COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
French
 

وَمْضَاتُ نُورٍ

اثنتان وخمسون عظة في مختلف موضوعات الكتاب المقدس

مقدمة

كرس القس اسكندر جديد حياته لخدمة المسيح، وقد أشرق رونق محبة الله ونعمته على وجهه، ففتح صبره واكتفاؤه وفرح الرب فيه قلوباً كثيرة لرسالة الرب التي قبلها وآمن بها، وشارك فيها سامعيه.

وفي 16 كانون الأول (ديسمبر) 1989 انتقل للأمجاد السماوية، وله من العمر ثمانون سنة، قضى منها أكثر من خمسين سنة في خدمة الرب. أما ما وعظ وكتب فلا زال يتكلم في كل قارات العالم بصوتٍ عالٍ ومسموع.

ويسعدنا أن نصدر هذه العظات الاثنتين والخمسين، من مئات العظات التي ألقاها، تكريماً لرجلٍ خدم الله، ورغبةً في أن ينتفع بها الكثيرون بعد موته، كما انتفع بها كثيرون من الذين سمعوها من فمه.

الناشر

أولاً - مواعظ في تمجيد الله

العظة - 1 «الله محبة» (1 يوحنا 4: 16)

عثر المنقبون عن الآثار في إحدى الخرائب على لوحة حجرية محطمة، فأجروا محاولة لجمع شظاياها وقراءة ما نقش فيها. وبكثير من الجهد توصلوا الى جمع حروف الكلمة الأولى وهي «الله» فراحوا يتساءلون عن مضمون العبارة التالية المفقودة: هل هي كلمة عادل، فتكون الجملة «الله عادل». أجل إن الله عادل، بل هو العدل نفسه. ولكن حين ننظر إلى الله من خلال العدل ترتعب قلوبنا لأننا خالفنا وصاياه، والعدل الإلهي يحكم علينا بالقصاص.

هل الكلمة المفقودة «قدوس»؟ والحق ان الله قدوس بل هو القداسة عينها، وإنما هذه الصفة تحملنا على الهرب من وجهه نظراً لنجاستنا. بقي ان نعرف الصفة التي تقرّبنا إلى الله، وفي ذات الوقت تكمل نص اللوحة.

«الله محبة» قال أحد المتسائلين متذكراً كلمة الرسول المغبوط يوحنا «الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه». قال الرسول بولس « أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة. هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة». لأنه مهما كان الإيمان والرجاء عظيمين فالمحبة أعظم. الايمان بدون المحبة بارد، والرجاء بدون المحبة عابس.

قال أحد الأتقياء: نحن مدعوون لنكون أقوياء في الإيمان، فرحين في الرجاء وكاملين في المحبة. وقد صارت لنا هذه الوصية: البسوا ترس الايمان وخوذة الرجاء، ولكن على جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال.

حين قال يسوع: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» كشف لنا عما في قلب الله من حب عجيب للانسان الساقط. لأنه أحب عالم البشرية الساقطة، ولم يحب عالم الملائكة الساقطين. وإنه لأمر عجيب أن يحب الله عالماً تافهاً كهذا، فيفتديه لنفسه!

صحيح ان كثيرين من عالم البشرية يهلكون، إلا أن الله ببذل ابنه الوحيد أكد بأنه يحب الجميع، لأنه بموت ابنه الكفاري على الصليب قدم للجميع عرضاً عاماً للخلاص. هكذا أحب الله العالم محبة لها طول الأبد، وفقاً لقوله: «محبة أبدية أحببتك، من أجل ذلك أدمت لك الرحمة». ولها عرض اللانهاية، بامتداد ذراعي المصلوب ليضم البشرية جمعاء إلى صدره في قُبْلة المصالحة. ولها عمق الأزل الذي لا يُحدّ، وإنما يُرى في اتضاع المسيح الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً في شِبْه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. ولها علوُّ السموات، لأنها رفعت المساكين والمنسحقي القلوب الى السماء ليسكنوا مع العلي ساكن الأبد!

الجبال تزول والآكام تتزعزع، أما إحساني فلا يزول وعهد سلامي لا يتزعزع، قال راحمك الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها، قال سليمان. انها محبة عجيبة بقدر ما الله عجيب في أبّوته للبشر، مما جعل يوحنا الرسول يقول متعجباً: «انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله! من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه».

فليكن اسم الرب مباركاً الى الأبد، لأن محبته تخطت الحواجز ونزلت الينا في يسوع المسيح ليصالحنا. ومن فرط غناها في الرأفة شاءت أن تجعل خلاصنا كاملاً، إذ يبدأ بالخليقة الجديدة ينمو من ملء المسيح ونعمة فوق نعمة، وينتهي الى كل ملء الله.

نسمع أحياناً طفلاً يقول لأمه: «ماما، أرني كم تحبينني» فتضمه الى صدرها في قبلة طويلة. أما نحن فحين نسأل الله كم يحبنا، يشير الى صليب ابنه ويقول: «ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه». وحينئذ يرتفع صوت إشعياء النبي قائلاً: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره شُفينا».

ويليه صوت بولس إذ قال: «الذي لم يشفق على ابنه بل بذله من أجلنا أجمعين». فإن كنت يا أخي لم ترَ محبة الله في الصليب، وإن كنت لم تدرك ما تقوله اليدان المثقوبتان بالمسامير، فالفرصة لم تزل سانحة لك لتسمع صوت ابن الله، الذي قال وهو على الصليب: «يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!» هذه الكلمة أذابت قلب اللص الذي صُلب إلى جوار الرب فقال: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك». وهي ما زالت تذيب قلوب كثيرين وتجذبهم الى صليب الرب:

تقول احدى ترانيمنا:

حب عظيم واسعٌ سامٍ يأتي بعاصٍ جاهلٍ مثلي
الى محبٍّ حبّه أفضى الى عذابِ الصلب من أجلي

نعم هذه محبة الله، وقد غفرت إثمنا وسترت خطيتنا وتبنَّتنا لله. وكيف لا نفرح ونهلل والكلمة الرسولية تقول إن المسيح لا يستحي أن يدعونا إخوة. وكيف لا نُسرّ ومحبة الله ترفرف فوق رؤوسنا وتضفي علينا شرفاً وكرامة. أو كما قالت عروس النشيد: «عَلَمه فوقي محبة».

المحبة لا تسقط أبداً، قال الرسول. صحيح إننا نمرّ أحياناً في ظروف غير ملائمة نعايش فيها المستهزئين، فيضعف ولاؤنا للرب، كما كانت الحال مع الابن الضال. ولكن لا توجد وسيلة ولا قوة تستطيع ان تحّوِل حب الله عنا.

كان مسيحي على فراش المرض وحوله نفر من الاخوة يصلّون لأجله، فقال أحدهم: يا رب اشفِ أخانا، فأنت تعلم كم هو يحبك. فقاطعه الأخ المريض قائلاً: لا تصلِّ هكذا يا أخي، لأن ليست محبتنا الضعيفة هي التي تعطينا نِعَم الله، بل حبه الكامل يعطينا كل شيء. فاستدرك المصلي وقال: اذن لأردّد طلبة الرسول بولس من أجل أهل تسالونيكي: «الرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وصبر المسيح».

فلنقل يا رب اهدِ قلوبنا إلى محبة الله وصبر المسيح. وحينما تلوح لنا الأشياء البراقة في هذا العالم ونشعر بالانجذاب إليها، أو حينما تتملقنا الخطية بشهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، أو حينما تهب عواصف الضيقات، أو حينما يصيبنا فشلٌ أو يأس - لنسأل الله أن يهدي قلوبنا الى محبة الله في صبر المسيح. حينئذ يؤيدنا الله ويعيننا ويعضدنا بيمين بره، ويُخرج ويُجري مثل النور برنا وحقنا مثل الظهيرة. وكم سيحلو لنا عندئذ التسليم الكامل لمشيئة الله الصالحة المرضية الكاملة. قائلين مع يوحنا الحبيب: «ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا». ومرنمين وقائلين:

فكيف أنسى حب ذا الفادي مَنْ مات مِنْ أجلي فأحياني
من أجل ذا يحبه قلبي فهو إذن رئيس إيماني

العظة - 2 «السموات تحدث بمجد الله» (مزمور 19: 1)

منذ أيام قليلة كنت ألقي نظرة على أوراق قديمة تحتوي مقتطفات من الصحف، وإذا بنظري يقع على نبأين مفاد أولهما ان مجلة التايم تزعم بأن الله قد مات، والثاني مفاده أن إذاعة موسكو تتحدى الله أن يُثبِت وجوده بصنع معجزة. قرأت هذين التجديفين فتألمت لصفاقة الانسان وغباوة قلبه. ولم ألبث ان تذكرت كلام الله في المزمور الرابع عشر: «قال الجاهل في قلبه: ليس إله!».

صحيح ان أبناء هذا الجيل قد أحرزوا تقدماً في مجالات العلم والاكتشاف، ولكن معظمهم «لم يستحسنوا أن يُبْقوا الله في معرفتهم، فأسلمهم الله إلى ذهنٍ مرفوضٍ، ليفعلوا ما لا يليق». فصرخت غباوتهم في الصحف والإذاعات بتجاديف على اسم الله. صدق القول الالهي: «ان شر الانسان قد كثُر في الأرض وإن تصّور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم». الشرير بشهوات نفسه يهين الله. الشرير حسب تشامخ أنفه يقول أن لا إله.

«العلم ينفخ» قال الرسول بولس، فعلماء ومفكرو عصرنا الذين غزوا الفضاء انتفخوا بنجاحاتهم. ولكن الانتفاخ شرٌّ كريه، وشرُّ ما فيه أنه يقود إلى الحماقة. وهل من حماقة أشد من هذه أن تنعى مجلة التايم الله الأزلي الأبدي خالق كل شيء، وأن تتحداه اذاعة موسكو وتطالبه بإثبات وجوده؟! مع العلم ان الله «عن كل واحد منا ليس بعيداً، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد». ولكن هذه الخطية الخاطئة جداً «أعمت أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة مجد انجيل المسيح». والشهوات الردية طمست على بصائرهم حتى لا يروا «أن السموات تحدّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه».

لينظر علماء هذا الجيل أقمارهم التي أرسلوها في الفضاء كيف تسقط الواحد تلو الآخر، ولما يمضي على إرساله سوى أشهر معدودة. أما الأقمار التي صنعها الله من بدء الخليقة فما زالت تدور في أفلاكها منذ ملايين السنين.

آه! أبناء هذا الدهر يطلبون آية، ولكن المسيح الذي كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان، يستهزئ بهم، ويردد في مسامعهم ما قاله لليهود قديماً: «جيل شرير وفاسق ويطلب آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الانسان في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال». هذه هي آية الله العظمى: قيامة ربنا يسوع المسيح من الأموات متحدياً الموت والهاوية.

فهذه الآية ما زالت تتكرر منذ عشرين قرناً كل يوم بقيامة الآفٍ من موتى الذنوب والخطايا ليسلكوا في جِدَّة الحياة. نعم هذه هي آية الآيات بالميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. بها يصير الكافر مؤمناً، والفاجر قديساً، والشرس حملاً وديعاً، واللص شريفاً، والقاتل إنساناً جديداً صانعاً سلاماً.

أعرف إنساناً كان إلى عهد قريب لا يمتّ إلى المسيح بصلة، تائهاً في الحياة، ضالاً في العالم، بلا مسيح، بلا إله، بلا رجاء في العالم. وكان ينحدر وينحدر الى الهاوية بخطى واسعة سريعة، ولكن فجأة حدث له أمر عجيب: واذا به يقف، ثم يخرج من جب الهلاك ويغتسل مما علق به من أدران الحمأة التي تردّى فيها. وإذا بالوجه المشّوه بالخطية يشعّ بإشراقة نورٍ ليس من هذا العالم، وإذا بالفم المجدف الحالف الكاذب يترنم قائلاً هللويا! «كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو».

إنه في لحظة في طرفة عين، عرف الحق والحق حرره من ربقة الباطل، وأرسله في حرية مجد أولاد الله.

كان ميتا ًًفي الذنوب والخطايا فأحياه الله مع المسيح «وأقامه معه وأجلسه في السمٰويات» هذه أعجوبة الدهر الفريدة! وهي تفوق بما لا يُقاس إرسال الأقمار والمركبات الى الفضاء، ولو كره المجدفون. ومع ذلك فأبواق التجديف «لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع». ان السماء تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلاماً، وليل إلى ليل يُبدي علماً.

صدق القول الإلهي: «ناظراً كثيراً ولا تلاحظ، مفتوح الأذنين ولا تسمع، شعب منهوب ومسلوب، قد أصطيد في الحفر كله، وفي بيوت الحبوس اختبأوا. صاروا سلباً للضلالات وليس من يقول: رُدّ».

أيها الصم اسمعوا! أيها العمي انظروا!

انظروا لتبصروا أن السمٰوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه.

خرج عالمنا من الحرب العالمية الثانية مقطع الأوصال مضرجاً بالدم. وبالرغم من وعود قادة الأمم والشعوب بإحقاق الحق، وإقامة دعائم السلم، وتوطيد العدالة الاجتماعية، فالعالم لم يستطع حل مشاكل ما قبل الحرب، ولا ما بعدها. بل ان الحالة تتردى أكثر فأكثر، والسبب هو ان البشر لم يتركوا حماقاتهم، فاحتجزتهم حماقاتهم في أهواء الهوان. والخطية الخاطئة جداً أفسدت الناس بفساد مزدوج: فساد الخُلُق وفساد التفكير. فكثر الإثم وبردت محبة الكثيرين، فتركوا الايمان المسلَّم مرة للقديسين، وابتعدوا عن حياة الله ليسلكوا بُبطل ذهنهم. وشر ما ابتلى به جيلنا هو عدد عديد من المفكرين العديمي النزاهة، الذين ابتدعوا آراء ماكرة لتغيير شكل الخطية وجعلها مقبولة لدى البسطاء من الناس. قالوا: ما دام الكذب لا يلحق ضرراً بصاحبه، بل أحياناً ينقذه من مآزق حرجة فلا بأس بممارسته.

ثم ارتاحوا الى الفكرة واذا بهم يقولون: هذا ليس كذباً، بل هو دهاء. وقالوا ما دام المسكر يفتح الشهية للطعام فأضراره الأدبية يمكن التغاضي عنها. ثم أُعجبوا بالفكرة، واذا بهم يقولون: هذه ليست مسكرات بل مشروبات روحية مستخرجة من العنب! وقالوا: ما دام المنكر والقمار يجذبان السياح فلنضع لهما نظاماً ولنسمّ أوكارهما بيوت ملاهي ودور ترفيه. وقالوا: هذا الذي يسميه الناس غشاً ما دام يؤمّن ربحاً جزيلاً فلنتجاوز عنه، وفقاً للمبدأ القائل: الغاية تبرر الواسطة. هذا ليس غشاً بل هو وسيلة شاطرة لزيادة الدخل.

مسكين عالمنا! «انه وُضع في الشرير» والشرير حبس عليه في الظلمة وأرسل أبالسته للاستحواذ على ألسنة وأقلام مفكريه. واذا بهؤلاء يصرخون في وجوهنا: أيها المؤمنون، أين هو إلهكم؟ ما باله لا يحرك ساكناً؟ لماذا لا يثبت وجوده ويصنع آية

يا لموتى الآثام!!! الشمس تشرق كل صباح، وتغرب كل مساء، وهي دليل على عظمة وقدرة وحكمة إلهنا وعنايته. فإن كان العمي لا يتمتعون بنورها فالخطأ يقع على عيونهم التي لا تبصر. الله نور وليس فيه ظلمة البتة، قال الرسول يوحنا، وهذا النور صار جسداً وحل بيننا. ولكن أبناء هذا العالم أحبوا الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. ولهذا قال النور المتجسد يسوع: «كل من يعمل السيئات يبغض النور، ولا يأتي الى النور لئلا تُوبَّخ أعماله».

يقال إننا نعيش في عصر الذرة الذي هو عصر النور. هذا الادّعاء كان ممكناً أن يصير حقيقة لو لم تسرع الخطية وتضع يدها على الذرة وتحولها الى أسلحة قتالة. وأسوأ ما في الأمر هو أن المتسلطين في العالم راحوا يتسابقون في تطوير الأسلحة الذرية وجعلها أشد فتكا وتدميراً. وهم في ذلك يصرفون مبالغ خيالية من الأموال بينما مئات من الملايين يعانون الجوع والمرض والعري. وليس من يسمع صرخة المسيح: «كنت جائعاً فما أطعمتموني. كنت مريضاً فما زرتموني. كنت عرياناً فما كسوتموني». ألا ما أتعس العلماء بدون الله! لأن النور الذي فيهم صار ظلاماً، والظلام الذي فيهم صار موتاً.

في حلكة هذا الظلام وفي غمرة هذه الموجة من الكفر التي غزت مجتمعاتنا، دُعيتم الى تأدية شهادة الملح والنور لتوبخوا أعمال الظلمة والفساد. أنتم ملح الأرض قال ربكم، فإن فسد الملح فبماذا يُملَّح؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُطرح خارجاً ويُداس من الناس. أنتم نور العالم. لا تُخفى مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت.

إن معظم حاملي اسم المسيح قد انحرفوا عن خط دعوة الله العليا في المسيح يسوع، فوضعوا نور المسيح تحت مكيال من سلوكهم الرديء. ولست بمبالغ إن قلتُ إن أكثرية الملحدين المجدفين على الله هم من أصل مسيحي. ومن هنا قامت الضرورة إلى شهود أمناء لإخراج نور الإنجيل من تحت المكيال ووضعه على المنارة. هؤلاء الشهود هم أنتم الذين فداهم الحمل وخلّصهم وقدسهم.

اذكروا وصيته القائلة «فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات».

العظة - 3 «الرب نوري وخلاصي، ممن أخاف؟» (مزمور 27: 1)

ما قرأت هذه الآية مرة إلا وامتلأت نفسي بالاطمئنان. واطمئناني هذا هو حاصل ثقتي الكاملة في الله، الذي هو نورٌ وخلاص لكل الذين يدعونه بالحق.

رسم فنان لوحة عنوانها «هدوء في قلب العاصفة» فصوَّر بحيرة متلاطمة الأمواج وفي وسطها صخرة كبيرة عالية. وفي تجويف بأعلى الصخرة عش جثم فيه عصفور، مستغرق في النوم. فزئير العاصفة حوله، وهدير الأمواج وقصف الرعود لم تستطع منعه من التمتع بإغفاءة ناعمة. كان هدوء العصفور مرتكزاً على وجود عشه في رأس تلك الصخرة، التي لا تستطيع أعتى الأعاصير أن تزعزعها.

هكذا من كانت طمأنينته مستندة على صخر الدهور ربنا يسوع المسيح، لا تستطيع اضطرابات هذا العالم ولا أرزاؤه أن تزعزع سلامه. هذه الحقيقة أوحت بالترنيمة المجيدة القائلة:

إنْ تطمُ حولي النائبات كاللجّ وسط البحر
يدُمْ سلامي في ثبات أساسه في الصخر

يقال إن داود نظم مزمور 27 حين كان جيش شاول الملك يطارده للقضاء عليه. ومع أن المطاردة كانت عنيفة حتى الموت فقد كان داود مطمئناً نتيجة اختباره لأمانة الله الذي اتكل عليه، فامتلأت نفسه بالفرح وراح ينشد: «الرب نوري وخلاصي، ممن أخاف؟ الرب حصن حياتي، ممن أرتعب؟ لما اقترب الأشرار ليأكلوا لحمي، مضايقيَّ وأعدائي عثروا وسقطوا».

فالرب الذي أسقط جليات الجبار في يده لم يتغير، ولم يزل هو هو، سنداً قوياً وحصناً متيناً لكل من يلتجئ اليه. كان يوم الشر موجوداً فعلاً، ولكن ثقته في الله كانت أقوى من اليوم الشرير. كان موقناً كل الإيقان أن الرب سيخبئه في مظلته يوم الشر. فقال: صرت كآبةً لكثيرين، أما أنت فملجأي القوي. أقول للرب ملجأي وحصني إلهي فأتكل عليه.

نحن نعيش في زمن مفعم بالخوف والخطر، لأن شبح الحرب مخيّم دوماً على الناس، ولهذا في المدن الكبرى لا تسمح البلديات لأحد أن يشيد بناء إلا إذا تعهد بإنشاء ملجأ تحت البناء، يصبح حين إنشائه تحت تصرف الدفاع المدني، لوقاية السكان أثناء الغارات الجوية. ولكن هذه الملاجئ مهما بلغت متانتها ليست ضماناً أكيداً للجميع، فقد تُصاب الأبنية بالقنابل الشديدة الانفجار مباشرة فتدمَّر كلياً. وقد لا يصل إليها الجميع في أثناء الغارة.

أما الملجأ الحصين، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، فهو ضمان أكيد في يوم الشر. قال كاتب سفر الأمثال 18 «اسم الرب برج حصين، يركض اليه الصديق ويتمنّع».

«الله لنا ملجأ وقوة عوناً في الضيقات وُجد شديداً. لذلك لا نخشى ولو تزعزعت الأرض ولو انقلبت الجبال الى قلب البحار».

كان سائح يتسلق احدى قمم جبال الألب الشامخة، ولما وصل الى مكان صخوره ملساء، خاف من السقوط. ولكن دليله مدّ يده وقال له: «لا تخف، فهذه اليد القوية ما اتكل عليها إنسان وهلك». فوثق السائح باليد الممدودة وتابع سيره باطمئنان وثقة كاملة. فإن كانت يد بشرية واثقة من قوتها ومرونتها تشيع الاطمئنان في قلب المتكل عليها، فكم بالحري تكون يد القدير التي لم تقصر عن أن تخلص مَنْ أوْلى بالثقة؟

لنذكر وعود الله المقطوعة لنا: «لا تخف لأني فديتك. دعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزتَ في المياه أنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك، وفي اللهيب فلا يحرقك. لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك، لأنه بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمي. لأنك قلت يا رب ملجأي، جعلت العليَّ مسكنك. إذا نزل عليَّ جيش لا يخاف قلبي»! ولو سئل: لماذا لا يخاف قلبك؟ لأجاب فوراً: لأني جعلتُ الرب متكلي، فهو عن يميني فلا أتزعزع. ترسي هو وقرن خلاصي. الرب ملجأي ومناصي.

فإن قال أحدنا: أنا خائف من جهة خطاياي، يقول له في اشعياء النبي: «هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج، وإن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف. أنا هو الماحي ذنوبك من أجل اسمي، وخطاياك لا أذكرها». وإن قال أنا خائف من الأخطار التي تهدد حياتي، يقول له في المزمور 103 «أنا أفدي من الحفرة حياتك». وإن قال: أنا خائف من جهة طعامي، يقول له المسيح: «أنتم أفضل من عصافير كثيرة. اتقوا الله يا قديسيه فليس عوزٌ لمتقيه. الأشبال احتاجت وجاعت أما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير». وان قال أنا خائف على مستقبلي، يقول له: «لا تخف. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية». وإن قال: أنا خائف من أعدائي، يقول له: «من يمسكم يمس حدقة عينه».

«بالرب تفتخر نفسي لأنه من كل مخاوفي أنقذني».

قيل إن الأمير بايارد كان يفتخر بأنه يستطيع أن يسند رأسه الى ركبة أي من رعاياه وينام مطمئناً. فقال له أحد أقربائه: «لك ان تفتخر بولاء رعاياك وتنام مطمئناً في حضن أي منهم. أما أنا ففخري بالرب الذي أستطيع أن أنام مطمئناً في حضن رعايته».

شكراً لله وألف شكر! فهذا الامتياز العظيم مُنح لكل واحد منا، لأن راعي النفوس وأسقفها قال: «من يُقبل إليَّ لا أخرجه خارجاً... تعالوا إليَّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم».

قد يستطيع العالم الشرير ان يبتلينا بالضيقات وأن يعاملنا أبناؤه بقسوة. ولكن لا توجد قوة ولا خليقة تقدر أن تسلبنا امتيازنا في المسيح. ولا أن تزيل رحمته المحيطة بنا، أو تستأصل محبته التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا.

قال الرسول بولس: «من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ فإني متيقن انه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، لا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا».

لنا إيمان أيها الإخوة، وإيماننا يغلب ويتزكى، لأن موضوع إيماننا هو المسيح، والمسيح قال: «في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم». ولنا رجاء ينتظر، وسينال ما يرجوه، لأن الله «ولدنا ثانية لرجاءٍ حي بقيامة يسوع من الأموات، لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السمٰوات لأجلنا».

ولنا محبة، والمحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج، لأنها تحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وتصبر على كل شيء وترجو كل شيء.

ويختم المرنم مزموره الرائع بالقول: «انتظر الرب. ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب. ما أحلى انتظار الرب، لأن منتظري الرب يجدّدون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون».

حين علت الأمواج على سفينة التلاميذ وهم في عرض البحر اضطربوا وجزعت قلوبهم. ولكن فيما الخوف يرعبهم اقترب يسوع منهم ماشياً على وجه الماء وقال: «لا تخافوا. أنا هو». ويا لها من كلمة تشيع الاطمئنان في النفس. وقد كتبت في الإنجيل حتى حين نتلوها نذكر أن الفادي الرب الذي انتهر العاصفة وأسكتها، هو أيضاً فادينا. وهو يستطيع أن ينتهر مخاوفنا ويُشيع السلام والطمأنينة في قلوبنا المؤمنة به. وهو يتمم وعده معنا كل الأيام الى انقضاء الدهر. لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار.

العظة - 4 «كلَّلْتَ السّنة بجودك» (مزمور 65: 11)

نهاية عام وبداية عام آخر تعني أننا مشينا خطوة أخرى في اتجاه الأبدية، ومن يدري؟ فقد تكون الأخيرة! فماذا أعددنا للرحلة العتيدة من هذه الدنيا الفانية؟ هذا سؤال نترك الجواب عليه لتقدير كل واحد منا!

قال المسيح: وكأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسلّمهم أمواله، فأعطى واحداً خمس وزنات، وآخر وزنتين، وآخر وزنة واحدة كل واحد حسب طاقته. وسافر. وبعد زمان طويل أتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم. فجاء الذي أخذ الخمس وزنات وقال: يا سيد خمس وزنات أعطيتني، هوذا خمس وزنات أخر ربحتها فوقها. فقال له سيده: نعمّاً أيها العبد الصالح والأمين، كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ادخل الى فرح سيدك. ثم جاء الذي أخذ الوزنتين، وقال: يا سيد، وزنتين سلمتني. هوذا وزنتان أخريان ربحتهما فوقهما. فقال له سيده: نعمّاً أيها العبد الصالح والأمين، كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل الى فرح سيدك. وأخيراً جاء الذي أخذ الوزنة الواحدة وقال: يا سيد عرفتُ أنك انسان قاسٍ، تحصد حيث لم تزرع وتجمع من حيث لم تبذر. فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض. هوذا الذي لك. فقال له سيده: أيها العبد الشرير والكسلان، عرفتَ أني أحصد حيث لم أزرع، وأجمع من حيث لم أبذر. فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة، فعند مجيئي كنت آخذ الذي لي مع ربا. خذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات، لأن كل من له يُعطى فيُزاد، ومن ليس له فالذي عنده يُؤخذ منه. والعبد البطال اطرحوه الى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان!

هل عرفت يا أخي انك مدعو لتقديم الحساب عن الوزنات التي تسلّمتها؟ والوزنة الأولى هي نفسك العزيزة التي هي هبة الله، فإن كنت قد دفنتها في توافه هذا العالم، أخشى ان تلاقي مصيراً رهيباً حين يدين الله سرائر الناس.

وقد تكون وزنتك الثانية أفراد عائلتك الذين تحبهم، فان كانت حياتنا معثرة لهم، أخشى أن تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله.

وقد تكون وزنتك الثالثة سني العمر التي عشتها، ولكنك أمضيتها معرّجاً بين يسوع والعالم.

كنتَ في الكنيسة قريباً من ملكوت الله ولكنك لم تدخله. أفلا تظن أن في هذا استهانةً بلطف الله وإمهاله وطول أناته. ومن يستهين بلطف الله وإمهاله وطول أناته يذخر لنفسه دينونة الله.

السنة الجديدة هي بالنسبة للطريق التي نسير عليها منعطف آخر، جديد، وراءه مناظر جديدة، تختلف عما رأيناه في العام الماضي. وقد تكون هذه السنة مليئة بصعوبات جديدة يجب أن نذللها بالكفاح مع الله. وقد تفتح أمامنا دروباً جديدة وعرة، يجب أن نسلكها. ولكن هذه نستطيع ان نسلكها دون تعثّر إن جعلنا الرب متكلنا وسلمنا كل شيء لإرادته الصالحة المرضية الكاملة.

وفي أي حال فالسنة الجديدة هي دعوة جديدة من الله لنكون أكثر قرباً منه وأكثر طهارة، وأكثر براً، وأكثر حقاً، وأكثر وفاءً، وأكثر أمانةً، وأكثر اعترافاً بفضل الله الذي دعانا دعوة مقدسة.

نقرأ في الرسالة الى كولوسي: «فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً، ومسامحين بعضكم بعضاً. وعلى هذه جميعها البسوا المحبة التي هي رباط الكمال، وليملك في قلوبكم سلام الله الذي اليه دُعيتم في جسد واحد، وكونوا شاكرين».

فلنحمل هذه الآيات العزيزة دستوراً لحياتنا في السنة الجديدة. فنشكر المنعم الجواد على حسناته الكثيرة الينا في العام الماضي. ونشكره على حسناته الجزيلة التي نتوقعها في العام الجديد.

كان الرسول بولس شكوراً، وكان الشعار الذي أطلقه من السجن: «كونوا شاكرين كل حين على كل شيء في اسم ربنا يسوع». فلنحمل الشعار الذي أطلقه الرسول الكريم مهما كانت الحال صعبة.

قيل إن أرملة فقيرة لم يكن لها ولولديها الصغيرين أسرّة يضطجعون عليها ولا أغطية دافئة يتدثرون بها. مما حملها في ليلة عاصفة شديدة البرد على خلع باب القبو ووضعه أمام الزاوية التي قبعت فيها مع الولدين لتردّ مجرى الهواء البارد. وفيما هي تشكو دهرها، قال لها أحد الولدين: ماما يجب أن نشكر الله لأن لنا باب قبوٍ يردّ عنا الهواء البارد. وأن نصلي من أجل الذين ليس لهم باب قبو! فهذا الولد مع فقره وبؤسه، وجد سبباً يستوجب الشكر، فكم بالحري نحن الذين لنا كل ما يلزم للراحة، يجب أن نشكر؟!

«باركي يا نفسي الرب وكل في ما باطني ليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته، الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك، الذي يفدي من الحفرة حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة، الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك». فلنقتد بالمرنم الحلو، ولنبارك اسم إلهنا ولنقدم له قلوبنا ذبائح شكر.

صحيح ان قلوبنا قاسية والى حد ما دنسة، ولكن الرب يسوع يستطيع ان يلينها بصب زيت الروح القدس، ويطهرها بدمه المبارك من كل إثم. فلننْحَنِ عند قدميه متواضعين وسائلين أن يكمل عمله الصالح في حياتنا.

نعم أيها الأعزاء، إننا في مناسبة تستدعينا أن نقدم الشكر، حتى إذا تلبَّد أفق حياتنا بغيوم الكآبة لا ننحني متذمرين. بل بالحري نردد بركات الرب شاكرين. وحين نترنح على المنحدر تحت ثقل الصليب لا نئن مدمدمين. وحين ينتابنا مصاب لا نحزن كالباقين الذين لا رجاء لهم، بل نذكر ذاك الذي أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها.

علق أحد الافاضل على قول بولس: «اشكروا كل حين على كل شيء» فقال: ان كان الترنيم خير معبر عن الفرح الذي يغمر القلب، فان الشكر من أظهر الأدلة على أن الإنسان مؤمن حقاً، وانه عرف المسيح وذاق حلاوة خلاصه.

فالشكر كان ملازماً للمسيح في كل أدوار حياته وخصوصاً حين كان يتحفَّز للقيام بعمل خطير. فأمام قبر لعازر وقف شاكراً، وفي الليلة التي أسلم فيها شكر على الكأس التي ترمز الى دمه. فإن كان فادينا شكر لأجل كأس الآلام والموت، أفلا يجدر بنا أن نشكر ونشكر من أجل كأس الخلاص؟ أجل يجب أن نشكر الله على كل شيء، على أشواك الحياة كما على ورودها. وأن نحمده على دموع الفشل، كما على ابتسامة النجاح. لنشكره على كل شيء يختاره لنا، لأن ما يختاره لنا خيرٌ مما نختاره نحن لأنفسنا. لنشكره ما دام لنا لسان يستطيع القول: نشكرك أيها الآب لأجل جميع حسناتك.

إن أردنا السير وراء المسيح، والتشبُّه به في لطفه، والتحلي بوداعته وطول أناته، وإن أردنا أن نمتلئ من حبه، فلنمارس الشكر. إن فعلنا هذا لا بد ان تهبّ علينا نسمة معطرة بالفرح في الروح القدس. كم هو جميل ورائع ان ندخل السنة بالفرح المتعبد وفقاً للوصية القائلة: «اعبدوا الرب بفرح، ادخلوا إلى حضرته بترنم».

ثانياً - مواعظ في وصايا الله

العظة - 5 «كم أحببتُ شريعتك. اليوم كله هي لهجي» (مزمور 119: 97)

الكتاب المقدس رسالة السلام. ولا غرو فالكتاب الإلهي يقدم للعالم يسوع المسيح رئيس السلام، وقد جاء في آياته البينات «سلام، سلام للبعيد وللقريب. قال الرب: سأشفيه». وقال عن الكارزين به: «ما أجمل على الجبال أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات المخبرين بالخلاص». إنه كلمة الحق التي تُحكِّم للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. انه رسالة البر الذي يعقبه سلام الله الذي يفوق كل عقل، كما هو مكتوب فيه: «فإذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح».

فيه الطريق التي تؤدي بنا إلى الفادي الرب ليردّنا إلى سُبل البر من أجل اسمه. وفيه جاءت البشرى أن الرب يعطي عزاً لشعبه، الرب يبارك شعبه بالسلام. الرب يتكلم بسلامٍ لشعبه ولأتقيائه. وقد قال له المجد: «سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا». انه الكتاب الوحيد، الذي يناسب جميع البشر، لا فرق يبن جنس أو لسان أو لون. يجد الجميع في نصوصه حاجتهم الروحية، إذ يقودهم الى ما هو لسلامهم. إنه يناسب إنسان عصر الذرة كما ناسب من تقدموه في كل العصور، لأن فيه التعليم الإلهي الذي يرفع مستوى البشر روحياً وأدبياً واجتماعياً. ويجعل من كل إنسان يقبله إنساناً نزيهاً صانعاً سلاماً يحب قريبه كنفسه ويحب عدوه كقريبه. وفيه الأخبار السارة عن حب الله العجيب للإنسان. وقد ظهر هذا الحب فعلاً بارتفاع يسوع على الصليب، لفداء الإنسانية من إثم وقصاص الخطية. وفيه يتكلم الله إلى قلب كل إنسان، لا فرق بين عالمٍ وجاهل، قوي وضعيف رفيع ووضيع.

إنه يناسب السود من ساكني الأدغال، إذ سرعان ما ينقلهم من حال الوحشية الى المدنية. كما صار في قبائل الباروتزو أكلة لحوم البشر. فهؤلاء إذ كانوا مظلمي القلوب والأفكار، بعيدين عن حياة الله، نقلهم إلى إنارة مجد المسيح. وسرعان ما نبذوا السحر وأعمال الشعوذة وأبطلوا الولائم التي كان لحم الانسان يُقدَّم فيها. وناسب الكتاب العزيز الصُّفر من سكان جزر الباسفيك، فنقلهم من ظلمة الوثنية وأرجاسها الى نور المسيحية وطهارتها. وترك قنّاصوهم عادة صيد الناس من القبائل الاخرى لنحرهم على مذبح الآلهة كضحايا، ثم التهام لحومهم. ويناسب الكتاب الكريم الشعوب التي لم تستطع حضارتها القديمة رفع مستواها الخلقي.

ففي الصين وبخ الكنفوشيوسية التي تحتقر المرأة وتجعلها متاعاً للرجل، وأدان البوذية والبرهمية اللتين تمارسان البغاء الهيكلي، بتقديم فتيات قاصرات تحت اسم زوجات الآلهة. وهو يناسب الأبيض المتمدن لأنه يعلمه المدنية الحقيقية التي تعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ويشيع في كل بلد الديمقراطية الصحيحة التي أساسها القاعدة الذهبية القائلة: «كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا أنتم هكذا أيضاً بهم».

منذ ما يقرب من الخمسين عاماً مرَّ مبشر بجزيرة أوكيناوا وأقام أياماً قليلة في قرية شيما بوكو البالغ عدد سكانها ألف نسمة. وخلال اقامته القصيرة، تجدّد شخصان هما ماموار، حاكم القرية وشوسي كينا، ناظر مدرستها. فعلّمهما المبشر ترنيمتين مطلع الأولى «تّوِجوه ملكاً» ومطلع الثانية «اسمٌ عزيزٌ قد سما» وقبل انصرافه أعطى كلاً منهما كتاباً مقدساً باللغة اليابانية، وطلب إليهما أن يسلكا بحسب تعاليمه. فدرسا الكتاب المقدس معاً ووجدا في شخص يسوع المثال الذي يُحتذى به، فتبعا خطواته وجعلا الوصايا العشر قانوناً مدنياً للقرية، ومن العظة على الجبل دليلاً للسلوك الاجتماعي. وفي المدرسة استعمل الناظر الكتاب الالهي ككتاب قراءة للتلاميذ يتناقلونه من يد إلى يد. وفي مجال العدل جعل الحاكم أحكام الكتاب العزيز مصدراً للتشريع. أما الأهالي فقد أخذوا منه أفكارهم عن الكرامة والحقوق والواجبات الاجتماعية. ونجم عن كل ذلك، أنه منذ ذلك الحين أُغلق باب السجن، وأَقفرت الخمّارة، وهُجر بيت الفسق وبطل الطلاق. وهكذا أحدث الكتاب المقدس في تلك القرية ديموقراطية تحسدها عليها أرقى شعوب العالم.

وقد قيل إن صحفياً أمريكياً، مرَّ في تلك القرية خلال الحرب العالمية الثانية فشاهد أهل القرية مجتمعين في بيت العبادة. وبينما هو يتأمل بساطة العابدين وهم يرنمون، لاحظ وجود ثقب أحدثته شظية قنبلة في جدار البناء خلال المعارك التي حصلت هناك. فقال لمرافقه: إن كان هذا ما يفعله الكتاب المقدس بواسطة رجلين أرادا أن يعيشا مثل يسوع، فلقد أخطأت امريكا في اختيار السلاح لأجل إصلاح العالم. هذا هو كتاب الله أيها الأحباء، إنه كتاب الكتب بلا منازع. قال الرئيس أيزنهاور: «قراءة الكتاب المقدس معناها القيام برحلة الى أرض جميلة فيها تتقوى الروح». وقال شاعر فرنسا الكبير فيكتور هيجو للمسؤولين في بلده: «يا ليتكم تزرعون فرنسا كتباً مقدسة، فتضعون نسخة في كل بيت».

وفوق كل شيء فلكتاب الله خصائص ينفرد بها دون كتب البشر، فهو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر. ليكون إنسان الله كاملاً متأهّباً لكل عمل صالح.

وجاء في الرسالة الى العبرانيين: «إن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدين، وخارقة الى مفارق النفس، ومميّزة أفكار القلب ونيّاته. إنها تخاطب القلب وتهز الوجدان وتُقنع المرء بأن الحاجة إلى واحد، الى يسوع، الذي ليس بأحدٍ غيره الخلاص».

يخبرنا الإنجيل أن تاجراً باع كل ممتلكاته واشترى حقلاً فيه كنز ثمين، وبهذا دلّ على حكمة وفطنة. وأنتَ وأنتِ تصبحان أحكم منه إن اقتنيتما الكتاب المقدس، الذي هو أثمن من كنوز العالم مجتمعة. لاحظوا أن اقتناءه لا يكلف أحداً أن يبيع ممتلكاته. قاطع التدخين يومين يتوفر عندك المبلغ الكافي لشرائه. امتنعي عن السينما مرتين توفرين عندك المبلغ الكافي لشراء نسختك. ليتك تفعلين فتربحي بركة عظيمة لك ولأهل بيتك. إن الذي عنده كتاب مقدس طوباه إن هو قرأه وسلك بموجبه.

في القديم كان ملك حكيم جداً، وهو داود بن يسىّ، يعكف على تلاوة كلمة الله فقال: «كم أحببت شريعتك، اليوم كله هي لهجي. صارت فرائضك لي ترنيمات. شريعة فمك خيرٌ لي من ألوف ذهب وفضة».

كتبت الأديبة اللبنانية سلمى صائغ: «لابنتي عايدة، أُوصي أن تظلي في الطريق التي رسمها يسوع، وأن تقرأي العظة على الجبل مرة في كل أسبوع».

إن المؤمن المبارك هو من قامت الألفة بينه وبين كتابه المقدس، بحيث يقرأ كل يوم ما تيسَّر منه. بذلك يؤمِّن لنفسه القوت الروحي اليومي، لأنه كما قال الرب يسوع: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله».

العظة - 6 «البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية» (أمثال 14: 34)

الخطية عار وخزي ونجاسة. إنها إثم كبير يجعل الكثيرين ينفرون من مجرد التلفظ بكلمة خطية. ومع ذلك فبعض المفكرين يعيبون على المسيحية قولها: «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله». وحجتهم في ذلك أن هذا القول يسبّب شعوراً بالإثم عند الأبرياء.

فهل نفهم من هذا القول إن المسيحية تتجنّى على الناس وتصفهم بما ليس فيهم؟ أم انها تقول الحقيقة بلا مواربة؟ وإلا ما معنى قول إشعياء النبي: «كلُّنا كغنم ضللنا، مِلْنا كل واحد إلى طريقه»؟ وما معنى اعتراف داود: «هئنذا بالإثم صُوِّرت وبالخطية حبلت بي أمي»؟ وما معنى صرخة بولس: «صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول، إن المسيح جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة الذين أوّلهم أنا»؟

وهل بين الناس أبرياء بالمعنى الصحيح للكلمة بر؟ أنا لا أعتقد ذلك، وأساس اعتقادي قول كلمة الله: «الرب أشرف من السماء على بني البشر لينظر: هل من فاهم طالب الله؟ الكل زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً. ليس ولا واحد». قد يقف أحدهم ويقول رويدكم في الحكم على الخطية لأنها غلطة عابرة يمكن إصلاحها بالتهذيب لا بالتوبيخ. ولكن الخطية ليست غلطة عابرة، بل حالة فساد في القلب والفكر، وهي تحتاج إلى علاج أكثر فاعلية من التهذيب الذي يمارسه الناس. ولماذا لا نعترف بالحقيقة ونقول إن الخطية انحطاط أدبي يقود إلى الموت الروحي؟

قال سليمان الحكيم: «الشرير تأخذه آثامه وبحبال الخطية يُمسَك». إنه يموت من عدم الأدب وبفرط حمقه يتهور. علَّمنا بولس من اختباره الشخصي أن الخطية تخدع وتقتل. وقال الرسول يعقوب إن الخطية إذا كملت تنتج موتاً. وهنا يعترضنا سؤال مهم: ما تأثير الخطية على جسد الانسان؟ والجواب: إن الخطية حين تتغلغل في حياة الإنسان تشّوه كل شيء فيه: سلوكه، تصرفاته، لغته، حتى معالم وجهه.

حين شرع الرسام النابغة ليوناردو دافنشي برسم لوحته الشهيرة «العشاء الرباني» احتاج إلى رجل ذي جمال وجلال فائقين لينقل عن ملامحه صورة تمثل المسيح. وبعد بحث دام عدة أشهر وجد مطلبه في مرنم بإحدى الكنائس اسمه بطرس بنديللي. وبعد فترة من الزمن احتاج إلى نموذج البشاعة لرسم صورة يهوذا الإسخريوطي، فراح ثانية يفتش في شوارع عن سحنة توافق موضوعه. وبعد بحث طويل وجد بغيته في متسوّل رثّ الثياب له سحنة شيطانية. وبعد الاتفاق معه ذهب به إلى مرسمه. ولشد ما اندهش حين علم أن المتسول لم يكن إلا بطرس بنديللي نفسه. وانما الخطية شوَّهت جماله من صورة يسوع إلى صورة يهوذا الخائن. وشرّ ما في الخطية هو أنها تعطل الحواس الأدبية عند ممارسها فيكره الخير ويحب الشر.

هكذا قال ربنا يسوع: «من يفعل السيئات يبغض النور ولا يأتي الى النور، لئلا تُوبَّخ أعماله». الخطية خاطئة وعاقبتها الموت الروحي. كما هو مكتوب النفس التي تخطئ هي تموت. والخطية بالنسبة لأثرها السيء في مركز فاعلها اجتماعياً تسمى شراً، لأنها تلحق الأذى بالغير. وسُميت اعوجاجاً لأنها ضد الاستقامة، وسُميت فساداً لأنها ضد النزاهة. أما بالنسبة لأثرها السيء في اتجاه الله فتُسمى نجاسة لأن الخاطئ يتمرغ في حمأة الرذيلة الدنسة التي هي مكرهة الرب. وهي تفصله عن الله، وفقاً للقول الإلهي: «آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم حتى لا يسمع».

ومن ناحية أخرى أثرها في التزامات الانسان الأدبية تسمى زيفاً وخداعاً، لأن فاعلها يخدع ويغش ويكذب في معاملاته. وقد وصف إشعياء حالة الإنسان من هذه الناحية فقال: «لأنكم قلتم السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا، لأننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغش استترنا». ومن ناحية أخرى أثرها في مركز الإنسان العقلي، فهي الجهل وبُطل الذهن، وفقاً لقول بولس في وصف الخطاة: «إذ هم مظلمو الفكر ومتجنّبون عن حياة الله بسبب الجهل الذي فيهم». هذه هي الخطية وتِلْكم أضراراها بانتظار أجرتها التي هو الموت، لأن الكتاب يقول إن أجرة الخطية موت. ومع ان الناس يعرفون أضرار الخطية فهم يقعون فريسة سهلة في براثنها.

ذكر المؤرخون عن عظماء طروادة انهم قرروا في مجلس شورى لهم طرد هيلانة العاهرة التي نجست مدينتهم. ولكن ما ان مثلت أمامهم حتى أُخذوا بجمالها الباهر وكلامها المعسول وسبت قلوبهم فغيَّروا رأيهم وأبقوها. وفي إبقائها تم خرابهم في حرب طاحنة مع ملوك اليونان الذين جاءوا لاستردادها.

إن تاريخ الخطية حافل بالمآسي، فهي منذ البدء تتملق الإنسان وتسلب لبّه بالمتع الجسدية وتشبع غروره. ولكنها في الآخر تتقاضاه ثمناً باهظاً إذ تؤدي به الى الهلاك. تعهدت لآدم وحواء بأمجاد المعرفة التي تجعلهما مثل الله، ولكنها عند الحساب كلفتهما الطرد من فردوس عدن، ثم الشقاء على الأرض التي لُعنت بسبب عصيانهما.

وتراءت لقايين بلذة سفك الدم على مذبح الحسد الحاقد حتى الموت. ولكنها عند الحساب أوقعته تحت طائل غضب الله، فهام على وجهه ملعوناً مطارداً من دم هابيل الذي صرخ إلى الله طالباً النقمة. وجذبت عيسو في لذة الطعام، فباع بكوريته بأكلة عدس. لكنه عند الحساب حُسب مستبيحاً، ولما أراد أن يرث البركة رُفض، إذْ لم يجد مكاناً للتوبة، مع أنه طلبها بدموع.

وتملَّقت شاول بن قيس الذي مُسح ملكاً بشهوة الاستكبار، فانجذب وانخدع من شهوته وحاد عن وصايا الله. ولكن عند الحساب تقاضت الخطية ثمناً باهظاً من فَقْد عقله، ثم من هزيمة جيشه فموته ميتة العار. ومثله أخآب الملك الكبير الذي سبته الخطية على يدي امرأته إيزابيل الفاجرة التي صرفته عن عبادة الله الحي إلى عبادة البعل، فسقط في موت فاجع ولحست الكلاب دمه.

في الأصحاح السابع من رسالته الى أهل رومية شرح بولس الطريقة التي بها تسبي الخطية الإنسان:

1 - تتخذ فرصةً بالوصية لتنشئ الشهوة: «فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشْتَه». وهكذا تقول الأمثال السائرة: كل ممنوع مرغوب، أحب شيء عند الإنسان ما صنع.

2 - تشل الإرادة: «لست أعرف ما أنا أفعله اذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل». أي ان الخطية الخاطئة جداً توقع الإنسان في الذهن المرفوض فيخطئ محكوماً عليه من نفسه. هو لا يجهل الصلاح، وهو يقرّ أعمال البر، ولكنه مغلوب على أمره، ولهذا حين يريد أن يفعل الحُسنى يجد الشر حاضراً عنده. انه يرى شناعة الخطية، ويعترف بجمال القداسة، ولكنه حين يبغي عمل الصالح يصطدم بناموس الشرّ، الذي يحارب ذهنه ليصرفه عن كل فكرة صالحة، ويسبيه الى ناموس الخطية والموت. لأنه مُستعبَد. قال الرب يسوع: «الحق الحق أقول لكم إن من يفعل الخطية فهو عبد للخطية». قال أحد الأتقياء: «إن أشد أنواع الذنوب شراً هو ما استهان به صاحبه. فالقائل لأخيه يا أحمق يستوجب نار جهنم، والقاتل لا ينال عقاباً أشر!». قال الرسول يوحنا: «الخطية هي التعدي». التعدي على حدود الله بقطع النظر عن ضخامتها. فالشتامون والحالفون والسكيرون يساويهم الله بالزناة والخاطفين والظالمين، الذين قال الرسول إنهم لا يرثون ملكوت الله.

قال رجل الله هدسن تايلور: «ليست هناك خطية صغيرة طالما هي ضد الله». ففظاعة الخطية ليست في كبرها أو صغرها، وانما فظاعتها في كونها حالة فساد للإرادة البشرية. انها كنقطة الستركينين، إذا وضعت في جرة ماء تحوّل الماء إلى سم زعاف.

يا ليت المستهين بالخطية يلتفت إلى الجلجثة ويتفرس في المصلوب، ليرى ماذا فعلت الخطية بالقدوس الحق وهو يرفع خطية العالم. ومن يدري عندئذ، إن كان هذا المستهين لا يستفظع شر ما فعل، ويصرخ مع داود: «ارحمني يا الله كعظيم رحمتك!» الحمد لله! فمقابل الخطية عند الإنسان يوجد خلاص عند الله. هناك مخلّص قال الله إنه يسحق رأس الشيطان، حية جهنم، ويخلص الإنسان من خطاياه.

وهذا المخلّص جاء فعلاً عند ملء الزمان مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين هم تحت الناموس، لننال التبني. وهذا المخلّص أخذ حكم الدينونة نيابة عن كل من يؤمن به، فتم القول النبوي: «وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا». وهذا المخلص الإلهي حين رآه آخر أنبياء العهد القديم أشار اليه قائلا: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم». وهذا المخلص الإلهي، قال: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية».

وإنما هذا الخلاص يقتضينا شيئاً ما: لا تخافوا، لا مال ولا قرابين ولا زيارة أماكن مقدسة، ولا نذورات، فقط يقتضينا توبة. أن نتوب عن خطايانا. قال الرسول: ان الله يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا متغاضياً عن أزمنة الجهل. وبعد التوبة يقتضينا سلوكاً في النور، لأن الرسول يقول: «إن سلكنا في النور كما هو في النور يكون لنا شركة بعضنا مع بعض، ودم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية».

ثالثاً - مواعظ في التوبة

العظة - 7 «ويل لي! إني هلكت!» (اشعياء 6: 5)

في أحد الأيام كان إشعياء النبي في هيكل الرب، ولم يخطر في باله أن تلك الساعة ستكون حاسمة في حياته، وأن عنصراً جديداً سوف يدخل في خدمته كنبي العلي. كان في بيت الله، أمام المذبح الذي تُقدم عليه ذبيحة المساء، وعلى جانبي قدس الهيكل اصطفت فرقة اللاويين، يرنمون على أنغام الآلات الموسيقية الداودية.

في هذا الجو المشبَّع بالخشوع دخل إشعياء في تأملاته. ولا يدري أحد ما كان يدور في خاطره. ولكن يمكننا أن نخمن انه لم ينشغل بما في الهيكل من أبّهة، ولا بالأصوات التي كان يسمعها، ولا بجماهير العابدين الذين غص بهم الهيكل المقدس. ولكنه أُخذ في رؤيا فرأى السيد الرب جالساً على كرسي عالٍ وأذياله تملأ الهيكل. ورأى السرافيم يسبحونه قائلين: «قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود مجده ملء كل الأرض». وفي لحظة اندمج بالرؤيا المجيدة. ولكن إذ قارن نفسه بأولئك السرافيم، الذين سبحوا بشفاه طاهرة تبكَّت جداً، لأن حضور مجد الله أنار عيني ذهنه فرأى نجاسته، ولم يلبث أن صرخ: «ويل لي! إني هلكت، لأني نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود».

بعد وفاة عزيا الملك تدهور الشعب خلقياً. فحياة البذخ والترف أفسدت القلوب وأبعدتها عن الله، حتى أن سكان مدينة أورشليم رجالاً ونساء أُخذوا ببهارج المدنيّة الزائفة فانساقوا بتيارات الشهوات واستسلموا الى أهواء الهوان. وكذلك القادة انجرفوا بتيار الطمع ومحبة المال التي هي أصل لكل الشرور، فعمّ الفساد واستشرى الفجور.

ولهذا كان ضرورياً أن يقيم الله شهوداً أمناء كإشعياء ليعلنوا الحق. ولكن قبل أن يرسله الله بشيراً ونذيراً الى ذلك الشعب المعّوج والملتوي، وجب أن يجرده من كل ما لا يليق برجل الله، ليدعو الناس الى التوبة.

وعظتُ ذات مرة في جماعة من الناس. وشاء الرب أن تعمل الكلمة في قلب سيدة فتحرك ضميرها. وفي ختام الاجتماع قالت: «آه! لو أن أبي أسمعني شيئاً كهذا في حداثتي، لكنتُ غير ما أنا عليه من ضعف روحي». لعل كثيرين من الأبناء سيقولون ما قالته تلك السيدة، فليْتَ الرب يحرك ضمائر الآباء في كل بلد فيعيدوا النظر في تربية أولادهم الذين يحبونهم. وليت كل أب يتمسك بالامتياز الذي له، ليس فقط أن يكون عائلاً لبيته بل كاهناً أيضاً. ولكن قبل أن يصير أحدنا ما يريد يجب أولاً أن يتطهر من كل دنس، وفقاً لدعوة الله القائلة: «تطهروا يا حاملي آنية الرب». وقبل كل شيء أن نتضع قدام الرب، فنرتمي في التراب لأنه بنسبة استعدادنا للنزول يرفعنا الله، وفقاً لقول المسيح: «من يضع نفسه يرتفع». وفي اعتقادي أن الدعوة الإلهية تستلزمنا الاقتناع بثلاث حقائق:

1 - بحقارتنا: «ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين».

قد تندهش من هذا الاعتراف الصارخ، لأننا حين نقرأ الفصل الخامس من نبوته، ندرك أن هذا النبي كان يمارس خدمته النبوية بغيرة شديدة. ومع ذلك فهذا القديس الذي كان يبدو أطهر رجل في اسرائيل، هو نفسه نزل الى حضيض التواضع. كم يحتاج الأتقياء في زمننا أن يتعلموا هذا الدرس من رجل الله إشعياء، فينكسرون أمام الله، ويعترفون بعدم لياقتهم. هكذا فعل داود، إذ قال: «لأني عارف بمعاصيَّ وخطيتي أمامي دائماً». وهكذا فعل بولس إذ قال: «صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول: أن المسيح جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا».

خدم إشعياء بغيرة شديدة، ولكن الله إذ رآه قادراً على خدمة أفضل، أقنعه بحقارة خدمته الماضية. هذا الاختبار جازه رسول الأمم بولس وقال: «إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتدّ إلى ما هو قدام». ربما قد تركت لك سمعة طيبة، وهذا شيء جميل. ولعلك صرفت سنيناً عديدةً من حياتك في خدمة الكنيسة، وخدمة المجتمع. خدمت المرضى والمساكين والضالين فنلت تقدير الناس. ولكن الله يريد لك خدمة أمجد. يريد ان تنسى ما هو وراء وتمتد الى ما هو قدام. يريد ان يملأك بالروح القدس، الذي يرشدك الى جميع الحق.

في الهيكل رأى اشعياء الملائكة يدعو أحدهم الآخر للتعبد لله، قائلاً: «قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود مجده ملء كل الأرض». فكم هو حلو ورائع أن نتعلم الدرس من ملائكة الله، فندعو أهلنا وأصدقاءنا للحضور الى بيت الله، بدلاً من أن يصرفوا يوم الرب العظيم في مشغوليات هذا الدهر، التي تُضعف غيرتهم للرب ولبيته المقدس.

في أثناء ممارستي الخدمة الرعوية في لبنان، علمت أن سيدة لم تدخل الكنيسة منذ أمدٍ بعيد، لأنها خصصت يوم الأحد لتنظيف البيت ورتق الثياب. فقلت لها: «لديك ستة أيام في الأسبوع للعمل، ويوم واحد للراحة والاشتراك مع شعب الله في العبادة. فلا تتركي ابليس يعيقك عن الذهاب الى بيت الله. لا بتنظيف البيت ولا برتق الثياب. فعدو الخير عمله ان يزين لربات المنازل عدم الذهاب الى بيت الله بإقناعهنّ بأن للأعمال المنزلية قيمة لا تقل عن قيمة الصلاة». هذا كذب هذا بهتان! قال المسيح عن ابليس: «ذاك كان قتّالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق... متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب». هناك بركة في عبادة الجماعة وابليس يريد ان يحرمك منها فارفضي مشورته.

2 - الاقتناع بأن الله قريب منا: ورد في تسبيحة السرافيم: «مجده ملء كل الأرض». قد يظن البعض ان هناك أمكنة لا يليق بجلال الله أن يتواجد فيها، ومع ذلك فقد قال السرافيم في محضر الله أن مجده ملء كل الأرض. وهذا ما لا يراه إلا ذو القلب النقي. قال المسيح: «طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله». وكل إنسان يعمر قلبه بالإيمان يستطيع أن يرى مجد الله في كل مكان.

تأكد أن الترانيم التي ترنّ بها أصواتنا دليل على وجود الله معنا، لأن الترنيم دليل الفرح والفرح من ثمار الروح القدس. وكذلك اصغاؤنا الى كلمة الله دليل على وجوده معنا متكلما الى قلوبنا بكلمته التي هي روح وحياة. وهو يتواجد في كل اجتماع ينعقد باسمه، بدليل قوله: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم».

3 - الاقتناع بحاجتنا الى التوبة والتطهير من خطايانا: بعد أن اقتنع إشعياء بخطيته وأطلق صرخة التائب، طار الملاك وأتى بجمرة من على مذبح الله ومس بها شفتيه ثم قال له: «هذه مسّت شفتيك فانتُزع إثمك وكُفِرّ عن خطيتك». الجمرة من على مذبح الله تمثل شيئين: الدم والنار. ونحن بحاجة الى كلتيهما للتطهير من خطايانا وتقديس حياتنا.

قال الرسول يوحنا: «إن سلكنا في النور كما هو في النور، فلنا شركة بعضنا مع بعض. ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية». وقال كاتب الرسالة الى العبرانيين: «وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة». فلنهرع الى حمل الله، الذي سفك دمه ليطهرنا من خطايانا.

لا تخف من أن تُحسَب متجاسراً في قدومك إلى يسوع، لأن يسوع محبة، ومن أجل محبته الكثيرة، لنضرم نار المحبة في قلوبنا، لتصبح محبتنا من نار لظى الرب.. كل مؤمن بيسوع يذكر يوم تجديده بكلمة الله وروحه القدوس. ولكن بسبب إهمال تزكية محبته خمدت وخبت جذوتها تحت الرماد، وهذا ما عبر عنه يسوع بترك المحبة الأولى، اذ قال: «اكتب يا يوحنا الى ملاك كنيسة أفسس: عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى. فانظر من أين سقطت وتُبْ، واعمل أعمالك الأولى».

لنقرّ بفتورنا الروحي الذي هو علة ضعف محبتنا، وليت الرب يرسل جمرةً من على مذبحه الى كل قلب، والى كل فم والى كل حياة.

العظة - 8 «أطلب الضال، وأسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح» (حزقيال 34: 16)

هذه الكلمات ترسم لنا صورة رائعة للرب الراعي كما ظهرت في رؤى الأنبياء والرسل. ففي تكوين 49 نقرأ عن الراعي صخر إسرائيل الذي يعين شعبه، ويبارك ببركات السماء من فوق. وفي المزمور 23 نقرأ عن الراعي المحب، الذي يقود خرافه الى المراعي الخضراء، ويوردها الى مياه الراحة. وفي المزمور 80 نقرأ عن الراعي القائد الجالس على الكروبيم الذي يخلّص الشعب بجبروته وينير بوجهه عليهم. وفي اشعياء 40 نقرأ عن الراعي الفائق الرأفة الذي بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات. وفي ارميا 23 نقرأ عن راعي الرعاة العظيم الذي يجمع خرافه المطرودة ويردها الى مرابضها فتثمر وتكثر فلا تخاف بعد ولا ترتجف بعد. وفي حزقيال 34 نقرأ عن الراعي المخلص الذي يفتقد غنمه ويخلّصها من جميع الأماكن التي تشتتت إليها في يوم الغيم والضباب. وفي يوحنا 10 نقرأ عن الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف. وفي عبرانيين 13 نقرأ عن راعي الخراف العظيم الذي يفدي خرافه بدم العهد الأبدي، ويكملها في كل عمل صالح لتصنع مشيئته. هذه بعض من صور راعينا الإلهي الذي بذل نفسه فدية عن كثيرين. وقد لخَّص حزقيال النبي رسالته في أربع كلمات:

1 - أطلب الضال: احتمل عناء السفر من اليهودية الى السامرة لردّ سامريةٍ ضلّت طريقها وسقطت في أوحال الشر، فنبذها المجتمع بقسوة، وجفاها أهلها وذووها ولم يرحمها أحد. ولكن راعي النفوس وأسقفها لم يسقطها من اهتمامه. فهناك على بئر يعقوب دخل معها في حوارٍ حول الماء والدلو وعمق البئر، وحول المكان الذي فيه ينبغي السجود لله.

وكانت غايته أن يقودها بكلماته إلى مياه الراحة التي هو ينبوعها، لتشرب وترتوي، ولا تعود تعطش الى الأبد. ثم أعلن لها بسلطانه الإلهي أن الساجدين الحقيقيين هم الذين يسجدون للآب بالروح والحق. وباختصار، كان حنانه الخلاصي كبيراً بمقدار انه لم يهدأ حتى أخرجها من جب الهلاك ومن طين الحمأة، واضعاً في فمها ترنيمة جديدة تسبيحة لرب الخلاص الذي أحبها فضلاً وشاء أن يغسلها من خطاياها بدمه. فانطلقت إلى قومها وأخبرتهم كم صنع بها الرب ورحمها فكانت أول من بشر بالنعمة المخلصة بيسوع المسيح.

2 - أسترد المطرود: ردّ لاوي بن حلفي، الذي ترك وظيفته في الهيكل وصار عشاراً. والعشار نجس في اعتبار اليهود، وخصوصاً الفريسيين الذين حسبوا رؤية العشار إثماً ولمسه جريمة. وكان الفريسي يقول في صلاته: «يا رب، إن كان في السماء عشار واحد فلا تسمح بأن أدخلها». ولكن يسوع راعي النفوس وفاديها أدرك لاوي بن حلفي بلطفه ذات يوم، فغيَّر مجرى حياته بقوله «اتبعني». كان لاوياً فصيَّرته الخطية عشاراً، والاعتبارات الفريسية صيرته منبوذاً. ولكن نعمة الله في يسوع المسيح صيَّرته بارّاً ثم كاتباً للإنجيل.

ومتى الإنجيلي ليس سوى واحد من ملايين المطرودين في كل جيل وعصر، الذين استردهم يسوع وردهم الى سبل البر من اجل اسمه. وأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. ليت السيد الرب يُكثر عمليات الاسترداد في زمننا، حتى تشمل الكثيرين من أبناء هذا الجيل، فينالوا نصيباً مع المقدسين. «كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد الى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا».

3 - أجبر الكسير: قال الرب يسوع في مجمع الناصرة: « روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب. لأنادي للمأسورين بالإطلاق، والعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية». هذا هو لبّ رسالة المسيح الخلاصية، وقد عبّر عنها لوقا الإنجيلي بقصة امرأة زلّت بها القدم فوقعت في أوحال المنكر، وأكلت الخطية اسمها واعتبارها لم تستطع أن تفني أشواقها الشديدة الى بر الله. كانت أشواقها تلك جريئةً بمقدار أنها تحدَّت الفريسية المتعصبة، فدخلت بيت سمعان الفريسي حيث كان يسوع مدعواً لتناول طعام الغداء. ولما تخطت عتبة الباب زحفت على ركبتيها وجثت عند قدمي يسوع بانكسار. وبكت ملتمسة منه جبر خاطرها الكسير بغفرانه. فتحنَّن عليها وأعطاها سؤل قلبها مضاعفاً. لقد طلبت الغفران. أما هو فأعطاها مع الغفران راحة النفس.

ويا له من عطاء كريم! فغافر الذنب غفر ذنبها وساتر العيوب ستر عيوبها، ورئيس الإيمان ومكمله أكرم وأكمل إيمانها. ورب الخلاص قال لها: «إيمانك خلّصك» ورئيس السلام قال لها: «اذهبي بسلام». ويا لها من ساعة في عمر الزمن! تهلل خلالها أهل السماء وفرحوا بخاطئة واحدة تابت أكثر من تسع وتسعين بارّة لا يحتجن الى توبة. وختم يسوع المناسبة بقوله لصاحب البيت: «هذه المرأة أحبت كثيراً فغفر لها كثير!» فشكراً لله لأن هذه القصة صارت إنجيلاً قائماً، فيه دعوة لكل خاطئ وخاطئة لمقابلة يسوع الذي قال: «التفتوا اليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض».

4 - أعصب الجريح: هللويا شكراً للذي من أجل قلوبنا التي جرحتها الخطية تقبل هو الجراح في بيت أحبائه. كما هو مكتوب في الانبياء: «وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شفينا». شكراً لقلبه الذي طُعن بالحربة ليصنع وقايةً لقلوبنا ضد سهام ابليس الملتهبة. شكراً ليديه المثقوبتين اللتين ما زالتا تمسحان الدموع من عيون الحزانى والمكتئبين. هذا هو الراعي الصالح الذي لا يكتفي بجمع القطيع في المرعى، بل يجوب البراري والمتاهات بحثاً عن الخراف الشاردة. هكذا قيل في الإنجيل إنه يترك ال 99 في البرية ويذهب لأجل الضال. وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً، ويأتي الى البيت ويدعو الأصدقاء والجيران ويقول لهم: «افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال».

حين تقدم الشاب الصيني يام سنغ للمعمودية على اسم يسوع طُرحت عليه عدة أسئلة حول إيمانه واختباراته، وكان من بينها: كيف وجدتَ المخلّص؟ فأجاب مندهشاً: أنا؟! أنا لم أجد المسيح، بل هو الذي وجدني. كنت هالكا وهو جاء ليطلب ويخلّص ما قد هلك. قال يسوع لجماعة من الفريسيين: «الذي يدخل من الباب هو راعي الخراف. ولهذا يفتح البواب، والخراف تسمع صوته فيدعو الخراف بأسمائها ويخرجها». هذا امتياز عظيم! ان يدعونا الراعي الصالح كل واحد باسمه قائلاً: «لا تخف، لأني فديتك. دعوتك باسمك. فأنت اليوم لي».

وأنت يا أخي لا تخف، فالراعي الإلهي يعرف اسمك، ويعرف ظروفك والآلام التي تحّز في نفسك، ويعرف الصعوبات التي في سيرك، والضيقات التي تعانيها في بيتك، والمعاكسات التي تلاقيها في عملك. انه يعرف آمالك وأحلامك، وأشواق قلبك، وحاجتك الى بره. وليس هذا فقط بل تأكد أن عينه عليك، لا يهملك ولا يتركك.

قال رجل الصلاة هدسن تايلر في تعليقه على المزمور 23: «لم يقل داود الرب راعٍ، ولا كان راعياً أو يمكن أن يكون راعياً، أو سوف يكون راعياً، بل قال: الرب راعيّ فلا يعوزني شيء. إنه راعيَّ في وطني وراعيَّ في الصين. انه راعيَّ في الحرب، وراعيَّ في السلم. إنه راعيَّ في أثناء الجوع وراعيَّ في أثناء الشبع. والراعي الصالح. وأعرف خاصتي وخاصتي تعرفني». هذا جميل هذا رائع! فالمعرفة متبادلة بيننا وبين راعينا، وهي تدل على المحبة، والمحبة هي رباط الكمال، ولا تسقط أبداً. ان راعينا الالهي يعرفنا في ضعفاتنا الكثيرة، ونحن نعرفه في قوته التي تكمل ضعفنا. انه يعرفنا في سقطاتنا المتعددة، ونحن نعرفه في قوة قيامته، اذ أقامنا معه وأجلسنا معه في السمويات ليُظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائقة باللطف علينا.

في العهد القديم كانت ألوف الخراف تُقدم ذبائح كفارية عن الرعاة. أما في العهد الجديد عهد النعمة والحق فإن الراعي العظيم نفسه قدم ذاته ذبيحةً للتكفير عن خطايا خرافه. صحيح أن داود لما أخطأ وشهر الملاك المهلك سيفه على الشعب قال متوسلاً إليه بنفس نبيلة: «قد أخطأتُ وأذنبت. أما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا؟ فلتكن يدك عليّ وعلى بيت أبي». ولكن يسوع الراعي الصالح لم يتوسل، بل قدم نفسه فدية عن الجميع.

العظة - 9 «فاستعد للقاء إلهك» (عاموس 4: 12)

هذه آخر عظة كتبها القس اسكندر جديد

نشأ عاموس النبي في بلدة تقوع القريبة من بيت لحم، في القرن الثامن ق م. وعمل في مطلع حياته راعياً للمواشي وقطافاً لثمار الجميز. ثم دعاه الله للنبوة والوعظ. ويقول المؤرخون إن عاموس كان يتردد على مدن إسرائيل لبيع الصوف. وفي أثناء تردده كان يلاحظ التواء أبناء الشعب، وانكبابهم على الشهوة الردية. وتبعاً لذلك، كانت نفسه المؤمنة تتعذب مما يراه من تعدياتهم على وصايا الله. ومع أنه أسمعهم عظات قوية جداً، إلا أنهم لم يعملوا بموجبها.

كان الرب قد أدّبهم بضربات كثيرة ولكنهم لم يتوبوا ولم يعرفوا ما هو لخيرهم وسلامهم، لأن قلوبهم قاسية متحجرة بسبب التمادي في فعل الشر، لذلك جاءهم نبي الله وكلمهم بالاستعداد، لأن يوم المجازاة قريب. وكانت رسالة عاموس تتلخص في ما يلي:

1 - الهيئة الاجتماعية كما أرادها الله مؤسسة على العدل والحق.

2 - الذين ينالون بركات الرب مسؤولون عن استعمالها.

3 - الذين لا يستعملون هذه البركات كما يريد الله سيُعاقبون. وأفضل هذه البركات هي معرفة الحق.

4 - العبادات والطقوس تكون إهانةً للرب إن كانت بلا قلوب طاهرة وسلوك حسب مشيئة الله.

وكان عاموس خشناً في مظهره، قاسياً في توبيخ الخطية، وقد لقَّبه أحد الوعاظ «رعد الله القاصف». أما شعب اليهود فكانوا يعيشون فترة ارتداد عن الله. وكان بينهم عدد عديد من المرائين الذين لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون