COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

من هو المسيح؟

تفسير لإنجيل مرقس

من هو المسيح? تفسير إنجيل المسيح حسب البشير مرقس

المقدمة لإنجيل مرقس

أرشد المسيح بعضاً من أتباعه أن يدونوا أقواله وأعماله وسيرة حياته وموته وقيامته وصعوده، فكان منهم العشار متى شاهد العيان ومتقن اللغات، ويوحنا التلميذ المحبوب من العائلة الكهنوتية، ولوقا الطبيب اليوناني المرافق لبولس الرسول، ومرقس الشاب، الذي سجل عظات بطرس مقدام الرسل.

من هو مرقس

نؤيد إجماع الكنيسة بأن كاتب الإنجيل الثاني هو يوحنا مرقس، الذي رافق خاله برنابا والرسول بولس في الرحلة التبشيرية الأولى (أعمال الرسل 12: 12-25 و13: 5-13 و15: 37-39) ولكنه إذ لم يقدر أن يحتمل المشقات الجسدية والكفاح الروحي أثناء هذه الرحلة، لحداثته آنذاك، ترك الرسولين ورجع الى موطنه من أول الرحلة، الأمر الذي لم يَرُق لبولس الرسول.

لكن خاله برنابا رأي فيه بثاقب نظره وحكمته رجل المستقبل، فحاول تهوين الأمر على بولس اصطحاب مرقس ثانية، فاصطدم برفيقه بولس الذي لم يقبل اصطحاب شاب لين هارب. وهكذا حدث انفصال بين زعيمي التبشير بولس وبرنابا. إنما بعد بضع سنوات، نجد مرقس ثانية رفيقاً لبولس وعوناً له في سجنه بروما (كولوسي 4: 10 وفليمون 24 و2 تيموثاوس 4: 11).

ومن المسلم به أن مرقس هو ذلك الفتى الذي تبع يسوع من بعيد لابساً إزاراً على عريه. ولما قبض الجند على يسوع هرب عرياناً، إذ نزعوا عنه إزاره (مرقس 14: 51). فشهد مرقس في إنجيله بهذه الحادثة بمعنى أنه صار مكشوفاً عارياً في صلب المسيح، عبداً باطلاً غير مستحق لكتابة الإنجيل. ولكن المسيح رحمه وفوضه ليكتب سيرة حياته الإلهية.

كيف كُتب إنجيل مرقس؟

يقول المؤرخ الكنسي أوسابيوس: إن مرقس التحق بالرسول بطرس بعد موت الرسول بولس ولازمه في روما خادماً مخلصاً له. وسجل بكل دقة وعظات هذا الرسول الشيخ عن حياة المسيح، ليس حسب التسلسل التاريخي بل وفقاً للعظات والمحاضرات التي كان يلقيها بطرس في الكنائس والبيوت، ليرسم لمستمعيه صورة حياة المسيح، فيرونه واضحاً كأنه أمامهم.. وبالحقيقة ليس مرقس هو مصدر أخبار إنجيله، بل بطرس مقدام الرسل.

ونجد في هذا الإنجيل القليل من أقوال المسيح التي نقرأها في الأناجيل الأخرى، لكن تظهر أمام أذهاننا أعمال المسيح بطريقة مختصرة فعالة. وقد أوضح بطرس خاصة من بين هذه الأحداث فشله المر بصورة أوضح منها في الأناجيل الأخرى ليمجد نعمة المسيح المخلِّصة، الذي باركه رغم إنكاره ثلاث مرات.

لماذا كُتب هذا الإنجيل؟

تعلم مرقس أثناء اتباعه لبرنابا وبولس وبطرس أن يسوع الناصري هو المسيح المقتدر القوي المنتصر. فأظهره لمستمعيه الرومان أنه ابن الله الأوحد، لأن الرومان واليونان لم يجدوا في آلهتهم المتعددة المنصوبة في هياكلهم الكثيرة رجاءً حقاً للحياة والموت، فأبرز لهم ابن الله الوحيد رجاء العالمين.

وهكذا فسر لهؤلاء الوثنيين بعض العادات اليهودية بالوضوح ليفهموا خلفية حياة يسوع، وترك وصف الكفاح مع الفريسيين. واستخدم مفردات واصطلاحات رومانية باللغة اليونانية، مما يدل على أنه لم يكتب إنجيله لليهود العبرانيين، بل للمؤمنين من الأمم في روما، ليجتذبهم الى الإيمان الحي بالمسيح ملك الملوك ورب الأرباب، المؤسس الإلهي للملكوت الروحي في دنيانا الفاسدة.

متى كُتب إنجيل مرقس؟

نقرأ عن القديس إيرونيموس قوله إن بطرس طالع هذا الإنجيل قبل موته ووافق على محتوياته، مما يدل على أنه كُتب قبل سنة 64 ب م. لأنه في هذه السنة حدث الاضطهاد العظيم من القيصر نيرون، الذي تسبب على الأغلب في موت بطرس.

ونتعلم من أصغر الأناجيل هذا، أن سلطان الله كان عاملا في يسوع المسيح الرب. وندرك أثناء تأملنا في سيرته أن المقام من بين الأموات هو حاضر حتى اليوم بيننا، منشئاً ملكوت محبته بين الأمم. وهكذا يدعونا ابن الله بأوامره الموجزة لإطاعة الإيمان، لأن في رحابه لا توجد فوضى وخطية، إنما قوة الروح القدس، عاملة حسب تنظيمات رحمته، المبنية على انتصاره الخالد.

لا تقرأ انجيل مرقس بسرعة وسطحية، بل تأمل في كل كلمة من كلماته، ونفذها بإخلاص، فتتقوى في الحياة الروحية.

الأسئلة:

1 - من هو مرقس، ومع أي الرسل تعاون؟

2 - من هو مصدر انجيل مرقس؟

3 - الى من كتب انجيله، وفي أي زمن؟

الجزء الأول: التمهيدات لظهور المسيح (الأصحاح 1: 1-1: 13)

1 - عنوان وشعار إنجيل مرقس الأصحاح الأول

بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ ٱللّٰه ِ 1: 1

قد اختبر الرسل شخصية المسيح وحصلوا على تطهير لخطاياهم وتقووا بقوة الروح القدس المنيرة لأذهانهم. فعاشوا في العهد الجديد مع الله وأدخلوا على اللغات التي تكلموها معان جديدة، ليعبروا عن فرحهم وشكرهم، ويعلنوا للناس اختباراتهم التاريخية.

أ - ماذا تعني كلمة «الإنجيل»؟

كلمة «إنجيل» مستعملة قبل ولادة المسيح بعصور. ومعناها: الخبر السار والبشرى المفرحة.

والرومان آنذاك استخدموا هذه الكلمة خاصة لإعلان رسمي صادر عن دار القيصر، ليملأ دولته بفرح عام، مثل ولادة ابن للأمبراطور أو انتصار جيوشه في معارك فاصلة. عندئذ يُنشر هذا الخبر السارّ في كل مناطق الأمبراطورية بواسطة لافتات كبيرة وأبواق مثيرة. لكي يشترك الجميع في هذه المناسبات التاريخية ويحتفلوا بها.

فكلمة إنجيل لا تعني فلسفة للبحث، ولا ناموساً للحفظ، بل هو إعلان رسمي لحادثة واقعية، يستطيع كل واحد قبولها أو رفضها.

فالمسيح ورسله استخدموا هذه الكلمة المختصة بالقيصر وملأوها بمعان وقوى جديدة. لأن الله عمل عجائب ومنح للبشر بشرى فريدة، إذ أرسل مسيحه إلى العالم متجسداً، وقد انتصر في المعركة الحاسمة على أعداء الله: الخطية والموت والشيطان. وأسس مملكة محبته الروحية. وهكذا نادى يسوع مستمعيه: «قَدْ كَمَلَ ٱلزَّمَانُ وَٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِٱلإِنْجِيلِ» (مرقس 1: 15).

لم ينزل الله كتاباً جديداً بجانب الأسفار المقدسة الموجودة في العالم قبل المسيح، بل شاء بنفسه أن يتجسد وحيده كما اعترف الرسول يوحنا. «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً» (يوحنا 1: 14) فالإنجيل لا يعني بالدرجة الأولى كتاباً، إنما شخص حي، هو المسيح بسيرته ونتائج حياته. فكل ما نقرأه في الإنجيل يكون صادراً من يسوع نفسه. فلم يتكلم الناصري بكلمة الله فقط بل هو هي.. فالمسيح هو إنجيلنا.

لقد كتب كثيرون من شهود العيان عن التقاءاتهم مع المسيح. ويعتبر كل من هذه الأخبار التي سجلوها بشرى سارة أو إنجيلاً مقدساً.. فلا توجد أربعة أناجيل فقط، بل مئات. لأن كل شهادة صالحة عن سيرة المسيح وأقواله معناها «إنجيل». وأما آباء الإيمان، فاختاروا من إثباتات شهود العيان عن حياة يسوع، أربعة أناجيل بارزة. وسموها إنجيل متى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا، وكلها تشهد منسجمة عن عظمة ابن مريم.

ولكن الرسول بولس سمى رسائله الصادرة والمكتوبة قبل هذه الأناجيل الأربعة ببضع سنين إنجيلاً أيضاً، كما كتب إلى أهل رومية: «لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُّوَةُ ٱللّٰهِ لِلْخَلاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ» (رومية 1: 16). فبولس اعتبر رسالته عن المسيح أهم من كل أناجيل القيصر. لأن المسيح لم يبق في القبر مثل جميع حكام العالم، بل قام حقاً.

والمسيح الحي ليس بعيداً عنا. إنما حاضر بيننا بواسطة كلمات إنجيله المتضمن قوى الله كلها. فالإنجيل يشبه الديناميت الروحي الكفيل لتغيير العالم.

الإنجيل هو المكان الذي يتكلم الله منه إليها.. فيسوع شخصياً حاضر في هذا الكتاب مع إمكانيات الخلاص كلها. ومن يفتح ذهنه للإنجيل مصلياً ويثق بالمسيح الحي يخلص حلاصاً أبدياً، لأن كلمات الإنجيل تربط المؤمنين بالمسيح الحي شخصياً. عندئذ تسري قوة الإنجيل في نفوس المخلصين وتغيرهم إلى صورة المسيح الحنون الوديع. عندئذ يصبحون في ذواتهم شهادة حية عن قدرة المسيح، ويمثلون إنجيلاً حديثاً في حياتهم. فنعترف أنه بجانب الأناجيل الأربعة، يوجد إنجيل بولس رسول الأمم في رسائله القوية، وإنجيل حياة المسيحيين المتواضعين. فهل أصبحت أنت إنجيلاً متجولاً، أو أي روح يتكلم منك؟

الصلاة: أيها الله القدوس نسجد لك، لأنك أرسلت المسيح الى عالمنا، لندرك في حياته جوهرك، ونسمع في كلماته مشيئتك. نشكرك لأنك لم ترسله الينا بناموس مميت، بل مخلّصاً محيياً. افتح أذهاننا لكي يتجسد انجيلك في أجسادنا. لتأتي قواه فينا بثمار كثيرة. آمين.

السؤال: 4 - ما معنى كلمة «الإنجيل»؟

ب - ما هو الاسم الشخصي للمسيح، ومعناه؟

الاسم الشخصي للمسيح هو يسوع باللغة العربية. وينطق بألفاظ مختلفة في اللغات المتعددة. فمثلاً اليونان كتبوا اسمه «جيزوس» والإنكليز يقولون «ياسوس» والألمان «ييسوس» بينما أبناء العرب اقتربوا إلى اللفظ السامي أكثر فينطقون «يسوع» مع العلم أن اسمه في القرآن «عيسى». أما في اللغة العبرانية فهو «يشوع» المصغر من الأصل «يهوشوع».

ويعني هذا الاسم: الله يعين ويتدخل ويخلص. فالقادر على كل شيء يرحم بصاحب هذا الاسم البشر ويعمل ويبارك ويخلص. فالاسم يسوع هو خلاصة عمل الله المنعم علينا، لأن العلي لم يأت للدينونة بل فتح بمجيء يسوع عهداً جديداً، عهد المحبة والفداء. كما أمر الملاك جبرائيل يوسف أبا يسوع بالتبني أن يسمي الطفل: «يسوع» لأنه يخلص شعبه من الخطايا (متى 1: 21). فالبشير متى اعترف رأساً بابتهاج وقال: الله معنا، في يسوع. وليس فيما بعد ضدنا لأجل خطايانا. فلا يهلكنا حسب حكم الناموس علينا. بل يخلصنا لأجل المولود من مريم. وهكذا يعني اسم يسوع نهاية عهد الناموس وبداية عهد النعمة.

ومن الضروري التمييز أن ليس اسم يسوع هو المسيح بل بالعكس الاسم الشخصي للمسيح هو يسوع. وأما كلمة «المسيح» فهي لقب وصفة حسب تعيين وظائفه الإلهية.

هل أدركت جوهر يسوع، إنه كا ن إنساناً حقاً من إنسان حق، وبنفس الوقت إلهاً حقاً من إله حق؟

وقد دلّت بشائر السماء إلى جانب النبوات على شخصيته الإلهية والناسوتية في نفس الوقت. لأنه قد وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء. فكان له جسد بشري كما لجميع الناس. ولكن أيضاً جوهر الله كان مستتراً فيه، لأنه روح منه تعالى. ولكن أيضاً جوهر الله كان مستتراً فيه، لأنه روح منه تعالى. وفي سلطان هذا الروح شفى يسوع جماهير المرضى، أقام الموتى وأخرج الشياطين. والأرواح النجسة عرفت اسمه وجوهره من قبل، وصرخت مرتعبة باقترابه إليها: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ! أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ، قُدُّوسُ ٱللّٰهِ!» (مرقس 1: 24). فأرواح جهنم تعلم بدون تفسير من هو يسوع. أما الناس فعمي لا يدركونه إلا نادراً، فيعرفون أنه الرب بالذات.

هذه هي العظمة والسرّ في اسم يسوع، أنه إنسان كامل ورب حق. فالكنيسة تعترف بهذا السر بفرح ويقين: الرب هو يسوع.

وقد ثبت هذا الاسم «يسوع» في السماء، كما كان على الأرض، إذ رأى الشهيد استفانوس السموات مفتوحة، وابن الإنسان قائماً عن يمين الله. فصلّى قبل موته: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱقْبَلْ رُوحِي» (أعمال 7: 56-59).

والناصري المجيد هذا اعترض سبيل شاول الطرسوسي على طريق دمشق وأوضح له بالصواب: «أَنَا يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ» (أعمال 9: 5). فتغيّر الفقيه المتزمت عن تعصبه وصار مؤمناً عبداً للمسيح. واعترف به في رسالته لفيلبي بهتاف: «رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (فيلبي 1: 9-11).

ليس اسم يسوع سحراً، بل هو سر عجيب. وحيث ينطق به بالإيمان، يعني اسمه حضور الرب بالذات المتكلم بفم عبيده، والعامل بواسطة كلماتهم. وهكذا نبشر اليوم باسم يسوع، لكي يقبله كثيرون. فيتم الوعد الإلهي: «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ» (يوحنا 1: 12). وبقوة هذا الاسم الفريد شفى بطرس الرسول أعرجاً في القدس (أعمال 3: 1-4-31). والرسل أخرجوا بسلطان هذا الاسم الشياطين. كما أن الكنيسة تترقب مجيئه الثاني منادية: «تعالى أيها الرب يسوع» (رؤيا).

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نسجد لك لأنك كلمة الله المتجسد، وقد حل فيك ملء اللاهوت جسديا. أنت المولود من روح الله، وقد غلبت الأمراض والموت والخطايا وإبليس. أنت المنتصر الذي فتح لنا الباب الى مملكة محبة الله. نشكرك لمجيئك ملتمسين منك أن تغيرنا الى قدوتك، لكي تكمل قوتك في ضعفنا. آمين.

السؤال: 5 - ما هو معنى اسم «يسوع»؟

ج - ما هي معاني لقب وظيفة المسيح؟

إن كلمة «المسيح» هي عبرانية الأصل. ولا تقصد شخصاً، بل هي وصف لرتبة ووظيفة الملوك في العهد القديم، وحتى الملك الفارسي كورش يسمّى مسيحياً (إشعياء 45: 1). وليس الملوك فقط، إنما رؤساء الكهنة وأنبياء بارزون أيضاً هم مسحاء ممسوحون بزيت مقدس. وهذه المسحة كانت رمزاً لحلول مواهب إلهية على الممسوح، لكي يستلم الحق والحكمة والسلطان والرحمة مع جميع الصفات اللازمة، لكي يستطيع القيام بوظائفه منسجماً مع مشيئة الله.

وبواسطة المسحاء في العهد القديم، أعلن الروح القدس تدريجياً، أنه سيأتي مسيح فريد، يمكث فيه ملء مواهب الله. فإشعياء النبي أنبأ قبل 700 ق. م. عن ولادته: «لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ٱبْناً، وَتَكُونُ ٱلرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ ٱلسَّلامِ. لِنُمُّوِ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلامِ لا نِهَايَةَ» (إشعياء 9: 6 و7).

ويسوع نفسه أثبت نبوة أخرى من إشعياء، عندما جلس في مجمع الناصرة وقرأها وفسرها عن نفسه إذ قال: «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ ٱلْمُنْكَسِرِي ٱلْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِٱلإِطْلاقِ ولِلْعُمْيِ بِٱلْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ ٱلْمُنْسَحِقِينَ فِي ٱلْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ ٱلرَّبِّ ٱلْمَقْبُولَةِ» (لوقا 4: 18 و19).

وأمام بيلاطس الوالي الروماني في القدس اعترف جهراً بملكوته الإلهي قائلاً: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لا أُسَلَّمَ إِلَى ٱلْيَهُودِ. وَلٰكِنِ ٱلآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». فَقَالَ لَهُ بِيلاطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهٰذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهٰذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي» (يوحنا 18: 36 و37).

من هذه الإثباتات نرى أن يسوع الناصري ليس أحد المسحاء، بل هو «المسيح» بالذات، مختار الله الفريد. لأنه فيه تجتمع صفات جميع الملوك والأنبياء والكهنة المرسلين من الله. فهو الملك المتواضع الذي دُفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. وهو أعظم من جميع الأنبياء الذين كانوا ويكونون، لأنه كلمة الله المتجسد حاملاً في نفسه الوحي الكامل. وهو رئيس الكهنة الحقيقي حيث صالح بذبيحة نفسه جميع الناس مع الله. وهو الوسيط الوحيد يلتقي الله بالناس فيه.

يسوع هو الملك الكهنوتي الذي اشترى أهل ملكوته بدمه الخاص، ودعاهم إلى رعويته، وبررهم وقدسهم وغيّرهم إلى خليقة جديدة، ليصبحوا كهنوتاً ملوكياً مصلّين من أجل العالم العاصي.

وسوف يكون المسيح القاضي في يوم الدين، لأنه كان إلى جانب ألوهيته إنسانأً ويعلم ما هو في الإنسان. وهو القادر على إقامة الموتى كما برهن عملياً.

فعظمة يسوع المسيح تفجر كل مقياس بشري. لأنه هو الكلمة الذي به خلق الله الكل. وهو رب العالمين الذي ينتظر منا تسليماً كاملاً إليه. وله الحق في قبول السجود، كما قبل سجود المشفيين في الجليل. وإننا لنجد في اسم «المسيح» خلاصة سلطان الله والقدرة لتنفيذ خطة خلاصه.

وأما اليهود في زمن يسوع فقد عرفوا النبوات عن المسيح الآتي غيباً، وترقبوا ظهوره بشغف، راجين أن يحررهم من نير الاستعمار الروماني، الأمر الذي سبب سوء فهمهم مقاصد الله. فانتظروا فادياً سياسياً وبطلاً يعبئ طاقاتهم للبطش بأعدائهم، وليس مخلصاً خنوناً وديعاً. وعندما أتى يسوع المسيح متواضعاً بدون أسلحة ولا مال، وخالياً من أي سلطة دنيوية، ماشياً على قدميه، متجولاً في القرى والمدن، كارزاً بإنجيل الخلاص، اغتاظوا، ورفضوا الموعود به، وسلمنه متهمينه كثائر سياسي إلى الوالي الروماني ليحكم عليه بالموت في العار. فاليهود ينتظرون حتى اليوم مسيحاً يجعل بالقوة أورشليم محور العالم، ويقيم الموتى، ويرعى الشعوب بقضيب موسى، ولهذا سوف يستقبل كثيرون المسيح الكذاب، بفرح وهناف، الذي سيضلّ البشر بحيله الكاذبة، وبهائه الجذاب، وقدرته المميتة، ملقياً الأمم إلى البؤس والياس.

أما المسيح الحق يسوع اللطيف الرائي، فغلب جميع التجارب المؤدية للخطايا في جسده، وأنكر حب الذات وبذبيحة نفسه، أوجد غفران خطايانا عند الله. وغلب أيضاً شبح الموت عندما قام من القبر صاعداً إلى السماء، حيث يملك عن يمين الله في الوحدة الكاملة معه، وسيطاً وشفيعاً لجميع ا لمؤمنين به، الذي إذ طهّرهم أعطاهم قوة روحية هبة ونعمة. وهكذا ينشئ مملكة محبته وسط بغضة البشر. فالمسيح هو ملك السلام، والغالب على كا فة القوى المضادة لله.

وجميع المسيحيين المتواضعين يحملون اسم مسيحهم في قلوبهم. لأنهم بالإيمان فيه وبالمعمودية على اسمه، حلّ الروح القدس في كيانهم حتى أصبحوا ممسوحين بالمسحة الإلهية، كما نادى بطرس في عيد العنصر ة: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (أعمال 2: 38).

الصلاة: أيها الله القدوس، نحمدك لأنك أرسلت إلينا مسيحك الموعود، الذي حل فيه كل ملء لاهوتك جسدياً. وهو يفوق صفات جميع الملوك والكهنة والأنبياء. نسجد لك لأن المسيح لم يغلب العالم بالأسلحة والمعارك، بل بالمحبة والتواضع، مانحاً لأتباعه مسحة الروح القدس. امسحنا أيضاً، لكي نعيش في انسجام مع المسيح. آمين.

السؤال: 6 - ما هي أهم المعاني في لقب «المسيح».

د - ماذا تعني العبارة «ابن الله»؟

اعتبر اليهود الاعتراف بالبنوة لله تجديفاً. والمجتمع الأعلى عندهم حكم آنذاك على كل مجدف بهذه العبارة بالإعدام. فكانوا يخرجونه من الأمة، لكيلا يصيب غضب الله الجميع، ويرجمونه بعيداً عن العاصمة. فمنذ القدم تؤمن أكثرية الشعوب السامية، أن الله واحد. ولا شريك له. ولا آلهة أخرى أمامه (سفر الخروج 20: 2 وتثنية 6: 4 و5).

هذا مع العلم أن أعضاء العهد القديم، لم يرفضوا النبوات القائلة أن الأمة بالذات، أو الملك بعض المرات، أو المسيح الآتي هم أبناء الله مجازياً بمعنى التبين الشرعي. ولكنهم لم يعتبروا هذه العبارة بمعنى الولادة الروحية الحقيقية من الله. فأمنوا متمسكين بأن العلي واحد لا مثيل له (خروج 4: 22، هوشع 11: 1، مزمور 89: 28، 2 صموئيل 7: 14 و4 وعزرا 7: 28).

وعكس ذلك نجد عند اليونان والرومان الذين تصوروا وآمنوا بآلهة عديدة عديدة وأرواح متنوعة وبينهم آلهات شهيرة. والجميع يتزوجون بينهم، وينسلون أولاداً، ويتصارعون ويتحابون ويتباغضون. فحوض البحر الأبيض المتوسط قبل ألفي سنة كا ن ممتلئاً بهذه الآراء والعبارات. والهياكل الضخمة بمذابحها تشهد لتكريم الآلهات الميتة. ولم يميزوا آنذاك بين الأرواح النجسة والله القدوس. بل عبدوا كل روح بدون استثناء.

كان بطرس ومرقس جريئين بهذا المقدار حتى أنهما اعترضا على الاعتقاد بتعدد الآلهة في روما، معترفين بأن لأ إله إلا واحد. وليس له أبناء إلا واحد، وهو المولود من الآب قبل كل الدهور، كما تولد الكلمة من فم الإسنان ولا تزال جزءاً منه. فولادة ابن الله الأزلي هي ولادة روحية لا جسدية قبل كل الدهور. فمن يظن ويقول إن الله القدوس جانس مريم العذراء يكفر ويرتكب إثماً كبيراً. فولادة يسوع في بيت لحم ليست ميلاده الأصلي، بل تجسده في هيئة الإنسان لأجلنا. فولادته الحقيقية تمت روحياً من الآب قبل الخلق. لهذا تعترف المسيحية جمعاء، بأنه إله من إله. نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. ذو جوهر واحد مع الآب.

لا شيء يستحيل عند الله. فمن يستطيع منع الله عن أن يكون له ابن إن أراد ذلك؟ فالناس يحددون حرية الله، إذ يقرّون بوحدانيته فقط. الله أعظم من أفكار البشر.

أما ظهور ابن الله بالجسد فتم كما قال الملاك جبرائيل لمريم العذراء: «اَلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُّوَةُ ٱلْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذٰلِكَ أَيْضاً ٱلْقُدُّوسُ ٱلْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (لوقا 1: 45). ومريم التي أوجست خيفة من هذا القول آمنت بكلمة ربها. فصار الجنين فيها وحدة مكونة من الروح القدس والدم البشري. وفيه غلب الروح الإلهي دائماً الطبيعة البشرية، وضبطها على الدوام. فثبت يسوع بلا خطية قدوساً.

إن وجود ابن الله لا يعني إطلاقاً تعدد الآلهة، لأننا نعترف مخلصين بالوحدة الكاملة بين الله الآب والابن والروح القدس. وأما السر بأن الثلاثة يساوون واحداً فلا يستطيع العقل البشري أن يدركه تلقائياً إلا بعد ولادة المؤمن ثانية من الروح القدس. عندئذ يعرف بلمحة العين أن الله محبة، وأن الوحدة بين الأقانيم الثلاثة حتمية كاملة. فالأشخاص الثلاثة المميزة والغير ممتزجة هي بالحقيقة وحدة أبدية برباط الكمال «المحبة». فكل من لا يحب لا يدرك الله.

المسيح نفسه أعلن وحدته مع الآب للمؤمنين بطرق مختلفة وتواضع فائق قائلاً: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لا يَقْدِرُ ٱلابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاّ مَا يَنْظُرُ ٱلآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهٰذَا يَعْمَلُهُ ٱلابْنُ كَذٰلِكَ. لأَنَّ ٱلآبَ يُحِبُّ ٱلابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هٰذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذٰلِكَ ٱلابْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ ٱلآبَ لا يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلآبَ. مَنْ لا يُكْرِمُ ٱلابْنَ لا يُكْرِمُ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ» (يوحنا 5: 19-23).

وبعد هذا الإعلان عن وحدة المسيح مع الآب بنسبة الأعمال، نقرأ اعتراف يسوع عن وحدته مع الله بنسبة السلطان والجوهر أيضاق إذ قال: «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلاّ ٱلآبُ، وَلا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاّ ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ. تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى 11: 27 و28).

وفي حلقة تلاميذه صرح يسوع بوحدته المطلقة مع الآب قائلاً: «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ». وقال لأحد تلاميذه: «أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي ٱلآبِ وَٱلآبَ فِيَّ؟ ٱلْكَلامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لٰكِنَّ ٱلآبَ ٱلْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ ٱلأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي ٱلآبِ وَٱلآبَ فِيَّ، وَإِلاّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ ٱلأَعْمَالِ نَفْسِهَا» (يوحنا 10: 30، 14: 10 و11).

على أساس هذه الإثباتات الكتابية تستطيع الإدراك أن ليسوع الحق أن يقول: « اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا 14: 9).

أما قيافا رئيس مجلس اليهود الأعلى في زمن يسوع فقد انتصب في المحكمة الدينية أمام المقيد فألقى سؤاله المحتال إلى وجهه البديع قائلاً: «أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ؟» (متى 26: 63). فلما لم ينكر يسوع هذه الحقيقة بل أثبتها، ووافق على طبيعتها الإلهية، اغتاظوا وسلموه للقتل فوراً. فالحكم على يسوع بالإعدام تم لأجل تصريحه بأنه ابن الله. فكيف يقول بعض الناس بعد 1900 سنة من هذه الحادثة التاريخية أن يسوع لم يعترف بأنه ابن الله؟ أن هؤلاء الشاكين لم يدركوا جوهر يسوع المسيح الذي هو حقاً الابن الوحيد لله القدوس.

الصلاة: نسجد لك أيها الابن الحنون ونحمدك أيها الآب القدوس، لأنك أنت كما أعلنت نفسك في ابنك يسوع. إن عقلنا المحدود غير قادر على إدراك حقيقتك. فنطلب إنارة أذهاننا بروحك القدوس، لكي نستنير، وندركك كما أنت: الآب والابن والروح القدس في وحدة كاملة برباط المحبة، التي تحيينا وتجعلنا أولاداً لك بالنعمة آمين.

السؤال: 7 - ما هي المبادئ الرئيسية لعبارة «ابن الله».

هـ - خلاصة عنوان إنجبل مرقس

فتح البشير مرقس ستار السماء بافتتاحه إنجيله فتحاً مبيناً، وقدم لنا بكلماته الخمس الأولى شعار رسالته وخلاصتها. فكل ما يليها في إنجيله ليس إلا توضحياً لهذا الشعار وبياناً لشخصية يسوع المسيح بواسطة وصف الحوادث، ليستنتج القارئ من الحقيقة التاريخية ألوهية المسيح.

لماذا افتتح مرقس إنجيله بهذه الكلمات المحرجة الجارحة للشعور اليهودي والروماني؟

إن البشير أراد أن يقول لليهود المهاجرين في روما ولعبدة الأصنام في الدول الرومانية: إن الحوادث التاريخية التي اختبرناها شخصياً ليست فلسفة ولا كذباً بل حقيقة واقعية. لا أستطيع أن أكتب شيئاً آخر إلا ما صار فعلاً. فيسوع ملأ أنفسنا بسلامه وسروره وصار محور تفكيرنا وأساس إيماننا وقوة شهادتنا.

فبافتتاحيته جاوب اليهود في روما: أن أباءكم لم يدركوا أن يسوع الناصري هو المسيح الموعود، بل قتلوه بدون معرفة. فتوبوا أنتم وآمنوا به لتخلصوا. ولأجل هذه الكلمات استحق بطرس ومرقس في نظر اليهود الرجم فوراً.

أما للجماهير الوثنية فقال البشير بافتتاحيته: كل أصنامكم وآلهتكم باطلة، وخداع لأنفسكم، وخيال كاذب. وحتى تكريمكم للقيصر كإله لا يجوز. فليس ابن الله إلا يسوع المسيح ربنا المقام من بين الأموات الحي المالك إلى الأبد. هذا حق ويقين.

لم يرد مرقس أن يفسر لمستمعيه الحقيقة الإلهية تدريجاً بالاحتيال المنطقي. بل عرف أن الذين من الحق يسمعون صوت الحق.

فادرس حياة يسوع بدقة تتيقن أنه الرب بالذات.

السؤال: 8 - لماذا افتتح البشير مرقس إنجيله بهذه الكلمات؟

2 - قيام يوحنا المعمدان في وادي الأردن (الأصحاح 1: 2-8)

2كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي ٱلأَنْبِيَاءِ: «هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاكِي، ٱلَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. 3صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ، ٱصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». 4كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ ٱلتَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا. 5وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَٱعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ ٱلأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 6وَكَانَ يُوحَنَّا يَلْبَسُ وَبَرَ ٱلإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقَوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً. 7وَكَانَ يَكْرِزُ قَائِلاً: «يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، ٱلَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. 8أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِٱلْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».

يشق المهندسون في أيامنا طرقاً واسعة هائلة في الصحارى والمستنقعات، ويبنون جسوراً كبيرة فوق الأودية والأنهار. ولكن لا يستطيعون إنشاء طريق بين البشر والله. فهل تريد أن يبني الله بالذات صراطاً مستقيماً من عنده إلى قلبك وعائلتك وأصدقائك؟ هل أنت مستعد أن تخبر الآخرين بعمل الرب ومجيئه القريب ليستعدوا لقبوله.

كثير من الناس يبغون الكتابة والإذاعة ليصبحوا مشهورين ومرشدين للآخرين وزعماء في شعوبهم. ولكن قليلون منهم مدعوون من الله حقاً. فإن صوتهم فارغ ولا قيمة له. أما يوحنا المعمدان فكان ساعي المسيح وقام في قوة الروح القدس. ووضع ربه في فمه كلمات النبي إشعياء. فاخترق بكلماته قلوب كثيرين. وأعلن لهم ذنوبهم، ورأى في الصحراء مثلاً لحالة الأنفس الميتة روحياً والمحرومة من أمطار نعمة الله.

طلب يوحنا المعمدان من مستمعيه التوبة الصادقة وتغيير الفكر، مع الاعتراف الواضح بالخطايا المرتكبة. وكانت تابعة لإنكار النفس المعمودية في مياه نهر الأردن. فالاعتراف بالذنوب جهراً كسر الكبرياء. والمعمودية رمزت إلى تطهير الخاطئ وإلى موت الإنسان العتيق.

هل عرفت أن كل الناس يشتاقون إلى الغفران والتطهير الشامل بما فيهم أنت؟ فاعترف الآن بخطاياك أمام ربك. وافتح له نفسك صادقاً.

لقد أعلن يوحنا غفران الذنوب باسم الله بقوة روحه ليمهد الطريق للمسيح الآتي. فتاب الألوف منسحقين أمام القدوس. ولكن المعمدان أدرك في صميم قلبه أن التوبة والاعتراف ومياه المعمودية والقول عن الغفران لا يكفي للتغيير الجذري في الإنسان. لأن الروح القدس وحده يعزي القلوب ويصلح الإنسان قلباً جديداً، ويعمدهم بروحه القدوس. فيوحنا الشديد الزاهد، ارتجف بفكرة أنه سيلتقي بابن الله شخصياً، لأنه علم نفسه غير مستحق ليحل رباط حذاء الآتي. لأنه ليس أحد صالحاً إلا الله.

والهدف الإلهي هو أن التائبين يمتلئون بروح المحبة. ولكن ليس إنسان قادراً أن يحصل على هذا الروح إلا بالإيمان الملتصق بالمسيح الحي، الذي هو مع أبيه ينبوع هذا الروح المبارك. فتعال إلى يسوع عاجلاً معترفاً بخطاياك المرتكبة وبنية تركها نهائياً. فيغفر لك كل خطاياك، ويملأك بروحه اللطيف الطاهر. أمين هو الذي يدعوك، الذي سيكملك إن التجأت إليه.

الصلاة: أيها الأب السماوي. نشكرك لأنك أرسلت المعمدان ليعد طريق ابنك. قُدنا الى التوبة النصوحة بإرشاد روحك القدوس، لنعرف خطايانا في نورك، ونندم عليها في عمق أنفسنا. ونعترف بها بدون حيلة، ونتركها بقوتك ونبغضها فعلاً، وننال بالإيمان الغفران الشامل بدم ابنك الوحيد. فنطهر ونمتلئ بروحك القدوس، مع كل المشتاقين الى محبتك في كل أنحاء العالم. آمين.

السؤال: 9 - ما هو مضمون وهدف رسالة يوحنا المعمدان؟

3 - معمودية يسوع المسيح (الأصحاح 1: 9-11)

9وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ ٱلْجَلِيلِ وَٱعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي ٱلأُرْدُنِّ. 10وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ ٱلْمَاءِ رَأَى ٱلسَّمَاوَاتِ قَدِ ٱنْشَقَّتْ، وَٱلرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. 11وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ: «أَنْتَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ!».

ترك يسوع بلدته واقترب من جماعة التائبين حول يوحنا المعمدان. وكانت بلدته الناصرة قرية جبلية آنذاك، بعيدة عن مراكز الدين والثقافة في أورشليم. وليست موضوعة على شاطئ البحر المتوسط. وكان جبال الناصرة وهضبتها الجميلة معروفة كمربض للصوص وقطاع الطرق والثائرين. وأما الشاب يسوع ابن مريم فقد ثبت بدون خطية رغم محيطه الشرس. ولم يكن محتاجاً إلى معمودية لمغفرة خطاياه، لأنه بريء وطاهر وقدوس. فلم يعترف بذنب ما، بل اعتمد عوضاً عن البشر. لأنه قد قبل دعوة الله ليرفع خطية العالم عن كواهلهم.

ولما وافق على تعيينه لهذه الدعوة، وابتدأ عمله لمصالحة الكون مع الله كان في الثلاثين من عمره تقريباً.

وعندما مارس المعمودية عوضاً عنّا انشقت السماوات، وظهرت أعجوبة الثالوث الأقدس. إذ نزل الروح القدس جلياً في هيئة حمامة، واستقرّ عليه رمزاً للسلام. فحلّ سلام الله في قلب رئيس السلام، ومكث فيه ثابتاً. لأنه أخضع طبيعته البشرية كاملاً لخدمة الله. وفي أثناء المعمودية سُمع صوت من السموات: «أنت ابني الحبيب الذي به سُررت».

ومما لا ريب فيه أن المسيح كان منذ الأزل ممتلئاً بالروح القدس. ولكن في هذه الساعة أثبت الله له بطريقة فائقة أنه قد انسجم تماماً بخضوعه مع إرادة أبيه.

وحيثما يحضر الروح القدس هناك يتكلم الله، ويعلن نفسه أباً. ويمجد المسيح ابنه له. لا يوجد إنسان قادر أن يؤلف كلمات المحبة مثل هذه، التي نطقها الآب عن ابنه كشهادة أبدية عن جوهره. ولا روح بشري يستطيع أن يسبر أغوار هذه العبارات. لأن الله ألغى استتاره، وأعلن نفسه محبة قريبة ومسرة خالدة. وشهد أن المسيح بالحقيقة ابنه. وحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً.

وهذا اللاهوت ظهر في لطفه وحنانه وشفقته ورثائه وصبره. فيسوع هو الحبيب الوحيد الممتلئ بمحبة الله، لأنه صالح العالم العاصي المتمرد مع الله القدوس. وفتح لنا الإمكانية لنصبح أولاداً لله، ونشترك في مسرته. فهل الله مسرور من سلوكك؟

الصلاة: أيها الآب السماوي، نسجد لك سجود الحمد والشكر. لأنك أعلنت لنا أبوتك السرمدية في بنوة المسيح الحبيب. وجعلتنا نتأكد بقوة روحك القدوس من محبتك المواظبة، إذ غفرت لنا ذنوبنا، وجعلت حياتنا حمداً لنعمتك. آمين.

السؤال: 6 - كيف ظهر الثالوث الأقدس وقت معمودية المسيح؟

4 - تجربة يسوع المسيح (الأصحاح 1: 12-13)

12وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ ٱلرُّوحُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ، 13وَكَانَ هُنَاكَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ ٱلْوُحُوشِ. وَصَارَتِ ٱلْمَلائِكَةُ تَخْدِمُهُ.

عرف الشيطان قليلاً عن الله وأدرك شيئاً من خطته. ولاحظ بفزع حلول الروح القدس على المسيح. فعرف أن هذه هي الساعة الحاسمة في تاريخ البشر. لأن ابن الله ابتدأ بمصالحة العالم مع أبيه. فصمم المجرب أن يُسقط حمل الله في شهوات عديدة، ويضله ضلالاً مبيناً، ليبطل استحقاقه لخدمة الذبيحة.

أما الروح القدس فهو الذي قاد المسيح فوراً إلى المعركة في البرية بعد المعمودية. فابن الله لا يخاف من الشيطان، لأن أصغر قديس أقوى من أكبر شيطان، إذ الله ساكن في أولاده.

وقف المسيح ثابت الجنان وسط التجارب الشيطانية التي انقضّت عليه كالصواعق المبيدة. إنما لم يستمع ويميل إلى وسوسات المجرّب، بل اختار طريق الفقر والتواضع والوداعة. ولم يشك في محبة أبيه. ولم يتضعضع بنسبة بنوته الخاصة. بل كان مزمعاً أن يكمل طريقه إلى الصليب. ولم يوافق مطلقاً علىحل وسط عالماً أن العالم لا يُصلح ولا يُفدى إلا بذبيحة جسده.

فثبت المسيح منتصراً في كل تجارب عبقرية الشيطان. وكل الوحوش المفترسة في البرية لم تقدر أن تؤذيه، لأنه ثبت في إرادة الله، واختار طريق الحمل الوديع، طريق احتمال الظلمة وغفران خطايا العالم. فبموته أوضح أن الله محبة. ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.

في نهاية هذه المصارعة الروحية خدمته الملائكة، التي اشتاقت أن ترى التطور في هذا الكفاح. فتهللت عندما جرّد المسيح عدو الله من قوته.

صام يسوع أربعين ليلة ونهاراً في البرية. ويدل العدد أربعين على السنوات الطويلة التي تجول شعبه في البرية وعلى الأيام التي قام موسى أمام الله على جبل سيناء. فأربعين يوماً طالت المصارعة الأولى بين الصالح والشرير في بداية خدمة المسيح.

الصلاة: نسجد لك أيها المولود من روح المحبة، لأنك غلبت الشيطان في بداية خدمتك. ولم توافق على تجاربه. نشكرك لأنك رفضت المال والسلطة والشهرة والقتل. واخترت طريق الجودة والقداسة والتواضع. اغفر لنا استكبارنا ونجاستنا. واملأنا بقوة لطفك، لكي نتبعك في طريق حمل الله.

السؤال: 11 - لماذا قاد الروح القدس يسوع أولاً الى البرية ليُجرب من إبليس؟

الجزء الثاني: بداية أعمال يسوع في منطقة الجليل (الأصحاح 1: 14-45)

1 - كرازة يسوع الأولى وشعار رسالته (الأصحاح 1: 14-15)

14وَبَعْدَ مَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ 15وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ ٱلزَّمَانُ وَٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِٱلإِنْجِيلِ.

قد أكمل يوحنا المعمدان خدمته كساعي الرب عندما ابتدأ يسوع وظيفته كالمسيح. فأسرع الشيطان بعدما غُلب من يسوع بهزيمة مبينة، في غيظه إلى النبي في البرية ليجري فيه الامتحان الأخير. فألقاه بواسطة الملك هيرودس في السجن المظلم المملوء بالخوف والشكوك. ورسم أمام بصره الموت المقبل عدة مرات.

ولم يتقدم يسوع ليحرر ساعيه بالقوة، بل أدرك علامات الساعة. وفهم مشيئة أبيه باكتمال الزمان واقتراب التغيير الجوهري للعالم. فمنذ ملايين السنين كانت المخلوقات تنتظر مجيء الرب، ليتحرر العالم من قيود الذنوب والموت والأبالسة. فعندما رجع يسوع من نهر الأردن إلى جبال الجليل تقاصر الوقت واندمجت كل أشعة النعمة في شخصه كما تتجمع أشعة الشمس في عدسة بلورية لتخترق باختراقها كل مانع للنور المضيء.

المسيح هو الرب بالذات. المالك الحكيم الذي له الحق في السلطة، لأنه بواسطته (الكلمة) قد خلق الله العالمين. فالكل ملكه. ولهذا فكلنا خاصة المسيح علمنا ذلك أو لم نعلمه.

ولما قبل يسوع وظيفته كملك مالك دخل إلى العالم ليربحه إلى الله. فكل إمكانيات سلطان الله كانت مستترة فيه. ولكنه ما أشعل ثورة ولم يمت أعداءه أفراداً أو جماعات. وما استخدم سلطانه سلبياً بل أشبه نفسه بحبة القمح التي ينبغي أن تموت أولاً لكي يثمر منها حصاد لله. حقاً إن يسوع الملك قد بذل حياته لأجل أهل ملكوته ليؤهل الضالين العصاة للدخول في رحاب الله.

وفي مجيئه لم يطلب من مستمعيه الانكسار بالدرجة الأولى شرطاً للدخول إلى مملكة محبته. بل قدم لهم نعمة ملكوته وقوة السماء مجاناً فلا يطلب الله منا إكمال وصايا مستحيلة التطبيق، بل إنه يأتي إلينا شخصياً، ويمنحنا حضوره ومحبته القدوسة. فالخطوة الأولى للتوبة هي تغيير الفكر من إنشاء العمل الخاص الناقص إلى قبول قوة الله المنعمة علينا. فالكلمة اليونانية لعبارة (التوبة) لا تدل على انهمار الدموع والنوح الصارخ بل تعني تغيير الذهن مع تبديل الشعور الباطني، واتجاه جديد لكل التفكير والكيان. فنادى يسوع الجماهير: «ها أنا حاضر بينكم. فيّ حل ملكوت الله على الأرض. اقبلوني، واقبلوا محبتي وقوتي وطهارتي فتتغيروا إلى صورة حياتي».

وهذا التغيير الجذري في الإنسان بواسطة التوبة الروحية حسب الإنجيل لا يتم بواسطة سحر أو تعقد في الإراداة أو التصميم، بل بواسطة الإيمان بالمسيح والثقة فيه. فنسلم أنفسنا كاملاً لربنا وملكنا لتكمل قوته في ضعفنا وتقدسنا لصفاته السماوية. ومن يؤمن به فله الحياة الأبدية اليوم.

قبل مجيء المسيح لم يكن ملكوت الله على الأرض. أما الآن فيبني الرب ملكوته على أساس بره، بقوة روحه في كل التائبين المؤمنين. ويعدهم إلى مجيئه الثاني عندما يستقبلونه بهتاف مزينين بمحبة وتواضع وسرور أكيد. وهو عندئذ سينشئ ملكوت الله ظاهراً على الأرض، معلناً مجده في أتباعه الودعاء.

تعمق في إنجيل المسيح تتغير أفكارك وتمتلئ بكلمة الله فتولد جديداً بالروح والحق. الملك الإلهي واقف أمامك ويدعوك. هل تأتي إليه وتتقدس بقداسته؟

الصلاة: أيها الرب المسيح أنت ملكنا الرحيم. نحن خاصتك. اغفر لنا إن اختلسنا أنفسنا منك لنعيش مستقلين عنك كأننا خاصة أنفسنا. نشكرك لأنك أتيت إلينا ونحن عصاة ولم تُبدنا بل عشت متواضعا ووديعا بيننا. وسترت سلطانك وأظهرت محبتك في قداستك. نسجد لك معترفين: أنت ربنا وملكنا. غيّر أذهاننا وقدسنا الى التمام لكي ننال بتبريرك لنا قوة روحك القدوس ونتجدد في الولادة الثانية ونجتهد لنشر ملكوتك استعدادا لمجيئك الثاني. تعال أيها الرب يسوع تعال.

السؤال: 12 - ما هي معاني العبارة «ملكوت الله»؟

2 - دعوة يسوع لتلاميذه الأربعة الأولين (الأصحاح 1: 16-20)

16وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي ٱلْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 17فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ. 18فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ. 19ثُمَّ ٱجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي ٱلسَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ ٱلشِّبَاكَ. 20فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي ٱلسَّفِينَةِ مَعَ ٱلأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.

العالم كبحر ممتلئ سمكاً، والمسيح كصياد البشر الرحيم، وهو لا يصطاد في عصرنا كل أسماك البحر مرة واحدة، بل النخبة فقط التي أعدّها الله وأعطاها إياها. فالكنيسة هي شركة المصطادين من بحر العالم المتجددين لخدمة الله لكي يلقوا هم معاً شبكة كلمته إلى بحر البشر ويصطادوا كثيرين لله.

واصطاد المسيح أولاً بطرس وأخاه أندراوس. إذ رأى ببصيرة إلهية فيهم نار التوبة والشوق للطهارة في قلبيهما. قد اشتعلت عند يوحنا المعمدان المنادى بالرجوع إلى الخالق.

فكلاهما غير مثقفين. ولكنهما صيادان مجتهدان ورجلان خبيران في أخطار البحر غير متفلسفين بل مستعدين للعمل اليدوي الشاق.

وكانا قد عرفا المسيح من قبل وسمعا شهادة المعمدان عنه أنه المسيح حمل الله فآمنا به. وعندما ألقي معلمهما السابق في السجن، تبعا مباشرة يسوع الرب مطيعين أمر دعوته المجددة.

ربما كان بطرس وأندراوس يعودان بعد رجوعهما من الأردن إلى شباكهما بينما كان يسوع يعمل في منطقة الجليل. ولكن حينما اتخذ الرب كفرناحوم مدينة لنفسه وسكن على شاطئ البحر أصابتهما دعوته كسهم. فتبعاه فوراق وتركا سفنهما وشباكهما أي ضمانهما، لأن الرب أعظم من كل ضمان دنيوي.

عندما يأمرنا الملك الإلهي أن نأتي إليه فليس علينا إلا طاعته وابتاعه ولو يكره الكافرون ويستهزئ بنا المستهزئون. ولا يحق لنا التفكير بالمال والمعيشة لأن الرب يؤمن لنا الخبز الكافي لكل يوم.

يريد المسيح أن يجعلك صياداً للبشر ليس لتربحهم بذكائك وحيلك أو مالك بل بواسطة تواضعك ولطفك في قوة الروح القدس. وشبكة عبيد المسيح هي كلمة الله المرافقة بصلواتهم والمطروحة حسب إرشاد الروح القدس. عندئذ يقود المسيح بإرشاده أسماكاً كثيرة إلى شبكة محبته.

وفي اتباع المسيح نتعلم أننا لسنا نحن الذين نصطاد الآخرين بل الرب فينا هو العامل الذي دعاك وطهّرك وأرشدك لخدمة ناجحة. فكل إنسان حسب طبيعته غير مستحق وغير قادر لخدمة الله. كلنا عبيد بطالون، ولكن دعوة الرب «هلم اتبعني. أجعلك صياد للبشر» تؤهلك للخدمة الروحية، فلا يبقى لنا فخر بل كل المجد للرب الذي يصيرنا إلى عبيد نافعين. وفي اتباعنا له والتصاقنا به يعلمنا الحكمة والكلمة الصواب والسيرة المقدسة كما قال: «أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ... فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5: 14-16).

التقى المسيح نفس اليوم بيوحنا البشير وأخيه يعقوب، وبارك عائلتهما بواسطة دعوة الرجلين المتقدرين إلى خدمة الله. وقد سبب ترك مهنتهما لكسب الخبز اليومي لعائلتهما خسارة فادحة. ولكنهما أدركا مع جميع الخدام المخلصين القاعدة: «لا نستطيع أن نخدم الله والمال». فالذين يخدمون الرب لا يقصدون المال، بل يختبرون أن الله بالذات يحل فيهم بروحه القدوس. وهذا الروح لا يجمع المادة كضمان لنفسه بل يغلبها ويوزعها في سبيل المحبة.

لم يصلح يوحنا ويعقوب فيما بعد الشباك بل ربطا كنيسة المسيح في وحدة مقدسة بصبر فائق وتدقيق قويم. فالخدمة في الكنيسة محتاجة إلى تأن ورفق وكل صفات محبة الله، لأن الكنيسة هي المحبة وإلا فليست هي كنيسة.

هل سمعت دعوة المسيح وهو يجتاز اليوم وسط أمتنا العربية ويدعو المستعدين ويدربهم للخدمة الفعالة؟ هل تلبي دعوته فوراً وتتبع المسيح بالتصميم النهائي؟ هل قدت بإرشاد روحه إنساناً واحداً للمخلص ليخلصه ويقدسه؟ فماذا تعمل، هل تنام مسترخياً أو تعمل لتمجيد نفسك أو تخدم ربك الحي؟

الصلاة: أيها الرب يسوع نشكرك لأنك دعوتنا الى خدمتك فنعترف بأننا عبيد بطالون، ولا نستحق هذه الدعوة. اغفر لنا ذنوبنا، واملأنا بروحك القدوس، وقدنا الى طاعة الإيمان لنخدمك بقدرتك ونصبح أمناء في تأدية خدمة محبتك. حررنا من الاتكال على المال والرواتب واخلق فينا الثقة الأمينة في عنايتك لنا. واقبل صلاتنا وخلص أصدقاءنا من ذنوبهم كما خلصتنا أيضا. وأنت تعرف كل انسان نصلي لأجله اليك بمواظبة. إنك سميع الدعاء.

السؤال: 13 - ماذا تعني دعوة يسوع «هلم ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس»؟

3 - المسيح حرر ملبوساً وسط المجمع (الأصحاح 1: 21-28)

21ثُمَّ دَخَلُوا كَفْرَنَاحُومَ، وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ ٱلْمَجْمَعَ فِي ٱلسَّبْتِ وَصَارَ يُعَلِّمُ. 22فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ. 23وَكَانَ فِي مَجْمَعِهِمْ رَجُلٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، فَصَرَخَ 24قَائِلاً: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ! أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ، قُدُّوسُ ٱللّٰهِ!» 25فَٱنْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «ٱخْرَسْ وَٱخْرُجْ مِنْهُ!» 26فَصَرَعَهُ ٱلرُّوحُ ٱلنَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ. 27فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ، حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ: «مَا هٰذَا؟ مَا هُوَ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ ٱلْجَدِيدُ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى ٱلأَرْوَاحَ ٱلنَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ!» 28فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ بِٱلْجَلِيلِ.

كان يحضر في وسط المجمع اليهودي رجل ملبوس بروح نجس. أيوجد في كنائسكم اليوم أرواح أخرى غير الروح القدس؟ فاطلب إلى المسيح ليطرد من وسطكم كل روح نجس متكبر ليخلص الإنسان المسكين ويتحرر من الروح الشرير فيثبت في اجتماعاتكم عضواً مباركاً.

وحيث يأتي المسيح المولود من محبة الله تخرج منه قوى عظيمة والشاطين تعرفه وتخافه، لأنها كأعداء لله لا ترى محبته ولا تفهم نعمته بل ترتجف من قداسته المهلكة، وتدرك فقط أن المسيح هو الديان الأزلي الذي دُفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. فتخاف الشياطين والأَبالسة النجسة من هلاكها الأبدي وتقشعر من الدينونة المقبلة عليها.

كثير من الناس اليوم لا يصدقون وجود الأرواح ويبتسمون ويستهزئون لذكرها. ولكن الإنجيل يشهد بوضوح بوجود الشيطان وجيشه الكبير التابع له. وأرواحه تؤثر على كثير من الناس وتسكن في بعض الملبوسين. إنما لا تقل بسرعة وسهولة إن إنساناً ما هو ملبوس ولا تجرب إخراج أرواح نجسة بقوتك الخاصة. هذا العمل يخص المسيح بواسطة الناضجين في روحه. وأما أنت فاشكر ربك من صميم قلبك إذ أنه حفظك من سلطة جهنم وطهرك إلى حرية أولاد الله. إن الإيمان بالمسيح نعمة وهبة وليس هو عملك الشخصي. كن مطمئناً في حماية ملكوت المسيح. هو حافظك ويحميك من إبليس إن استسلمت لربك حقاً.

الشياطين تؤمن بالله ومسيحه، لكنها تشمئز منه. والغريب أن أرواح جهنم لا تتحاجج بحقيقة المسيح بل تعترف به حاقدة بصرير أسنانها. بينما أناس كثيرون وأديان مختلفة تنكر ألوهية يسوع. فالشياطين تعترف مرغمة بقداسة المسيح وتجثو أمامه، ولكن اعترافهم ناقص ومبني على كذب محتال. لم تعرف الأرواح النجسة الحق الكامل، لأن المسيح لم يأت ليهلك ولا ليعلن نفسه في الوقت الحاضر كديان أزلي، بل قد أتى إلينا مخلصاً رحيماً يترقب منا إيماناً وثقة لأجل محبته لا خوفاً منه. فلهذا أمر الأرواح الظالمة بالسكوت. ولم يُرد يسوع بنيان بنيان ملكوته مبنياً على أقوال جهنم بل على ثقة في محبته فقط. فلا تؤمن أيها الأخ بقدرة روح نجس شرير مهما كانت أقواله عبقرية أو تقية، لأنه مهما قال فإنه كذب مبني على احتيال حتى وإن تظاهر ناموسياً أو مشتاقاً إلى كلمة الله كما جلس الملبوس في كنيسة كفرناحوم آنذاك.

إن المسيح هو المنتصر وإخراجه للأرواح الظالمة معناه مجيء ملكوت الله إلى عالمنا. فلا يعود الشيطان فيما بعد رئيساً لدنيانا. لأن المسيح ينتشل أسراه منه. فعلى كل روح نجس أن يولي ويذهب أمام روح المسيح. وبكلمة واحدة كان المسيح يطرد سلطة الشر من الملبوسين بدون ضربات أو صياح. فنتقرح عليك أن تشهد أيضاً بالإنجيل المقدس وتصلي بأمانة وتضع حياتك تماماً تحت رش دم حمل الله، فيحرر المسيح كثيرين في أمتنا من التباس الشيطان وأرواح غير مقدسة بواسطة كلمته القوية. الإنجيل وحده هو الوسيلة لخلاص البشر فالتجئ إلى المنتصر فتخلص أنت وأهل بيتك.

الصلاة: أيها الرب المسيح أنت ملكنا العظيم نسجد لك ونشكرك بتهلل، لأنك قد حررتنا من الأرواح النجسة، ولمستنا بروحك القدوس. ثبتنا في محبتك وحقك لنمكث في حمايتك ونسلك طاهرين. حرر كل متأثر بروح إبليس في محيطنا، وأنر المشتاقين إليك ليروا نورك ويتركوا الظلمة بقوتك.

السؤال: 14 - كيف حرر يسوع الملبوس وكيف يحرر المتأثرين بالأرواح النجسة اليوم؟

4 - الطبيب السماوي المصلي يشفي كل الأمراض (الأصحاح 1: 29-39)

29وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ ٱلْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، 30وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا. 31فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكاً بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا ٱلْحُمَّى حَالاً وَصَارَتْ تَخْدِمُهُمْ. 32وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ ٱلشَّمْسُ، قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلسُّقَمَاءِ وَٱلْمَجَانِينَ. 33وَكَانَتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى ٱلْبَابِ. 34فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَدَعِ ٱلشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ.

35وَفِي ٱلصُّبْحِ بَاكِراً جِدّاً قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، 36فَتَبِعَهُ سِمْعَانُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ. 37وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ: «إِنَّ ٱلْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ». 38فَقَالَ لَهُمْ: «لِنَذْهَبْ إِلَى ٱلْقُرَى ٱلْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضاً، لأَنِّي لِهٰذَا خَرَجْتُ». 39فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ ٱلْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ.

كان الرسول بطرس متزوجاً لأن الزواج الطاهر ليس خطية لدى خدام المسيح. إنما على أتباع المسيح تسقط تجارب كثيرة وتشترك بيوتهم بهذه التجارب والهجومات. فإننا نحتاج يومياً إلى حماية المسيح وحضوره الدائم معنا.

مرضت حماة بطرس بالحمى مرضاً شديداً، ولكن المخلّص كان قريباً فاختبروا قدرته واثقين بعنايته. وعندما دخل يسوع بيت بطرس أمسك يد حماته وطرد المرض بسلطانه، لأن المسيح هو الطبيب الناجح والمخلّص الحقّ.

وظهرت نتيجة شفائه سريعاً، لأن المشفية قامت رأساً وخدمت ضيوفها بتواضع. هكذا كل مفديي المسيح يتحررون إلى خدمته. فالخدمة شعار المؤمنين. لأن ابن الله نفسه لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ووضع نفسه فدية للكثيرين.

الضيقات في العالم كثيرة ومشعبة. ولكن هل نشعر بالضعفاء ونرثي للجياع، ونفكر في اليائسين ونخدم المرضى والكسحاء؟ هل قلوبنا متحجرة أم راحمة؟ إن المسيح هو المحبة حتى حمل أمراضنا وأسبابها: الخطية. فقد شعر ال