلاقة في عائلة الله.

ولقد فكر التلاميذ مصلين متأملين بنهاية يهوذا، الذي أصبح قائد أعداء الله، فسلم المسيح البار بحيلة إلى أيدي الظالمين. والتلاميذ تذكروا أيامهم، التي قضوها في رفقة يهوذا ضمن شركة يسوع. وكان يهوذا من لب ملكوت الله. وحصل من ربه على دعوة ووظيفة وسلطة. وخدم الله مع بقية التلاميذ الآخرين مدة من الزمن.

ولكن يهوذا هذا أحب المال. وكما كتب لوقا عنه أنه لم يرفض رشوة الظلم، بل قبلها أخيراً. وأراد ضمان نفسه المضطربة، فاشترى خارج المدينة حقلاً واسعاً. ولكنه ما اطمأن، وشعر في ضميره بسياط ضربات الله، ويئس في وسوسات الشيطان المشتكية عليه.فركض وعلق نفسه منتحراً. والحبل الذي شنق نفسه به، انشق فسقط جسده نصف المشنوق من الشجرة على صخرة مروسة. فانشق بطنه واندلقت أمعاؤه. وعلم الطبيب لوقا من اختباراته، كيف يظهر مشهد مريع كهذا.

وسمع كل سكان أورشليم هذه القصة، وشعروا بغضب الله على الخائن وابتعدوا عن هذا الحق، لأنه كان مرطباً بالدم الملعون.

إن الله علم خطية الخيانة من قبل في نفس الشرير، وحذره عدة مرات في عظاته، فلم يغن التحذير شيئاً، لأن يهوذا فضل قوة المال لضمان حياته، على قدرة ربه الحي. ففقدهما كليهما، وحصته السماوية وحقله الأرضي. ووظيفته أمام الله انتقلت لآخر. وبيته المشترى حديثاً أصبح خالياً. فانهدت الجدران، وصار للوطاويط مسكناً.

ارتعب التلاميذ ارتعاباً عميقاً، لأنهم في العشاء الرباني ما كانوا متأكدين من أنفسهم، لما أعلن المسيح الخيانة، التي ستقع من أحدهم، فرأى كل نفسه بها جديراً. وأكثر من ذلك أنهم في صلواتهم المشتركة، أدركوا أن روح الله أبصر من زمان طريق اخائن. ولكن القدوس لم يرشد الخائن لخطيته، لأنه ليس إنسان ما مسيراً للخطية، وإنما الرب يخيره. فيهوذا قسى قلبه تجاه محبة المسيح، فمات في لعنة الله. هذا ما أنبأ به الروح القدس من قبل بألف سنة على فم داود بكل وضوح (مزمور 69: 26 و109: 8).

أيها الأخ لا تقسي قلبك ضد جذب روح الله بل وافق على تحرير القدوس لك من محبة المال وقيادته إياك للتضحية وخدمته. لا تطلب لنفسك ثروة وغنى وإكراماً وشرفاً وسلطة، بل اطلب التواضع والقناعة والوداعة والبساطة كما أن يسوع وتلاميذه عاشوا فقراء بالمال وأغنياء بروح الله.

الصلاة: يا رب اغفر لي محبتي للمال وأنانيتي وطمعي. وحررني لخدمة اسمك. وأن أتكل على عنايتك بي. وليملأ روحك القدوس نفسي وكل الإخوة، لنثبت في محبتك غير ساقطين في لعنة أبداً. آمين.

1: 21 فَيَنْبَغِي أَنَّ ٱلرِّجَالَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ ٱلّزَمَانِ ٱلَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، 22 مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ فيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ. 23 فَأَقَامُوا ٱثْنَيْنِ: يُوسُفَ ٱلَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا ٱلْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ، وَمَتِّيَاسَ. 24 وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ ٱلْعارِفُ قُلُوبَ ٱلْجَمِيعِ، عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ ٱلاثْنَيْنِ أَيّاً ٱخْتَرْتَهُ، 25 لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هٰذِهِ ٱلْخِدْمَةِ وَٱلرِّسَالَةِ ٱلَّتِي تَعَدَّاهَا يَهُوذَا لِيَذْهَبَ إِلَى مَكَانِهِ». 26 ثُمَّ أَلْقوْا قُرْعَتَهُمْ، فَوَقَعَتِ ٱلْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ، فَحُسِبَ مَعَ ٱلأَحَدَ عَشَرَ رَسُولاً.

لم يتفلسف الرسل عن السبب الذي من أجله خان يهوذا سيده يسوع، بل آمنوا بدينونة الله العادلة. ولم ينظروا طويلاً إلى الوراء، ولم يقفوا متزعزعين في شعورهم، بل اتجهوا إلى الأمام، وفكروا بواجب تبشير العالم، وأرادوا بواسطة صلواتهم أن يطلبو من يسوع، العدد الكامل لحلقتهم الرسولية، حتى لا ينقص هؤلاء المفوضون عندما ينسكب عليهم الروح القدس.

وشرط الاختيار لتسمية إنسان ما رسولا، هو مصاحبته ليسوع من البداية، حتى كان شاهد عيان لأعماله واقواله، مختبراً المقام من بين الأموات شخصياً. وبهذا بان أن الاثني عشر تلميذاً لم يكونوا يتجولون لوحدهم مع يسوع، بل كثيرون أيضاً من أتباعه كما أن يسوع أرسل إلى الجليل سبعين تلميذاً وفوضهم للخدمة. فحددوا الشروط للخدمة الرسولية بتشدد أكثر، حتى ينحصر الترشيح لهذه الخدمة بعدد قليل، ممن انضووا تحت لواء التلمذة عند يوحنا المعمدان، وتابعوا عنده واعترفوا أمامه بخطاياهم، منتظرين إراء ملكوت الله. وحقاً فإن عدداً وفيراً من تلاميذ يوحنا هم الذين سمعوا نداءه القائل: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. فتركوا معلمهم بمعمودية الماء لغفران الخطايا، وتبعوا المعلم الجديد الذي سيعمدهم بالروح القدس، ويثبتهم في افراح العهدالجديد.

ولربما نفكر أن من تبع يسوع بلا انقطاع أصبح إنساناً أفضل وأحكم من بقية البشر. ولكن سير التلاميذ يبرهن العكس. ليس إنسان يستطيع الإيمان الحق والمحبة الحارة والرجاء الممتد بدون الروح القدس. فسمع التلاميذ كلمات يسوع، ولكن قلوبهم بقيت متكبرة. وقد رأوا مجده بعد قيامته، ولكنهم كانوا خالين من الحياء الأبدية، لأن الروح القدس لم يحل فيهم بعد. فبعض المفسرين يظنون أن الاختيار عوض يهوذا كان عملاً متسرعاً إنسانياً غير إلهي، لأن الرب اختار في حينه بولس رسولاً، الذي حصل على خدمةوسلطان يهوذا، ليبشر الأمم.

ولكن التلاميذ الاحد عشر، لم يفكروا أولاً بتبشير العالم، بل بتجديد قبائل شعبهم الاثني عشرة. فتصرف بطرس في انسجام مع بقية الرسل، ودعا إلى اجتماع كبير لأتباع يسوع، طالباً من الجميع تسمية المرشحين. وبعدئذ وضعوا الاختيار النهائي بين يد الرب، الذي سموه عارف القلوب. فنرى أن بطرس لم يتصرف كاسقف في سلطان مطلق. وكذلك لم يجر الاختيار في الاجتماع بطريقة ديموقراطية حيث يقرر الأكثرية، بل الجميع تقدموا معاً إلى الله، طالبين منه الحكم الإلهي وتدخله مباشرة.

وللحصول على صوت الله استخدموا قبل انسكاب الروح القدس القرعة. ولكن لما اختاروا بعدئذ الشمامسة السبعة أعطى الرسل إلى الكنيسة حق الاختيار كله. وحصل في أنطاكية أن الروح القدس بذاته اختار برنابا وبولس لخدمة التبشير، بينما كان الشيوخ يصون وهم صائمون طالبون تدخل المسيح وإرشاده. فبالحقيقة أن تاريخ أعمال الرسل هو تاريخ المسيح المقام من بين الأموات وأعماله تحقيقاً لانتشار ملكون الله. فلا نعيش في الكنيسة تحت سلطة بابوية، ولا في الديموقراطية السياسية، ولا في الديكتاتورية الشتراكية، بل تحت إشراف المسيح المتحقق بقوة الروح القدس العامل في قلوب المؤمنين.

ليتنا لا نعتمد في إسناد الخدمات الكنسية للشمامسة والشيوخ والمعاونين على عقلنا وإرادتنا وقدرتنا العائلية فحسب بل على الصلاة أولا وأخيراً، لكي يختار يسوع هو بنفسه خدامه، ليس حسب أموالهم ومواهبهم الطبيعية أو مستواهم الاجتماعي، ولكن حب مسرته وحدها. عندئذ يجري عمل الرب ويمتلئ خدام الرب من الروح القدس فليست الشهادات اللاهوتية، ولا العلاقة بالأحزاب، أو المدارس المذهبية، هي التي تؤمن نجاح قسيس أو شيخ أو أسقف، بل التقاؤه بالمسيح المقام من بين الأموات ودعوته مباشرة من قبل. فالذي يخدم الرب بدون هذه الدعوة معرض لخطر السقوط إلى جهنم حالاً.

ولم يرد الرسل الأحد عشر أن يوزعوا خدمات وتفويض المسيح مستقلين، عالمين أن ليس إنسان يعرف القلوب ولا المزاج والمواهب ولا الأمانة في القليل. فصلى مائة وعشرون رجلاً معاً، ليختار الرب واحداً من المرشحين لخدمة النعمة، وليؤهله بالقوة لتنيذ خدمته، لأنه إن لم يتدخل ابن الله في تعيين خادم الإنجيل، ستكون كل خدمته باطلة.

ورشحوا لهذا المنصب اثنين، لم يصلنا عنهما علماً مفصلاً. وما عرفنا كيف أجريت القرعة بينهما. لكن هذه القرعة لم تقع على الأول المحترم، بل على متياس الغير المعروف، الذي دعي بهذا الاختيار إلى مسؤوليته كعضو في النخبة الرسولية. وقد ملأ السيح في ما تلا ذلك من الأيام هذا البديل بروحه القدوس واثبت انضمامه إلى ملكوت الله. ولكننا لا نعرف شيئاً آخر عن متياس المختار.

الصلاة: أيها الرب، نشكرك لأنك تدعو أناساً غير مقتدرين للخدمة، وتدربهم وتفوضهم وتجهزهم وترسلهم وترافقهم وتنجحهم. فإن وجدنا نعمة قدام عينيك، فلا ترفضنا بل كسر كبرياءنا وجددنا، لكي نخدمك ونحن الأصاغر في قوتك لتمجيد اسمك.

5 - انسكاب الروح القدس في عيد الخمسين (2: 1 - 13)

2: 1 وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ ٱلْخَمْسِينَ كَانَ ٱلْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 2 وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلَأَ كُلَّ ٱلْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، 3 َظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَٱسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. 4 وَٱمْتَلَأَ ٱلْجَمِيعُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَٱبْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُم ٱلرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.

ماذا تفكر أن يحدث لو تسقط الشمس على الأرض؟ إن هذه الكتلة النارية الغازية الضخمة، إن اقتربت قليلاً إلى كرتنا الأرضية الصغيرة، تحترق ومن عليها. فكم بالحري إذا سقطت فإننا نتبخر في لمح البصر. لكن الآن لم تأت هذه الشمس المخلوقة، بل قد اء الخالق نفسه كعاصفة نارية على الأرض. ولم يدن البشر، بل رحم المنتظرين. الله يأتي إلى الناس ومن يفهم يسجد. وأكثر من ذلك، فالله يحل في الانسان. لا يستطيع العقل إدراك هذه الحقيقة. فنطلب إليك أن تقرأ قصة ولادة الكنيسة كلمة كلمة بتمهل، فترى كيف أن محبة الله وصبره ونعمته دخلت دنيانا الشريرة.

عيد الخمسين كان عيداً قديماً يحتفل به اليهود في اليوم الخمسين بعد عيد الفصح كعيد شكر لحصاد القمح. فالمسيح أشبه حبة القمع الذي سقط إلى الأرض ومات. وهو في قيامته من بين الأموات كان كالغمر الأول المقدم لله المرضي عنه. والتلاميذ المجتعون المصلون أشبهوا البداية من حصاد الله الكامل. وهذا الحصاد الروحي ما زال جارياً. كلنا نبتنا من حبة القمح وهو المسيح، ونحصد اليوم ما زرعه الرب وتمنى الأنبياء أن يروه، ولأن ابن الله مات فقد أتى الروح القدس إلى العالم.

لم يأت روح النعمة ورحمة النور لكل الناس. كانت مدينة أورشليم عاصمة، ولكن عاصفة محبة الله وصلت فقط إلى المصلين، الذين أحبوا المسيح. فلم تلامس قوة الله الهيكل. وجيوش الرومان بقوا بدون حياة أبدية، إلا الذين انتظروا قلباً ونفساً واحدة وعد الآب. فهم الذين امتلأوا من روح القوة.

في الأغلب أن أكثر ما مائة رجل وامرأة من التلاميذ وعائلة يسوع كانوا في الابتداء مندهشين وفزعين، لما سمعوا فجأة من السماء، التي ارتفع يسوع إليها، ضجيجاً كعاصفة مشتدة أكثر فأكثر. وبدون أن تهتز الشبابيك وتنخبط الدرف الخشبية، وبدون أن تحرك أوراق الأشجار، دخل الصوت العاصف إلى دارهم، وملأ البيت كله، وكل الغرف، حتى الحوش. فجلسوا مندهشين مفتوحي الأعين والآذان، لأنهم لم يشعروا بالعاصفة، بل سمعوها بآذانهم واضحة، ولما حدث هذا كانوا في صلاتهم، وفتحوا قلوبهم للرب، فحلت قوته عيهم. فرأوا بغتة بعيونهم شيئاً كألسنة نارية تمطر من الهواء العاصف. ولكن هذه الألسنة لم تتراقص مضطربة في الجو، ولم تحرق البيت والأثاث ولا ملابسهم، بل استقرت بهدوء عظيم على المؤمنين المصلين، وهذه الألسنة النارية الغريبة العنصر تدلنا على ماقصد يسوع بواسطتها. فكانت للتلاميذ ألسنة طبيعية مفعمة الكذب والنجاسة والحكم الإنسانية، وعليها أن تحترق وتزول. وعوضاً عنها يمنحهم الله ألسنة جديدة نارية قوية، ناطقة بالمحبة الإلهية. عند ذلك شعر كل الممتلئين بروح الرب بفرح عظيم وفرج عميق. ثقل خطاياهم سقط عنهم، وصدرهم انفتح، وكآبتهم زالت. وأعينهم المبهورة أصبحت لامعة. وأفواههم المتجمدة انفتحت لحمد الله فصرخوا: يا أبتاه قد أصبحت بموت ابنك أبانا. ودمه غفر ذنوبنا. وروحه حل فينا نحن غير المستحقين ويقدسنا تماماً. فنعظمك ونسبحك لأنك أحييتنا لمجد نعمتك.

إن عاصفة محبة الله سببت عاصفة الشكر، وأجرت كلمات مقدسة افكاراً سماوية غير معروفة لديهم من شفتيهم. فالروح القدس أرشد تكلمهم، وملأ أفكارهم، وبارك إرادتهم. فلم يتحمسوا بشرياً، بل امتلأوا من الروح القدس، الذي يستخدم العقول وضبط النفس يضاً. فهكذا أصبح الجميع معاً هيكل روح الله لأن قوته وفضائله حضرت.

انتبه! لم يمتلئ بطرس ويوحنا فقط من الروح القدس، بل كل الحضور. ولم يشعروا بألم من العاصفة الإلهية الممطرة ألسنة نارية. بل قد أحاطهم رحاب الله، وحقق موعد الآب، وأصبح المصلون أولاد الله، متبنين وممتلئين من جوهر محبته وحقه ومسرته. وباحق نسمي عيد الخمسين عيد العنصرة أيضاً لأن عنصراً جديداً إلهياً من خارج العالم قد دخل إلى عالمنا الميت. فابتدأ الرجاء والنهضة الروحية في هذا البيت في القدس. وفاق الحمد المشترك والتسبيح العام شكراً للثالوث القدوس.

الصلاة: أيها الآب، نشكرك لأن ابنك الحبيب حمل ذنوبنا على الصليب، وجعلنا أهلاً لحلول روحك القدوس. املأنا وكنيستنا بحضورك، لتضمحل ذنوبنا نهائياً، ويعبر حمدنا المشترك عن فرحنا وشكرنا العميق.

2: 5 وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. 6 فَلَمَّا صَارَ هٰذَا ٱلصَّوْتُ، ٱجْتَمَعَ ٱلْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ. 7 فَبُهِتَ ٱلْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هٰؤُلاءِ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ 8 فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ ٱلَّتِي وُلِدَ فِيهَا: 9 فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلامِيُّونَ، وَٱلسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ ٱلنَّهْرَيْنِ، وَٱلْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا 10 وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَواحِيَ لِيبِيَّةَ ٱلَّتِي نَحْوَ ٱلْقَيْرَوَانِ، وَٱلرُّومَانِيُّونَ ٱلْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاءُ، 11 كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ ٱللّٰهِ؟». 12 فَتَحَيَّرَ ٱْجَمِيعُ وَٱرْتَابُوا قَائلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هٰذَا؟». 13 وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُمْ قَدِ ٱمْتَلَأُوا سُلافَةً».

هل تريد أن تعرف ماذا تكلم الرسل في قوة الألسنة النارية؟ فاقرأ العدد 12 ، فتتعلم أنهم لم يتكلموا إلا بعظائم الله. فشكروا خالقهم لخلقه، وحمدوا صبره على بني البشر المجرمين. وعظموا ناموسه المقدس وشكروه لإعلان مشيئته في الأنبياء. وقد سدوا للآب القدوس لأجل ولادة ابنه يسوع وتأنسه. وابتهجوا بمحبته المتجسدة المعروفة لديهم التي شاهدوها وسمعوها. فسبحوا الرب لأجل عجائبه وأعادوا أقواله. وسجدوا له لأجل موته على الصليب وقيامته من بين الأموات. ان التلاميذ عظموا الله لأجل التقائم بالمسيح الحي وفرحوا لأجل صعوده وتهللوا لأجل اتمام النبوة المنتظرة. وقد آمنوا بضرورة تبشير العالم وامتلأوا بمشيئة الله لينقلوا الخلاص للبشر. هل تنسجم بتسبيح عظائم الله؟ اين شكرك؟ هل تكرم نفسك؟ أو تعظم الرب؟ أنس اسمك، وكرم أباك في السما وحده.

وذلك الجو المنسجم من الحمد والهدوء في الصلاة والقداسة لم يستمر طويلاً، إذ سمع كثيرون من منتظري الرب صوت عاصفة المحبة، فتراكضوا إلى المكان حيث نزلت العاصفة، ووقفوا ينظرون حيارى، لأنهم سمعوا الجليليين يتكلمون بلغات مختلفة، رغم أنهم م يسافروا خارج بلادهم، ولم يتعلموا في مدرسة اللغات. ان الروح الخالق قد غلب في عيد العنصرة نتيجة غضب الله، لما ضرب البشر وبلبل لغاتهم وقسمهم إلى شعوب، حتى ما عادوا يفهمون بعضهم بعضاً. لقد حاولوا في استكبارهم أن يصلوا إلى مستوى الله برمز ناء برج بابل، الذي كان القصد منه أن يرتفع ويرتفع، حتى يصل إلى الله. أما الآن فغفر المسيح خطية استكبار أتباعه. فقدر روح وداعة المسيح وتواضعه أن يحل في قلوب المصلين. فلم يفكر أحد، أنه أفضل من الآخر، أو أذكى أو أعظم، بل القوي خضع للضعيف، والمحترم اعتبر نفسه أصغر الكل. فالروح القدس أعلن ذاته في المحبة رباط الكمال ووحد الناس المختلفين في جماعة الله. فاعلم أنه منذ عيد العنصرة قد سقطت الحدود بين الشعوب ولغاتهم وصفاتهم مبدئياً، ولا توجد درجات بين العبقري والمتأخر، بل الكل واحدفي الله، لأن أعظم المواهب وهي الروح القدس قد رفعت الفانين إلى مستوى الآب الأزلي، وقدستهم بدم المسيح، ليصبحوا قديسين بلا لوم قدامه في المحبة.

وفي عيد العنصرة ذلك، كان ممثلو الشعوب الكثيرة مجتمعين في أورشليم، ليحتفلوا في مسكن الله شكراً للحصاد. فتراكض يهود من بلاد الفرس، ومن بين النهرين، ومن آسيا الصغرى، وأفريقيا الشمالية، ومن إيطاليا، ومن كريت. وكلهم سمعوا من الكلمات اليليلة صوت الله متكلماً في لغتهم الوطنية. فكانت أعجوبة عيد العنصرة مثلثة. أولاً سماع العاصفة. ثانياً رؤية ألسنة النيران. ثالثاً فهم اللغة الجيليلة. فالله نفسه كان مترجماً للألسنة في هذا العيد.

ونفرح خصوصاً لأن من بين المستمعين كان ممثلون من مصر ومن أبناء العرب. فعبر الروح القدس منذ أول ساعة ظهوره عن الخلاص العظيم باللغة العربية والقبطية. فليست هاتان اللغتان عليه صعبة ولا غريبة، انه يملأهما بمحبته ويغلب معانيهما بقداسته.فهل تسجد لله الثالوث في لغتك العربية؟ سلم له لسانك وقلبك وعزمك وكل قدرتك فتثبت في فرح حمد الله.

ولكن يا للعجب! فالمتراكضون سرعان ما انقسموا إلى فرقتين متأملين ومستهزئين. الأولون أرادوا اختبار سر الروح القدس. والآخرون سموا التكلم بفرح الله كهذيان السكارى. ولربما عرفوا هذه الحالة النجسة التي اتهموا فيها الرسل من اختباراتهم الخصة بأنفسهم، ولكن حرية فرح الله لم يعرفوها. فبقيت قوة المحبة الأزلية مستترة عليهم وقلبهم تقسى أكثر فأكثر إلى البغضة.

الصلاة: باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته. الذي غفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل أمراضك. الذي يفدي من الحفرة حياتك. الذي يكللك بالرحمة والرافة. الذي يشبع بالخير عرك فيتجدد مثل النسر شبابك (مزمور 103: 1-5).

6 - عظة بطرس في عيد العنصرة (2: 14 - 36)

2: 14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ ٱلأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْيَهُودُ وَٱلسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هٰذَا مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلامِي،15 لأَنَّ هٰؤُلاءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ، لأَنَّهَا ٱلسَّاعَةُ ٱلثَّالِثَةُ مِنَ ٱلنَّهَارِ. 16 بَلْ هٰذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ ٱلنَّبِيِّ. 17 يَقُولُ ٱللّٰهُ: وَيَكُونُ فِي ٱلأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاماً. 18 وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. 19 وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَماً وَنَاراً وَبُخَارَ دُخَانٍ. 20 تَتَحَّوَلُ ٱلشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ وَٱلْقَمَرُ إِلَى دَمٍ، قبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ ٱلرَّبِّ ٱلْعَظِيمُ ٱلشَّهِيرُ. 21 وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ».

التكلم بالألسنة مهم ولكن النبوة أهم من ذلك. التكلم بألسنة هو موهبة من الروح القدس، به يتجه الإنسان كاملاً نحو الله شاكراً وحامداً ومصلياً، وهو عادة لا يفهم معنى كلماته الخاصة. ولكن التنبؤ الحق هو الذي يخترق قلوب المستمعين وعقولهم يوقفهم في حضور الله.

وبعدما اليهود المتعجبون سمعوا الرسل المسبحين بألسنة الفرح والحمد، أصابتهم عظة الروح القدس على لسان بطرس المخترقة أحشاءهم، لأن الرسول شهد لهم بكل وضوح أن روح الله قد حضر جلياً وبين سبب مجيئه وغايته.

ولم يقف بطرس أمام الجمهور منفرداً ليتلألأ ببلاغة ويسحر المستمعين، بل كل الرسل الاثني عشر تقدموا معاً، وكانوا كفرقة المصلين حول المتكلم. وربما شعر بطرس بالصعوبة، أن يتكلم إلى الجمع بدون استعداد، ولكن روح الحق هدأ أفكاره وشجع قلبه. ع أنه قبل هذا الموقف بعدة أيام، عاش هو والتلاميذ وراء الأبواب المغلقة، خوفاً من اليهود. أما الآن فقد دخلت قوة الله فيهم، وأطلقت ألسنتهم فأصابت كلمة الروح القدس القلوب. والله تكلم بواسطة رسله، ولم يتدحرج بطرس بغيبوبة أمام المستمعين بل وق قدامهم متكلماً هادئاً بوقار.

ورد بطرس أولاً على المستهزئين بقوله الموجز. أنه في مثل هذه المدينة التقية يستحيل أن يسكر إنسان في التاسعة صباحاً، لأن الجيران لا يتحملون ذلك. وفوق هذا يتعرض السكير للعقاب الصارم.

وبعد ذلك التفت صياد الناس إلى المنفتحين لتبشيره، وطلب إليهم الاستماع وفتح الأذن، ليستطيع روح الله أن يدخل فيهم. وابتدأ بعدئذ بطرس بتبشير الجمهور، ليس بتأثير نفساني وعاطفي يسيل الدموع، ولا بأوامر شديدة لإخضاع إرادة الانسان وتحريكه بل أتى بالنبوات من العهد القديم مع إتمامها في زمنهم. فأوضح بكلمات من الكتاب المقدس حالتهم التي وصلوا إليها، وصرح بأن هذا الوضع الحالي، الذي هم يشاهدونه من انسكاب الروح القدس على التلاميذ، ليس إلا تحقيق وعد الله وكلمته.

وهكذا تجرأ مقدام الرسل لينطق بالعبارة الشهيرة، هذا هو ما قاله النبي يوئيل! ان هذه النبوة تمت وتحققت وصارت ملموسة حاضرة مكشوفة ومسموعة. فإن الروح القدس اليوم في العالم، وليس علينا أن ننزله من السماء مرة أخرى، إنما نقبله كأولاد يقبلن الهدية، ونشكر الرب لأجله. هذا الروح يقفز من كلمات الإنجيل إلى أعيننا. كما أن العظة عن المسيح تغير عقولنا وتجدد أفكارنا. فليس الصوم أو التقشف وتعذيب الذات بالسلاسل، هو الذي يجعل أجسادنا ينبوعاً للروح الصالح، بل أن هذا العنصر الإلهي حاضر وينتظر أن نقبله، ونفتح باب قلوبنا له بلا مشقات. مؤمنين فرحين حامدين! وفقاً لقول يسوع لرسله: اقبلوا الروح القدس.

وقد أنبأ النبي يوئيل منذ القدم، أن الرجال والنساء الشباب والشابات والعبيد والإماء سيحصلون على روح الله. فليس اليهود هم المختارون فقط، لينالوا الموعد بالمسيح. وهذه النبوة هي أعجوبة كبرى لليهود، لأنها تلغي بالنسبة الروحية كل الفروق ين الرجل والمرأة، الوالدين والأولاد، الأحرار والعبيد، اليهود والأمم. فكل البشر يستطيعون اليوم الدخول إلى مسرة الله. وفرح الرب يخيم على الأرض كلها ويتحقق في منكسري القلوب المؤمنين بالمصلوب.

والله يقول أيضاً بواسطة النبي يوئيل وبواسطة الرسول بطرس، أن انسكاب هذا الروح القدس هو علامة بارزة لآواخر الأيام. لقد احتمل الله البشر الأشرار ألوف السنين في صبره. أما على الصليب فقد غفر ابن الله الخطايا. فاستطاع الروح، أن يأتي بقو وبدون مانع. فمن يقبله يتنبأ ويعرف الله ويسبحه، ويعظم المسيح. ولكم من لا يقبل روح الله يسقط في الدينونة. والدينونة لا تأتي فقط يوم الدين، بل هي مبتدئة منذ انسكاب الروح القدس. الذي يحل من الخطية كل المشتافين إلى ربهم. فمن لا ينال الحياة لأبدية فقد دين. ولكن من يفتح نفسه لروح الله يصبح متنبأ، ويدرك الله، وينمو في معرفة إرادته. وأكثر من ذلك فالذي يحل فيه الروح القدس، يصبح ابناً لله القدوس.

وبشرى هذه النعمة مرفقة بصور مخيفة عن زوال الكون، حيث يدكن جو كرتنا الأرضية بواسطة الغازات والغبار. وتسفك أنهر الدماء في حروب عالمية. وتضعضع الزلازل الأرض. وتنفجر الشياطين كدخان مبيد من الهوة ليجربوا كل الذين لم يختموا بروح المسيح.

عندئذ يأتي يوم الرب والساعة الأخيرة، ويظهر المسيح في سحابة منيرة كبرق في الظلام. وعندئذ يتضح أن الأرض تمرجحت خوفاً من الآتي. وجهنم استعدت للمعركة الأخيرة ضد الله قبل سقوطها. فضروري أن نتيقن بأن المعرفة والتعليم عن يوم الدين وعلاماه هي من أسس العهد الجديد المستيقنة.

إنما الذي يحمل روح الله في نفسه فقد اجتاز السموات لأنه حامل حياة الله في جسده الفاني، ويستطيع أن يصلي الصلاة المستجابة، لأن الروح القدس هو روح الصلاة، ويضع على لساننا اسم المسيح، لندعو باسمه، ونتضرع الى الله، فيستجيب لنا حتماً. ون يصلي في قوة الروح القدس مرشوشاً بدم المسيح، يخلص حالاً. وهذه هي تعزيتنا ويقيننا وضمانتنا في الروح القدس أن المسيح سيظهر متانة خلاصه في الدينونة الأخيرة حامياً أتباعه في لهيب غضب الله.

الصلاة: نعظمك أيها الرب ونشكرك لأن روحك القدوس حاضر في عالمنا اليائس، وقد حل في قلوبنا المطهرة بدمك. فنسجد لك ونعظمك، لأجل الحياة الأبدية، التي منحتها لنا مجاناً بدون أعمال. املأ الكثيرين من أصدقائنا بقوتك، وافتح آذانه ليسمعوا صوتك ويعملوا إرادتك بفرح.

2: 22 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ ٱسْمَعُوا هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ: يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ بِقُّوَاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا ٱللّٰهُ بِيَدِهِ فِي وَسطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. 23 هٰذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.

إن الروح القدس لا يبرز ذاته بل يمجد المسيح. والله ليس أنانياً بل هو محبة، وكل أقنوم فيه محب الثاني ويدلنا على الآخر. فالابن يعظم الآب. والروح القدس يمجد الابن. كما أن الابن ترك للروح تنفيذ الخلاص، مثلما دفع الآب لابنه كل السلطان ف السماء وعلى الأرض. فمن يرد معرفة لله فعليه أن يتأمل في المحبة التي بين الآب والابن والروح القدس. لأن الله ليس إلا محبة وبالمحبة تثبت وحدته.

لم يتكلم بطرس بإرشاد الروح القدس طويلاً عن حقيقة انسكاب الروح المبارك، بل حول شهادته سريعاً إلى شخص يسوع المسيح المصلوب والمقام من بين الأموات. فصورة الرب المضحي وانتظاره على القبر ملأت الشعور الباطني للتلاميذ. فلقد صلوا وتأملوا ف هذه الأمور، وبحثوا النبوة ووجدوا توضيحاً بينا. فرسم بطرس يسوع الناصري أمام أعين مستمعيه، ليدركوا السبب لانسكاب الروح القدس وغاية مجيئه.

والمتكلم شعر في عمق قلبه، كيف عارض الروح القدس خطية اليهود، الذين رفضوا يسوع وقتلوه. فلم يستطع بطرس أن يعزي المستمعين بكلمات جميلة وبركات موعودة، بل كان عليه أن يعلن، أنهم قتلة مجرمون. ولكن لم يقل هذا لهم بعنف وخشونة، بل وضح خطيته تدريجياً، وفي لغة المحبة أرشدهم لمعرفة جرمهم كاملا. ونلاحظ أنه ابتداء خطابه لم يستعمل لقب «المسيح» أو «ابن الله» ليسوع، بل سماه رجل الله، ليستمر اليهود في الاصغاء إليه، ولا يفور دمهم ضده سريعاً.

فتنفس بطرس ملياً، وطلب للمرة الثانية أثناء عظته الاستماع الدقيق والفهم الحق. وقال كلكم تعرفون يسوع الناصري. وهذا الرجل كان مؤيداً من الله بآيات وأعاجيب أكثر من أي نبي قبله أو بعده. فأقام الأموات وأخرج الشياطين وغفر الذنوب، وأشبع خسة آلاف جائع بأرغفة خمسة وأسكت العاصفة. فهذه الخوارق ليست أعمال إنسان، بل عمل الله. فالإنسان يسوع كان في انسجام كامل مع إرادة العلي، حتى أن القادر على كل شيء عمل به وحضر فيه. وهكذا ابتدأت قوة السماوات تنتشر على الأرض. فلم يعمل المسيح مسقلاً منفرداً منفصلاً عن الله أبيه، بل كان واحداً معه، حتى نفذ القدوس مشيئته بواسطته كاملاً، كما قال يسوع «طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله».

والغريب أن شعب اليهود رفضوا حامل سلطان الله هذا. ولم يقل بطرس أن رؤساء الكهنة أو أعضاء المجمع الأعلى هم المسؤولون عن رفض يسوع، بل المستمعون هم المخطئون، لأنهم خافوا من رؤسائهم، وابتعدوا عن يسوع الناصري رويداً رويداً، ولم يدافعوا عه، بل منهم من شارك بالصراخ: اصلبه اصلبه! فطعن بطرس بجرأة الروح القدس قلوبهم، وقال أنتم الذين قتلتم هذا المفوض من الله، ليس بالرجم العادي، بل بتسليمه إلى الرومان الوثنيين، وصلبتموه بواسطتهم. وهذا يعني عاراً مزدوجاً. ولم يتكلم بطرس إلى مسمعيه عن السرقة والكذب أو النجاسة، بل أبرز موقفهم تجاه يسوع، كأعداء لله، ثائرين مبغضين عمياناً جهلاء. فعظة بطرس هذه تعني إدانة الروح القدس، لأن هذا الروح هو قدوس، ويدين كل إثم، ويكشف موقفنا من الله في الثورة والعداوة.

أما الله فلم يخسر المعركة، رغم صلب المسيح، بل أتم في عمله المسبق خلاصه، ورغم الجريمة الشنعاء أعلن محبته كاملة. فليس إنسان يستطيع أن يعطل خطة الله. والقدوس عزم أن يفدي العالم عالماً أن هذا لا يتم إلا بذبيحة ابنه بأيدي الأثمة الثائرين. فالصليب هو النصرة لعلم الله المسبق وحكم محبته الفائقة الادراك للعالم. ولكن تعيين الله السابق هذا لا يعني تسامحاً مع اليهود، لأن الروح القدس قال بواسطة بطرس بكل حدة، أنتم القتلة المجرمون أعداء الله.

فما أعظم الفارق بين أول الحديث وآخره. فقد وقف الرسل في أعظم فرح الروح القدس أولاً وفاضت منهم التسابيح وآيات الشكر. ثم الروح القدس أدان قلوب المستمعين بشدة. لأن محبة الله ليست لينة أو سطحية، بل قدوسة وحقة.

الصلاة: أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك بذلت ابنك الوحيد لأجلنا في العار والموت. نحن قتلناه بخبثنا وعنادنا. اغفر لنا ذنوبنا، وقدسنا تقديساً تاماً بروح محبتك المسرة.

2: 24 اَلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ ٱلْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. 25 لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى ٱلرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، ِكَيْ لا أَتَزَعْزَعَ. 26 لِذٰلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. 27 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي ٱلْهَاوِيَةِ وَلا تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. 28 عرَّفْتَنِي سُبُلَ ٱلْحَيَاةِ وَسَتَمْلَأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ.

إن انتصار الله على الموت هو شعار المسيحيين. والرمز لهذا الظفر هو المسيح المقام من بين الأموات. إنه حي ولن يموت. وهو الضمان لقيامتنا. وكافل حياتنا الأبدية.

فشهد بطرس جهراً بفوز الله على معارضة اليهود. الذين صلبوا يسوع، لأن الله قبل هذا المرفوض، وأقام المحتقر الشاب الناصري الميت، وحل سلاسل الموت (مزمور 18: 5-6) إذ مستحيل للحي أن يبقى ميتاً لأنه قدوس، فلم يجد الموت حقاً عليه. لقد مات يسع لأجل خطايانا، وقام لأجل تبريرنا. فإقامة المسيح عنت لليهود دينونة الله الخارقة، وبنفس الوقت أعظم تعزية للمسيحيين.

بعدئذ وضح الروح القدس بواسطة بطرس، كيف نظر الملك داود ببصيرة المسيح إلى أسرار الثالوث الأقدس، واعترف بأن الابن رأى دائماً الآب أمامه عير مستتر ومكشوف كل مجده. فيسوع كان آدم الثاني وقبلة الله، وصورته الحقيقية، مفعم القوة والجمال وابهاء، وعاش معه في وحدة الانسجام عاملاً ما أراد الآب.

وقبل الصلب رأى الابن أباه عن يمينه، كما نحن نعرف بعد صعوده، أنه عن يمين أبيه. فنرى مرة أخرى أن كل أقنوم في الثالوث الأقدس يكرم الآخر بلا انقطاع، معتبراً نفسه الأصغر بالتواضع. وقال المسيح في هذه النبوة أنه يثبت بواسطة نصر الله ولا تزعزع لرؤيته. فكم بالحري نحن نحتاج أن ننظر دائماً إلى أبينا لكيلا نسقط في التجربة.

وهكذا لن تكون العلاقة القريبة الدائمة بين الآب والابن معكرة بواسطة استكبار أو خطية، بل مفعمة السرور والمحبة والغبطة والابتهاج، كما أعلن الله نفسه إله المسرة، لما قال: أنت ابني الحبيب الذي به سررت. فلا تحزنوا لأن فرح الرب هو قوتكم.

والمسيح رأى قبل تجسده موته كحمل الله مقبلاً عليه. ولكن بصيرته امتدت إلى أبعد من الموت، إلى الأعماق المؤبدة. فلم يمت يائساً على الصليب، بل مطمئناً في الرجاء، عالماً أن روحه ونفسه لا تبقى في سجن الأموات. إنما هو مستودع في يدي الله. أنبأ داود عن يسوع، أن جسده لا يفسد لأنه قدوس. هكذا صار رجاء المسيحيين، أن جسدهم أيضاً يتقدس وسيقوم، لأن الغفران تام ويطهر جسدنا كاملاً، الذي هو هبة صالحة من الخالق. فقيامة المسيح هي قدرتنا وفرحنا وشكرنا. وكان المسيح دائماً عالماً كل الأرار والطرق في الحياة الأبدية، حتى قدر أن يقول: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. ففي المسيح نجد قيامة كل المؤمنين ملخصة، حتى أصبح هو المحيي لأتباعه. فبدونه وخارج رحابه ليس حياة حقة.

وآخر الزمان يحصل للمسيح ملء الفرح العظيم، حين سيرى أن موته فدى ملايين من الناس وأحياهم ليثبتوا معه، متحدين أمام عرش النعمة. وفوق ذلك فإن الروح القدس قد جعلهم أعضاء في جسده الروحي وأدخلهم إلى جوهر محبة الله وحقيقة حياته الأبدية. إن إيماننا عظيم جداً مبني على الفرح والابتهاج والرجاء.

2: 29 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَاراً عَنْ رَئِيسِ ٱلآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هٰذَا ٱلْيَوْمِ. 30 فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً، وَعَلِمَ أَنَّ ٱللّٰهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ ٱلْمَسِيحَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، 31 سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي ٱلْهَاوِيةِ وَلا رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. 32فَيَسُوعُ هٰذَا أَقَامَهُ ٱللّٰهُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذٰلِكَ.

يسمي بطرس في هذه العظة المستعمعين إخوة، رغم أنهم غير داخلين في عائلة الله بعد. ولكنه رأى الروح القدس عاملاً في قلوبهم. فوضح لهم أن النبوة المذكورة في الأصحاح 2: 25-28 الصادرة من الملك داود لا تخص نفس الملك، لأنه وهو آب لنسل كثير قدمات حقاً، وقبره معروف وما كان فارغاً. فهو نبي حق ممسوح من الروح القدس. وحصل على وعد من الله، لم يحصل عليه نبي أو ملك أو كاهن، وهو أن أحد أبنائه سيكون ابن الله بنفس الوقت، مستلماً مملكة لا تزول (2 صموئيل 7: 12-14). وكل اليهود عرفوا هذا العد الشهير عن المسيح، وانتظروا ابن الانسان الذي هو ابن الله، باشتياق وترقب. وفكر الكتبة كثيراً بالمسيح الآتي، وفتشوا الكتب، وعرفوا أن الممسوح الإلهي هذا، سيغلب الموت، لأنه مولود من الروح القدس، مفعم العنصر الإلهي. فلا يستطيع جسده أن يفسد ولا تبقى نفسه مقيدة في سلطة الموت. فمملكته مملكة أبدية، وهو قد غلب في شخصيته قدرة الموت. ولم يملك كملك فان زائل، بل أنه ملك الملوك أزلي واحد مع الله الآب، وحامل سلطانه في قلبه.

وبعد ذلك شهد بطرس بدافع الروح القدس جهراً، أن يسوع المصلوب المرفوض هو ابن داود، الملك الأزلي الذي أقامه الله. ولم يخف بطرس من أعداء المسيح فيما بعد، ولم يبحث معهم هذه الأمور، بل شهد عن إتمام الحقيقة في قوة الله. قد شهد انتصار اللهبعينيه، وسمع من المقام الحي كلمات غفران خطاياه. يسوع أكل معهم لما قام من الأموات، وهو في جسده الروحي، وأراهم أثر المسامير. فالناصري حي، وابن الله غير ميت. الرب قام فهل نحن شهوده؟

وبهذا القول انتهى القسم الثالث من عظة الروح القدس على لسان بطرس. أولاً وضح لهم انسكاب الروح القدس إتماماً للنبوة في يوئيل. ثانياً سمى اليهود قتلة المصلوب. ثالثاً برهن لهم من الكتاب أن المسيح قام حقاً.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت رئيس الحياة. نسجد لك ونؤمن بقيامتك وحياتك. أنت ملكنا ومحيينا. أنت رجاؤنا الوحيد. املأ كثيراً من الناس بروحك القدوس، وارجعهم إليك ليحيوا.

2: 33 وَإِذِ ٱرْتَفَعَ بِيَمِينِ ٱللّٰهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مِنَ ٱلآبِ، سَكَبَ هٰذَا ٱلَّذِي أَنْتُمُ ٱلآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. 34 لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى ٱلسَّمَاوَات. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي، ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 35حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ 36 فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ ٱللّٰهَ جَعَلَ يَسُوعَ هٰذَا، ٱلَّذي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبّاً وَمَسِيحاً.

بعد تمهيد طويل ووصف أسس الخلاص. بيّن بطرس لمستمعيه أخيراً العلاقة بين المسيح المرسل من الله والمصلوب والمقام من بين الأموات، وبيّن انسكاب الروح القدس. أن مجيئه وموته وقيامته كانت ضرورية لكي يأتي العصر الجديد، لأنه بدون الصليب والقامة لا يأتي الروح القدس.

إن يسوع صعد إلى يمين الآب في انسجام كامل معه، والله سكب على المحتقر المرفوض من اليهود فيضاً من الكرامة والمجد كثيراً، ودفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض، واستودع بين يديه تنفيذ موعد الآب، أي انسكاب الروح القدس على أتباعه الصلين المؤمنين.فالروح القدس يأتي، لأن المسيح صالحنا مع الله على الصليب، ويشفع فينا كرئيس الكهنة القدوس عند الآب. فخدمة المسيح التوسطية هي انسكاب الروح القدس.

وحقاً ليس إنسان قريباً لله وثابتاً في عرش النعمة إلا يسوع الناصري. فكل الأنبياء والملوك ومؤسسي الأديان هم إما أموات في القبور أو في راحة السماء مثل إبراهيم وموسى وإيليا. ولكن المسيح هو وحده القريب لله قرابة الوحدة، لأنه هو الرب باذات، وأنه ثابت في ابيه وأبوه فيه إلى الأبد. فالنبي داود شاهد مرة ثانية في رؤيا الروح القدس هذه الوحدة بين الآب والابن، وأصغى للمكالمة بين الله ومسيحه، وسمع ما قاله الآب لابنه، لما وصل إليه بع