هُوَذاَ طُوبَى لَرجُلٍ يُؤدّبُهُ الله |
تفسير نخبة سفر أيوب
تمهيد لسفر أيوب | ||
ليست لدينا معلومات واضحة، عن مصدر سفر أيوب. ولكن بعض الآراء، البالغة القدم، ترجح أنَّ موسى كتبه، حين كان يرعى قطعان حميه يثرون بالقرب من سيناء. وحجة أصحاب هذا الرأي، أنه يستحيل على كاتب عبراني، قبل موسى، أن يعبّر بهذا الأسلوب الكامل، عن بعض الأنظمة التشريعية المشابهة للأنظمة الموسوية، دون تناقض.
ولكن يوجد سببان، يمنعاننا من الانضمام إلى أصحاب هذا الرأي: الأول غياب الاصطلاحات، التي تميّزت بها أسفار موسى الخمسة، عن جميع كتب الأدب العبري. والثاني، احتواء نصوص سفر أيوب على أفكار فلسفية، فيها شيء من الاعتراض على عدالة السماء، بالنسبة للبلايا التي حلّت بأيوب.
أمّا الأحداث التي وردت في السفر، فقد تضاربت الأفكار حولها. فمن قائل إنها أحداث تاريخية وقعت فعلاً، وقائل آخر يعتقد بأنها قصة مجازية قُصد بها معالجة موضوع الألم. حتى أن بعض الربانيين، ذهب إلى القول بأنَّ أيوب لم يكن شخصاً تاريخياً، وإنما بطل قصة رمزية.
بيد أنّ المصلح مارتن لوثر عارض هذا الفكر، فقال إنه بالفعل، وُجد رجل، اسمه أيوب. وهو إنسان صالح أصابته نكبات قاسية احتملها بصبر. فصار مثالاً لجميع المصابين في كل جيل وعصر. ثمّ قام شاعر لم يُعرف اسمه، ولا زمانه، وكتب قصّته بأسلوب شعري جميل.
وعلى أيّ حال، يمكننا القول بالتأكيد إنَّ الكاتب، كان يهودياً مخلصاً، أبى أن يذعن للاعتقاد الذي كان شائعاً بين العامة، والذي يربط بين الخطية والألم. وبالإجماع نرى أنَّ السفر المذكور مدهش، لعدم كفاءة الأفهام البشرية لإدراك مشكلة الألم.
تبدأ قصة أيوب بفصل تمهيدي، فيه سرد للنكبات القاسية التي حلّت بأيوب، ابتداءً من خسارة ممتلكاته، فموت بنيه وبناته، ثمّ ضرب جسمه بالقروح. فحزن واكتأب، وجلس في وسط الرماد. فجاء أصحابه أليفاز التّيماني وبلدد الشوحي وصوفر النّعماتي ومعهم أليهو بن برخئيل، ليرثوا له ويعزّوه في محنته. لكن حين بدأ أيوب خطابه بسب يومه، واستذناب القضاء، دخل الأصحاب معه في محاورات جدلية، عبّروا فيها عن الاعتقادات الشائعة في زمنهم. والتي مفادها أنّ المصائب التي تقع على الإنسان، إنّما هي نتيجة للخطايا التي يقترفها ضد الله.
أمّا أيوب فرفض هذه الآراء وفنّدها بحدّة، منوّهاً بتقواه واستقامة قلبه، ومؤكداً أنّه لم يقترف ذنباً، يستحق عقاباً كهذا. وليس هذا فقط، بل أيضاً حين نقرأ الأصحاح العاشر من السفر، نرى أنّ الجرأة بلغت بأيوب، أن يطلب إلى الله ذاته، أن يعلن له ما هي الذنوب، التي يتّهمه بها، والتي جعلها سبباً لقصاصه. فحسب الأصحاب هذا الكلام تجديفاً، فراحوا يقدّمون له مواعظهم المليئة بالوعيد، إلى أن ضاق صدره بكلامهم.
حينئذ تقدّم أليهو الشاب، فبيّن أنّ الآلام، قد تكون تأديباً غايتها خير المؤدّب بها. ثم اعترض على أيوب لأنّه حسب نفسه أبرّ من الله، وعلى أصحابه لضعف حججهم. وهكذا أصلح غَلَطَ الفريقين، وبرّر الله في كلّ طرقه مع الإنسان، وشدّد على وجوب الخضوع لله، والتسليم بصلاحه.
صحيح أنَّ مشكلة الألم، لم تحل، لا بكلام أيوب، ولا بكلام أصحابه الثلاثة، ولا بكلام أليهو. لأنّ الأفهام البشرية أعجز من أن تفهم كل طرق الرب. فإننا نعرف من الجهة الواحدة، أنَّ الله عادل وقادر على كل شيء، وأنّه يحب الإنسان. ونعرف من الجهة الأخرى أنَّ الخطية في العالم، وأنَّ شعب الله يتألمون، وَيُضطهدون، وَيُظلمون. ولا نقدر، أن نوفّق بين الأمرين. هنا يبدأ عمل الإيمان بصلاح الله، الذي يدبّر كل شيء حسناً.
|
الأصحاح الأول 1 كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ ٱسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيماً يَتَّقِي ٱللّٰهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ. 2 وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. 3 وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ ٱلْغَنَمِ وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدّاً. فَكَانَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي ٱلْمَشْرِقِ. 4 وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ ٱلثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. 5 وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ ٱلْوَلِيمَةِ أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي ٱلْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى ٱللّٰهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هٰكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ ٱلأَيَّامِ. 6 وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو ٱللّٰهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ ٱلرَّبِّ، وَجَاءَ ٱلشَّيْطَانُ أَيْضَاً فِي وَسَطِهِمْ. 7 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ: «مِنْ ٱلْجَوَلاَنِ فِي ٱلأَرْضِ وَمِنَ ٱلتَّمَشِّي فِيهَا». 8 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللّٰهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ». 9 فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ: «هَلْ مَجَّاناً يَتَّقِي أَيُّوبُ ٱللّٰهَ؟ 10 أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَٱنْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي ٱلأَرْضِ! 11 وَلٰكِنِ ٱبْسِطْ يَدَكَ ٱلآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». 12 َقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ ٱلرَّبِّ. |
كانت عوص شمالي أدوم وشرقي سوريا. وهي أرض واسعة وخصبة، وفيها ينابيع كثيرة. ففي هذه البقعة من الأرض كان يسكن أيوب. وقد ظهرت سجاياه في هالة من نور، كرجل كامل ومستقيم وحائد عن صنع الشر.
لقد شهد الله له بالتقوى وكمال الخلق، واستقامة القلب وطهارة السيرة. وشهد له المقربون منه بالفضل، حتى الشيطان المشتكي على مختاري الله، لم يستطع إنكار الفضائل التي كان أيوب يتحلّى بها.
إلا أنَّ الكمال الذي وُصف به أيوب، لا يعني العصمة من الوقوع في الزلل، أو الخلو من الخطية. وأيوب نفسه اعترف بذلك حين بدأ توبته بالقول: «أَنْدَمُ فِي ٱلتُّرَابِ وَٱلرَّمَادِ» (أيوب 42: 6). ولكن من يدرس سيرة أيوب، من خلال الكتاب المقدس، يجد أنَّ رجل الله أيوب، لم يرتكب الخطايا الجسيمة، التي نسبها له أصحابه.
في الحقيقة أنّه ليس من معصوم عن الخطيئة، وكلمة الله تقول: « ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 23). وقد أقرّ إشعياء النبي بأنّ الأنبياء أنفسهم وقعوا في الخطية، إذ يقول: «كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ» (إشعياء 53: 6). ونقرأ أيضاً في سفر المزامير هذه العبارات التي تؤكد أنَّ الجميع أخطأوا: «اَلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي ٱلْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ ٱللّٰهِ؟ ٱلْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعاً، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ» (مزمور 14: 2 و3).
ولكنَّ هذه الأقوال النبوية، لا تعني أنَّ الخاطئ محتوم عليه بأن يهلك بسبب خطاياه. فقد دبّر الله بنعمته خلاصاً للإنسان، وذلك بالإيمان بيسوع المسيح، الذي قدّمه الله كفارة عن الخطايا، وفقاً لقول الإنجيل: «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16). فتعال إلى المسيح واقبله مخلّصاً، تنل باسمه غفران الخطايا. أقبل إليه ولا تخف من أن تُرفض، لأنّه قال: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً» (يوحنا 6: 37).
كان أيوب ثرياً جداً، وحائزاً مركزاً مرموقاً إذ يصفه الكتاب المقدس بأنّه أعظم من كل بني المشرق. ولكنّ عظمته لم تكن من ثرائه الواسع، بل من تقواه واستقامة قلبه. والمعنى أنَّ هذين الأمرين اللذين قامت عليهما عظمة أيوب، يرتبط أحدهما بالآخر. وهما عطية من الله ومنهما تنبع الأعمال الصالحة. هكذا قال الرسول بولس: «نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (أفسس 2: 10) وقد عُرف بالاختبار أنَّ الحياة المفيدة، هي المؤسّسة على التقوى والإيمان بالله.
يبدو أنّ استقامة أيوب أثارت غيظ الشيطان، عدوّ الخير والصلاح. فجاء ليغمز من تقواه أمام الرب قائلاً: إنَّ مطمح أيوب الخيرات المادية، وليست تقواه إلا وسيلة لنيل هذه الخيرات. مدَّ يدك ومس ما وهبته من ثراء وسعة حال، تختفي التقوى، ويجدّف عليك في وجهك.
فهل أنت مع الله، لأنه يسَّر أعمالك؟ أم أنَّك تعبده لكي يفتح أمامك السُبل إلى الإثراء؟
إنَّ العمل لأجل كسب الثروة أمر مشروع، والله لا يمنع أحداً من اقتناء المال. وإنما يحذّر من الوقوع في محبّة المال التي هي «أَصْلٌ لِكُلِّ ٱلشُّرُورِ» (1تيموثاوس 6: 10). ولهذا قال إمام المُرنّمين: «إِنْ زَادَ ٱلْغِنَى فَلاَ تَضَعُوا عَلَيْهِ قَلْباً» (مزمور 62: 10)، وقال يسوع المسيح: «تَحَفَّظُوا مِنَ ٱلطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ» (لوقا 12: 15).
الصلاة
أيّها الآب ربّ السّماء، نشكرك لأجل كلمة الحياة التي هي سراج لأرجلنا ونور لسبيلنا. نعترف أمامك يا سيّدنا الرب بأنَّ لا برّ لنا، وأنَّ أعمال برّنا كثوب عدّة. ولكن نشكرك لأجل يسوع الذي فدانا بموته وقام ليهبنا البر وأتاح لنا فرصة القدوم إليك، قديسين وبلا لوم في المحبة. نسألك أن تبارك بلادنا، وتنمي ثمار البر في قلوب أبنائها. آمين.
السؤال
1 - ما هي الصفات التي وُصف بها رجل الله أيوب؟
2 - ما هي الحجة التي اعتمدها الشيطان في التقليل من فضل أيوب؟
|
1: 13 وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْراً فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ ٱلأَكْبَرِ 14 أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: « ٱلْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ وَ ٱلأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، 15 فَسَقَطَ عَلَيْهَا ٱلسَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا ٱلْغِلْمَانَ بِحَدِّ ٱلسَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لِأُخْبِرَكَ». 16 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ ٱللّٰهِ سَقَطَتْ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ ٱلْغَنَمَ وَٱلْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لِأُخْبِرَكَ». 17 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: « ٱلْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَقٍ فَهَجَمُوا عَلَى ٱلْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا ٱلْغِلْمَانَ بِحَدِّ ٱلسَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لِأُخْبِرَكَ». 18 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْراً فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ ٱلأَكْبَرِ، 19 وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ ٱلْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا ٱلْبَيْتِ ٱلأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى ٱلْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لِأُخْبِرَكَ». 20 فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ وَخَرَّ عَلَى ٱلأَرْضِ وَسَجَدَ 21 وَقَالَ: «عُرْيَاناً خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَاناً أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. ٱلرَّبُّ أَعْطَى وَٱلرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ ٱسْمُ ٱلرَّبِّ مُبَارَكاً». 22 فِي كُلِّ هٰذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ لِلّٰهِ جَهَالَةً. |
في العدد 12، رأينا أنَّ الله قد قبل تحدّي عدوّ النفوس، في امتحان تقيِّه أيوب. إلا أنّه اشترط أن لا يتعدّى نطاق الامتحان الممتلكات المادية. وقد سمح الرب الإله، أن تقع أربع ضربات مدوّخة على أيوب.
-
فيما كان فلاّحو أيوب يحرثون حقوله الواسعة والأُتن ترعى بالقرب منهم هاجمتهم عصابة مسلّحة من قبيلة السَّبَئِيّين. فأبادوا الفلاحين والرّعاة، واستولوا على الأبقار والأتن، ولم ينج أحد سوى الغلام الذي نقل الخبر إلى سيّده.
-
رأى الشيطان بدهائه أن لا يترك هوادة لأيوب، لكي يرتاح ويتصبّر على مصابه الأول. فأنزل به ضربة أخرى أقسى من الأولى، وأشدّ وقعاً في نفسه. فما أن انتهى الغلام الناجي من السَّبَئِيّين من سرد وقائع ما حدث للفلاحين والرّعاة، حتّى جاء غلام آخر وقال: يا سيّدي، إنَّ ناراً سقطت من السّماء والتهمت قطعان الغنم والرعاة، ولم يبقَ سواي، فأتيت لأنقل إليك الخبر. لقد ظهر لأيوب أنَّ هذه الضربة أتته من الله لا من الناس، وأنّها أبادت الغنم، التي منها كان أيوب يقدّم الذبائح الكفارية والمحرقات. وقد رأينا في العدد 5، أنَّ أيوب، قدَّس أبناءه وأصعد محرقات على عددهم كلّهم.
بعد لحظات جاء غلام ثالث، ونقل إلى سيّده خبراً مفاده أنَّ ثلاث عصابات من الكلدانيين، باغتوا رُعاة الجمال، وبعد معركة عنيفة، سقط غلمانه بحد السيف، واستولى المهاجمون على الجمال.
إنَّ الأرزاء الثلاثة التي تعاقبت على أيوب، وأصابته بخسائر فادحة، لم تستطع ملاشاة صبره وطول أناته، أو تحمله على اليأس أو التذمّر. ولكن ما عجزت عنه المصائب الأولى، فهذا حققته الفجيعة الرابعة، وهي موت أبنائه وبناته.
-
ففيما هم في بيت أخيهم الأكبر، حول مقصف كبير يأكلون ويشربون خمراً، هبّت عاصفة هوجاء وصدمت البيت، فسقط على من فيه، فماتوا. ولكنَّ هذه الفاجعة الأليمة إن كانت قد آلمته، فهي لم تستطع إفناء إيمانه بالله.
صحيح أنّ أيوب مزّق جبّته حزناً، وجزّ شعر رأسه اكتئاباً. ولكن في غمرة آلامه واكتئابه، لم ينسَ ذكر الله. فقد خرّ إلى الأرض وسجد في خضوع تام لمشيئة الله.
كان الشيطان منتظراً أن يقف أيوب ويجدّف على الله، الذي سمح بهذه الويلات أن تقع عليه. ولكنَّ رجل الله لم تجرّه خسارة الأملاك والأبناء إلى فقدان الإيمان بصلاح الله. لقد غيّر الحزن الشديد منظره، إلا أنَّه لم يسلبه التعزية في الله. وفي سجوده تعبير عن أروع مثال في التسليم لله، والخضوع لإرادته في سبيل الإيمان.
لم يكن أيوب كالكثيرين الذين يفخرون بما عندهم من ثروات أو بنين، كأنّهم حصّلوها بقوّتهم وحكمتهم. بل كان يؤمن بأنَّ الله هو المعطي، وأنَّ كل شيء له، ويحق له أن يأخذه حين يشاء. وإننا لنتعلم من هذه الحوادث أربعة أمور مفيدة:
-
لا يتزعزع الإيمان الحقيقي بزوال الخيرات الزمنية عن المؤمن، لأنَّ الإيمان ليس مؤسّساً عليها.
-
لا تحدث المصائب اتفاقاً. فهي وإن كانت من الناس أو من قوى الطبيعة، لا تحدث بدون سماح من الله.
-
يجب أن نعتبر مقتنياتنا لله، وما نحن سوى وكلاء عليها، وله الحق في أن يتصرّف بها.
-
لا تستطيع أفهامنا إدراك سرائر الله، أو تلمّ بكلّ ما يرتّبه لنا من تأديبات نحن في حاجة إليها. وإنّه لجدير بنا أن نؤمن «بأَنَّ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللّٰهَ» (رومية 8: 28).
الصلاة
نشكرك يا إلهنا الصالح لأجل الإيمان المسلَّم مرّة للقديسين. هذا الإيمان الذي به نستطيع الارتفاع فوق المصائب أيّاً كان نوعها. أعطنا مع الإيمان روح الطاعة والتسليم لإرادتك الصالحة المرضية الكاملة. ازرع هذا الإيمان في قلوبنا وقلوب مواطنينا، وحوّله إلى ثقة كاملة في حكمتك التي تعمل لأجل خيرنا. آمين.
السؤال
3 - ما هي المصائب التي سمح الله أن تقع على أيوب؟
|
الأصحاح الثاني 1 وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو ٱللّٰهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ ٱلرَّبِّ، وَجَاءَ ٱلشَّيْطَانُ أَيْضاً فِي وَسَطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ ٱلرَّبِّ. 2 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ: «مِنَ ٱلْجَوَلاَنِ فِي ٱلأَرْضِ وَمِنَ ٱلتَّمَشِّي فِيهَا». 3 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلأَرْضِ! رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللّٰهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ. وَإِلَى ٱلآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». 4 فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. 5 وَلٰكِنِ ٱبْسِطِ ٱلآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». 6 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ وَلٰكِنِ ٱحْفَظْ نَفْسَهُ». 7 فَخَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ ٱلرَّبِّ وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. 8 فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ ٱلرَّمَادِ. 9 فَقَالَتْ لَهُ ٱمْرَأَتُهُ: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ! جَدِّفْ عَلَى ٱللّٰهِ وَمُتْ!» 10 فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَماً كَإِحْدَى ٱلْجَاهِلاَتِ! أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللّٰهِ وَ ٱلشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» فِي كُلِّ هٰذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ. |
في التأمل الماضي، رأينا أنَّ رجل الله تقبّل النكبات بإيمان صابر محتمل، دون أن ينسب جهالة لله. وهذا التصرّف أغاظ الشيطان جداً، ففكر في مكيدة أخرى أكثر دهاءً. فزعم أمام الرب أنّ الامتحان الذي جازه أيوب، لم يكن بالقسوة الكافية. واتّهمه بقساوة القلب إلى حد عدم التأثر لمصاب الآخرين. وفي تعبير آخر أنّ الغاوي، ادّعى بأنّ المصائب السابقة، لم تمس سوى حياة الآخرين. أمّا جلد أيوب فلم يلحق به أيّ أذى. فإذا ما وصل الأذى إلى جسده، يتغيّر الأمر ويسقط من كماله. فقبل الله التحدّي مرة أخرى، وسمح بأن يمتحن تقيّه في جلده، دون المس بنفسه.
نعرف بالاختبار العلاقة بين الصحة الجسدية والإيمان بالله. فكثيرون هم الذين متى ضعفوا جسدياً، ضعف إيمانهم. ولكن هذه الحال لم تكن حال أيوب، ولا حال أيّ من مختاري الله. صحيح أنَّ الرب أطال سلسلة القيد للشيطان، ولكن حياة أيوب بقيت في يد الرب، لا في يد الشيطان.
وأنت أيّها المؤمن لا تخف، لأنّ نفسك في يد الله، ولا يستطيع الشيطان أن يمسّها. هذه الحقيقة أدركها الرسول يوحنا، فكتب لنا بمداد الاختبار: « ٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱللّٰهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَٱلشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ» (يوحنا الأولى 5: 18). إنّه يحفظها بقوّة الله التي جدّدتها وتتعهّدها كل يوم بالتقديس.
لقد ظنّ الشيطان، أنَّ أيوب صار مكشوفاً بالنسبة له. فضرب الجسد بالقروح الرديئة، من شأنه أن يبعد الأصدقاء والمريدين عن المصاب، فيبتلي بالعزلة، حيث يضعف معنوياً. وقد تسوّل له نفسه اتهام الله بالقساوة، وبالتخلّي عن المنكوبين، وغير ذلك من الأمور التي تضعف الإنسان روحياً.
خصوصاً وأنّ القروح التي ضرب بها أيوب، كانت نوعاً من الدمامل التي تنتشر في الجسم، وتسبّب للمصاب بها حكة مستمرة. وفي الغالب تحدث نتوءاً في الوجه ويتساقط شعر الأجفان وتنتهي إلى تآكل أعضاء الوجه كالعينين والأنف. وكانت القروح أحياناً تتشقّق، ويخرج منها القيح، وتنبعث منها روائح كريهة، فينزعج المصاب ومن حوله.
حين ابتُلي أيوب بهذا المرض الخبيث، جلس في المزبلة، حيث يطرح الرماد والنفايات. فجاءت امرأته. وأثارته على الله. لأنّ فقدان الأولاد والثروة وصحة الزوج، حطّمت إيمانها. فطلبت إلى زوجها، أن يجدّف على الله. ولعله بسبب هذا الموقف، نعتها القديس أغسطينوس بأنها معينة الشيطان. وبعضهم يشبّهونها بحواء، لأنها جرّبت رجلها.
ولكن أيوب رفض أفكارها واتّهمها بالجهالة، ولم يخطئ بشفتيه، كما توهّم الشيطان بأنّه سيفعل. بل لعلّه صلّى إلى الرب إلهه قائلاً بعمق: لتكن مشيئتك. ومن قوله «أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللّٰهِ وَٱلشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» يبدو أنَّ أيوب اعتقد أنَّ الله أدّبه ولم يظلمه، كما توهّمت امرأته.
وأنت هل وجدت في تصرّف أيوب، مثالاً يُحتذى في الصبر واحتمال الضيقات؟ وهل وجدت في تصرّف امرأته أمراً لا يليق حتى بغير الأتقياء؟! نحن جميعاً ضعفاء، ولكن حين نعترف بالضعف ونطلب القوة من الله يمنحها لنا. ونحن جميعاً جهلاء. ولعلّ بعضنا أكثر جهالةً من امرأة أيوب. ولكن الجهل ليس محتوماً علينا. ويمكننا التخلّص منه، بالتوجّه إلى الله بطلب الحكمة. هكذا قال الرسول يعقوب: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يعقوب 1: 5).
الصلاة
يا إلهنا الحي، إننا نشكرك ونعظم اسمك المبارك، لأجل نعمتك المخلّصة، التي علّمتنا أن ننكر الفجور، الذي في العالم بالشهوة، امنحنا القوة لكي نرفض أفكار الشيطان الدنسة. بارك شعوب العالم ببركة المعرفة الحقيقية، لكي نمجد اسمك في كل شيء. آمين.
السؤال
بماذا أُصيب أيوب، وكيف كان موقفه من المصاب الذي وقع عليه شخصيا؟
|
2: 11 فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ ٱلثَّلاَثَةُ بِكُلِّ ٱلشَّرِّ ٱلَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ ٱلتَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ ٱلشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ ٱلنَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. 12 وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكُوْا، وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ وَذَرُّوا تُرَاباً فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ، 13 وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ لأَنَّهُمْ رَأُوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدّاً. |
مضى زمان بين الحوادث التي ذكرت في هلة الأصحاح وزيارة أصحاب أيوب. لأنهم أتوا من بعيد، ووصول خبر مأساة أيوب إليهم كان يفتقر إلى وقت. وسفرهم أيضاً، يحتاج إلى وقت. وقيل إنَّ أصحاب أيوب جاؤوا ليرثوا له ويعزّوه. فلمّا وجدوا رجلاً مشوّه الخلقة، مضطجعاً على المزبلة، لم يعرفوه أولاً. ولكن لمّا عرفوه، بكوا ومزّقوا ثيابهم، وذرّوا تراباً على رؤوسهم إظهاراً لحزنهم. ومن شدّة حزنهم على بلوى صاحبهم، جلسوا سبعة أيامٍ وسبع ليالٍ، دون أن يتفوّه أحدهم بكلمة. ويقول بعض المفسرين إنَّ صمتهم، نجم عن تحيّرهم من جهة سبب محنته، وعن ظنّهم بأنَّ ذنباً خفياً، كان يثقل ضميره.
|
الأصحاح الثالث 1 بَعْدَ هٰذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ 2 وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: 3 «لَيْتَهُ هَلَكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَٱللَّيْلُ ٱلَّذِي قَالَ قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ! 4 لِيَكُنْ ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ظَلاَماً. لاَ يَعْتَنِ بِهِ ٱللّٰهُ مِنْ فَوْقُ وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. 5 لِيَمْلِكْهُ ٱلظَّلاَمُ وَظِلُّ ٱلْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتُرْعِبْهُ ظُلُمَاتُ ٱلنَّهَارِ. 6 أَمَّا ذٰلِكَ ٱللَّيْلُ فَلْيُمْسِكْهُ ٱلدُّجَى، وَلاَ يَفْرَحْ بَيْنَ أَيَّامِ ٱلسَّنَةِ، وَلاَ يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ ٱلشُّهُورِ. 7 هُوَذَا ذٰلِكَ ٱللَّيْلُ لِيَكُنْ عَاقِراً! لاَ يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ. 8 لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو ٱلْيَوْمِ ٱلْمُسْتَعِدُّونَ لِإِيقَاظِ ٱلتِّنِّينِ. 9 لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ ٱلنُّورَ وَلاَ يَكُنْ، وَلاَ يَرَ هُدْبَ ٱلصُّبْحِ، 10 لأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي وَلَمْ يَسْتُرِ ٱلشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ. 11 لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ ٱلرَّحِمِ؟ عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ ٱلْبَطْنِ لِمَ لَمْ أُسْلِمِ ٱلرُّوحَ؟ 12 لِمَاذَا أَعَانَتْنِي ٱلرُّكَبُ، وَلِمَ ٱلثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ؟ 13 لأَنِّي قَدْ كُنْتُ ٱلآنَ مُضْطَجِعاً سَاكِناً. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحاً 14 مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي ٱلأَرْضِ ٱلَّذِينَ بَنُوا أَهْرَاماً لأَنْفُسِهِمْ، 15 أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ ٱلْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً، 16 أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ فَلَمْ أَكُنْ، كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرُوا نُوراً. 17 هُنَاكَ يَكُفُّ ٱلْمُنَافِقُونَ عَنِ ٱلشَّغَبِ وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ ٱلْمُتْعَبُون. |
أجل لقد صمت الأصحاب، ولكنَّ أيوب كان غير قادر على السكوت. كان قد احتمل مصائبه بصمت إلى ذلك الوقت، إلا أنَّه الآن انفجر مرجل الكرب الكامن في نفسه بكلمات قوية وشديدة. وكما يقولون: إنَّ المصيبة هي تجربة القداسة. وإنَّه بقدر متانة القداسة وقدرتها على الاحتمال، تزداد المصيبة.
لسنا نعلم إن كان الأصحاب، قد رفعوا قلوبهم بصلوات من أجل صديقهم أيوب، طالبين إلى الرب الإله أن يمنحهم النعمة في عينيه، حين يبدأون الكلام في حضرته. ولكننا نعلم أنَّ الشيطان قد تدخّل لإثارة أيوب وانفجار غيظه في حضرتهم، ففتح فاه ولعن يوم مولده، وتمنّى لو أنَّ الله لم يسمح لصباح ذلك اليوم أن ينبلج، وأنّ الشمس لا تشرق عليه بأنوارها، وأن لا يدخل في عداد أيام السنة. وتمنّى أن يلعنه السحرة والعرّافون، ليصبح يوماً مشؤوماً، لا يعمل فيه أحد.
قد يجد بعضهم عذراً لأيوب في ثورته، اعتقاداً بأنه لم يفعل ما يستوجب وقوع المصائب العظيمة عليه. وإنَّ من كان في حالته بلا أمل في حياته، لحري به أن يثور. لأن كل أفراحه السابقة ما كانت لتستطيع ذكرياتها أن تخفف من وطأة الآلام الحاضرة التي يعانيها. ولكن مهما كانت نكباته قاسية، فليس في وسعنا أن نبرّره في أقواله.
لأنه ليس الغضب، ولا مرارة النفس، ولا الحزن والاكتئاب، ولا لعن الأيام، ولا وسيلة أخرى تستطيع أن تغيّر مجرى الحوادث، وخصوصاً بعد ما حدثت. والحكيم الحكيم، هو من يلقي على الربّ همّه، ويتكل عليه في كل شيء.
ويمضي أيوب في ثورته على الوضع، الذي صار إليه. فترتعش نفسه بألم مبرح، ولا يلبث أن تستبد به حمّى القلق. فيقارن آلامه مع راحة الموت فتتوق نفسه إلى الانطلاق.
كان الاعتقاد الشائع من حيث الحياة المستقبلية، أنها عبارة عن مجرد وجود لا لذة فيها ولا صفة لها، تجري على وتيرة واحدة موحشة، لا قوّة لها ولا جمال. لأنها تصرف بين الظلال الأخرى، تخفق فيها لهب الحياة خفوقاً ضئيلاً، وهي بمثابة النجاة من الموت. هناك الإنسان يتساوى هو والملوك والأمراء، الذين كانوا جبابرة على الأرض، وهم الآن في راحة، حيث اختلاف الرتب. لأن العبد يتحرر وينقطع عن العمل، ولأن المنافقين يكفون عن الشغب، ويستريح المتعَبون. ويظن البعض أنّ أيوب كان يرتاح للفكر بأنّ الموت يجلب الراحة، وينهي جنون الشوق إلى الحياة وهوى كثرة الأيام. ولكن أقوال أيوب ترجح بأنه خلال محنته صار عنده شوق من نوع أشواق بولس حين قال: «لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً» (فيلبي 1: 23).
الواقع أنَّ الموت بالنسبة لمختاري الله، هو الطريق إلى الراحة في جواره. هناك يستريحون من أتعابهم. ولعل راحة المؤمن التي تعقب الموت هي التي جعلت القديس فرنسيس الأسيزي يخاطب الموت قائلاً: «أنت أيها الموت الأحسن والألطف»، مما يدل على أنَّ الأسيزي، كان يعتبر الموت كخليقة من خلائق إلهه ومليكه، يستطيع أن يمجّد الله كالخلائق الأخرى.
يمكنك أن تشارك مختاري الله في عدم خوفهم من الموت، إن كنت تتصالح مع الله في المسيح يسوع. لأنّ الفادي يحررّك من عبودية الخوف من الموت.
الصلاة
اللهم نشكرك من كل قلوبنا، لأنّ المسيح كسر شوكة الموت. وجعل القبر نقطة انطلاق إلى الخلود في عالم الله. أعطنا جميعاً أن نكون مستعدين لذلك اليوم الذي فيه ننطلق من عالم الفناء إلى عالم البقاء. آمين.
السؤال
5 - ماذا قال أيوب في ثورته، وما تمنّى؟
|
3: 18 ٱلأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعاً. لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ ٱلْمُسَخِّرِ. 19 ٱلصَّغِيرُ كَمَا ٱلْكَبِيرُ هُنَاكَ، وَ ٱلْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ. 20 «لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي ٱلنَّفْسِ؟ 21 ٱلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ ٱلْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْكُنُوزِ، 22 ٱلْمَسْرُورِينَ إِلَى أَنْ يَبْتَهِجُوا، ٱلْفَرِحِينَ عِنْدَمَا يَجِدُونَ قَبْراً. 23 لِرَجُلٍ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ وَقَدْ سَيَّجَ ٱللّٰهُ حَوْلَهُ. 24 لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي وَمِثْلَ ٱلْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي، 25 لأَنِّي ٱرْتِعَاباً ٱرْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَ ٱلَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. 26 لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ وَقَدْ جَاءَ ٱلْغَضَبُ». |
لم يعرف القدماء بالضبط الحالة، التي يصير إليها الإنسان بعد الموت، كما أُعلنت لنا في العهد الجديد. بل ظنوا أنَّها في الهاوية أخيلة، بلا أجساد وبلا أفراح الحياة. لذلك نرى هيمان الأزراحيّ يقول: «لأَنَّهُ قَدْ شَبِعَتْ مِنَ ٱلْمَصَائِبِ نَفْسِي، وَحَيَاتِي إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ دَنَتْ. حُسِبْتُ مِثْلَ ٱلْمُنْحَدِرِينَ إِلَى ٱلْجُبِّ. صِرْتُ كَرَجُلٍ لاَ قُوَّةَ لَهُ. بَيْنَ ٱلأَمْوَاتِ فِرَاشِي مِثْلُ ٱلْقَتْلَى ٱلْمُضْطَجِعِينَ فِي ٱلْقَبْرِ ٱلَّذِينَ لاَ تَذْكُرُهُمْ بَعْدُ، وَهُمْ مِنْ يَدِكَ ٱنْقَطَعُوا. وَضَعْتَنِي فِي ٱلْجُبِّ ٱلأَسْفَلِ، فِي ظُلُمَاتٍ، فِي أَعْمَاقٍ. عَلَيَّ ٱسْتَقَرَّ غَضَبُكَ وَبِكُلِّ تَيَّارَاتِكَ ذَلَّلْتَنِي. سِلاَهْ. أَبْعَدْتَ عَنِّي مَعَارِفِي. جَعَلْتَنِي رِجْساً لَهُمْ. أُغْلِقَ عَلَيَّ فَمَا أَخْرُجُ. عَيْنِي ذَابَتْ مِنَ ٱلذُّلِّ. دَعَوْتُكَ يَا رَبُّ كُلَّ يَوْمٍ. بَسَطْتُ إِلَيْكَ يَدَيَّ. أَفَلَعَلَّكَ لِلأَمْوَاتِ تَصْنَعُ عَجَائِبَ، أَمِ ٱلأَخِيلَةُ تَقُومُ تُمَجِّدُكَ؟ سِلاَهْ. هَلْ يُحَدَّثُ فِي ٱلْقَبْرِ بِرَحْمَتِكَ أَوْ بِحَقِّكَ فِي ٱلْهَلاَكِ؟ هَلْ تُعْرَفُ فِي ٱلظُّلْمَةِ عَجَائِبُكَ وَبِرُّكَ فِي أَرْضِ ٱلنِّسْيَانِ؟» (مزمور 88: 3-12). ونرى حزقياً الملك يقول: «أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ، بِهَذِهِ يَحْيُونَ، وَبِهَا كُلُّ حَيَاةِ رُوحِي فَتَشْفِينِي وَتُحْيِينِي. هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ تَحَّوَلَتْ لِيَ ٱلْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ ٱلْهَلاَكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ. لأَنَّ ٱلْهَاوِيَةَ لاَ تَحْمَدُكَ. ٱلْمَوْتُ لاَ يُسَبِّحُكَ. لاَ يَرْجُو ٱلْهَابِطُونَ إِلَى ٱلْجُبِّ أَمَانَتَكَ. ٱلْحَيُّ ٱلْحَيُّ هُوَ يَحْمَدُكَ كَمَا أَنَا ٱلْيَوْمَ» (إشعياء 38: 16-19).
أمّا أيوب وإن كانت أفكاره تشبه أفكار غيره من القدماء. إلا أنّه في غمرة آلامه فضّل الموت على الحياة. وحسب الموت راحة بالنسبة إلى أوجاعه. ومن أيام أيوب إلى نهاية العهد القديم، تغنّى الكثيرون من الرازحين تحت الكدر بهذه الألفاظ الجميلة. لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ ضجعة الموت تريحهم من أتعابهم، كما يرتاح المتعب بالنوم. ولكن لما جاء يسوع، أعطى للراحة مفهومها الحقيقي. لأنه علم أن لا راحة، إلا بالخلاص من الخطية. ولسعادة الإنسانية أنه فدى الإنسان من الخطية، وبرره وأعطاه سلام الله، الذي يريح القلب، ويشفي الضمير من أعمال ميتة.
في الواقع أنّه قبل المسيح كان شبح الموت جاثماً على صدر الإنسان. وكانت ظلمة الهاوية، تثير الرهبة في نفسه. ولكن حين أمات المسيح الموت بموته الكفاري، وغلب الهاوية بقيامته، قام رجاء المؤمنين، وانطلقت أنشودة الرجاء على فم بطرس: «مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، 4 لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ» (1 بط 1: 3 و4).
في القسم الثالث من خطابه قال أيوب: لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي ٱلنَّفْسِ؟ ولعله لم يقدر أن يرى طريقته أو سبب كآبة حياته. إنّه لا يرى غرضاً أو سبباً لحلول هذه المحن القاسية عليه، والتفكر في ذلك يزيد ضيقه ضيقاً. في اضطراب فكره أتى عليه خوف، فسلبه السلام والطمأنينة والراحة. إنه يتكلم بمرارة في ضيقه الهائل، ولكنه لا ينسب ظلماً لله، ولا يرفض طاعة له، ولا يترك استقامته. وكل ما هنالك هو أن مصائبه، وضعت لشكواه ألفاظاً خارجة عنه وليس لها مقر في قلبه.
والآن ماذا يعلّمك الكتاب المقدس ببسطه الحالة المعنوية السيئة، التي صار إليها أيوب في محنته القاسية؟ من المؤكد أنَّ روح الله ألهم كاتب هذا السفر أن يدوّن لنا ضعفات رجال الله:
-
لكي يؤكد لنا أنَّه ليس من إنسان كامل سوى يسوع المسيح.
-
ليعلّمنا بأن لا نعتز بأنفسنا مهما بلغت تقوانا لأنّه بدون عون الله، لا يستطيع أي منا أن يثبت حين تحيق به البلايا، حتى التي هي أقل صعوبة من بلايا أيوب.
-
التشكّي من المصائب يزيدها، ولا يقلل منها. وإنَّ الصبر والسكوت، أفضل وأولى أمام الرزايا.
-
لا يليق بأحد أن يقول: ليتني لم أولد. فإنَّ الحياة الأبدية وجميع خيراتها، مُعدّة للمولودين، لكل من يقبلها بالإيمان بالمسيح (متّى 22: 4).
الصلاة
نشكرك أيها السيد الرب، لأنك دعوتنا إلى الراحة بالقرب منك، ولأنك استأصلت من قلوبنا الخوف من الموت. وبانتظار ذهابنا إليك، أعطيتنا قوة الإيمان والرجاء والمحبة، التي بها نغلب ونرتفع فوق كل المخاوف. آمين.
السؤال
6 - ماذا قال أيوب في القسم الثالث من خطابه؟
7 - ما هو سبب كآبته؟
|
الأصحاح الرابع 1 فَأَجَابَ أَلِيفَازُ ٱلتَّيْمَانِيُّ: 2 «إِنِ ٱمْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلٰكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ ٱل ٱِمْتِنَاعَ عَنِ ٱلْكَلاَمِ! 3 هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً. 4 قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ ٱلْعَاثِرَ وَثَبَّتَّ ٱلرُّكَبَ ٱلْمُرْتَعِشَةَ. 5 وَ ٱلآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ! إِذْ مَسَّكَ ٱرْتَعْتَ! 6 أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ؟ 7 اُذْكُرْ مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ ٱلْمُسْتَقِيمُونَ؟ 8 كَمَا قَدْ رَأَيْتَ أَنَّ ٱلْحَارِثِينَ إِثْماً وَٱلّزَارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهُمَا. 9 بِنَسَمَةِ ٱللّٰهِ يَبِيدُونَ وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنُونَ. 10 زَمْجَرَةُ ٱلأَسَدِ وَصَوْتُ ٱلزَّئِيرِ وَأَنْيَابُ ٱلأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ. 11 اَللَّيْثُ هَالِكٌ لِعَدَمِ ٱلْفَرِيسَةِ وَأَشْبَالُ ٱللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ. |
إنَّ أصحاب أيوب الثلاثة رأوا وهم ساكتون حزن الرجل الذي أحبّوه، وأصغوا بكل اهتمام إلى ما بدا منه من انفجار العواطف. وظهر لهم أنَّه يشفّ عن وجود خطأ في حياته الماضية. صحيح أنّه لم ينسب ظلماً لله، ولكنه اندهش كيف أنَّ الله سمح بأن تأتي هذه البلايا!
لقد فقد صبره الذي تذرّع به عند حلول المصائب الأولى عليه وتوبيخ زوجته له، وهال أصحابه تشوّقه إلى الموت. ومع أنهم كانوا واثقين بتقواه، إلا أنهم لم يقدروا أن يتخلّصوا من هذا الفكر، إنَّ المصيبة الأخيرة أتت عليه بسبب خطية ارتكبها في الماضي. فجادلوه على هذا الأساس، وكان أول المتكلّمين أليفاز التيماني.
كان أليفاز أرفع الأصحاب شأناً وأعظمهم تبصّراً. فافتتح المناقشة بكلام بليغ وأسلوب شعري جميل. وكان كلامه معتدلاً جداً ، وتكاد فاتحته تكون اعتذاراً. إلا أنّه يُبدي تعجّبه من كلام أيوب! كان ينتظر منه الصبر وطول الأناة نظراً لمعرفته في أمور الله. وبعبارات لطيفة، حذّر صديقه من التذمر على الله. لأنه هو الخالق والقدوس العادل. وليس لأحد أن يعترض على أحكامه. وقد اندهش أليفاز من أنَّ أيوب معزّي الآخرين، يقع في اليأس. وحين كلّمه عمّا كان يفعله هو لو كان في موضع أيوب، كان كلامه مملوءاً من التبصّر والعطف. وفيه يمتدح صفات صديقه السامية، وطول باعه في إرشاد الكثيرين من الضالين، وتقوية الكثيرين من الضعفاء. ونفهم من العبارات أنَّ أيوب عمل في ماضيه على تثبيت الآخرين في الإيمان، وأنه لم يعش لنفسه، ولا اكتفى بالإحسان من ماله كعادة الأغنياء، بل قدّم نفسه بخدمات روحية للمحتاجين. «والأيادي المرتخية والركب المرتعشة» تشير إلى الضعفاء بالإيمان والعزم.
وأنت أيها الأخ، هل أنت في موقف كهذا، تستطيع أن تعظ غيرك، وترفع من معنوياته أمام مشاكل الحياة وأوجاعها. ولكنك حين تحيق بك البلايا والمحن، تسقط أناتك، وتفتر عزيمتك؟ تذكر أنَّ الله حين يسمح بالأرزاء أن تنزل بك، لا يفعل ذلك كرهاً بك. العكس هو الصحيح، «لأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُهُ» (عبرانيين 12: 6). وقد قال الرسول يعقوب: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ ٱمْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْراً. وَأَمَّا ٱلصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ» (يعقوب 1: 2-4).
حين قال أليفاز لأيوب: «أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ؟» كان في قوله شيء من العتاب، والدعوة لاعتماد التقوى في التغلب على الشدائد. وقد قسم الناس إلى قسمين أمام عينيه: القسم الأول، الذين يخطئون ويتوبون، ويستفيدون من تأديب الله ويرجعون إليه. وتكون نتيجة تأديب الرب لهم. اشتراكهم في قداسته. أمّا القسم الثاني، فهم الذين يتركون الله على أثر مصيبة، ولا يتوبون عن شرّ قلبهم. هؤلاء هم «الحارثون إثماً، الزارعون شقاوة» ولا بدّ أن يحصدوا ذلك في حينه.
التّقوى التّقوى! «إنَّها مَعَ ٱلْقَنَاعَةِ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ» (1 تيموثاوس 6: 6). التّقوى هي مخافة الله، التي تحمل الإنسان على تعظيم الخالق وإكرامه، والامتثال لإرادته. وقد عُرف بالاختبار أنَّ التّقوى هي أصل الصبر في الضيقات. ومنها ينبع التعفّف واعتزال الشهوات الرديئة.
حين سأل التلاميذ يسوع عن المولود أعمى: «مَنْ أَخْطَأَ: هٰذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟» (يوحنا 9: 2) قال إنَّ العاهة التي أصيب بها هذا الفتى لم تكن نتيجة للخطيئة؟ فحين نقابل هذا الجواب بكلمة أليفاز «مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ؟» نظنّ أنّ ضيراً وقع على أيوب دون حق.
لم يكن أيوب بريئاً كل البراءة، ولا طرقه كاملة كلها أمام الله. ومع ذلك فمتى علمنا أنَّ أليفاز كان هدفه أن يقتاد صديقه إلى التسليم لتأديب الرب، ليغفر له ذنبه وينجّيه من شدائده، حينئذ نلتمس له بعض العذر. والواقع أنَّ هذه الغاية معبّر عنها في ختام خطابه.
الصلاة
يا ربنا الله، نعظم اسمك الكريم، ولا نتكل على تقوانا. ولا نعتمد على برنا، لأنّ لا برّ لنا. ونشكرك لأجل يسوع البار الذي إذ رآنا بلا بر تحنّن علينا، وبرّرنا بدمه الثمين. وأهّلنا لملكوتك. أعطنا روح التسليم لمشيئتك والاتكال عليك، في تفريج كروبنا وإزالة صعوباتنا. وامنحنا الفكر الصالح لنقبل التأديب كدليل حبك لنا.آمين.
السؤال
8 - ما هي نتيجة تأديب الرب؟
9 - ما هو قصد أليفاز من عتابه لأيوب؟
|
4: 12 ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا هَمْساً. 13 فِي ٱلْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى ٱللَّيْلِ عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى ٱلنَّاسِ 14 أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلُّ عِظَامِي. 15 فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي. ٱقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي. 16 وَقَفَتْ وَلٰكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا. شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتاً مُنْخَفِضاً: 17 أَٱلإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ ٱللّٰهِ، أَمِ ٱلرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ 18 هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً. 19 فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ ٱلَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي ٱلتُّرَابِ وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ ٱلْعُثِّ؟ 20 بَيْنَ ٱلصَّبَاحِ وَ ٱلْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى ٱلأَبَدِ يَبِيدُونَ. 21 أَمَا ٱنْتُزِعَتْ حِبَالُ خِيَامِهِمْ؟ يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ. |
في هذا القسم من خطابه، يرى أليفاز رؤيا ويتكلم عن قداسة الله، وحماقة الناس والملائكة. ويشير إلى أنَّه لا فائدة لأيوب من الالتجاء إلى الله، بواسطة الخلائق السماوية. وفي تعبير آخر حاول أليفاز أن يوقظ في أيوب الشعور بطهارة الله السامية وضعف جميع خلائقه، الذين لم يكن أيوب سوى واحد منهم، فهم عرضة للخطأ. فلماذا يتذمّر أيوب على الله؟ وأنه لمن العبث أن يستغيث بالملائكة وهم لا يلبون له طلباً.
لعل أيوب كان في حاجة ماسة إلى تحذير صديقه أليفاز، فقد برّر نفسه قدام الله، والذي يبرّر نفسه يدين الله. فالصوت الخفي الذي همس في أذن أليفاز، أظهر له بوضوح سخافة ادّعاء الإنسان الخاطئ بأنه بار أمام إلهه.
هل سبق لهذا الصوت أن همس في ضميرك، مؤنّباً إياك على التمسُّك ببرّك الذاتي الموهوم؟ هذا صوت الروح القدس، الذي قال يسوع المسيح إنّه «يُبَكِّتُ ٱلْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يوحنا 16: 8). ليت هذا الصوت الخفي يُقابل عندك بالاعتراف بالمذنوبية وبالتوبة الشاملة! ليتك تشارك بولس اعترافه حين قال: «وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ» (فيلبي 3: 9).
إن كانت معرفة خدّام الله الأصفياء القديسين تُحسب بالنسبة لجلاله هزيلة، فأين تذهب أنت أيها الإنسان المتجاسر في حضرة القدوس الحق؟ وإن كان ملائكته لا يتجاسرون على أن يدّعوا لأنفسهم استحقاقاً كاملاً وخدمة بلا عيب، فكم بالحري الإنسان عبد التراب، لا يحق له أن يدّعي استحقاقاً؟! الإنسان بيته من طين، يوجد في الصباح وفي المساء يُحطم، هكذا قال أليفاز، مشيراً إلى ضعف الجسد البشري وسرعة زواله. إنه يذكرنا بالصوت القائل: إنَّ أيام سنينا كقصة، «لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعاً فَنَطِيرُ» (مزمور 90: 10). وإنّ حياتنا كبخار «يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ» (يعقوب 4: 14). وبحسب قول أليفاز، إن الإنسان نظرا لقلة أيامه على الأرض، يموت بلا حكمة. ولكن العهد الجديد يعلمنا أنه مع قصر أيامنا، نستطيع أن نحصل على الحكمة إن نحن طلبناها من الله. فقد قال الرسول يعقوب: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يعقوب 1: 5).
نحن في الواقع جميعاً في حاجة إلى الحكمة، لكي نفتدي الوقت كما أوصانا بولس في رسالته إلى أفسس. وكانت حكمة افتداء الوقت موضوعاً لصلاة داود الملك. فقد سأل الله قائلاً: «إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هٰكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ» (مزمور 90: 12).
إنَّ حكمة افتداء الوقت، تعلّمنا عدم استهلاك الأيام في العبث. وتهيب بنا أن نسهر على قداسة سيرتنا، لأنّ الله اختارنا في المسيح لنكون قدّيسين وبلا لوم قدامه في المحبة.
نتعلّم من أقوال أليفاز:
-
أنَّ إنذارنا لغيرنا، أهون من إنذارنا أنفسنا.
-
أنَّ التذمّر هو الحكم على الله.
-
أنَّ لنا في الكتاب المقدس كلاماً أثبت من رؤى الليل.
-
أنَّ الإنسان يتّضع عندما ينظر إلى نعمة الله العاملة فيه.
-
أنَّ لنا بيتاً أبدياً غير مصنوع بيد.
الصلاة
أيها السيد الرب، نحن المزدرى وغير الموجود. ومع ذلك فنحن نستكبر ونشمخ، لذلك نسألك أن تسحق كبرياءنا حتى نسلك متواضعين معك. علّمنا حكمة إحصاء الأيام، حتى نصرف أيامنا في عمل الأشياء المرضية أمامك. قدّس قلوبنا، طهّر أفكارنا، نقّ نوايانا، ولك الشكر! آمين.
السؤال
10 - لماذا كان أيوب في حاجة إلى تحذير صديقه أليفاز؟
|
الأصحاح الخامس 1 «اُدْعُ ٱلآنَ. فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ! وَإِلَى أَيِّ ٱلْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ 2 لأَنَّ ٱلْغَيْظَ يَقْتُلُ ٱلْغَبِيَّ وَ ٱلْغَيْرَةَ تُمِيتُ ٱلأَحْمَقَ. 3 إِنِّي رَأَيْتُ ٱلْغَبِيَّ يَتَأَصَّلُ وَبَغْتَةً لَعَنْتُ مَرْبِضَهُ. 4 بَنُوهُ بَعِيدُونَ عَنِ ٱلأَمْنِ، وَقَدْ تَحَطَّمُوا فِي ٱلْبَابِ وَلاَ مُنْقِذَ. 5 ٱلَّذِينَ يَأْكُلُ ٱلْجَوْعَانُ حَصِيدَهُمْ وَيَأْخُذُهُ حَتَّى مِنَ ٱلشَّوْكِ، وَيَشْتَفُّ ٱلظَّمْآنُ ثَرْوَتَهُمْ. 6 إِنَّ ٱلْبَلِيَّةَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ ٱلتُّرَابِ وَ ٱلشَّقَاوَةَ لاَ تَنْبُتُ مِنَ ٱلأَرْضِ، 7 وَلٰكِنَّ ٱلإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ ٱلْجَوَارِحَ لٱرْتِفَاعِ ٱلْجَنَاحِ. كان أيوب قد لعن اليوم، الذي وُلد فيه. فكأن كلامه اعتراض على الله، الذي أعطاه الحياة. وبدأ أليفاز عظته له حاضاً إيّاه وقائلاً: ليس لك منقذ بواسطة الخلائق، فادع الله. لا تغتظ لأن الغيظ يقتل الغبي. ومن يشتكي على الله لا ينتفع، بل يجلب سخط الله وغضبه على نفسه. قد ينجح الغبي نجاحاً وقتياً. ولكن لا بد أن يسقط إن عاجلاً أو آجلاً. «لاَ تَغَرْ مِنَ ٱلأَشْرَارِ وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ ٱلإِثْمِ، فَإِنَّهُمْ مِثْلَ ٱلْحَشِيشِ سَرِيعاً يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ ٱلْعُشْبِ ٱلأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ» (مزمور 37: 1 و2). 5: 8 «لٰكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى ٱللّٰهِ وَعَلَى ٱللّٰهِ أَجْعَلُ أَمْرِي. 9 ٱلْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. 10 ٱلْمُنْزِلِ مَطَراً عَلَى وَجْهِ ٱلأَرْضِ وَ ٱلْمُرْسِلِ ٱلْمِيَاهَ عَلَى ٱلْبَرَارِيِّ. 11 ٱلْجَاعِلِ ٱلْمُتَوَاضِعِينَ فِي ٱلْعُلَى فَيَرْتَفِعُ ٱلْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ. 12 ٱلْمُبْطِلِ أَفْكَارَ ٱلْمُحْتَالِينَ فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْداً. 13 ٱلآخِذِ ٱلْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ فَتَتَهَّوَرُ مَشُورَةُ ٱلْمَاكِرِينَ. 14 فِي ٱلنَّهَارِ يَصْدِمُونَ ظَلاَماً، وَيَتَلَمَّسُونَ فِي ٱلظَّهِيرَةِ كَمَا فِي ٱللَّيْلِ. 15 ٱلْمُنَجِّيَ ٱلْبَائِسَ مِنَ ٱلسَّيْفِ، مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ ٱلْقَوِيِّ. 16 فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ ٱلْخَطِيَّةُ فَاهَا. |
هنا يتقدّم أليفاز في كلامه، ذاكراً ما كان يفعله هو لو كان في موضع أيوب. ويصرح بأنه كان حينئذ يسلم أمره لله العظيم القوة والعجيب في كل طرقه. وكأنه يقول لأيوب: اقبل تأديب الله، لأنه يرفع المتواضعين، ويعزّي الحزانى، وينجّي المسكين والبائس، ويسند المستضعف. ويشجّع المتخاذل. إنه يجعل للذليل كرامة، ويعطي البائس رجاءً حياً. ويبطل أفكار المحتالين. فلا تتم أيديهم حيلهم التي قصدوها. إنهم يُصدمون مع وجود النور، نظراً لعماهة (لظلمة) قلوبهم. وقد أخبرنا الإنجيل أنَّ الأشرار يحبون الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة. ويسوع له المجد قال لليهود: «لاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ» (يوحنا 5: 40).
|
5: 17 «هُوَذَا طُوبَى لِرَجُلٍ يُؤَدِّبُهُ ٱللّٰهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ ٱلْقَدِيرِ. 18 لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. 19 فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. 20 فِي ٱلْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ ٱلْمَوْتِ وَفِي ٱلْحَرْبِ مِنْ حَدِّ ٱلسَّيْفِ. 21 مِنْ سَوْطِ ٱللِّسَانِ تُخْتَبَأُ فَلاَ تَخَافُ مِنَ ٱلْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. 22 تَضْحَكُ عَلَى ٱلْخَرَابِ وَ ٱلْمَجَاعَةِ وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ ٱلأَرْضِ. 23 لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ ٱلْحَقْلِ عَهْدُكَ وَوُحُوشُ ٱلْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. 24 فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئاً. 25 وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ ٱلأَرْضِ. 26 تَدْخُلُ ٱلْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ كَرَفْعِ ٱلْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. 27 هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَٱسْمَعْهُ وَ ٱعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ». |
لقد أصاب أليفاز في كثير مما قاله، ولكنه في توجيه نظر أيوب إلى البركات التي تنبع من التأديب، يقصر جداً عن مقياس الإنجيل. فهو ينظر إلى التأديب كقصاص حق على الخطايا المقترفة، ويغض الطرف عن جوهر المحبة فيه.
في الواقع، حين نتأمل موضوع التأديب عبر الكتاب المقدس، نرى أنَّ رجال العهد الجديد أطول باعاً في إيضاح القصد الإلهي من التأديب. فقد قال الرسول بولس «لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا ٱلْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيّاً» (2 كورنثوس 4: 17). فبالرغم من شدة الضيقات التي جازها الرسول. فحين قابلها بسعادة السماء، التي لا حد لعظمتها ولا نهاية لها، تضاءلت في نظره، حتى عبّر عنها بكلمة «خفة ضيقتنا».
فالله في نعمته، وعد أنه يثيب المؤمنين على ضيقاتهم بأفراح السماء. والضيقات تنشئ الفرح، لأنها تزكينا وتعدّنا لذلك المجد في منازل الآب. وتجعلنا نتوق إليه ونسر به، أكثر مما لو حصلنا عليه بلا تعب ولا ألم. وقد أشار الرسول بطرس إلى هذه الحقيقة، فقال: «لاَ تَسْتَغْرِبُوا ٱلْبَلْوَى ٱلْمُحْرِقَةَ ٱلَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ ٱمْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا ٱشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ ٱلْمَسِيحِ ٱفْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي ٱسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضاً مُبْتَهِجِينَ» (1 بط 4: 12 و13).
يرجّح بعض المفسرين أنَّ أليفاز لو استعمل هذا الوجه من التأديب، كان يمكن أن يعزّي أيوب. لقد رأى لعنة الجهّال، وفشل حيلة المحتالين. ولكنه لم ير المحبة التي تبعث على التأديب. إنَّ كلماته البليغة لم تأتِ بالسّلام إلى أيوب المتألم، ولا بالبلسم إلى قلبه الملآن حزنا. قد يكون الألم سياجاً للمجد، ولكن هذا السياج، ليس بحائل دون طالب المجد، إن هو أراد الدخول من الباب، الذي هو الرب يسوع نفسه. وشكراً لله لأنّ يسوع قال: «اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ» (متّى 7: 7).
حين قال أليفاز إنَّ الإنسان مولود المشقة. كان يعني أنَّ المشقة أمر لا بد منه. ويجب على الإنسان أن لا يتعجب من وجود المشقة في سبيله. فقد وُجدت منذ أن وُجدت الخطيئة في العالم. ولكن شكراً لله لأنّ الخطيئة ليست أمراً محتوماً علينا. المخلّص يسوع لاشى سلطانها. وبوسع كل إنسان أن يخلص منها ومن أثرها إن هو قبله مخلّصاً شخصياً.
الصلاة
نعظم اسمك الكريم يا إلهنا القدوس. ونباركك لأجل حكمتك في التأديب. ونشكرك لأجل الصبر الذي تعطيه للصدّيق، لكي يحتمل التأديب. ونشكرك بنوع خاص لأجل ربنا يسوع المسيح الذي نال عنا حكم الدينونة والقصاص. أعطنا النعمة لكي نمجد اسمك. آمين.
السؤال
11 - بمَ أشار أليفاز على أيوب أن يفعل؟
|
الأصحاح السادس 1 فَأَجابَ أَيُّوبُ: 2 «لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي ٱلْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا. 3 لأَنَّهَا ٱلآنَ أَثْقَلُ مِنْ رَمْلِ ٱلْبَحْرِ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ لَغَا كَلاَمِي. 4 لأَنَّ سِهَامَ ٱلْقَدِيرِ فِيَّ، تَشْرَبُ رُوحِي سُمَّهَا. أَهْوَالُ ٱللّٰهِ مُصْطَفَّةٌ ضِدِّي. 5 هَلْ يَنْهَقُ ٱلْفَرَاءُ عَلَى ٱلْعُشْبِ أَوْ يَخُورُ ٱلثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟ 6 هَلْ يُؤْكَلُ ٱلْمَسِيخُ بِلاَ مِلْحٍ، أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ ٱلْبَقْلَةِ؟ 7 عَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا، فَصَارَتْ خُبْزِيَ ٱلْكَرِيهِ! |
اعتقد أليفاز أنَّ أيوب ارتكب خطيئة، فكانت كلماته خالية من العطف، الذي توقّع أيوب أن يراه من أصحابه. وتكلّم أليفاز عن تضجّر أيوب وأشار إلى أنَّ هذا التضجّر يُحسب جهالة بالنسبة لعارفي الله. الأمر الذي أثار أيوب فاطلق صرخة داوية يطلب فيها الإنصاف. ثم لا يلبث أن يتّهم أليفاز بأنّه ينظر إلى الأمور بسطحية، فلا يرى أنَّ مصائبه المتتالية أمر يستلزم الشكوى. كان يرجو منه أن يضع البلايا التي نزلت به في كفة ميزان مع تذمّره، إذن لرثى لحاله على الأقل! ولكنّه للأسف أسمعه أقوالاً ليست فقط بعيدة عن كلام التعزية، بل أيضاً صبّ في أذنيه عبارات النقد الجارح كقوله: «الغيظ يقتل الغبي والغيرة تميت الأحمق». فأثار كلامه أيوب، فتكلّم بمبالغة، ووصف كربه بأنّه أثقل من رمل البحر. وخيبة أمله بموقف أليفاز، لم تكن وحدها سبب حزنه، بل كان له سبب آخر، وهو الشعور بأنَّ الله صار عدوّه، ويخشى أن تكون بلاياه قد أتت رأساً من الله. ولم يلبت أن لغا بكلامه، أي صار طائشاً. فنسب إلى القدير أنّه رشقه بسهامه المسمومة، معبّراً بذلك عن البلايا التي سمح الله أن تنزل به. وهذه المصائب الشديدة، شبّهها بجيوش عدّة مصطفّة لقتاله.
صحيح أنَّ هناك سبباً لصراخ الألم وأنَّ حالة أيوب ليست من الأمور التي يمكن الاستخفاف بوقعها. فقدْ فقدَ طَعم الحياة، حتى أنّه شبهها بمرق البقلة الغث، الذي أُعدّ بدون ملح. ولهذا تعاف نفسه الطعام، الذي صار طعامه اليومي. فهو يصرخ كالحمار الوحشي، أو كالثور الذي لا يخور بلا سبب. إلا أنَّ هذه الأسباب مع وجاهتها، لا يمكنها أن تبرّر مبالغة أيوب في نثر الإتّهامات، ضدّ محدّثه وضدّ الله.
|
6: 8 «يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ ٱللّٰهُ رَجَائِي! 9 أَنْ يَرْضَى ٱللّٰهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي. 10 فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَ ٱبْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ لاَ يُشْفِقُ أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ ٱلْقُدُّوسِ. 11 مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ، وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ 12 هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ ٱلْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ 13 أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي، وَ ٱلْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! |
الآن يعبّر أيوب عن رغبته في أن يأتي عليه الموت، الذي كان يشتاق إليه، حينئذ لا يخاف. ومن الجهة الأخرى يتعزّى، لأنّه لم ينكر الرب. صحيح أنَّ الحياة كانت قد ثقّلت المطالب على قوّته وصبره، حتى صيّرته غير قادر على أن يخوض معارك أخرى. ولكن مع تبرمه بالحياة وتذمره من نصيبه منها، لم يمجّد كلام القدوس، وإنما طلب إليه أن يسمح له بالموت. مثله كإيليا ويونان اللذين طلبا الموت، ولكنّ الله لم يستجب لهما. لأنّ الموت لا يأتي إلا في الوقت، الذي عيّنه الله، وبعد نهاية الفرصة، التي أعطاها الخالق للإنسان لتكملة واجباته والاستعداد للرحيل.
لم يفكّر أيوب بقوّة الله اللامحدودة، والقادرة أن تشفيه من مرضه الخبيث. وأن تردّ له أمواله، وتقيم له نسلاً جديداً. ولهذا قال متضجّراً: ما هي نهايتي لأصبّر نفسي؟ لكأنّه نسي أنَّ الله، لا يتخلّى عن صدّيق، بل يقف بجانبه في كل محنة. وكسيّد الظروف، يحوّل كل شيء لخير الذين هم له.
في فصل سابق، قال أليفاز، إنّه لو كان في موضع أيوب، لكان سلّم أمره لله بلا تردّد. وأنت هل في وسعك أن تتصرف على هذا النحو، حين تحيق بك البلايا، وتحدق بك الضيقات؟ فتسلّم كل شيء لله، واضعاً ثقتك كل ثقتك في عنايته. داود في إبّان بلاياه، سلّم أمره لله وانتظره. والرب سمع صراخه، وأخرجه من جب الهلاك. ومن صميم اختباره، كتب لنا نشيده الرائع: «هٰذَا ٱلْمِسْكِينُ صَرَخَ، وَ ٱلرَّبُّ ٱسْتَمَعَهُ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقَاتِهِ خَلَّصَهُ. مَلاَكُ ٱلرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ» (مزمور 34: 6 و7).
ما أحوجنا في هذه الأيام الصعبة إلى ديانة عملية اختبارية كهذه، تستطيع أن تستصرخ الله، وتستنفر حنانه لإنقاذ النفوس البائسة وإخراجها من جب الهلاك. هذه الديانة ميسورة لنا، إن كنا نُقبل إلى يسوع، الذي له القدرة على خلاص كل نفس تطلبه من كل القلب.
الصلاة
يا سامعاً الصلاة، إليك يأتي كل بشر. نشكرك لأنك قريب من كل الذين يدعونك، الذين يدعونك بالحق. أنعِمْ علينا باستجابة صلواتنا من أجل سلام النفوس اليائسة. أعلن ذاتك معيناً لكل نفس رازحة تحت الآلام، وأباً محباً يهتم بكل خلائقه. آمين.
السؤال
12 - لماذا كانت كلمات أليفاز خالية من العطف؟
|
6: 14 «حَقُّ ٱلْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ ٱلْقَدِيرِ. 15 أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ ٱلْغَدِيرِ. مِثْلَ سَاقِيَةِ ٱلْوِدْيَانِ يَعْبُرُونَ. 16 ٱلَّتِي هِيَ عَكِرَةٌ مِنَ ٱلْبَرَدِ وَيَخْتَفِي فِيهَا ٱلْجَلِيدُ. 17 إِذَا جَرَتِ ٱنْقَطَعَتْ. إِذَا حَمِيَتْ جَفَّتْ مِنْ مَكَانِهَا. 18 تَحِيدُ ٱلْقَوَافِلُ عَنْ طَرِيقِهَا، تَدْخُلُ ٱلتِّيهَ فَتَهْلِكُ. 19 نَظَرَتْ قَوَافِلُ تَيْمَاءَ. مَوَاكِبُ سَبَأٍ رَجَوْهَا. 20 خَزُوا فِي مَا كَانُوا مُطْمَئِنِّينَ. جَاءُوا إِلَيْهَا فَخَجِلُوا. 21 فَٱلآنَ قَدْ صِرْتُمْ مِثْلَهَا. رَأَيْتُمْ ضَرْبَةً فَفَزِعْتُمْ. 22 هَلْ قُلْتُ: أَعْطُونِي شَيْئاً، أَوْ مِنْ مَالِكُمُ ٱرْشُوا مِنْ أَجْلِي، 23 أَوْ نَجُّونِي مِنْ يَدِ ٱلْخَصْمِ، أَوْ مِنْ يَدِ ٱلْعُتَاةِ ٱفْدُونِي؟ |
أصبح أيوب خائر القوى، لا يجد عوناً من نفسه وقد يئس من الشقاء. ثمّ عبّر عن شدة حزنه لخيبة أمله من موقف أصحابه نحوه. لم يشك في كونهم قصدوا تعزيته. فإنهم كابدوا مشقة السفر الطويل لكي يأتوه ويروه. لقد عرفوه وعرفوا أسلوب حياته، ومع ذلك فإنهم كانوا في شك في أفكارهم من جهة أحواله الأدبية. وكان فحوى خطاب أليفاز أنه يجب على أيوب أن يعترف بخطيته ويطلب مغفرتها. ولكن نسبة التفوّق الأدبي في نفسه، أنشأ بالطبع نفوراً عبّر عنه بالكلمات التالية: « ٱلْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ ٱلْقَدِيرِ» ومعنى هذا أنَّ أيوب يشعر بأنّه إذا كان قد زلّ عن طرق الله، كما ظنّ أصحابه، فإنّ إظهار شيء من العواطف اللطيفة نحوه يقوّي ثقته بالله. والواقع أنَّ التوبيخ الذي في غير محله حتى من المسيحيين، طالما أهلك نفوساً ثمينة. وفي تعبير آخر فإنَّ أيوب يلتمس هنا حق المحزون من أصدقائه وهو التعزية. هذا حق مشروع فعلاً، لأنّ الإنسان الذي يغوص تحت الفواجع، له حق في عطف الأصدقاء، حتى ولو ترك خشية القدير، وإلا ما معنى الصداقة؟ والحق يُقال. إنّه كان على أصحاب أيوب، أن يعربوا له عن محبّتهم واهتمامهم به، في محاولة لردّه إلى الحق. لأنّ: «اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَمَّا ٱلأَخُ فَلِلشِّدَّةِ يُولَدُ» (أمثال 17: 17).
|
6: 24 عَلِّمُونِي فَأَنَا أَسْكُتُ، وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ. 25 مَا أَشَدَّ ٱلْكَلاَمَ ٱلْمُسْتَقِيمَ، وَأَمَّا ٱلتَّوْبِيخُ مِنْكُمْ فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟ 26 هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ، وَكَلاَمُ ٱلْيَائِسِ لِلرِّيحِ! 27 بَلْ تُلْقُونَ عَلَى ٱلْيَتِيمِ وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً لِصَاحِبِكُمْ! 28 وَ ٱلآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ. 29 اِرْجِعُوا. لاَ يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضاً. فِيهِ حَقِّي. 30 هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَاداً؟ |
إنَّ قلب المؤمن، يتحوّل بنفس راضية عن كل قدرة بشرية، مهما كانت مخلصة. ويدعو صديقاً واحداً، لم تستطع سيول الدينونة أن تطفئ محبته، ولم تقدر تيارات الغضب أن تغمرها. هذا الصديق هو ربنا يسوع المسيح ذاك المحب الألزق من الأخ.
لقد التفت أيوب إلى أصحابه، يلتمس تعزية كعادته فلم يجد. لهذا بادرهم بتوبيخ جارح، وعزا إحجامهم إلى كون نفوسهم عافت منظره الكريه. لقد اعتبروه مصاباً من الله، وكأنّ الله يغضب عليهم إن اهتمّوا به. مثله كالأبرص في عرف ناموس موسى، يجب عزله عن الجميع، وإجباره على العيش خارج المحلة ليعاني قساوة الوحشة.
فتّش عن مياه المؤاساة المنعشة، فلم يجدها فيهم. وكانت قلوبهم جافة وباردة، كمجرى جدول الجبل الجاف. رأى أصحابه ضربته ففزعوا. فقد اقشعرّوا من مصابه واعتبروه قصاصاً إلهياً على خطيئته، فخافوا من أن يظهروا له شيئاً من العطف. ثم سألهم أن يروه في أيّ شيء أخطأ وأن يعاملوه بالعدل ويكلّموه بالاستقامة.
أجل إنّه لم يطلب منهم عوناً مادياً، ولكنّه توقّع في أن يواسوه برقيق الكلام فلم يفعلوا، بل صدرت منهم تلميحات ضد استقامته. ولهذا تحدّاهم بعنف قائلاً: «فَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ؟» ولكن في هذا لم يكن أيوب مصيباً، لأنه تجاسر مرة أخرى أن يغاير شهادة الله عن الإنسان، حين قال: « ٱلْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ» (رومية 3: 12).
إنَّ تلميحات الأصحاب لم يكن لها وزن، ولم تؤثر في نفس أيوب. وإذا كان قد تكلم بشدّة، فالواجب عليهم أن يتذكروا حزنه وأن يتساهلوا مع رجل واقع في مثل هذه الضيقات. لقد وبّخهم فعلاً على تصرفهم القاسي الخالي من الشعور، كالذين يجورون على اليتيم ويضرون الأصحاب. والتمس منهم أن يعاملوه بالنصفة والصراحة، لأنه لا يكذب عليهم. ويطلب إليهم أن يتحوّلوا عن حكمهم الجائر فيه، لأنّه لا يوجد ظلم في كلامه. ويقدر أن يرى الأمور الملتوية، أي شدائده. إنه كان مثلهم قادراً على تمييز الصحيح من الخطأ. ويعتبر أنَّ الضربات التي أتت عليه كانت بلا استحقاق وبغير إنصاف. ومن هذا الموقف المتصلّب أصدر حكماً أدبياً في مسألته.
الصلاة
شكراً لك يا ربنا لأجل يسوع الحي الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا. وأعطانا فكر التواضع، لنعترف بخطايانا ونؤمن بيسوع، الذي صالحنا معك بموته الكفاري، فصار لنا القدوم إليك، مُبَرَّرين بالنعمة. آمين.
السؤال
13 - ماذا كان موقف الأصحاب من مصاب أيوب، وكيف حسبوه؟
|
الأصحاح السابع 1 «أَلَيْسَتْ حَيَاةُ ٱلإِنْسَانِ جِهَاداً عَلَى ٱلأَرْضِ، وَكَأَيَّامِ ٱلأَجِيرِ أَيَّامُهُ؟ 2 كَمَا يَتَشَوَّقُ ٱلْعَبْدُ إِلَى ٱلظِّلِّ، وَكَمَا يَتَرَجَّى ٱلأَجِيرُ أُجْرَتَهُ، 3 هٰكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ، وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي. 4 إِذَا ٱضْطَجَعْتُ أَقُولُ مَتَى أَقُومُ. ٱللَّيْلُ يَطُولُ وَأَشْبَعُ قَلَقاً حَتَّى ٱلصُّبْحِ. 5 لَبِسَ لَحْمِيَ ٱلدُّودُ مَعَ ٱلطِّينِ. جِلْدِي تَشَقَّقَ وَتَقَيَّحَ. 6 أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ ٱلْمَكُّوكِ، وَتَنْتَهِي بِغَيْرِ رَجَاءٍ. 7 «اُذْكُرْ أَنَّ حَيَاتِي إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ وَعَيْنِي لاَ تَعُودُ تَرَى خَيْراً. 8 لاَ تَرَانِي عَيْنُ نَاظِرِي. عَيْنَاكَ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَنَا! 9 ٱلسَّحَابُ يَضْمَحِلُّ وَيَزُولُ. هٰكَذَا ٱلَّذِي يَنْزِلُ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ لاَ يَصْعَدُ. 10 لاَ يَرْجِعُ بَعْدُ إِلَى بَيْتِهِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مَكَانُهُ بَعْدُ. |
في هذا القسم من خطابه، ينظر أيوب ويوسع مجال النظر. ويرى أنّ آخرين أيضاً متألّمون، وأنّ الإنسان ضعيف عن احتمال أتعاب الحياة. ينظر بفراسة جديدة إلى ميدان الحياة البشرية الواسع، ويعرف مبلغ شقائها وبؤسها بما أصابه منها. إنَّه يستمر في جوابه لأليفاز. مجدّدا صراخ اليأس، ومشيراً إلى شدة ضعف الحياة البشرية. وفي تشبيهات مؤثرة، يذكر مشقات الناس. ويصور الحياة كأنها جهاد شاق مستمر.
وبالإجمال شبّه الإنسان بالأجير. الذي يعمل تحت حكم مطلق، وخدمته إجبارية. وهذا الأجير، يتشوق إلى الظل الذي يعقب غروب الشمس، حيث تنتهي أتعاب النهار ويتسلم الأجير أجرته اليومية. وخلاصة قوله إنَّ حياة الإنسان، كحياة الأجير، إذ ليس فيها كبير فرح أو راحة. ولا يستطيع أيوب أن يفتكر في راحة أحلى، أو أجرة أثمن من أن تمضي الأيام سريعاً، فيستريح في القبر. وهل هذا غريب، حين لا تحوي الحياة سوى أيام تعب ومرض وليالي أرق؟ ويجب أن لا نندهش أن يفكر أيوب هكذا، لأنه وُجد قبل أن أنار يسوع الحياة والخلود، وقبل أن يرسل الروح القدس، مقوياً ومعزياًومرشداً إلى جميع الحق.
ثم يمضي أيوب في رثاء نفسه، فيقول: هكذا تعيّن لي أشهر سوء، وليالي شقاء قسمت لي. بمعنى أنَّ حياته لم تكن كما اشتهى، فهي أشهر قاسية ليلها أشد ألماً من نهارها. وشر ما في مرضه أنّه كان يرى دوداً صغيراً ينخر في لحمه فيسبب له آلاماً لا تطاق.
|
7: 11 أَنَا أَيْضاً لاَ أَمْنَعُ فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. 12 أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِساً؟ 13 إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي 14 تُرِيعُنِي بِٱلأَحْلاَمِ وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، 15 فَٱخْتَارَتْ نَفْسِي ٱلْخَنْقَ وَ ٱلْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هٰذِهِ. 16 قَدْ ذُبْتُ. لاَ إِلَى ٱلأَبَدِ أَحْيَا. كُفَّ عَنِّي لأَنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ! 17 مَا هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ، 18 وَتَتَعَهَّدَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، وَكُلَّ لَحْظَةٍ تَمْتَحِنُهُ! 19 حَتَّى مَتَى لاَ تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلاَ تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ 20 أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ ٱلنَّاسِ! لِمَاذَا جَعَلْتَنِي هَدَفاً لَكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلاً! 21 وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي لأَنِّي ٱلآنَ أَضْطَجِعُ فِي ٱلتُّرَابِ؟ تَطْلُبُنِي فَلاَ أَكُونُ!» |
يتابع أيوب مرثاته بتفجّع، وإذ يستفزّه ثقل الأوجاع راح يشكو بمرارة من المعاملة الإلهية، التي حسب ظنه حمّلته أكثر مما يستطيع. ويبدو أن ضيقاته وتعاسته، التي لا رجاء فيها، ضغطت عقله فلم يستطع أن يضبط نفسه ففرّط بلسانه.
حقّاً أنّه ليس حسناً للإنسان أن يبالغ في الشكوى من مصائبه، أو يتحدّث عنها بلا انقطاع. لأنها بهذا تشتد وطأتها على النفس، فتفقد صبرها. فأيوب بكلامه المستمر عن بلاياه، وبتظلمه الدائم من أوجاعه، هيّج نفسه حتى تجاسر وتكلم عن الله بقلة احترام. قال في العددين 17 و 18 ما معناه أنَّه لا يليق بالله العظيم الجليل، أن يتنازل حتى يراقب الإنسان التافه ويخطط له. ألم يكن أولى به، أن يتركه وشأنه؟ وكأنه يقول: ماذا يمكن أن تعني خطية صغيرة يرتكبها إنسان ضعيف بالنسبة للرب الإله المتعالي؟ لماذا لا يغفرها له حالاً. قبل أن يطويه الردى؟
إنَّ حكمة أيوب هذه يتردد صداها في عصرنا، حيث يكثر الطامعون في رحمة الله، والقائلون: حاشا لله أن يعذّب إنساناً! صحيح أنَّ الله رحوم، ورحمته تتمهّل على الإنسان لكي تقتاده إلى التوبة. ولكن قساوة القلب، كثيراً ما تحول دون الإنسان والتوبة. وبذلك يثير غضب الله ويوقع نفسه تحت الدينونة.
يعلّمنا الإنجيل أنَّ الله محب، بصورة فائقة كجلاله الأقدس. وقد عبّر عن محبّته بالفداء، بموت يسوع المسيح على الصليب. «لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16). بمعنى أنّه يكفي الخاطئ الأثيم أن يقبل يسوع مخلّصاً، ويترك الخطية، لكي يحصل على فوائد الفداء، كغفران الخطايا والتبرير، وأخيراً الحياة الأبدية السعيدة.
الصلاة
نشكرك يا إلهنا الصالح، لأنك أحببت الإنسان منذ البدء ولأنك تترأف ولا تشاء أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. ونشكرك لأنك تقبل توبتنا، وتغفر خطايانا. زد إيماننا بالفداء، وانعم بمراحمك على الجميع. آمين.
السؤال
14 - ماذا كانت نتيجة كلام أيوب عن بلاياه وتظلمه الدائم من أوجاعه؟
|
الأصحاح الثامن 1 فَأَجَابَ بِلْدَدُ ٱلشُّوحِيُّ: 2 «إِلَى مَتَى تَقُولُ هٰذَا وَتَكُونُ أَقْوَالُكَ رِيحاً شَدِيدَةً! 3 هَلِ ٱللّٰهُ يُعَوِّجُ ٱلْقَضَاءَ أَوِ ٱلْقَدِيرُ يَعْكِسُ ٱلْحَقَّ؟ 4 إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ. 5 فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى ٱللّٰهِ وَتَضَرَّعْتَ إِلَى ٱلْقَدِيرِ - 6 إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيّاً مُسْتَقِيماً، فَإِنَّهُ ٱلآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ. 7 وَإِنْ تَكُنْ أُولاَكَ صَغِيرَةً فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدّاً. |
في ردّه على أيوب، اتخذ بلدد الشوحي وجهة نظرٍ أخرى. فإنَّ أيوب كان قد أبان أنّ دعواه عادلة، وإنّه لم يتكلّم في غير حق (6: 29-30) وفي الأصحاح السابع نسب لله أنّه أبقاه في العبودية. فجواباً على ذلك يؤكّد بلدد أنَّ الله يعمل بتمييز وإدراك. أي أنّه يكافئ البار ويعاقب الشرير. ويتعجّب من أنّ أيوب يتّهم الله بعدم الإنصاف.
وقد حرص بلدد في كلمته على الاستشهاد بأقوال الحكماء. وبدأ خطابه بتوبيخ أيوب، من أجل كلماته الطائشة. وقد شبّه كلامه بالريح الشديدة، لأنّه أطلقه بحدّة، منتقداً معاملات الله معه خاصة، ومع جميع البشر عامة. وبعد أن حمل على كلام أيوب، الذي به نسب إلى الله تعويج القضاء، أشار إلى مصرع أبنائه بخشونة. إذ قال إنّهم زرعوا شراً، وكان لا بدّ أن يحصدوا وبالاً. أي أنّهم أخطأوا فدفعهم الله إلى يد معصيتهم، أي العقاب الذي استوجبته خطيتهم. ثم وجّه كلامه إلى أيوب وحثّه على التوبة والزكوة والاستقامة، لينتبه الله إليه. ويكافئ توبته، بأن يعطيه النعمة ليعمل مسكنه مسكن بر.
|
8: 8 «اِسْأَلِ ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ. 9 لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلاَ نَعْلَمُ، لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى ٱلأَرْضِ ظِلٌّ. 10 فَهَلَّا يُعْلِمُونَكَ. يَقُولُونَ لَكَ وَمِنْ قُلُوبِهِمْ يُخْرِجُونَ أَقْوَالاً قَائِلِينَ 11 هَلْ يَنْمُو ٱلْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ ٱلْمُسْتَنْقَعِ، أَوْ تَنْبُتُ ٱلْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاءٍ؟ 12 وَهُوَ بَعْدُ فِي نَضَارَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ يَيْبَسُ قَبْلَ كُلِّ ٱلْعُشْبِ. 13 هٰكَذَا سُبُلُ كُلِّ ٱلنَّاسِينَ ٱللّٰهَ، وَرَجَاءُ ٱلْفَاجِرِ يَخِيبُ، 14 فَيَنْقَطِعُ ٱعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ ٱلْعَنْكَبُوتِ! 15 يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلاَ يَقُومُ. 16 هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ ٱلشَّمْسِ وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ أَغْصَانُهُ. 17 وَأُصُولُهُ مُشْتَبِكَةٌ فِي ٱلرُّجْمَةِ فَتَرَى مَحَلَّ ٱلْحِجَارَةِ. 18 إِنِ ٱقْتَلَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ يَجْحَدُهُ قَائِلاً: مَا رَأَيْتُكَ. 19 هٰذَا هُوَ فَرَحُ طَرِيقِهِ وَمِنَ ٱلتُّرَابِ يَنْبُتُ آخَرُ. |
يستند بلدد إلى التقليد، ويتقدّم إلى إثبات صحته بالإشارة إلى اختبار الأجيال السالفة. ورأيه هنا ليس جديداً، فإنَّ الحكماء الأقدمين تمسّكوا به. ويقتبس مثلاً شائعاً أنَّ البردي والحلفاء لا يمكن أن ينموَا في غير الغمقة والماء، وإلا فإنهما يموتان حالاً. كذلك عندما ينسى الناس الله، فإنهم يهلكون هلاكاً عادلاً. في الواقع أنَّ الإنسان بدون نعمة الله، يكون بلا رجاءٍ فيجف وييبس روحياً.
تشبيه آخر، إنَّ بيت الفاجر، وإن كان من حجارة متينة ولصاحبه رجاء بأنّه هو ونسله يسكنون فيه إلى الأبد، فهو في نظر الله أوهى من بيت العنكبوت.
والفاجر يشبّه أيضاً بيقطينة يونان، في مكان معرّض للشمس وأصولها مثبتة في الرجمة. فقد تنمو خراعيبها، ولكن ما أن تهب عليها ريح خمسينية، حتى تذبل وتيبس. هكذا رجاء الفاجر، لا ينجيه لأنه ليس في الله ولهذا ينهار سريعاً.
أمّا رجاء المؤمن، فهو موضوع على الربّ الحي. صحيح أنّه تعالى يسمح أن نُجرّب لامتحان إيماننا، ولكنّ امتحان الإيمان يزكّي الصبر ويشدّد الرجاء، والرجاء لا يخزي. لأنّه يتطلع إلى وعود الله، ويتوقّع خيراً قادماً بالصبر، الذي تشيعه محبة الله المنسكبة في القلب بالروح القدس.
صحيح أنَّ طريقنا خشنة وطويلة، لكنّ المسيح فينا رجاء المجد. والمسيح آتٍ، وسيُكافئ رجاء كل الذين انتظروه. ولعلّه بوحي من هذه الحقيقة، قال الرسول بولس: « لأَنَّنَا بِٱلرَّجَاءِ خَلَصْنَا» (رومية 8: 24).
|
8: 20 «هُوَذَا ٱللّٰهُ لاَ يَرْفُضُ ٱلْكَامِلَ وَلاَ يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي ٱلشَّرِّ. 21 عِنْدَمَا يَمْلَأُ فَمَكَ ضَحِكاً وَشَفَتَيْكَ هُتَافاً، 22 يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خِزْياً. أَمَّا خَيْمَةُ ٱلأَشْرَارِ فَلاَ تَكُونُ». |
هكذا ختم بلدد خطابه، قائلاً خلاصة تعليم القدماء إنَّ الله لا يرفض الكامل بل يأخذ بيده. وقد قال: «لأَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ ٱلْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، ٱلْقَائِلُ لَكَ: لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ... أَنَا ٱلرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِٱلْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلأُمَمِ» (إشعياء 41: 13، 42: 6) أمّا الأشرار الذين يصرّون على شرورهم فيهلكون. هكذا قال المسيح: « إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذٰلِكَ تَهْلِكُونَ» (لوقا 13: 3) وهذا ما دعا بلدد أيوب إليه أن يتوب ويرجع إلى الله، فيغدق الله عليه السرور والضحك والهتاف، عوضاً عن الحزن والتذمّر، ويخزى مبغضوه عندما يرون رجوعه إلى حاله الأولى.
الصلاة
شكراً لك يا إلهنا، من أجل نعمة الرجاء الحي. املأ قلوبنا بهذا الرجاء، حتى نعيش في سلام. جدد توبتنا إليك بفعل الروح القدس. أعطنا القوة حتى نلاحظ سيرتنا، ونسلك كأولاد نور في بر وصلاح وحق. آمين.
السؤال
15 - بمَ شبّه بلدد بيت الفاجر؟
16 - ما هي خلاصة تعليم القدماء التي أشار إليها بلدد؟
|
الأصحاح التاسع 1 فَقَالَ أَيُّوبُ: 2 «صَحِيحٌ. قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَا. فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ ٱلإِنْسَانُ عِنْدَ ٱللّٰهِ؟ 3 إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ. 4 هُوَ حَكِيمُ ٱلْقَلْبِ وَشَدِيدُ ٱلْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ 5 ٱلْمُزَحْزِحُ ٱلْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ. ٱلَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ، 6 ٱلْمُزَعْزِعُ ٱلأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا، 7 ٱلآمِرُ ٱلشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ وَيَخْتِمُ عَلَى ٱلنُّجُومِ. 8 ٱلْبَاسِطُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ وَ ٱلْمَاشِي عَلَى أَعَالِي ٱلْبَحْرِ. 9 صَانِعُ ٱلنَّعْشِ وَ ٱلْجَبَّارِ وَ ٱلثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ ٱلْجَنُوبِ. 10 فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. |
إنَّ جواب أيوب لبلدد، فيه صعوبات كثيرة. فإنّه يبتدئ بموافقة أصحابه، على أنَّه ما من إنسان يستطيع، أن يكون باراً أمام الله. حتى إنَّ البراءة، التي يظن الإنسان أنها بلا عيب، تخرس أمام جلال الله القدوس. وأيضاً تصور أيوب إنْ هو تقابل مع الله في محاجة، فإنه يشك في أنَّه سيجد استماعاً مترائفاً. وحتى لو وجد بلا خطية، فليس في وسعه أن يجاوب الله.
الصعوبة في أمر أيوب، هي أنه اعتقد في نفسه أنه بار. وتبعاً لذلك استنتج أنَّ الله مع علمه ببره، يتعمد معاملته كمذنب. وإنَّ الله إذا شاء أن يحاجه، فلا يشاء أن يجيبه عن واحد من ألف. وبذلك ينظر إلى الله، كأنه حاكم مطلق، وليس قاضياً عادلاً. وهذا كلام، يدل على عدم التسليم لله.
ولعل أيوب لم يأته خبر إعلان الله القائل: «هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَٱلدُّودِيِّ تَصِيرُ كَٱلصُّوفِ» (إشعياء 1: 18).
ثم يقدّم أيوب وصفاً جميلاً لجلال الله وقوّته، كما يُريان في عالم الطبيعة، كقوة لا حدّ لها كما ترى في زحزحة الجبال وزعزعة الأرض وتنظيم الكواكب وضبط البحار.
وقد نلتمس بعض العذر لأيوب في ضجره، لأنَّ طاقة الإنسان في الاحتمال محدودة وضعيفة. ولكن أن يتحول الضجر إلى تعريض بعدالة الله، فهذا أمر يدعو إلى الأسف. لأن الله عادل وبار في سياسته للبشر. إنه يراقب سلوكنا، بقدر ما يرثي لضعفاتنا. وهو يبلونا ليجردنا من استعلائنا، حتى نسلك بتواضع.
|
9: 11 «هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ. 12 إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ، وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟ 13 ٱللّٰهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ. 14 كَمْ بِٱلأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ. 15 لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي. 16 لَوْ دَعَوْتُ فَٱسْتَجَابَ لِي لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي. 17 ذَاكَ ٱلَّذِي يَسْحَقُنِي بِٱلْعَاصِفَةِ وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ. 18 لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلٰكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ. 19 إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ ٱلْقَوِيِّ يَقُولُ: هَئَنَذَا. وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ ٱلْقَضَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُحَاكِمُنِي؟ 20 إِنْ تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي؟ وَإِنْ كُنْتُ كَامِلاً يَسْتَذْنِبُنِي. |
بعد أن تكلّم أيوب عن خلائق الله غير الناطقة، تقدّم إلى ذكر أعماله مع الإنسان. فقال إنَّ الإنسان، لا يراه ولا يشعر به. ولكنّ الله يعمل ولا يقاوَم، ويفعل ولا يحاسَب على أعماله. حتى إنَّ أعوان رهب، ينحنون أمام قوة الله.
رَهَب هو التنين، ويشير هنا إلى جبروت مصر قديماً. ولعلّ الإسم أُطلق على مصر، أولاً لكبريائها، وثانياً لوجود التنّين أو التمساح في النيل. ولكن قوّة الله تقمع كل جبروت. فإن كان الجبابرة، يفشلون أمام قوّة الله، فكيف يرجو أيوب النجاح في محاجّته معه؟ والواقع أنَّ أيوب بعد التأمل في عظمة الله الظاهرة في الخليقة وسلطته على البحار وجميع القوى الطبيعية، قال: «كم بالأقل أنا أجاوبه» ومع ذلك ففي حيرته ينسب أيوب إلى الله عدم الإنصاف. ويظن أنه مستبد لأنه وإن كان كاملاً يستذنبه.
|
9: 21 «كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. 22 هِيَ وَاحِدَةٌ. لِذٰلِكَ قُلْتُ إِنَّ ٱلْكَامِلَ وَ ٱلشِّرِّيرَ هُوَ يُفْنِيهِمَا. 23 إِذَا قَتَلَ ٱلسَّوْطُ بَغْتَةً يَسْتَهْزِئُ بِتَجْرِبَةِ ٱلأَبْرِيَاءِ. 24 ٱلأَرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ ٱلشِّرِّيرِ. يُغَشِّي وُجُوهَ قُضَاتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَإِذاً مَنْ؟ 25 أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ، تَفِرُّ وَلاَ تَرَى خَيْراً. 26 تَمُرُّ مَعَ سُفُنِ ٱلْبَرْدِيِّ. كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى صَيْدِهِ. 27 إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي. أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَبْتَسِمُ 28 أَخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِماً أَنَّكَ لاَ تُبَرِّئُنِي. 29 أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثاً؟ 30 وَلَوِ ٱغْتَسَلْتُ فِي ٱلثَّلْجِ وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِٱلأَشْنَانِ، 31 فَإِنَّكَ فِي ٱلنَّقْعِ تَغْمِسُنِي حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي. |
هنا ينكر أيوب على بلدد قوله، إنَّ الله يميّز في معاملته للناس بين الكامل والشرير. وبقدر ما يرى أيوب أنَّ الأرض مسلّمة ليد الشرير، والقضاة لا يحامون عن البريء، يعتبر أنَّ الله يعاقبه خطأ. وهو يشعر أنه لم يرتكب شيئاً يستحق هذا التأديب الصارم، الذي بحسب اعتقاده أتى عليه من القدير الذي لا يلين. ويسأل بغيظ قائلاً: إن لم يكن هو فإذا من؟ وهذا أعمق دركات اليأس التي وصل إليها أيوب.
حين نقرأ الفصل الأوّل من قصة أيوب، نرى أنّه فكر في ضُعفات بنيه. وقدّم ذبائح ومحرقات للتكفير عن خطاياهم، قائلاً: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى ٱللّٰهِ فِي قُلُوبِهِمْ» (1: 5). ولكنّه لم يفكر في ضعفاته هو، ويقدّم كفارة عنها، كما كان يفعل رؤساء الكهنة في العهد القديم. وهذا يدل على أنّه كان باراً في عيني نفسه، متفاخراً ببرّه الذاتي، والتفاخر مكرهة في عيني الرب.
|
9: 32 لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَاناً مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ فَنَأْتِي جَمِيعاً إِلَى ٱلْمُحَاكَمَةِ. 33 لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! 34 لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ. 35 إِذاً أَتَكَلَّمُ وَلاَ أَخَافُهُ. لأَنِّي لَسْتُ هٰكَذَا عِنْدَ نَفْسِي. |
هنا يرتفع أيوب بقلبه بإخلاص إلى ذلك الإله، العظيم القدرة والواسع الحلم. وينحني أمام عظمته معترفاً بحقارة نفسه. أمّا قوله عن المُصالح، الذي اشتهى أن يتدخل بينه وبين القدير، فيدل على أنه كانت لديه رؤى عن وسيط الصلح بين الله والناس، المزمع أن يأتي عند ملء الزمان، لكي يزيل العداوة القائمة بين الخالق ومخلوقاته بسبب الخطية. فيضع إحدى يديه على الله والأخرى على الإنسان.

